ثم ذكر ابن الحداد وغيره مسائلَ في الوصايا مختلفة، ومتجانسة، [وأنا أرى] (٢) وضعَها هاهنا، فنرسم مسائل، ونضمّن كلَّ مسألة ما يليق بها.
٧٤٩٢ - مسألة: إذا أوصى لرجل بعشرة دراهم، وأوصى لآخر بعشرة، وأوصى لثالثٍ بخمسة، وشرط أن نقدم صاحب الخمسة على أحدهما، وضاق الثلث عن احتمال الوصايا بجملتها، مثل أن يوصي لزيد بعشرة ولعمرٍو بعشرة وخالدٍ بخمسة، وشرط تقدّمَ خالدٍ على عمرٍو بخمسته، والثلث عشرون.
فالوجه أن نضع المسألة عريّةً عن شرط التقديم، ثم نذكر موجَب التقديم، فإذا لم يقدم [أحدًا] (٣) من هؤلاء الثلاثة، ولم يتسع الثلث لجميع الوصايا، فينقدح في [تخريج] (٤) المسألة مسلكان قريبان تقدّما في المسائل، أو تقدم أمثالُهما: أحدهما - أن نضبط مبلغ الثلث، ومبلغ الوصايا، ثم نضيف الثلاثة بالنسبة إلى الوصايا، وننفذ (٥) من كل وصية مثلَ تلك النسبة.
وبيان ذلك أن الثلث عشرون وجملة الوصايا خمسة وعشرون، فإذا أضفت عشرين إلى خمسة وعشرين، كانت العشرون أربعة أخماس الوصايا (٦)، فلكل واحد من مستحقي الوصية أربعةُ أخماس وصيته: لصاحب العشرة أربعة أخماسها، ولصاحب الخمسة كذلك، فيكون لصاحب كل عشرة ثمانية، ولصاحب الخمسة أربعة.
ويتجه مسلكٌ آخر، وهو مسلك التضارب، وذلك بأن ننسب الوصايا بعضها إلى
_________________
(١) العنوان من عمل المحقق.
(٢) في الأصل: وإن أدى.
(٣) زيادة من (س).
(٤) في الأصل: تحريم.
(٥) (س): وتقدم.
(٦) ساقطة من (س).
[ ١١ / ٢٣٨ ]
بعض، ونقدرها سهامًا على أقل [ما معنا] (١): لصاحب الخمسة على سهمٍ، وصاحب كل عشرة على [سهمين] (٢)، فيضربون بخمسة أسهم في عشرين سهمًا، ونجري العشرين خمسة أسهم، يأخذ صاحب كل عشرة جزأين من العشرين، أو خُمسين من العشرين، ويأخذ صاحب الخمسة جزءًا، وإن أحببت، قلت: خُمسًا فيؤدي إلى ما ذكرناه. فإذا قدرنا قسمة العشرين بين هذه (٣) الوصايا من غير تقديم، (٧ [فنبيّن] (٤) على هذا التقديمَ (٥)، [فنقول] (٦): يأخذ صاحب الخمسة أربعةً من غير تقديم ٧)، ويأخذ كل واحد من صاحبيه ثمانية، فنقدر لزيدٍ ثمانية ولعمرٍو ثمانية ولخالدٍ أربعة، ثم يأخذ خالدٌ من عمرٍو ما يكْمُل له به الخمسةُ، وهو سهمٌ، فيبقى في يد عمرٍو سبعة، وفي يد زيد ثمانية، ويكمل لخالد خمسة، ولا خفاء بهذا، ولكنه أوّل مسألة ذكرها ابن الحداد في هذا الكتاب.
٧٤٩٣ - مسألة: تشتمل على تفصيل القول فيمن يعتق على المريض في مرض موته، فنقول: جهات الملك في مرض الموت ثلاثة في غرض المسألة: إحداها - الإرث، فإذا ورث المريض من يعتِق عليه، يثبت الملك إرثًا، ويترتب عليه حصول العتق من رأس المال، هذا متفق عليه؛ فإنه ملك قهري حصل من غير عوض، ووقع حصوله مستحَقًا بجهة العتاقة، فلا احتساب من الثلث.
ولو اشترى المريض من يعتق عليه، واحتمل الثلثُ العتقَ عَتَق عليه، وإن لم يسع الثلثُ تمامَ القيمة عَتَق منه القدرُ الذي يسعه الثلث، ورق باقيه، وهذا متفق عليه.
والعتق ملحقٌ بالتبرعات إذا كان الملك متلقَّى من جهة الشراء والابتياع.
_________________
(١) في الأصل: ما مر بنا.
(٢) في الأصل: سهم.
(٣) في الأصل: وهذه (بزيادة واو).
(٤) في الأصل: ونبين.
(٥) التقديمَ: مفعول نبيّن، وليست بدلًا من (هذا). والمعنى نبين كيفية التقديم لأحد الموصى لهم.
(٦) في الأصل: ونقول.
(٧) ما بين القوسين سقط من (س).
[ ١١ / ٢٣٩ ]
ولو اتهب من يعتق عليه، أو كان أُوصي له به، ومات الموصي [وجاز] (١) قبول الوصية، فقبلها في مرضه، فهل يجب العتق من ثُلثه أم ينفذ (٢) من رأس المال؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي ﵁: أحدهما - أنه من رأس المال؛ من جهة أن الملك لم يحصل بعوضٍ، فصار كالملك المستفاد إرثًا.
والثاني - أنه محسوب من الثلث؛ فإنه تملّكٌ على اختيارٍ، فإذا حصل في ملكه باختياره، ثم قُدِّر العتق، كان كما لو اتهب عبدًا ثم أنشأ إعتاقه.
وهذا الوجه ركيكٌ، لا اتجاه له، والاستشهادُ بالاتهاب والإعتاق باطلٌ؛ فإنه لو ورث عبدًا، ثم أعتقه، كان العتق محسوبًا من ثلثه، فلا تعويل إذًا إلا على كون العتق مستحقًا، مع أنه لم يبذل عوضًا في تحصيله حتى [يعدّ] (٣) بذله نقصانًا وخسرانًا في المال، وإذا كان العتق مستحقًا، فلا أثر لاختيار الملك وإنما يؤثر اختيار العتق [لو كان] (٤) متعلقا بالاختيار.
٧٤٩٤ - ثم إن (٥) اشترى من يعتِق عليه بمثل قيمته، فالوجه (٦) أن يحسب من الثلث، حتى لو فرض دينٌ مستغرِقٌ، [فالعتق بجملته مردودٌ] (٧)، على ما سنبين شرحَه في أثناء المسألة، إن شاء الله تعالى.
وإن اشترى من يعتِق عليه بأقلَّ من ثمن مثله، فإن قلت: العتق فيما يتهبه من الثلث، فلا إشكال في هذه المسألة.
[وإن] (٨) فرعت على المسلك الحق، وهو أن العتق فيما يتهب من رأس المال،
_________________
(١) في الأصل: وصار.
(٢) (س): أو يعدّ.
(٣) في الأصل: يعدل.
(٤) في الأصل: لكان.
(٥) (س): من اشترى.
(٦) (س): فالوجه الحسب من الثلث.
(٧) في الأصل: بالعتق فجملته مردودة.
(٨) في الأصل: فإن.
[ ١١ / ٢٤٠ ]
فيجب أن يقال: إذا اشترى ابنَه وقيمتُه ألفٌ بخمسمائة، فنقدّر المحاباة بمثابة المستفاد على حكم الاتهاب، وإنما يتحقق التبرع في المقدار المبذول من العوض؛ من جهة أنه بذل العوض، ولم يستبدل عنه ما يبقى ملكًا.
٧٤٩٥ - وتمام البيان في هذا الفصل أنا حيث نقول: يعتِق على المريض ابنُه أو أبوه بجهةٍ (١)، فلا كلام، وحيث لا يحكم بحصول العتق فيه، مثل أن اشترى ابنه بمثل قيمته وعليه دينٌ مستغرق، فالمذهب أن الشراء يصح (٢) والابن لا يعتِق، ويسلَّم إلى جهة الديون رقيقًا.
ومن أصحابنا من قال: إذا كانت العقبى تقتضي ردَّ العتق، فلا يصح الابتياع في أصله، حتى لا يُفضي إلى أن يتصرف في ابنه الواقعِ في ملكه حسب التصرف في الأرقاء والعبيد، [والأظهر] (٣) الأصح تصحيح الابتياع، والمصير إلى أنه يباع في الديون.
٧٤٩٦ - ومما يلتحق بهذه القضايا أنا حيث نحسب العتق من الثلث، ثم وسع (٤) الثلث القيمة، [ولا] (٥) مزاحمة من دَيْن؛ فإنه يعتِق ولا يرث؛ لأنه لو ورث وعتقه محسوب من الثلث، لكان العتق [مصروفًا] (٦) إلى حطه (٧) وصية له، والوصية للوارث مردودة، [وإذا رددناها] (٨)، فلا إرث (٩)، ففي توريثه منع توريثه، وهذا ملتحق بالدوائر الفقهية.
_________________
(١) ساقطة من (س).
(٢) "فالمذهب أن الشراء يصح" استقر المذهب فعلًا على ذلك، فالنووي جعل المسألة على وجهين أصحهما هذا (ر. الروضة: ٦/ ٢٠٤).
(٣) في الأصل: فالأظهر.
(٤) (س): يسع.
(٥) في الأصل: فلا.
(٦) في الأصل: مضروبًا.
(٧) (س): حط.
(٨) في الأصل: والمردد الإرث.
(٩) فلا إرث: لأنه لا عتق.
[ ١١ / ٢٤١ ]
وحيث نحكم بأن العتق ينفذ من رأس المال، فإذا عتِق مَن (١) ملكه عتقًا مستحقًا محسوبًا من رأس المال، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في أنه هل يرث: أحدهما - وهو الصحيح (٢) أنه يرث؛ لأنه [لا] (٣) مانع من توريثه؛ فإن عتقه لم يقع في حكم الوصايا، فهو بمثابة ما لو عتَقَ في حالة الصحة.
