٦٩١٨ - مسألة: إذا خلف ثلاثين درهمًا عينًا وثلاثين درهمًا دينًا على أجنبي، وأوصى بثلث ماله لرجل.
فإنا نعطي الموصى له في الحال ثُلثَ العين، ولا نزيده بسبب الدين؛ فإنه مُغَيَّبٌ بعدُ، ويُصرف باقي العين إلى الورثة من غير حجرٍ عليهم، ثم كلما حضر من الدين شيء، سلمنا إلى الموصى له ثُلثَه، والباقي للورثة. هكذا إلى استيفاء الدين بكماله.
ولا فرق بين أن يكون الدين على معسرٍ، وبين أن يكون على مليء وفيٍّ؛ فإن الدين على كل حال مغيّب، وهذا القياس بعينه نطرده في المال الحاضر والغائب.
٦٩١٩ - ولو أوصى له بثلث الدين، لم يكن له في العين شيء، واقتسم الورثةُ العينَ، فإن حضر من الدين خمسةَ عشرَ درهمًا، فله ثلثُها على المذهب الظاهر، والقياس البيِّن، والباقي للورثة، وهذا قدمناه في أول المقالة، وذكرنا أنه القياس.
وأبعد بعضُ أصحابنا -على ما حكاه الأستاذ- وقال: يسلّم مما يحضر من الدين ما يقع ثلثًا لو أضفناه إلى ما هو عين في التركة، وهذا لا أصل له، ولا أعتد مثلَه من المذهب.
٦٩٢٠ - ولو كان قد أوصى في هذه المسألة لرجل بثلث العين، وأوصى لآخر بثلث الدين، والدينُ على معسر، فلصاحب العين ثلثُ العين، وباقيها للورثة، ولا حق لصاحب الدين في العين، فإن حضر من الدين خمسةَ عشرَ درهمًا، فللموصى له بثلث الدين ثلثُها: خمسةُ دراهم، وباقيها للورثة.
هذا هو المذهب الظاهر، وهو رأي من جعل الوصية شائعةً في الدين.
[ ١٠ / ٣٠١ ]
ومن جعل الموصى له [بالجزء أحقَّ] (١) بما يُجنى من الدين، أعطاه من الخمسةَ عشرَ، [عشرةً] (٢)، وهو تمام حقه، إن أجاز الورثة، فإن لم يجيزوا، لم يعطَ تمامَ العشرة؛ فإن صاحب الوصية بالعين، قد أخذ ثلث العين، فإذا أخذ هذا عشرة، فيصرف إلى الوصية عشرون، والحاصل في يد الورثة خمسة وعشرون: [عشرون] (٣) من العين، وخمسةٌ مما حضر من الدين، وهذا لا سبيل إليه، ولا وجه لحبس الدين عليهم، وتنفيذِ الوصية من العين الحاضرة، وليس كما إذا أوصى لمن عليه الدين، فإنا نضطر إلى إبراء ذمته، كما قدمنا تقريره، وسيزداد هذا وضوحًا من بعدُ، إن شاء الله تعالى.
وإذا تُصوّرت المسألة بالصورة التي ذكرناها وحضر من الدين خمسةَ عشرَ، والوصية بعشرةٍ من الدين، وهي [ثُلثُه] (٤)، والوصية الأخرى بعشرة من العين، وهي ثلث العين، والحاصل الآن خمسة وأربعون درهمًا، إذا قدرنا ضمَّ ما حضر من الدين إلى الثلاثين التي كانت عينًا، فإذا لم يجز الورثة إلا ما يقتضي الشرعُ إجازتَه من الثلث، [فقد] (٥) ذكر الأستاذ منهاجًا في الفقه والحساب لا نجد بدًا من ذكره، حتى إذا نجز، [نذكر] (٦) الحقَّ المبين عندنا.
قال ﵁: ذهب أبو ثور في هذه المسألة إلى أن الموصى له بثلث العين يأخذ العشرة المسماة من العين، فإذا حضر من الدين خمسةَ عشرَ، أخذ الموصى له بثلث الدين خمسةَ دراهم من الخمسةَ عشرَ الحاضرة من الدين، وسلمنا العشرةَ منها إلى الورثة، فيكون المجموع خمسةً وأربعين، والمخرج للوصية خمسةَ عشرَ، وهذا ثلث المجموع، والباقي في يد الورثة، من بقية العين، ومما حضر من الدين ثلاثون.
