الأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وقال ﷺ: " أدوا العلائق، قيل: وما العلائق يا رسول الله، قال: ما تراضى به الأهلون " (١).
وانعقد الإجماع على أن ما يصح جعله صداقًا يثبت بالتسمية الصحيحة، ثم ورد في الشرع لما يسمى في عقد النكاح على معرض العوض أسماء: الصدقة، والمهر، والصداق، والأجر، قال الله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤]. وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]
ثم الذي يجب تصدير الكتاب به أنَّ الصداق لم يثبت على قياس الأعواض؛ فإنَّ حظها في الاستمتاع منه حظُّه في الاستمتاع منها، وهما مشتركان في الاستمتاع، ويصح أن يقال: حظها أوفى، لما صح من توفر شهوتها، وعدم تأثير الاستمتاع فيها، ولكن لما اقتضت الحكمة الشرعية استحقاق الرجال باستحقاق منفعتهن- كما تقدم ذلك مقررًا- اقتضى الترتيب بعد ذللك اختصاصهن باستحقاق ما يثبت في معرض العوض، وضعف مُنَّتهنَّ وعجزهن عن التكسب، وما طُلب منهن من التخدُّر، وعدم الانتشار، ولزوم الحِجال (٢)، يقتضي ذلك.
ثم الصداق الثابت لها ليس يثبت ركنًا في النكاح/ ثبوت الثمن في البيع، والأُجرةِ ١١٤ ي
_________________
(١) حديث: " أدوا العلائق " رواه الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن عباس بلفظ: " انكحوا الأيامى وأدوا العلائق " وقد ضعفه الحافظ (ر. سنن الدارقطني: ٣/ ٢٤٤، السنن الكبرى للبيهقي: ٧/ ٢٣٩ ٠ التلخيص: ٣/ ٢٨٦ ح ١٦٧٢).
(٢) الحجال: جمع حَجَلة وهي ساتر كالقبة يزين بالثياب والستور للعروس، وسترٌ يضرب للعروس. (المعجم) وهي هنا كناية عن لزوم البيت، ويسمى النساء ربات الحجال.
[ ١٣ / ٥ ]
في الإجارة، ولكنه -وإن قوبل باستحقاق المنفعة عليها- لا يتمحض مقابلًا على حقيقة العِوضية، ولذلك لا يفسد النكاح بفساد الصداق على المذهب الصحيح، ولا يفسد أيضًا [بترك] (١) ذكره وتعرية النكاح عنه، وإذا رَدَّت المرأة الصداق، لم يرتد النكاح كما يرتد المعوض برد العوض في المعاوضات، وقال مالك (٢): فساد التسمية في الصداق يفسد النكاح، وقيل: هذا هو قول الشافعي في القديم، فإنْ صح، فهو في حكم المرجوع عنه، ولا نعرف خلافًا أن ترك تسمية الصداق لا يفسد النكاح. وكذلك [لا خلاف أن النكاح] (٣) لا يرتد برد الصداق، والصداق لا يُنكر كونه عوضًا؛ فإنه يثبت على صيغة العوضية، وارتداده بالفسوخ الواردة على النكاح يُقيمه مقام الأعواض، وحبسُها نفسَها إلى توفر الصداق عليها يُلحق الصداق بالأعواض، فالوجه أن نقول: الصداق عوض في النكاح، ولكنه ليس ركنًا؛ من جهة أن العوضية ليست مقصودة في النكاح، والمقصود الأظهر منه المستمتَع. ويشهد لما ذكرنا قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] فسمى الصدقات نحلة وعطية، ليُشعر بخروجه عن كونه مقصودًا.
ومن المحققين من أئمتنا من قال: ليس الصداق عوضًا حقيقيًا، وارتدادُه لزوال النكاح في بعض الأحوال سبيله سبيل التبعية، فكما يثبت تبعًا غير مقصود، فكذلك يزول بزوال النكاح- على تفاصيلَ معروفة، فحصل مسلكان: أحدهما- أنه عوض حقيقي، ولكنه ليس رُكنًا في النكاح.
والثاني- أنه ليس بعوض على الحقيقة وإن أقيم مقامه، ولا يكاد يظهر لهذا التردد مزيد أثر.