والوجه الثاني - أنه لا يرث، وهو اختيار الإصطخري، ولست أعرف هذا وجهًا، ولكنّ الشيخ أبا علي [استدلّ له] (٤) بأن قال: العتق حصل، وفيما نحتسب جنسَ العتق فيه من الثلث، فلا نظر إلى خروج هذا العتق عن القياس.
ولا ثبات لمثل هذا الكلام؛ فإن العتق لاسمِه ولقبِه لا يعتبر من الثلث، وهو منقسم: فمنه ما يحسب من الثلث، ومنه ما لا يحتسب، فلا حاصل [تحت] (٥) ما قال.
واستشهد بمسألة [فقال] (٦): إذا نكحت المرأة في مرضها بدون مهر مثلها، فيصح ذلك منها، ولا يحسب من الثلث، فإنها حابت في عوض البضع، وليس البضع [ممّا يبقى] (٧) للورثة، قال: فهذا فيه إذا كان الزوج بحيث لا يرثها، مثل أن يكون رقيقًا أو مسلمًا، وهي كافرة (٨)، فأما إذا كان الزوج يرثها، فيلزمه مهرُ مثلها كَمَلًا، فكأنا قدرنا ذلك وصيةً في حق الزوج الوارث، وإن لم نقدره وصيةً في حق غيره.
هكذا ذكره الشيخ، وأطلق [جوابه] (٩) في الفرق بين من يرث وبين من لا يرث.
_________________
(١) (س): في.
(٢) ما قاله الإمام من أن هذا هو الصحيح استقر عليه المذهب، فقد قاله النووي بلفظه (الصحيح). (ر. الروضة: ٦/ ٢٠٤).
(٣) زيادة من (س).
(٤) في الأصل: استدركه.
(٥) في الأصل: يجب.
(٦) في الأصل: وقال.
(٧) في الأصل: بما بقي، و(س): مما بقي.
(٨) كافرة: المراد ذمية كما صرح بذلك في الروضة: ٦/ ١٣٣.
(٩) في الأصل: حرازه.
[ ١١ / ٢٤٢ ]
وكان شيخي ﵁ لا يفصل، ويقول: المحاباة بمهر المثل في النكاح من المريضة صحيحة مع الوارث وغير الوارث. وهذا متجهٌ حسن (١)، وسيأتي كلام في نكاح المريضة ونكاح المريض، إن شاء الله ﷿، هذا منتهى المسألة.
٧٤٩٧ - مسألة: مشتملة على تفصيل القول في الوصية لمن نصفه حر ونصفه رقيق، والغرض يتعلق [بصورتين] (٢): إحداهما - أن يوصي لشخص نصفه حرٌ ونصفه رقيق لغير وارثه.
والصورة الثانية - أن يكون النصف الرقيق ملكًا لوارث (٣) الموصي.
فأما إذا كان الرقيق منه ملكًا لمن لا يرث الموصي، فممَّا نجدد العهدَ به قبل الغوص (٤) في المسألة أن من وهب شيئًا لعبد غيره، فإن قبل العبدُ الهبة بإذن مولاه، صحت الهبة، ووقعت للمولى، وكذلك إن أوصى لعبدٍ بشيء، فقبِل الوصية بإذن السيد، فالوصية تصح، ويقع الملك في الموصى به للسيد.
فإن قبل الهبة والوصيةَ من غير إذن السيد، ففي (٥) المسألة وجهان قدمناهما في مواضع: أحدهما - أن القبول باطل، ولا تصح الوصية ولا الهبة، فإنهما لو صحتا، لثبت الملك للمولى قهرًا، والعبد محجورٌ عليه على حالٍ، فلا يصح منه أن يُكسب (٦) مولاه مالًا بعقدٍ من غير إذنه.
والوجه الثاني - أن القبول يصح، ويثبت الملك للمولى، [إن] (٧) لم يردّه، كما لو احتش العبد أو احتطب، وكما لو خالع زوجته على مالٍ؛ فإن عوض الخلع يدخل في ملك المولى قهرًا.
_________________
(١) والوجه المعتمد، هو الوجه الأول الذي سماه الإمام الصحيحَ (ر. الروضة: ٦/ ١٣٣).
(٢) في الأصل: بصورتهن.
(٣) (س): للوارث.
(٤) (س): الخوض. وهي في الأصل محرّفة إلى (العَوْض).
(٥) (س): في.
(٦) (س): يكتسب.
(٧) في الأصل: وإن لم.
[ ١١ / ٢٤٣ ]
فإذا تجدد العهد بما ذكرناه، عُدنا إلى تفصيل المسألة:
٧٤٩٨ - فإذا أوصى الرجل (١) لشخص نصفه حر ونصفه مملوك لأجنبي، فقبل الموصى له الوصية دون إذن المالك، ففي صحة القبول على مقابلة (٢) الرق وجهان، كالوجهين فيه إذا كان عبدًا قِنًّا: فإن قلنا: يصح قبول المملوك دون إذن المالك، فقد ثبتت الوصية، [ولا] (٣) كلام.
[وإن] (٤) قلنا: لا يصح قبوله فيما يخص الرقيق منه، فقد بطل القبول في نصف الوصية.
وهل يصح في النصف الآخر؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي: أحدهما - أنه يصح؛ فإنه لو كان عليه معترَضٌ في مقدار الرق منه، فلا [يعترض] (٥) في مقدار الحرية.
والوجه الثاني - أنه لا يصح القبول في شيء؛ فإنا لو صححنا القبول، وأثبتنا ذلك القدرَ المقبولَ لمقدار الحرية منه، لم يصح ذلك؛ من قِبل أنّ كل ما يستفيده، فحقه أن ينقسم على شطريه، [واختصاصُ] (٦) بعضه بالتملك على وجهٍ لا يَشيع [محالٌ] (٧)، فإن حصرنا، بطل الحصر، وإن أشعنا وأثبتنا البعضَ الذي صححنا القبولَ منه بينه وبين مالك رقّه، [انعكس] (٨) الأمر إلى إدخال شيءٍ في ملك المالك من غير إذنه، وهذا لا ينتظم قط؛ فيجب القضاء ببطلان أصل الوصية.
_________________
(١) (س): الوكيل.
(٢) كذا. وفي (س) تقرأ بصعوبة (معاملة). والمعنى واضح على أية حال. فهو يقول: في صحة القبول لما يقابل الجزء الرقيق وجهان.
(٣) في الأصل: فلا، و(س): بلا.
(٤) في النسختين: فإن.
(٥) في الأصل: يتعرض، وفي (س): فليعترض.
(٦) في الأصل: اختصاص. (بدون واو).
(٧) في الأصل: بحال.
(٨) في الأصل: إن عكس.
[ ١١ / ٢٤٤ ]
٧٤٩٩ - ولو وَهَبَ ممّن نصفه حرّ ونصفه رقيق، وأبطلنا الهبة في نصيب المالك، فهل تصح الهبة في حصة الحرية؟ فعلى الخلاف الذي ذكرناه في الوصية، غير أن الهبة تنفصل عن الوصية في قضيةٍ (١) ظاهرة، وهي أن القبول في الهبة إذا أبطلناه لأنه لم [يصدر] (٢) عن إذن المولى، فلو أذن المولى بعد تخلل الفصل وانقطاع الرابطة المرعية بين الإيجاب والقبول، فلو أذن السيد من بعدُ، فلا يصح القبول إلا أن يجدّد الواهب الهبة.
وإذا أبطلنا القبول في الوصية لعدم الإذن، ثم أذن المولى، [فجدّد العبدُ] (٣) قبولًا، فيصح القبول الآن ويحصل، كأن القبول الأول لم يكن، وهذا ظاهر، والغرض أمرٌ وراء هذا، وهو أن السيد لو ردّ الوصية، فهل يفسد بردّه (٤) سبيلُ القبول من بعدُ، حتى لو بدا له أن يأذن في القبول، وقد [ندم] (٥) على ما قدّم من الردّ، فلا ينفذ إذنه بعد الردّ، أم كيف السبيل فيه؟ هذا مما يتعين الاعتناء (٦) به، والاهتمام بفهمه.
فنقول: الهبة إذا قبلها العبد بإذن المولى، فالملك [فيها] (٧) يقع للمولى من غير واسطة، ولهذا قطع الأصحاب بأن الوصية لعبدِ الوارث وصيةٌ للوارث، (٨ والهبة من عبده في مرض الموت تبرع على الوارث ٨) ومع هذا لو قبل السيد الهبةَ، والمخاطب عبده (٩)، لم تنعقد الهبة بقبول السيد، وإن كان الملك واقعًا له، لأنا نرعى في القبول
_________________
(١) في الأصل: نصيبه.
(٢) في الأصل: يعدر.
(٣) في الأصل: مجرّد الهبة.
(٤) (س): يردّ.
(٥) في الأصل: قدم.
(٦) (س): الاهتمام به والاعتناء بفهمه.
(٧) في الأصل: فيما.
(٨) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٩) (س): غيره.
[ ١١ / ٢٤٥ ]
نظمًا يقتضيه الإيجاب (١) ليكون جوابًا عنه، والسيد لم يخاطَب به، [فلا] (٢) يقع جوابه لو وقع، ولو ردّ السيد وكان حاضرًا لما وَهَب من عبده، فإن شرطنا في قبول العبد إذنَ السيد، وأبطلناه بعدم الإذن، فالردّ أبلغ من عدم الإذن، وإن صححنا قبول العبد من غير إذن المولى، فلو زجره عن القبول، فالظاهر عندي أن الهبة تصح، ويقع الملك للمولى، ويكون كما [لو نهاه] (٣) السيد عن مخالعة امرأته على [مالٍ،] (٤) فخالف سيدَه وخالعها، [فعوض] (٥) الخلع يقع في ملك السيد قهرًا وإن نهى عن الخلع زجرًا، فكأن العبد في قبول الهبة على هذا القول الذي فرعنا عليه ليس محجورًا عليه، والقبول يعتمد صحة لفظه.
هذا قولنا في الهبة.