_________________
(١) في الأصل: بالحر وأحق.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) زيادة من المحقق، لا يصح الكلام بدونها.
(٤) في الأصل: ثلاثة.
(٥) في الأصل: وقد.
(٦) في الأصل: ذكر.
[ ١٠ / ٣٠٢ ]
قال الأستاذ: هذا كلامٌ معتدل مستقيم على الفتوى والحساب.
وأما ابن سريج، فإنه فرع على إشاعة الوصية، وقضى بأن كلَّ ما يحصل من الدين، فليس للموصى له بجزء من الدين إلا جزءًا مما حضر على قدره، حتى إذا كان الموصى به ثلث الدين، والحاضر خمسةَ عشرَ، فللموصى له بجزءٍ من الدين ثلثُ ما حضر وهو خمسة، فينطبق هذا الجواب على مذهب أبي ثور، ويكون سديدًا.
وإن فرع ابن سريج على أن الوصية بكمالها تنحصر فيما يحصل ويحضر، فموجب هذا أن يستوفي الموصى له بجزءٍ من الدين تمامَ العشرة مما حصل من الدين، ولكن لو استوفى ذلك، وقد استوفى الموصى له بثلث العين العشرة، فتزيد الوصيتان على ثلث المال الحاصل؛ فإنه تبقَّى في يد الورثة خمسةٌ وعشرون، والوصية نافذةٌ في عشرين، وهذا خطأٌ لا سبيل إليه. وإنما تنفذ الوصية في عشرين إذا كان في يد الورثة أربعون؛ فإنه امتنع هذا على وجه الحصر، فصاحب الوصية بجزء من الدين يقول (١): ثبت حقي في عشرة على قول الحصر، ولكن امتنع عليّ أخذُها لضيق الثلث، فأنا أضارب بعشرة، وأنت [يا صاحب] (٢) الوصية بالعين ضارب بعشرة، وهذا القياس يقتضي أن يكون الثلث بيننا نصفين، وثلث المال الحاصل خمسة عشر، ونصفها سبعة ونصف.
قال الأستاذ هاهنا: أما العشرة، فقد فاز بها صاحب الوصية بالعين، فقياس [مذهبه] (٣) على ذلك أن ندفع إلى الموصى له بجزءٍ من الدين سبعةً ونصفًا؛ إذ التفريع على وجه الحصر، فيكون المجموع سبعةَ عشرَ درهمًا ونصفًا، وليس في يد الورثة ضعفٌ.
قال: وبهذا تبين أن الصحيح ما ذكره أبو ثور؛ فإن مسلك ابن سريج أدى تفريعه إلى هذا الفساد.
_________________
(١) عبارة الأصل: يكون يقول.
(٢) في الأصل: ناصب.
(٣) في الأصل: مذهب.
[ ١٠ / ٣٠٣ ]
٦٩٢١ - هذا كلامه. وهو مضطرب يشتمل على خبطٍ ظاهر، فنقول أولًا: أما وجه الحصر، فقد أطلقنا فيما تقدم، وأوضحنا أنه غير معتد به، ولا اتجاه له، وقد ذكر استقامةَ وجه الشيوع، فلنحمل ما أدى التفريع إليه على فساد وجه الحصر، لا على فساد مذهب ابن سريج.
هذا وجهٌ. ثم لم يتصور في التفريع على وجه الحصر مع فساده، وقياسُ ذلك الوجه لو قيل به أن يقول: الثلث خمسةَ عشرَ، وهما يتضاربان في الثلث بجزأين متساويين، أما صاحب العين فوصيته عشرة، وصاحب الدين ضاربٌ بعشرة لقياس الحصر، ولا سبيل إلى خرم حساب الثلث والثلثين، فالوجه جعل الثلث بينهما نصفين ثم السبعة والنصف التي هي حصة صاحب العين إذا بان مقدارها، أخذها من العين.
وقد يعترض على ما ذكرنا أن صاحب العشرة يفوز بالعشرة، وإن لم يحصل من الدين شيء، فلِمَ يُنتقص حقُّه بأن يحصل من الدين شيء؟ وهذا مدفوع؛ فإنه إذا لم يحصل من الدين شيء فلا مزاحم له، فقدرُ وصيتِه ثلثُ العين، فإذا حصل من الدين شيء امّحق ما حصل بالتركة، وصار صاحب الدين ضاربًا بالعشرة لقياس الحصر، فأنتج مجموعُ ذلك زحمة ونقصًا.