٨٣٥٤ - وإذا زوّج الوليّ وليّته إجبارًا بدون مهر مثلها؛ فالمذهب الأصح: صحة
_________________
(١) في الأصل: ترك.
(٢) ر. بداية المجتهد: ٢/ ٢١. وفيه: " وعن مالك روايتان: إحداهما- فساد العقد وفسخه قبل الدخول وبعده، والثانية- إن دخل بها ثبت، ولها صداق المثل " ا. هـ بنصه.
(٣) عبارة الأصل: " وكذلك الاختلاف لا يرتد برد الصداق" والتعديل والزيادة من عمل المحقق.
[ ١٣ / ٦ ]
النكاح، وثبوتُ مهر المثل؛ جريانًا على ما قدمناه من أن الخلل في الصداق لا يؤثّر في النكاح.
وذكر أئمتنا قولًا آخر، واختلفوا في كيفية نقله، فقال قائلون: القول الثاني- إن النكاح لا يصح- وإليه أشار القاضي- ووجهه- على بُعده-، أن النكاح بدون مهر المثل لا يكون معقودًا على حكم الغبطة، والعقود إذا لم تتصف بالغبطة مردودة من الولي المجبِر.
وقال قائلون: [الأول] (١) في صحة النكاح، والقول الثاني في صحة الصداق، وإن كان قاصرًا؛ فإن الأب لا يتهم في حق طفله.
ومن وجوه الرأي: إذا كان الخاطب كفؤًا مرغوبًا فيه، [احتمل] (٢) وَكْسُه في المهر. وهذا يخرج على قول الشافعي في أنَّ الذي بيدهِ عقدة النكاح هو الولي، وقد يجوز على هذا القول عفوه عن المهر وإسقاطه.
وإذا جمعنا وجوه تزويج الأب، قلنا: إذا زوّجها من كفئها بمهر مثلها، فقد نظر لها ولا معترض عليه، ولو كان يطلبها كفء بأكثر من مهر مثلها، فزوّجها الأب من كفء اَخر بمهر مثلها، فلا معترض عليه.
ولو طلبها كفء مماثل، ورجل نبيه شريف القدر، فزوّجها من مماثلها، جاز، ولا معترض، وليس هذا كالتصرف في المال؛ فإنه إذا طُلبت سلعةٌ للطفل بأكثر من قيمة المثل، لم يسُغ بيعُها إلا بالأكثر، والسبب في ذلك أن عقود المواصلات تنطوي
_________________
(١) في الأصل: " الطلاق "، وهو تصحيف لا شك. وعبارة العز بن عبد السلام في مختصره: " وإن زوج المجبر بأقلَّ من مهر المثل، فالمذهب صحة النكاح، ولزوم مهر المثل، وفيه قولٌ حمله بعضهم على بطلان النكاح، وحمله آخرون على صحة الصداق، وقطعوا بصحة النكاح، وبنَوْا ذلك على جواز عفو الولي عن الصداق ". (ر. الغاية في اختصار النهاية للعز بن عبد السلام: ج ٣/ لوحة رقم ٨٨ يسار). هذا. ولم أصل إلى المسألة في وسيط الغزالي ولا بسيطه، ولا الشرح الكبير للرافعي، ولا الروضة للنووي.
(٢) في الأصل: احتمله.
[ ١٣ / ٧ ]
على أسرارٍ خفية، وأمور جِبِلِّيّة، فالوجه إحالتها على الأب الشفيق، وقد يرى المماثل أجدى عليها من الشريف الذي يسطو، أو يستطيل بشرفه، والنكاح دِقُّ. (١)
النظر في مراشده يدِق، والأموال لا يُبغى منها إلَاّ المالية؛ وعن هذا ينشأ كلام العلماء في تزويج الأب ابنته ممن لا يكافئها؛ فالأصح أنَّ النكاح لا يصح إجبارًا، لما فيه من ظهور إلحاق العار بها.
وفي المسألة قول غريب، حكيناه أن النكاح [يصح] (٢) ويلزم. وفي تزويجها بدون مهر المثل من التردد ما ذكرناه، فهذه مجامع القول في عقود الأب.