٧٥٠٠ - فأما في الوصية فلو قبل سيدُ العبد الوصية بعد موت الموصي بناءً على أن الملك يحصل له، [فكأنه الموصى له] (٦) على التحقيق، فهذا فيه احتمال ظاهر عندي، يجوز أن يقال: لا تثبت الوصية [بقبول] (٧) المولى قياسًا على الهبة، ويجوز أن يقال: تثبت الوصية بقبول المولى؛ فإن قبول الوصية [يخالف في وضعه] (٨) القبول في العقود، ولهذا ينفصل عن الإيصاء (٩)، ويقع بعد خروج الموصي عن أن يكون من أهل التصرفات، ويموتُ الموصى له فيخلفه الوارث، وهذا ينص على الغرض (١٠):
_________________
(١) ساقطة من (س).
(٢) زيادة من (س).
(٣) في الأصل: لزمناه.
(٤) في الأصل: ماله.
(٥) في الأصل: بعوض الخلع.
(٦) في الأصل: فكان للموصى له، و(س) فكان الموصى له. والمثبت تصرف من المحقق على ضوء السياق.
(٧) في الأصل: لقبول.
(٨) عبارة الأصل: فإن قبول الوصية في وضوه.
(٩) الإيصاء: المراد الإيجاب، أي ينفصل القبول ويتأخر عن الإيجاب.
(١٠) في الأصل: العوض.
[ ١١ / ٢٤٦ ]
فإذا [كان] (١) الوارث يقبل، وليس موصىً له، فلا يبعد أن يقبل السيد وإن لم يسمَّ (٢) في الوصية، نظرًا إلى [مصير] (٣) الملك إليه.
ثم ينبني على هذا أنا إن (٤) صححنا قبولَ السيد، فيجب (٥) أن يبطل ردُّ (٦) العبد لو ردّ.
ولا ينبغي أن يغتر الفقيه بصورة يعارَض بها إذا قيل له: نحن وإن أقمنا الوارث مقام الموروث في قبول الوصية، فلو كان الموروث ردّ الوصية، [لبطلت] (٧)، وإذا مات، لم يصح قبول وارثه، فهلا قلتم: قبول السيد يصح، ولو ردّ العبد، لارتدت الوصية؟ فإن (٨) الموروث لو قبل، لكان الملك له، فهو الأصل في الوصية، فترتد الوصية بردّه، بخلاف العبد، [وهذا] (٩) واضحٌ لا غموض فيه.
٧٥٠١ - وكل ما ذكرناه فيه إذا لم يكن بين مالك نصفه وبينه مهايأة، وكانت أعماله وأكسابه تقع (١٠) مشتركة.
[فأما] (١١) إذا جرى بينه وبين مالك [رِقِّه] (١٢) مهايأة، ووقع التواضع بينهما على أن
_________________
(١) في الأصل: بان.
(٢) (س): يستمر.
(٣) في الأصل: يصير.
(٤) (س): لو.
(٥) (س): لوجب.
(٦) (س): بردّ.
(٧) في الأصل: لبط.
(٨) فإن الموروث: متعلق بقوله: ولا ينبغي أن يغتر الفقيه بصورة يعارض بها إلخ فهذا ردٌّ على السؤال: فهلاّ قلتم إلخ. ببيان الفرق بين قبول وراثة الموصى له وقبول السيد عن عبده الموصى له، حيث إن الموصى له هو الأصل في الوصية، فلو ردّ لا يصح أن يبطل ردُّه بقبول الورثة، والعبدُ هو الأصل في الوصية، ولذا لا يمكن أن يبطل ردُّه بقبول السيد.
(٩) في الأصل: وهو.
(١٠) ساقطة من (س).
(١١) في الأصل: فإنا.
(١٢) في الأصل: ربه.
[ ١١ / ٢٤٧ ]
يعمل ويكتسب في مدةٍ (١) تواضعا عليها لمالك رقه، ويكتسب في مدةٍ لنفسه، فالأكساب المعتادة كالاحتشاش، والاحتطاب، واستحقاق أجرة العمل، إذا كان الشخص صانعًا، فهذه الأكساب تدخل تحت قضية (٢) المهايأة وفاقًا، وأثر دخولها تحتها أن صاحب كلِّ مدَّة يختص بما يقع فيها من كسب، فإذا كانت النوبة للشخص، اختص بأكسابه فيها اختصاص [الأحرار، وإذا كانت النوبة لمالك الرق، اختص بالأكساب فيها اختصاص] (٣) المالك بأكساب عبده الخالص.
وظهر اختلاف أصحابنا في أن الاكساب [النادرة] (٤) هل تدخل تحت المهايأة، وعدّوا من جملتها قبول الوصايا والهبات. وهذا الاختلاف (٥) ذكره المصنفون ولم يوضحوا مأخذه، [وأنا أتحيل] (٦) لهذا الخلاف وجهين ومسلكين: أحدهما - أن قبول الهبة والوصية ليس مما يحتاج فيه إلى إعمال منفعته (٧)، وإنما هو لفظةٌ لا تحول بين العبد وبين جميع الأعمال التي يلابسها، والمهايأة ترد على المنافع، حتى كأنها قسمة فيها، وتصير المنفعة في كل نوبة حقَّ صاحب النوبة، كما يصير حق منفعة الشبكة لمن يستأجرها، وإذا اصطاد بها والمنفعة له، فالصيد ملكه، [فالأكساب] (٨) إذًا تبعُ المنافع، وقبول الهبة والوصية لا يتعلق [ببذل] (٩) منفعة، فلم يدخل في المهايأة التي وضعت لاقتسام المنافع، وإذا كان كذلك، تعيّن قسمة الموهوب على
_________________
(١) في (س): يده.
(٢) ساقطة من (س).
(٣) ما بين المعقفين زيادة من (س).
(٤) في الأصل: الباردة.
(٥) (س): خلافٌ.
(٦) في الأصل: وأنا حيل (هكذا بإهمال الأول والثاني) والمثبت من (س) بإهمال الحاء أيضًا، فهل هي من التحيل (بالمهملة) بمعنى التفنن، أم هي بالمعجمة من التخيل؟ أم هي: أنخل؟ بنون فخاء معجمة؟ الله أعلم.
(٧) كذا. والمعنى واضح وهو أن قبول الهبة ليس مما يحتاج إلى بذل جهد واستهلاك طاقة.
(٨) في الأصل: بالاكتساب، و(س): والأكساب.
(٩) في الأصل: بعدل.
[ ١١ / ٢٤٨ ]
الرق [والحريّة] (١) سواء جرت المهايأة أو لم تجر.
هذا بيان مسلك الخلاف.
ويجب أن نقول بحسبه: لو كانت الهبات غالبة في [قُطرٍ] (٢)، وكانت لا تعد من النوادر، فهي خارجة على الخلاف أيضًا؛ تلقِّيًا [مما] (٣) ذكرناه في المنافع واختصاص أثر المهايأة بها.
ويجوز أن يقال: [مأخذ] (٤) الخلاف [الندور] (٥) والعموم (٦) كما أطلقه الأصحاب، ووجهه أن المهايأة المطلقة ترد (٧) على ما يجري في العرف، فلا يمتنع أن يقول المولى، أو الشخص: إنما أوردنا المهايأة على ما يجري العرف به، وما يندر، [يبقى] (٨) على حكم التقسّط والتوزّع، فعلى هذا إذا عمت الهبات في قُطرٍ، دخلت تحت المهايأة، وإنما الخلاف فيه إذا كانت الهبات والوصايا نادرة.
ويجري على هذه الطريقة تفصيلٌ آخر، وهو أنهما لو صرحا بإدراج الأكساب النادرة تحت المهايأة، لدخلت تحتها؛ فإن الخلاف [في] (٩) هذا المسلك محمول على (١٠ أنهما وضعا المهايأة ١٠) على ما يجري العرف الغالب به، فإذا وقع التصريح بإدراج الأكساب النادرة، اندرجت.
وإن سلكنا المسلك الأول في اتباع المنافع وتنزيل المهايأة عليها، فلا أثر للتصريح
_________________
(١) في الأصل: والهُريّة. (وهذا التصحيف يشهد بأثر عجمة قديمة في لسان الناسخ المتعرب).
(٢) في الأصل: نظر.
(٣) في الأصل: بما.
(٤) في الأصل: يأخذ.
(٥) في الأصل: المنذور.
(٦) والعموم: المراد الشيوع والكثرة عكس القلّة والندرة.
(٧) (س): تنزل.
(٨) في الأصل: فبقي.
(٩) في الأصل: من.
(١٠) ما بين القوسين سقط من (س).
[ ١١ / ٢٤٩ ]
بإدخال الهبات، ولو وقع التصريح كذلك، لما دخلت.
التفريع:
٧٥٠٢ - إن قلنا: قبول الهبات والوصايا لا تدخل تحت المهايأة، فقد مضى التفريع فيه إذا لم يكن مهايأة، فنقول: وإن جرت المهايأة، فلا أثر لجريانها في قبول الهبات والوصايا.
وإن قلنا: إنها تندرج تحت المهايأة، فالنظر إلى النوبة: فإن وقع ما يعتبر -كما سنشرحه، إن شاء الله- في نوبة الشخص، فيخلص له الموهوب والموصى به، وإن وقع في نوبة المولى [يخلص] (١) له ما وقع في نوبته، ثم الاعتبار بالإيصاء أم بقبول الوصية؟ وهذا الذي أبهمناه الآن (٢).
اختلف أصحابنا في المسألة: منهم من قال: الاعتبار بالإيصاء؛ فإنه ابتداء العقد، وهو الأصل، وعليه يترتب القبول.
ومنهم من قال: الاعتبار بالموت وما بعده، كما سنشرحه، إن شاء الله تعالى؛ فإن أوان قرار الوصية يدخل بالموت. والقائل الأول يحتج في اعتبار الإيصاء بالالتقاط، فإنا إذا جعلنا العبد من أهل الالتقاط وأدرجناه تحت المهايأة، فالاعتبار بيوم الالتقاط لا بيوم انقضاء الحول.
فإن قلنا: الاعتبار بيوم الإيصاء، فلا كلام.