وكل ما ذكرناه وإن كان يعترض عليه الفقيه، فهو مؤذنٌ بفساد الحصر، وليس يرد إلينا عن جهة أخرى فسادٌ، ونحن معترفون بأن الحصر لا أصل له.
٦٩٢٢ - ونحن نذكر صورةً أخرى أوردها الأستاذ، وفيها بيان لما قدمناه، واشتمالٌ على مزيد إشكال، سيأتي التفريع عليه إن شاء الله ﷿.
فنقول: إذا خلف ثلاثين درهمًا عينًا، وثلاثين درهمًا على أجنبي، ثم أوصى للغريم بجميع ما عليه، وأوصى لآخر بثلث العين، وهو عشرة، فإذا كان الدين على مليء، [فالوصيتان] (١) بالغتان ثلثي المال، وتبيّن [بالأخرة] (٢) أن نسبة الوصيتين بالأرباع: للموصى له بالدين ثلاثةُ أرباع، وللموصى له بالعشرة الربعُ.
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) في الأصل: بالإجازة.
[ ١٠ / ٣٠٤ ]
فلو رد الورثة ما زاد على الثلث، وانحصرت الوصيتان في الثلث، فقد قال الأستاذ: الثلث مقسوم بينهما أرباعًا، لأحدهما وهو الموصى له بالدين ثلاثةُ أرباع الثلث، وللموصى له بالعين ربُع الثلث، وهذا مستقيم.
فلو حضر الدين كلُّه، فثلث المال عشرون، ثلاثة أرباعها للموصى له بالدين، وهو خمسةَ عشرَ، وربعُه، وهو خمسةٌ للموصى له بجزءٍ من العين. غيرَ أن هذه [الخمسة] (١) مستحقة من الثلاثين التي كانت عينًا، والخمسةَ عشرَ مؤداة مما حصل من الدين، وفاءً لمحلّ الوصيتين.
فلو حصل من الدين خمسةَ عشرَ، وتلف باقي الدين وتحقق التّوى (٢) فيه، والذي ذكره الأستاذ في هذه الصورة أنا نأخذ ثلثَ المال الحاصل، وهو خمسة وأربعون، وثلثها خمسةَ عشرَ، فنعمد إلى الثلث ونجعله على أربعة أسهم: لصاحب العشرة منها ربعُها، وهو ثلاثة وثلاثة أرباع درهم، ولصاحب الوصية الأخرى باقي الخمسةَ عشرَ، وهو أحدَ عشرَ وربعُ درهم، وذلك ثلاثة أرباع الثلث.
هذا كلامه، وقد صححه، وعبَّر (٣) عليه، واختتم الباب به، وندب إلى العمل بقياسه.
وهذا كلام مختلط، والسبب فيه أن الوصية مضافةٌ إلى الدين، ولو ورد التّوى على جميع الدين، [سقطت] (٤) الوصية سقوطًا لا يبقى بجزءٍ منها ضربٌ، فإذا تلف بعضها، وجب أن يسقط [من] (٥) الوصية بمقدار ما تلف، فإذا عادت الوصية [إلى الثلث] (٦) لا بردّ الورثة، ولكن بالتّوى الوارد على خمسةَ عشرَ، فكأن الوصية بخمسةَ عشرَ.
_________________
(١) في الأصل: المسألة. فانظر -رعاك الله- أي عناء وأي مكابدة، حتى وصلنا إلى الصواب.
(٢) التوى: الهلاك.
(٣) كذا، ولعلها مصحَّفة وصوابها: " اعتبر " أي قاس.
(٤) في الأصل: أسقطت، وغيرناها لمكان المفعول المطلق بعدها.
(٥) زيادة من المحقق.
(٦) زيادة اقثضاها السياق.
[ ١٠ / ٣٠٥ ]
ولو فرضنا وصيتين إحداهما بعشرة، والأخرى بخمسةَ عشرَ، ثم فرضنا [عود] (١) الثلث إلى خمسةَ عشرَ، وحصر الوصيتين في الثلث، لكان أحدهما ضاربٌ بخمسة عشرَ، والآخر ضاربٌ بعشرة، والتضارب على هذا الوجه يقع بالنسبة إلى الأخماس.
فيجب من ذلك أن نقول: لصاحب العشرة في مسألتنا خمسا الخمسةَ عشرَ، وهو ستة، ولصاحب الخمسةَ عشرَ ثلاثةُ الأخماس، وهو تسعة.