٨٣٥٥ - ثم إذا تمهّد ما قدمناه، فالصداق لا يتقدر شرعًا عند الشافعي، وكلُّ ما يجوز أن يكون ثمنًا أو أجرة يجوز أن يكون صداقًا، والمعتبر في هذا أن [يكون] (٣) الصداق متمولًا.
وقد قدمت فيما يتموّل كلاما واضحًا، وظني أني كررته في مواضع.
وذهب أبو حنيفة (٤)، ومالك (٥)، وابن شُبرمة، وطوائفُ من العلماء إلى تقدير الصداق بنصاب السرقة، ثم مذاهب هؤلاء مختلفة في نصاب السرقة، وقد نظر هؤلاء إلى تشبيه البضع المستباح باليد المقطوعة في السرقة.
والشافعي رأى المهر ليتميّز النكاح عن البدل في السفاح، وهذا المعنى يحصل بإثبات ما يجوز أن يكون عوضًا. ثم نص الشافعي في مواضعَ من كتبه على استحباب العشرة وترْكِ النقص عنها، وذلك للخروج من الخلاف.
_________________
(١) دِقُّ النظر: أي دقيقه، وصغيره، وخفيه. ويدقُّ أي يغمض ويخفى، ولا يفهمه إلا الأذكياء (المعجم). هذا. وكلمة (دِق) حرفت فى الأصل إلى (رق).
(٢) في الأصل: صح.
(٣) زيادة من المحقق.
(٤) ر. الاختيار لتعليل المختار: ٣/ ١٠١، ومختصر الطحاوي: ١٨٤، ومختصر اختلاف العلماء: ٢/ ٢٥٢ - مسألة رقم ٧١٧.
(٥) ر. الإشراف على نكت مسائل الخلاف: ٢/ ٧١٤ - مسألة رقم ١٢٩١.
[ ١٣ / ٨ ]
ثم قال: السرف والمغالاة في المهر غير محبوب، والقصد هو المستحسن، ولو حصل التأسي برسول الله ﷺ في زوجاته وبناته، فنِعْم المتبع.
وقالت عائشة: " ما تزوج رسول الله ﷺ واحدة من نسائه، ولا زوّج واحدة من بناته بأكثر من اثنتي عشر أوقية ونَشٍّ، أتدرون ما النَّش؟ إنما هو
نصف أوقية " والأوقية أربعون درهمًا، فمجموع ما ذكَرَت من الأواقي والنش خمسمائة " (١)، وقال عمر: " ألا لا تغالوا في مهور النساء؛ فإنه لو كان فيه مكرمة عند الله وعند الناس، لكان أحقكم بها رسول الله ﷺ، فقامت امرأة سفعاء الخدين وقالت: الله يعطينا، ويمنعنا عمر، فقال: أين ذلك، فقالت: قال الله تعالى: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فقال: كلُ الناس أفقه من عمر رجل أخطأ وامرأة أصابت " (٢).
ويتعلق بمتنهن أمران: أحدهما- أنَّ المغالاة ليست مكروهة، وإنما ينهى عنها نهيَ استحباب، وقد بان أن مراتب النهي ثلاثة: تحريم وكراهة واستحباب. ومما نذكره أنَّ النزول إلى المبلغ الذي ذكرناه في مهور نساء رسول الله ﷺ إنما تخاطب به المرأة المالكة لأمر نفسها، والسيد في تزويج أمته. فأما الأب إذا كان يزوّج ابنته الصغيرة، فليس له أن ينزل عن مهر مثلها، وإن نزل، ففيه الترتيب القديم.
_________________
(١) حديث عائشة رواه مسلم بلفظ: " كان صداق رسول الله ﷺ لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًا، قالت: أتدري ما النش؟ " (ر. صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب الصداق، ح ١٤٢٦).
(٢) خبر نهي عمر عن المغالاة في المهور على النحو الذي ساقه إمام الحرمين، مركب من حديثين رواهما عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ١٧٥، ١٨٠، ح ١٠٣٩٩، ١٠٤٢٠، وهما عند سعيد بن منصور، ح ٥٩٤، ٥٩٧، والأول عند أحمد: ١/ ٣٠١، وهو عند الحميدي:١/ ١٣).
[ ١٣ / ٩ ]