وإن قلنا: الاعتبار بالموت وما بعده، فهذا يتفرع على أن الملك في الموصى به متى (٣) يحصل؟ فإن قلنا: إنه يحصل بالموت إما تحقيقًا وإما تبيُّنًا، فالنظر إلى اليوم الذي يقع الموت فيه.
وإن قلنا: يحصل الملك في الموصى به بالقبول، فعلى هذا القول وجهان:
أحدهما - أن العبرة بالقبول، فإنه يستعقب الملك.
والثاني - أن العبرة بالموت، وإن فرعنا على قول القبول؛ فإن الأصل في الباب
_________________
(١) في الأصل: يتخلص، و(س): فيخلص.
(٢) عبارة (س): وهذا الذي أبهمناه. والآن اختلف
(٣) (س): متى ما يحصل.
[ ١١ / ٢٥٠ ]
الموت، وهو (١) الذي يُثبت حقَّ القبول، ويمكِّن الموصى له منه، فليكن الاعتبار به. قال الشيخ أبو علي: يتصل بذلك أنه لو وهب لمن نصفه حرّ ونصفه عبد في يوم سيده، وقبض في يوم نفسه، فالهبة في يوم من؟ فعلى وجهين: أحدهما - أن الموهوب يصرف إلى من وقعت الهبة (٢) في يومه؛ فإن الهبة هي الأصل، وعليها يترتب الإقباض. قال الشيخ: وهذا الاختلاف ينبني على أن عقد الهبة هل يقتضي الملك مع ثبوت الخيار للواهب في الرجوع ثم القبض يلزمه ويُتمُّه؟ أم نقول القبض يستعقب [الملك] (٣) ويقتضيه وعقد الهبة لا يقتضيه؟ فيه اختلاف قولٍ قدمناه في كتاب الهبات، فإن حكمنا بأن عقد الهبة يُثبت الملك قبل الإقباض، فالاعتبار باليوم الذي وقع العقد فيه، وإن قلنا: الملك يحصل بالقبض، ففي المسألة وجهان كالوجهين المفرعين على قولنا: إن الملك في الموصى به يقع بالقبول.
وجميع ما ذكرناه فيه إذا وقعت الوصية لمن نصفه حر ونصفه رقيق لأجنبي.
٧٥٠٣ - فأما إذا أوصى لمن نصفه حر ونصفه مملوك لوارثه (٤)، فالكلام في المهايأة جرت أو لم تجر، وفي (٥) أن قبول الوصايا هل يدخل تحت المهايأة؛ [قد] (٦) تقدم.
ونحن نقول الآن: إن (٧) تصورت المسألة بصورةٍ لو فرضت فرْضَ المالك الأجنبي، لكان الملك بكماله للمالك، فالوصية في مثل تلك الصورة مردودة في مسألتنا؛ فإنا لو صححناها، لكانت للوارث، والوصية للوارث مردودة.
وإن تصوّرت المسألة بصورة لو فرضت والمالك فيها أجنبي، لكانت الوصية (٨)
_________________
(١) (س): وهذا الذي.
(٢) (س): إليه.
(٣) في الأصل: العتق.
(٤) هذه هي الصورة الثانية من صورتي المسألة، والتي أشار إليها منذ عدة صفحاتٍ مضت.
(٥) (س) في أن قبول (بدون واو).
(٦) في النسختين: فقد.
(٧) (س): تصوّر المسألة.
(٨) (س): المسألة.
[ ١١ / ٢٥١ ]
تقع للشخص (١) المنقسم، [فالوصية] (٢) تصح بجملتها لهذا الشخص في مسألتنا.
فإن (٣) اقتضى التفريع في الأجنبي قسمة الموصى به على السيد والشخص، فقد قال الشيخ أبو علي: إن انتهينا إلى ذلك، أبطلنا الوصية أيضًا؛ فإن البعض منها ينصرف إلى مالك الرق، وصرفه في مسألتنا إلى الوارث غيرُ جائز، فتبطل الوصية رأسًا، واستشهد في ذلك بالإرث؛ فإن مذهب الشافعي ﵁ أن من نصفه حر ونصفه عبد لا يرث؛ فإن التوريث بنصفه الرقيق ممتنع، فإن فسد التوريث بالبعض، من جهة أنا لو ورّثناه بنصفه الرقيق، لصرفنا ذلك القدرَ إلى مالك الرقيق، وهذا يؤدي إلى توريث أجنبي من حميمه (٤)، ثم كما (٥) أبطلنا الإرث أبطلناه رأسًا.
وهذا الذي قاله فيه نظر. أما الإرث، فمذهب الشافعي ﵁ فيه ما ذَكَر؛ فإن الانقسام فيه متعذر، وأما الوصية، فلا يمتنع أن (٦) يقال فيها: تبطل الوصية في حصة الوارث، وتصح في حصة الشخص (٧)؛ فإن التبعيض ليس بدعًا (٨) في الوصايا؛ فإن الوصية الزائدة على الثلث تتبعض عند [ردّ] (٩) الورثة. فهذا ما أردناه.
[ويتفرع] (١٠) على هذا المنتهى شيء (١١)، وهو أن من أوصى لإنسان بوصية خارجة من الثلث، فقبل [الموصى] (١٢) له بعضَها، وردّ بعضها، فيجوز أن يقال:
_________________
(١) الشخص المنقسم: المراد به المنقسم بين الرق والحرية. وفي (س): المقسّم.
(٢) في الأصل: بالوصية.
(٣) (س): وإن.
(٤) كذا فى النسختين.
(٥) كما: أي عندما. وهذا استعمال خاص بإمام الحرمين، وتبعه فيه الغزالي. "وليس بصحيح ولا عربي" قال ذلك النووي في التنقيح (وأثبتناه مرارًا من قبل).
(٦) (س): فلا يمتنع أن تبطل الوصية.
(٧) الشخص: أي الذي نصفه حر ونصفه مملوك لوارث الموصي.
(٨) (س): يُرعى.
(٩) في الأصل: بعض.
(١٠) في الأصل: فيتفرع.
(١١) ساقطة من (س).
(١٢) في الأصل: للوصي.
[ ١١ / ٢٥٢ ]
يصح ذلك، ويجوز أن يقال: لا يصح. ووجه المنع تشبيه قبول الوصية بالقبول في الهبة، ولو قبل الموهوب له الهبة في بعض ما وهب منه (١ لم يصح القبول ١) في شيء، ومن فرق تمسك بما أشرنا إليه من الفرق بين قبول الوصايا وبين القبول في الهبة وغيرها من العقود. وسنذكر أن الموصى له إذا مات قبل القبول، وخلّف ذرية، فقبل بعضهم وردّ بعضهم، فالقبول قد يثبت في حق من قبل، وإن تضمن تبعيضًا في الوصية.
٧٥٠٤ - ومما ذكره الشيخ أبو علي في خاتمة المسألة أن الرجل لو قال [لمن] (٢) نصفه حر ونصفه عبد: أوصيت لنصفك الحر، فكيف السبيل في ذلك؟ قال: قال القفال: هذه الوصية باطلة في كل مسلك؛ فإن الإيجاب لا يجوز توجيهه على نصف الشخص.
وذكر الشيخ أبو علي وجهًا أن الوصية تصح وإن توجهت على بعض الشخص، وطرد هذا الوجهَ في الهبة أيضًا إذا وُجّهت على البعض.
وكشْفُ القول في هذا أن نقول: إن حكمنا بأن الهبة والوصية لا تدخل تحت المهايأة، وأنهما يقعان على الاشتراك لا محالة، وإن جرت مهايأة، فتخصيص الوصية والهبة بالبعض الحر (٣) على خلاف موجَب [التبرّع] (٤)، فتبطل، وإن لم يتعد وقوع [التبرّع] (٥) بالوصية والهبة لهذا الشخص بحكم المهايأة.
فإذا وقع التوجيه على النصف الحر، نظر: فإن لم يكن مهايأة، بطلت أيضًا؛ فإن مقتضى الحال ألا (٦) تختص الهبة والوصية.
وإن كان [ثَمَّ] (٧) مهايأة، فإن وقع ذلك في نوبة السيد، بطلت أيضًا، فإن هذا
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من (س).
(٢) في الأصل: بأن.
(٣) (س) بالبعض جرت.
(٤) في النسختين: الشرع.
(٥) في الأصل: الشرع.
(٦) (س): لأن تختص.
(٧) في الأصل: "به" وعبارة (س) مضطربة فيها تقديم وتأخير. هكذا: فإن مقتضى الحال =
[ ١١ / ٢٥٣ ]
على مناقضة الواجب. وإن وقع هذا في نوبة العبد، والتفريع على أن التبرع يقع (١) له لو خُوطب به كله، فإذا خوطب به نصفه الحر، ففي صحة ذلك وجهان: أحدهما - الفساد لاختلال اللفظ والمعنى، أما اللفظ فبيّنٌ، وأما المعنى، فلا يتصور أن يتّهب نصفٌ، وهذا الشخص في نوبته يتهب بنصفيه، ولكن نصفه الرقيق في نوبته عوضٌ عن نصفه الحر في يوم سيده.
والوجه الثاني - أن الهبة تصح؛ فإن [قرار] (٢) الملك بالحرية، وهي متبعضة بمخاطبة الجزء الحُرّ [منه] (٣) مخاطبة للمالك؛ فإنّ النصف الرقيق منه لا يملك لنفسه.
وللمسألة الآن التفاتٌ في الوصية على ما إذا قبل الموصى له بعضَ الوصية، وليست المسألة كتلك (٤)؛ فإن ما ذكرناه يجري في الوصية والهبة، وتبعيض القبول يختص بالوصية؛ فإن من قال لشخص (٥): وهبت منك هذا العبد، فقال المخاطب: قبلتُ الهبةَ في نصفه، لم يصح وفاقًا.
وقد نجزت المسألة، ولم نغادر ما تمس الحاجة إلى ذكره، إن شاء الله تعالى.