وهذا ما يقتضيه الحساب والفتوى.
فإن قيل: قد سبق قصدُ الموصي إلى تفضيل أحدهما على الثاني بنسبة الأرباع؟
قلنا: نعم، كانت الوصية كذلك، ولكن يقتضي سقوط الوصية بسقوط المحل، ونقصانها بنقصان المحل، ولم تجر الوصية بثلاثين مرسلة.
فهذا هو الحق الذي لا محيد عنه.
٦٩٢٣ - مسألة: إذا ترك الرجل ابنين، وألفَيْ درهم عينًا وألفًا دينًا على أجنبي، وأوصى للغريم بما عليه، وأوصى لرجل آخر بألفٍ من العين، وردّ الورثةُ ما زاد على الثلث من الوصايا. فالمذهب المبتوت أن الغريم يبرأ عن خَمْسمائة، ويستحق الموصى له بالألف أربعَمائة، وتسلّم للورثة من العين ألفًا وستمائة، ولهم استيفاء بقية الدين ممن عليه الدين، كلما استوفَوْا منه قدرًا سلّموا بحسابه، كما تمهد الحساب إلى الموصى له بالألف العين، حتى يكمل له خَمسُمائة.
وتعليل ذلك وتمهيد حسابه ما قدمناه قبلُ في المسائل، ونحن الآن نُعيده لغرضٍ، فنقول: لو سلمنا خَمسَمائة إلى الموصى له بالعين، وقد برىء الغريم عن خمسمائة، لقال الورثة: تقديم الوصية في ألف -براءً وتمليكًا، وليس في أيدينا [ضعف الألفِ- غير ممكن فلا يُسلّم للموصى له بالعين] (٢) إلا مقدرًا لو ضم إليه مثلُه، لكان المبلغان
_________________
(١) في الأصل: عدد.
(٢) عبارة الأصل: "ضعف الألفين ألا نسلم للموصى" وتغييرها بالزيادة والتعديل من عمل المحقق.
[ ١٠ / ٣٠٦ ]
ثلثًا، وما في يد الورثة ضعفًا، وذلك ثَمانمائة، فنحسب على صاحب العين هذا الحساب، ثم يبرأ الغريم عن خمسمائة للضرورة التي قدرناها في براءة الذمة.
وقد مضى لهذا أمثلةٌ، وأسدُّ ما فيها هذا الجواب. ولم يتعرض الأستاذ لما يخالفه.
وذكر في هذه المسألة وجها ثانيًا غريبًا نحكيه ونبطله؛ حتى لا يعتد به الناظر، ونقطع بما سبق القطع به. قال ﵁: من أصحابنا من قال: يسلّم إلى الموصى له بالألف من الألفين خَمسمائة، واحتج هذا القائل -فيما حكى- أن العين المأخوذة أقل من ثلث العين والباقي من العين أكثر من الضعف بالإضافة إلى الخَمسمائة، والدين الباقي مضموم إلى العين الحاصلة في أيدي الورثة، فيكون في أيديهم ألفٌ وخمسُمائة، ولهم من الدَّيْن خَمسُمائة، والمجموع ألفان والوصيتان ألفٌ.
وهذا القائل يزعم: أنا أقمنا الدين مقام العين؛ لمكان الوصية بالدين.
وهذا ساقط عريٌّ عن التحصيل، فلسنا للإطناب في إبطاله مع وضوحه، وفيما قدمناه اكملُ مَقْنع، وليس يخفى على الفطن قياسُ هذا الوجه الضعيف في الأمثلة المتقدمة، ولكن لا معنى للتفريع على ما لا أصل له.
وقد نجز والحمد لله القولُ في العين والدين، لم نغادر من لُبابه شيئًا، بل أوضحنا مشكلَه، وبيَّنا [معضله] (١)، وذكرنا مسلك الحُسّاب ومجمله، ونفضنا عن أدراج الحُسّاب ما جرى فيها من زلل في الفتوى، وتعرضنا لكثيرٍ من الأجوبة، كما يتنبّه لها الموفق إذا انتهى إليها.
والآن حان أن نبتدي مقالةً شاملة في أنواع المسائِل الدائرة الحسابية، إن شاء الله ﷿.
_________________
(١) في الأصل: معطله.
[ ١٠ / ٣٠٧ ]