٧٥٠٥ - مسألة: السيد إذا أوصى لعبده القنِّ بثلث ماله، فإن نص على إدخال ثلث [رقبته] (٦) في الوصية، دخل فيها، وإذا قبل الوصية عَتَق ثلثُه ولا يسري العتق، وهذا أصلٌ جارٍ في العتق الوارد (٧) على بعض العبد بعدَ موت الموصي بالعتق؛ فإن العتق
_________________
(١) = ألا تختص الهبة والوصية، وإن وقع ذلك في نوبة السيد، بطلت أيضًا، فإن هذا على مناقضة الواجب. وإن وقع في نوبة العبد، فإن كان ثم مهايأة، فإن وقع ذلك العبد والتفريع.
(٢) سقطت من (س).
(٣) في الأصل: إقرار.
(٤) في الأصل: به.
(٥) (س): كذلك.
(٦) (س): قال لشخص: وهبته منك هذا العبد.
(٧) في الأصل: وصيته.
(٨) عبارة (س): العتق الوارد على بعض الموت الموصي بالعتق.
[ ١١ / ٢٥٤ ]
إنما يسري على موسرٍ، والميت معسر وإن خلَّف وَفْرًا كثيرًا، ومالًا جمًّا، ولا (١) يجوز صرف الثلث إلى رقبته بالكلية، وإن وفّى الثلث بقيمته وزاد؛ لأنه أوصى له بثلث ماله، فيستحق الثلث في كل صنف على مقتضى الوصية، ولا يجوز صرف حصتِه (٢) من جميع الأصناف إلى رقبته؛ فإن ذلك لو قدرناه، لكان مخالفًا لصيغة الوصية، فيعتِق إذًا [منه] (٣) ثلثه، وتبقى الوصية له، وبعضه حر وبعضه رقيق للورثة [فما يقابل] (٤) الرقيق منه تبطل الوصية فيه.
وفي بطلان الوصية فيما يقابل الجزء الحر منه ما قدمناه في المسألة المتقدمة على هذه (٥)، واختيار (٦) الشيخ القطعُ ببطلان الوصية فيما يقابل الحرية [تخريجًا] (٧) لذلك على منع توريث من بعضه حر، وقد أوضحنا وجه الاحتمال، وطريقَ الفرق بين الميراث وبين الوصية.
٧٥٠٦ - [ومما] (٨) يتعلق بما نحن فيه أن من أوصى بأن يُعتَق عبدٌ عينه من عبيده، ووفَّى الثلث به، فالوصية تنفذ، ولا حاجة إلى قبول العبد؛ فإن الغالب في العتق حق الله تعالى، والعبد المعين لا يملك إبطال حق الله، فلا حاجة إلى قبوله؛ إذ لا ترتدّ الوصية بردّه.
ولو قال: أوصيت لعبدي هذا برقبته، فمآل هذه الوصية أن [يَعتِق] (٩)، فهل يُشترط قبول العبد؛ فإنّ سبيل حصول العتق في هذه الجهة أن يملك العبد رقبته ويعتِق؛ هذا فيه تردّد تلقيتُه من فحوى كلام الأئمة؛ فيظهر أن نقول: لا حاجة إلى
_________________
(١) (س): فلا.
(٢) (س): حصة.
(٣) في الأصل: فيه.
(٤) في الأصل: فالقابل.
(٥) (س): على هذا.
(٦) واختيار (الواو زيادة من المحقق حيث سقطت من النسختين).
(٧) في الأصل: يجري.
(٨) في الأصل: وفيما.
(٩) في الأصل: يعين.
[ ١١ / ٢٥٥ ]
قبوله، لما ذكرناه من أن مقصود هذه الوصية إعتاقُه، فصار (١) كما لو أوصى بأن يُعتق.
ولا يمتنع أن يقال: الوصية تتوقف على قبوله، وهذا الوجه أفقه، ووجهه أنه لم يوصِ بتحصيلِ العتق، ولكنه أوصى لعبده بملك رقبته، فليس العتق في مقصود الوصية مطلوبًا للموصي على جزمٍ، وكأنه قال: "إن اختار عبدي قبولَ الوصية عَتَقَ بالوصية"، وإن لم [يقيّد] (٢) باختيار القابل؛ فهي في وضعها مقيدةٌ بذلك شرعًا.
وهذا التردد الذي ذكرته يجري في الوصية للعبد بثلث المال، مع التصريح بإدخال رقبته في الوصية، فيجوز أن نقول: يعتق ثُلثه من غير قبول؛ فإن الوصية في رقبته عتاقةٌ محضة، ويجوز أن نقول: لا بد من قبوله، وإن ردّ الوصيةَ، ارتدت وكان رقيقًا للورثة.
وكل ما ذكرناه فيه إذا أوصى لعبده بثلث ماله، وصرح بإدخال ثلث رقبته في الوصية.
٧٥٠٧ - فأما إذا أطلق الوصية له بثلث ماله، ولم يتعرض لإدراج رقبته تحت مقتضى وصيته، فقد اختلف أصحابنا في المسألة، فذهب بعضهم إلى أن ثلث رقبته يدخل في الوصية، وهذا اختيار ابن الحداد، ووجهه أن اسم المال يتناول رقبة العبد؛ فإنه من ماله، فأشبه ما لو صرّح بإدخال رقبته في الوصية، وقد تقدم بيان المذهب فيه (٣).
ومن أصحابنا من قال: لا تدخل رقبته في الوصية؛ فإن المخاطب لا يدخل فيما هذا سبيله تحت الخطاب، فإذا قال: أوصيت لك (٤)، اقتضى ذلك أن يكون الموصى به غيرَ الموصى له، وهذا في إطلاقه يمنع دخوله تحت الموصى به، وهو كما لو قال لوصيّه: اصرف ثلث مالي إلى الفقراء، فلو كان الوصي (٥) فقيرًا، لم يجز له أن يأخذ من الثلث شيئًا.
_________________
(١) (س): فيصير.
(٢) في الأصل: وإن لم يقاتل.
(٣) ساقطة من (س).
(٤) (س): لكن.
(٥) (س): الموصي.
[ ١١ / ٢٥٦ ]
ومن نصر الوجهَ (١) الأول، انفصل عن هذه المسألة بأن قال: الصرف يقتضي إقباضًا من الوصيّ (٢)، وقبضًا من الآخذ، وذلك لا يتأتى من الوصي في حق نفسه، والوصية بالملك لا تقتضي قبضًا وإقباضًا.
فإن قلنا: يدخل ثلث العبد تحت الوصية المطلقة، عَتَقَ الثلث منه، فكان الكلام في باقي [العبد] (٣) على ما تقدم.
وإن قلنا: لا يدخل ثلثه في الوصية، فلا يعتِق شيء منه، وإذا لم يعتق، وقعت الوصية بكمالها للورثة، فبطلت.
٧٥٠٨ - مسألة: إذا كان بين رجلين عبدان مشتركان لكل واحدٍ [منهما] (٤) النصفُ من كل عبد، وقيمة كل عبدٍ ألفُ درهم، فأعتق أحد الشريكين في مرضه نصيبه من العبدين، وكان ثلث مال هذا المريض ألفا وخَمسَمائة، فقد استوفى بالإعتاق من ثلثه ألفًا، وبقي إلى تمام الثلث خَمسمائة، ومحل تصرفه ثلثُه، وهو في مقدار ثلثه موسرٌ في تبرعاته، فلا بدّ من تسرية عتقه في مقدار خمسمائة، ولا مزيد؛ فإنه فيما وراء الثلث معسرٌ، وعتْق المعسر لا يسري، فإذا ثبت ذلك، فكيف يسري هذا (٥) المقدار؟ أنفضُّه على العبدين أم نُقرع بينهما، ويحصل تمام العتق لأحدهما؟
قال ابن الحداد: نَفُضّ العتق على العبدين، ولا نقرع.
وقال في مسألةٍ تُداني هذه بالإقراع.
وصورتها كما ذكرناها، غيرَ أنه لم [ينجز] (٦) الإعتاق في مرضه، بل أوصى بإعتاق
_________________
(١) (س): القول.
(٢) (س): الموصي.
(٣) في النسختين: في باقي الثلث.
(٤) سقطت من الأصل. وفي (س): منهم.
(٥) (س): فكيف يسري؟ أنفضه.
(٦) في الأصل: يجز.
[ ١١ / ٢٥٧ ]
نصيبه من العبدين بعد موته [وأوصى] (١) بتكميل [العتق] (٢) فيهما، وردّ الورثة الزائد على الثلث، فيعتِق نصيبه، ويسري مقدارُ خمسمائة، ثم قال في هذه الصورة: نقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، [نكمل العتق فيه، وقد تم الثلث، فيعتق عبدٌ كامل، ويعتق النصف] (٣) تنجيزًا من الثاني.
فاختلف أصحابنا في المسألتين: فمنهم من قال: لا فرق بينهما، وفيهما جميعًا وجهان: أحدهما - أنا نفضُّ السراية إلى تمام الثلث عليهما؛ لأن المقتضي للسراية قد تحقق فيهما جميعًا، فليس أحدهما أولى بسراية العتق فيه من الثاني.
والثاني - أنا نقرع بينهما؛ فإن مذهب الشافعي ﵁ جميعُ (٤) العتق بالقرعة، وسراية العتق لا تزيد على إنشاء العتق، ولو أعتق ثلاثة أعبدٍ لا مال له غيرهم؛ فإنا نردّ بالقرعة العتقَ إلى واحدٍ، إذا استوت قيمتهم، ونعتق واحدًا، ونرق اثنين، وإن كان ذلك مخالفًا لقصده، وقد أثبت لكل واحد منهم حقًّا في العتاقة (٥)، فلم نعتبر قصدَه، وحكّمنا القرعة، فلتكن السراية بهذه المثابة.
ومن أصحابنا من أجرى المسألتين على جوابي ابن الحداد فيهما، فقال في إنشاء العتق في النصيبين: نفضّ السراية إلى تمام الثلث على العبدين، ونقرع في مسألة الوصية بالإعتاق والتكميل، والفرق عند هذا القائل بين المسألتين أنه إذا أعتق نصيبه من العبدين، فليس له في تكميل العتاقة قصدٌ [وإنما] (٦) السراية حكمٌ ينفذ عليه، وإن لم يُردْه، فليس أحدُ العبدين أوْلى به من الثاني، وإذا أوصى بإعتاق نصيبه من العبدين، وأوصى بالتكميل، فقد ظهر قصدُه في تكميل العتاقة، ولم يمكن ذلك في
_________________
(١) زيادة من (س).
(٢) في الأصل: العدّة.
(٣) ما بين المعقفين زيادة من (س).
(٤) كذا في النسختين. ولعل صوابها: (تنفيذ أو تحقيق). والمعنى أن مذهب الشافعي اعتماد القرعة -عند الإبهام- في العتق.
(٥) (س): في الوصية.
(٦) في الأصل: قصدوا بالسراية.
[ ١١ / ٢٥٨ ]
العبدين إذا ردّ الورثة الزائد على الثلث، [فكان] (١) التكميل في أحدهما [قريبًا من] (٢) مقصوده، ولم يوجد من المعتِق في المرض ذلك القصد.
وهذا ضعيفٌ، لا ثبات له، ولا يتجه على مذهب الشافعي ﵁ إلا التوصل إلى إكمال العتق في أحدهما بطريق القرعة في الصورتين جميعًا.
قال الشيخ ﵁: لو قال المريض في الصورة التي صورناها: أعتقت العبدين، وعبر عن إعتاقهما جميعًا، فالوجه تنزيل هذه المسألة على حكم مسألة الوصية؛ فإنه لما أعتقهما، ظهر قصدُه في طلب كمال الحرية، فكانت هذه الصورة (٣) بمثابة ما لو أوصى بتكميل العتق فيهما، ولو كان ثلثه بحيث لا يفي بتكميل العتق في أحد العبدين.
ولو صرفنا تمام ثلثه إلى أحدهما، لم يكمل عتقه، فيجوز أن يقال: إذا تصورت مسألة الوصية بهذه الصورة، فالعتق إلى تمام الثلث [مفضوضٌ] (٤) على العبدين؛ فإنا لا نستفيد بتخصيص العتق بأحدهما إكمالَ [إعتاقه] (٥).
هذا منتهى القول في ذلك.
٧٥٠٩ - ومن تمام البيان فيه أنا لما صوّرنا المسألة في الوصية، وأردنا تصوير السراية، لم نجد إليها سبيلًا؛ فإن العتق الوارد بعد الموت على بعض العبد لا يسري على الميت قط، لما حكمنا به من أن الميت بمثابة الحي المعسر.
ومن لطيف القول في ذلك أن الثلث محلّ تصرف الميت في [مرضه] (٦) وبعد
_________________
(١) في الأصل: وكان.
(٢) في الأصل: "فكان التكميل في أحدهما قويًا وهو مقصوده" و(س): قويًّا من مقصوده، والمثبت تصرفٌ من المحقق. عسى أن يكون صوابًا.
(٣) (س): المسألة.
(٤) في الأصل: منصوص.
(٥) في الأصل: إضافة.
(٦) في الأصل: فرضه.
[ ١١ / ٢٥٩ ]
موته، وقد يتخيل [الفطن] (١) [تسرية] (٢) العتق إلى تمام ثُلثه، وليس الأمر كذلك؛ فإنه [لو] (٣) لم يوصِ ولم يتبرع، لكان ثُلثه لورثته، فإنما يكون الثلث محلًا لتبرعاته إذا أنشأها؛ فإذا لم يوجد منه إنشاء تبرع، فباقي ثلثه ملكُ ورثته.
وهذا حسنٌ بالغ.
٧٥١٠ - مسألة: إذا ملك ثلاثة أعبد قيمة كل واحد ألف، ولا مال له سواهم، ْوقال: أعتقوا بعد موتي من كل عبد نصفَه، فقد زادت الوصية على الثلث، فإن أجازها الورثة، نفذت، وإن ردّوها، رُدّت الوصية إلى مقدار [نصفي] (٤) عبدين، ويتميز ذلك بالقرعة، فنقرع (٥) بينهم، كما سيأتي تفصيل القرعة في كتاب العتق إن شاء الله ﷿، فإذا خرجت قرعة الحرية على واحدٍ، عتق نصفه ورق باقيه، فإذا خرجت قرعةٌ أخرى على عبد آخر، عَتَق نصفُه ورق باقيه، ورق العبد الثالث بكماله.
وهذا الذي ذكرناه يستند إلى أصلين: أحدهما - أن العتق الوارد على بعض العبد لا يسري على (٦) الميت، هذا أصلٌ متفق عليه، كما [تكرر] (٧) تقريره وتعليله.
والأصل الثاني - أنا لا نجمع نصفي عبد [من] (٨) عبد، حتى نعتق عبدًا كاملًا، ونرق [عبدين] (٩) والسبب فيه أنه لم يتعرض لطلب إكمال العتق، حتى يتوصل إلى ذلك، ولو في عبد واحد، وليس كما إذا قال: أعتقوا العبيد الثلاثة، فإنا نعتق واحدًا، ونرق اثنين إذا استوت قيمتهم.
_________________
(١) في الأصل: النظر.
(٢) في الأصل: قرية.
(٣) زيادة من (س).
(٤) فى الأصل: وصفية.
(٥) قال النووي: هذا هو الأصح (ر. الروضة: ٦/ ٢٠٦).
(٦) على الميت (ساقط من س).
(٧) في الأصل: تقدّر.
(٨) في الأصل: في.
(٩) في الأصل: عبديه.
[ ١١ / ٢٦٠ ]
ولو أعتق في مرض (١) موته أنصاف هؤلاء العبيد الثلاثة، ثم مات من مرضه، لا مال له غيرُهم، قال الأئمة: نقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رِقّ، فنُعتق منه عبدًا كاملًا، ونرق عبدين، ولا نظر إلى ذكره (٢) الأنصاف (٣)؛ فإن المالك إذا ذكر العتق في البعض، كان كما لو وجه العتق على كمال العبد.
ولو أعتق العبيد الثلاثة تنجيزًا، ورُدت الوصايا إلى الثلث؛ فإنا نعتق واحدًا، ونرق اثنين، وليس كذلك إذا أوصى بإعتاق أنصاف العبيد بعد موته؛ فإن الإعتاق في الأنصاف مضاف إلى وقت لا يتصور سريان العتق فيه، ولا [يتعدّى] (٤) ما وراء الثلث إلى ملك من يقع العتق عنه.
والقول الوجيز فيه: أن إنشاء العتق من المريض في البعض بمثابة تنجيز العتق في الكل. هكذا ذكره الشيخ، وهو متَّضح، ولم أر فيما ذكره خلافًا للأصحاب.
ولو كان له عبدان لا مال له سواهما، فقال: أعتقوا من هذا نصفه، ومن هذا ثلثه بعد موتي، وقيمة كل عبد ألف، فقد زاد على الثلث، فنقرع بين العبدين، فإن خرجت القرعة على صاحب النصف، عتق نصفه، وعتق من الآخر سدسه، وقد تم الثلث.
وإن خرجت القرعة على صاحب الثلث عتق ثلثه، وعتق من صاحب النصف ثلثه، وقد تم الثلث.
ولو قال في مرض موته: أعتقت من هذا نصفه، ومن هذا ثلثه، فهو كما لو قال: أعتقتكما؛ فإن العبارة عن الثلث في حق المريض بمثابة توجيه العتق على الجميع، ولو قال: أعتقتكما، أقرعنا سهمًا، فمن خرجت قرعته، عتق فيه ثلثاه، ورق ثلثه، ورقّ العبد الآخر بكماله.
_________________
(١) (س): في مرضه.
(٢) (س): إلى ما ذكره من الأنصاف.
(٣) وهذا هو الذي قاله النووي (ر. الروضة: ٦/ ٢٠٦).
(٤) في الأصل: يعز.
[ ١١ / ٢٦١ ]
٧٥١١ - مسألة: إذا أوصى لرجل ببعض عبدٍ، والعبدُ ممن لا يعتق على الموصى له، ولكن كان بحيث (١) يعتِق على وارثه، فلو مات الموصي، ثم مات الموصى له قبل قبول الوصية، فالوارث بالخيار، إن شاء قبل الوصية، وإن شاء ردّها، فإن قبلها عَتَقَ عليه ذلك الجزء الموصى به، وهل يسري العتق إلى الباقي إذا كان الوارث القابل موسرًا؟ هذا يستند إلى أصلٍ سيأتي استقصاؤه في كتاب العتق -إن شاء الله تعالى- وهو أن من ورث في صحته نصفًا من ابنه، وعتَقَ عليه، لم يسر العتق إلى الباقي وإن كان الوارث موسرًا؛ لأنه لم يتسبَّب إلى تحصيل الملك في المقدار الذي عتق عليه، فيبعد أن يلزمَه غرمٌ في الباقي، وإذا بعُد تغريمه، امتنعت السراية؛ فإنها من غير غُرم محال.
ولو اشترى النصفَ ممن يعتق عليه، وجرى القضاء بنفوذ العتق فيه، فالعتق يسري إلى باقيه إن كان المشتري ذا وفاءٍ بقيمة الباقي، والسبب فيه أنه أقدم على تحصيل الملك [قصدًا بمسلك وُضِعَ لجلب] (٢) الملك مباشرة من غير تخلل واسطة.
ولو اشترى المكاتب ابنَ سيده، ثم عجز عن أداء النجوم، فردّه مولاه إلى الرق، فلا شك [أن] (٣) ابن السيد يعتِق عليه لدخوله في ملكه، فلو كان اشترى المكاتَب نصفَ ابن سيده، ثم جرى التعجيز، والإرقاق وعَتَق عليه ذلك النصف، فهل يسري العتق إلى باقيه؛ فعلى وجهين: أحدهما - يسري؛ لأن سبب الملك إرقاق المكاتب ورده قِنًّا، وذلك جرى باختيار السيد، فأشبه ما لو اشترى النصف من ابنه.
والوجه الثاني - أن العتق لا يسري؛ فإن الملك في بعض الولد ليس مقصودًا في عينه، وإنما جرى القصد في الإرقاق، ثم ترتب عليه انقلاب أكساب المكاتب إليه، ولهذا نظائر ستأتي مشروحة -إن شاء الله- فيما نذكره (٤)، وهو:
_________________
(١) (س): ممن يعتق.
(٢) في الأصل: قصد المسلك موضع بجلب.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) (س): ومما نذكره مسألة ابن الحداد.
[ ١١ / ٢٦٢ ]
٧٥١٢ - مسألة ابن الحداد: من أوصى لإنسان بنصف عبد، وكان ذلك العبد ممن يعتِق على وارث الموصى له، فمات الموصي، ومات الموصى له، وقَبِل الوارثُ الوصية، فهذا يخرّج على أن وارث الموصى له إذا قبل الوصية، فالملك يحصل للموصى له، ثم ينتقل إرثًا إلى الوارث، أم يحصل الملك للوارث ابتداء؟ وقد ذكرنا تقرير ذلك على أبلغ وجه في البيان.
فإن فرعنا على الأصح وهو أن الملك يحصل للموصى له، ثم ينتقل إرثًا إلى الوارث، فإذا نفذ العتق في ذلك المقدار الموصى به، فهل يسري؟ فعلى الوجهين المقدمين؛ فإنه قد قصد واختار، ولكن لم يقع الملك له من غير واسطة، بل تضمّن قبولُه تحصيلَ الملك للموصى (١) له، ثم ترتب عليه انتقالُ الملك إليه، فالتحق هذا بمسألة المكاتب وما في معناها.
وهذه المسائل تدار على ثلاث صور: إحداها - ألا يكون لمن يعتِق عليه اختيار أصلًا، فإذا جرى مثل هذا في البعض وعتِق، لم يسر.
والصورة الثانية - أن يختار مباشرة التملك، كما إذا ابتاع البعضَ من [ولده] (٢) أو اتهب، فإذا عتِق عليه، سرى إذا كان موسرًا.
والصورة الثالثة - أن يختار سببًا يُفضي إلى حصول الملك بواسطة، فإذا حصل العتق، ففي السريان وجهان.
وإن قلنا: وارث الموصى له يملك الموصى به من غير تقدير إرث، فهذا يلتحق بما إذا اتهب البعض من [ولده] (٣) أو اشتراه.
٧٥١٣ - مسألة: إذا قال: أعتقوا فلانة بعد موتي، أو قال: إذا مت، فهي حرة، وكانت حاملًا ولم يستثنِ حملَها، ولا تعرض له، فإذا أعتقت الجارية بعد موته، والحملُ جنين، قال الشيخ أبو علي: يسري العتق إلى الحمل إذا وسع الثلث.
_________________
(١) (س): تحصيل الملك له.
(٢) في الأصل: داره.
(٣) في الأصل: داره.
[ ١١ / ٢٦٣ ]
فإن قيل: لو أوصى بإعتاق قسط من عبده، نفذ (١) العتق فيه، ولم يسر، مع أن وضع العتق على السريان، ولو أعتق أحدُ الشريكين نصيبَه من عبدٍ مشترك، وكان موسرًا، نفذ العتق إلى نصيب صاحبه، ولو كانت الجارية الحامل ملكًا لزيد وكان حملها ملكًا لآخر، [فإن] (٢) فرضت الوصية بالجارية لزيد وبحملها لعمرٍو، فإن أعتق [مالك] (٣) الجاريةِ [الجاريةَ] (٤) لم يسر العتقُ إلى الولد. فإذا كان لا يسري العتق في البعض في حق الميت إلى باقي العبد، مع أن العتق يسري إلى ملك الغير، فكيف يسري العتق من الأم إلى الحمل، مع أن عتق الأم لا يسري إلى الولد المجتنّ في البطن؟ أجاب الشيخ عن هذا، [بأن] (٥) قال: العتق لا ينفذ في الحمل على مذهب السريان، ولكن اسم الجارية يتناول التي سماها مع جنينها، ولهذا يشتمل البيع الوارد على الأم الحامل على حملها.
هذا قول الشيخ، وقد قدمت لبعض الأصحاب أن الوصية بالجارية مطلقًا لا تتضمن الوصية بحملها (٦)، وإذا كان كذلك، فيخرج من هذا أن الوصية بإعتاق الجارية يجوز ألا يتناول ولدَها، وقد بطل (٧) السريان على الميت، فينتظم منه أن العتق لا يتعدى إلى (٨) الحمل، وهذا متجه، وإن قطع الشيخ بما ذكرناه.
٧٥١٤ - ولو كانت الجارية حاملًا، وقال: أعتقوا عيْنَ (٩) هذه دون حملها، فاستثنى الحملَ مصرحًا [ناصًّا] (١٠) فإذا أعتقت الجارية، فهل يعتِق ولدُها؟ ذكر الشيخ
_________________
(١) (س): تعدى.
(٢) في الأصل: بأن.
(٣) في الأصل: بمالك.
(٤) مزيدة من (س).
(٥) في الأصل: وقال.
(٦) (س): بجملتها.
(٧) (س): يبطل.
(٨) (س): على.
(٩) (س): عنى.
(١٠) زيادة من (س).
[ ١١ / ٢٦٤ ]
أبو علي وجهين في هذه الصورة: أحدهما - أنه لا يعتِق ولدُها، وهو المذهب المبتوت الذي يبعد عن القياس غيرُه؛ فإنا إن قلنا في صورة الإطلاق: يعتِق الولدُ لاشتمال الاسم على الحمل، فهذا لا يتحقق مع التصريح باستثناء الحمل، وقد ذكرنا أن السريان لا سبيل إلى الحكم به في حق الميت.
والوجه الثاني - أن الولد يعتِق، وإن استثناه إذا اتسع الثلث، كما سنصف التفصيل فيه -إن شاء الله- ووجهه أن الحمل بمثابة عضو من الأم في قواعدَ، أَوْلاها بذلك العتقُ، لما له من السلطان، فاستثناؤه ينزل منزلة استثناء عضو منها، بعد توجيه العتق عليها، مثل أن يقول: أعتقت هذه إلا يدها.
ولو قال لجاريته الحامل بولد رقيق في مرض موته: أنت أو حملُك حر، فردّد العتقَ بين الأم وبين الولد، قال الأئمة: نقرع بعد موته بين الحمل وبين الأم؛ فإن خرجت القرعة على الحمل عتَق واقتصر العتق عليه؛ فإن المذهب الأصح الذي نقله المعتبرون أن العتق لا يسري من الحمل إلى الأم بخلاف الأعضاء؛ فإن المالك لو وجه العتقَ على عضو من مملوكه، عتق المملوك، كما سيأتي مشروحًا في كتاب الطلاق، إن شاء الله تعالى - فإن خرجت القرعة على الأم عَتَقت.
والمسألة مفروضة فيه إذا كان الثلث يسع الأم والولدَ جميعًا معًا، فإذا عتقت والثلث يتسع (١)، فهل يعتق الحمل؟ فعلى الوجهين اللذين ذكرناهما فيه إذا أوصى بإعتاق الأم واستثنى الولد، وذلك أن ترديد العتق بين الأم والولد يتضمن ألا يجمع العتق فيهما. فإن قلنا: الحمل لا يعتق، فوجهه اتباع قول المريض، وإن قلنا: إنه يعتق، فوجهه تنزيله (٢) منزلة عضوٍ من الأم في العتق الغالب، وهذا يقتضي أن يسري العتق من الحمل إذا وجه عليه إلى الأم، كما ينفذ العتق الموجه على طرف من أطراف المملوك، ولم يصر أحدٌ من أئمة المذهب إلى ذلك، إلا الشيخ أبو بكر الطوسي (٣)
_________________
(١) (س): متسع.
(٢) (س): بين منزلة.
(٣) الشيخ أبو بكر الطوسي، هو محمد بن بكر بن محمد أبو بكر الطوسي النَّوْقاني كان إمام أصحاب الشافعي بنيسابور، كان إمام العلم والعمل، عرف بالتقوى والزهد، والرغبة عن =
[ ١١ / ٢٦٥ ]
﵀ [فإنه] (١) قال: يسري العتق من الحمل إلى الأم. وهذا فيه ضعفٌ؛ فإن انفراد الحمل بالحرية ليس بدعًا، والأمَةُ الرقيقة قد تَعْلق بولدٍ حر، وإنما يجب الحكم بنفوذ العتق إذا وُجّه على طرفٍ؛ لأنه لا يتصف (٢) بالعتق، ففي ترك التسرية (٣) تعطيل العتق، والحمل يعتق، وليس جزءًا شائعًا من الأصل.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الثلث يسع الأمَّ والحمل.
٧٥١٥ - فأما إذا خرجت القرعة على الأم واحتملها (٤) الثلث وحدها، ولم [يحتمل] (٥) حَمْلها، فإن قلنا: إن الحمل لا يعتِق إذا اتسع (٦) الثلث واحتملها، فلا إشكال، فيقتصر العتق على الأم، وإن قلنا: العتق يسري إلى الولد [إذا اتّسع] (٧) الثلث وإن استثناه صريحًا، ففي هذه الصورة وقد ضاق الثلث وجهان: أحدهما - أنا نعتق من الجارية مع الحمل ما يسعه الثلث، فيعتق منها مقدارٌ، ومن حملها مقدار، بحيث لا يزيد المقداران على الثلث، وذلك بأن نقوّمها حاملًا، ثم نرِق منها ومن ولدها ما يزيد على الثلث.
والوجه الثاني - أن الأم تعتق دون الحمل، وإن كنا نرى التسرية إلى الحمل، فنضطر (٨) هاهنا إلى ترك التسرية؛ فإن الحمل يقع وراء الثلث، ولا يتعدى تبرع
_________________
(١) = الحياة وكراهية الدخول على السلاطين، تفقه به جماعة منهم الأستاذ أبو القاسم القشيري، نقل عنه الرافعي في الإجارة، بهذا اللقب، فقال: "وعن الشيخ أبي بكر الطوسي" ونقل عنه في الجنايات، وفي القصاص. توفي بنوقان في ٤٢٠ هـ أربعمائة وعشرين للهجرة. (ر. طبقات الفقهاء: ١٣٢، وطبقات السبكي: ٤/ ١٢١، وطبقات الإسنوي: ٢/ ١٥٧).
(٢) في الأصل: بأنه.
(٣) (س): لا ينصرف.
(٤) (س): التسوية.
(٥) (س): أو حملها الثلث وحدها.
(٦) في الأصل: يحصل.
(٧) (س): امتنع.
(٨) في الأصل: إذ لا يتسع الثلث.
(٩) (س): فيه ظهر هنا إلى ترك ..
[ ١١ / ٢٦٦ ]
المريض إلى [ما] (١) يقع وراء الثلث، فالحمل إذًا بمثابة الحمل الحر، ولو كانت حاملًا بولدٍ حُرٍّ، لنفذ العتق فيها ولا معنى لنفوذه في حملها وهو حر الأصل.
وقد نجز الغرض من المسألة.
٧٥١٦ - مسألة: الرجل إذا كانت له جاريةٌ مملوكة، ولتلك الجارية ابنان حرّان: أحدُهما من سيدها، وكانت علقت به حرًا من السيد قبل أن ملكها، بأن نفرض وطء شبهة، أو وطئًا في نكاح على حكم الغرور، والولد الثاني كان من غير السيد -وتصويره سهل- فلو أوصى بهذه الجارية للابن الذي ليس منه، ومات الموصي وخلّف ابنه منها وارثًا، فإن كان الثلث يحمل الجارية، فلا يخلو إما أن يقبل الموصى له الوصية، وإما أن يردّها، فإن قبلها، عتِقت عليه؛ فإنها أمه دخلت في ملكه، وإن ردّ الوصية، عتقت أيضًا على ابنها من سيدها.
ولو كان الثلث لا يحتمل خروجها، فالابن الوارث لا يخلو إما أن يجيز الزائد على الثلث، وإما أن يردّ الزيادة: فإن ردّ الزيادة على الثلث وقبل الموصى له القدرَ الخارج من الثلث، فيعتق على الموصى له القدرُ الذي صحت الوصية فيه، ويعتِق على ابن السيد منها باقيها.
هذا إن أراد الوارث ردَّ الزائد على الثلث.
وإن أراد أن يجيز الوصية بكمالها، فقد قال الشيخ أبو علي ﵁: هذا يخرّج على أن الإجازة ابتداء عطية من المجيز أم تنفيذ وصية؟ وفيه قولان، فإن قلنا: إنها ابتداء عطية، فلا يجد الابن الوارث إلى إجازة الوصية في الزيادة سبيلًا؛ لأن حقيقة هذا القول أن الزائد على الثلث دخل في ملكه قطعًا، وإذا دخل عتق (٢)، فلا يتأتى ابتداء العطية فيما ملكه وعَتَق عليه.
وإن قلنا: الإجازة تنفيذ وصية، فإذا أجاز الابن الوارثُ، صحت الوصية، ونفذت بكمالها على الابن الموصى له إذا قبل الوصية، وتعتِق عليه لا محالة.
_________________
(١) في الأصل: لما.
(٢) (س): ملك.
[ ١١ / ٢٦٧ ]
وهذا فيه سرٌّ (١) يجب التنبّه له، وهو أن قائلًا لو قال: إذا منعنا ثبوت الخيار في شراء من يعتق على المشتري، فكأنا حسمنا مسلك ردّ الملك والعتق، وهذا القياس يقتضي أن نقول: لا يتخير الابن الوارث في إجازة الوصية، بل يعتِق عليه بعضُها، وتنقطع الخِيَرةُ، وهذا إن قيل به، فليس ببعيد. ولكن سرّ الفقه ما ذكره الشيخ، وهو أن الإجازة تنفذ على قولنا: إنها (٢) تنفيذ وصية، فإن معنى هذا القول أنّا عند الإجازة نتبيّن أن الوصية بكمالها نفذت من الموصي، [إلا] (٣) أن ذلك القدر الزائد يدخل في ملك المجيز، ثم يخرج بالإجازة، وسبيل تخيّره في الإجازة كسبيل تخير الإنسان في اتّهاب من يعتق عليه إذا وهب منه.
هذا تمام البيان في ذلك.
٧٥١٧ - ولو كان للرجل جاريةٌ، ولها ابن حرٌّ من غيره، وللسيد أخٌ، أو وارثٌ غيرُه، بحيث لا تعتِق الجاريةُ عليه، فإذا أوصى بالجارية لابنها، فلو لم [تخرج] (٤) الجارية من الثلث، فاعتق الوارث القدر الذي لم يخرج من الثلث من الجارية، وقبل الموصى له الوصية، قال ابن الحداد: نفذ العتق على الموصى له، ولم يسْرِ العتق في حق واحدٍ منهما، بل ينفذ إعتاق الوارث في الزائد على الثلث إنشاءً، ويعتِق على الموصى له ما قَبِل الوصية فيه. هكذا قاله الشيخ أبو علي (٥).
قال الأصحاب: ما ذكره من نفي السراية من الجانبين مطلقًا غيرُ سديد، والوجه تخريج المسألة على القولين في أن الملك في الموصى به متى يحصل (٦)؟ فإن قلنا: يحصل مستندًا إلى موت الموصي، فعلى هذا يعتق على الموصى له قدرُ الوصية، ويسري عتقه إلى نصيب الورثة؛ فإن وقوع العتق تبينًا (٧) يتقدم على إعتاق الوارث،
_________________
(١) (س): بحث.
(٢) (س): على قولنا: وصية.
(٣) في الأصل: ولا.
(٤) في الأصل: يجز.
(٥) قاله الشيخ أبو علي: أي نقلًا عن ابن الحداد في شرح الفروع.
(٦) عبارة (س) فيها خرم واضطراب: "في الملك في الموصى له متى يحصل مستندًا إلى ".
(٧) ساقطة من (س).
[ ١١ / ٢٦٨ ]
والمسألة مفروضةٌ في بيان (١) الموصى له والوارث جميعًا.
وإن قلنا: إن الملك يحصل عقيب القبول، فينفذ عتق الوارث في قدر الزيادة، ويسري عتقه إلى نصيب الوصية؛ إذْ (٢) لم يثبت في الوصية حق العتق بعد، فإذًا تثبت السراية على القولين، على خلاف ما قاله ابن الحداد، ولكن يختلف المذهب فيمن يسري عتقه، كما اقتضاه التفريع.
ثم إذا سرّينا عِتْقَ الوارث، فإنه يغرم للابن قيمة مقدار الوصية، وهذا يقع بدْعًا؛ فإن قيمةَ الأم غُرمت له، ولم تعتق عليه، والسبب فيه أن قبوله صادف الغُرْم، والقيمةُ لا تقبل العتق.
٧٥١٨ - ثم ذكر ابن الحداد على الاتصال بهذا مسألةً وأجاب فيها بجواب يخالف جوابه في هذه المسألة، فقال: لو أْوصى بعبدٍ لمن يعتِق عليه ولأجنبي، لكلِّ واحدٍ منهما النصفُ، فإن قبلا معًا، عتق نصيب الابن، وسرى عتقُه إلى الذي هو للأجنبي، إذا كان الابن موسرًا، وكذلك إن قبل الابن نصيبه أولًا، فيعتِق نصيبه ويسري العتق إلى نصيب الأجنبي، ثم إن قبل الأجنبي الوصيةَ، فعلى الابن قيمةُ نصيبه، وإن ردّ الأجنبي الوصيةَ، ارتد نصيبه إلى الوارث، فيغرَم للوارث قيمةَ نصف العبد (٣).
قال: ولو قبل الأجنبي أولًا نصيبه، وأعتقه إنشاء، ثم قبل الابن نصيبه، فهذا يخرّج على القولين في أن الملك متى يحصل للموصى له؟ فإن قلنا: إنه يحصل له الملك عقيب القبول، فقد نفذ إعتاق الأجنبي في نصيبه، وسرى إلى نصيب الابن، ويغرَم للابن قيمةَ نصيبه.
وإن قلنا: إن الملك يستند إلى [مَوْت] (٤) الموصي، فعلى هذا إذا قبل الابن،
_________________
(١) "بيان" سقطت من (س).
(٢) (س): أو لم يثبت.
(٣) ويغرم للوارث قيمة نصف العبد: هذا يقع بدْعًا على حدّ تعبير الإمام الذي مرّ آنفًا، والسبب فيه أن ردّه صادف نصف القيمة، والقيمة لا تقبل العتق.
(٤) في الأصل: "ثبوت".
[ ١١ / ٢٦٩ ]
بان أنه عتَق نصيبه بعد الموت، وسرى العتق إلى نصيب الأجنبي.
هذا تفريع ابن الحداد على القولين أجراه على السداد، ولم يتعرض له في المسألة السابقة. وهذا زلل غريب؛ فإنه أغفل أصلًا، ثم ذكره وفرّع عليه على الاتصال، ولم يستدرك، ولم [يُسَبِّب] (١) بفرقٍ، وكيف نقدر الفرق في تفريعِ أصلٍ واحد!!
٧٥١٩ - مسألة: إذا أوصى بعبدٍ لأبيه الحرّ أو لابنه، ومات الموصي، ثم مات الموصى له قبل قبوله الوصية، وخلّف ابنين.
فإن ردّا الوصية، فلا كلام.
وإن قبلا، فظاهر المذهب أن الملك يحصل للمتوفى الموصى له، فعلى هذا يعتِق العبد على المتوفى، لأنه يدخل في [ملك من] (٢) يعتِق عليه. هذا هو المذهب.
قال الشيخ: قد ذكر بعض أصحابنا: أنه لا يصح قبولهما، ولا قبولُ أحدهما؛ فإنا لو صححنا القبول، لحكمنا بالعتق على الموصى له، ولو عتق عليه، لثبت له الولاء، ولكان الورثة قد أَلْزَموه الولاء من غير اختيارٍ فرطَ منه في حياته، وهذا الوجه ضعيف.
هذا إذا قبلاه أو ردّاه.
فأما إذا قبل أحدهما الوصيةَ وردّ الثاني، فالذي ذكره الأصحاب أن القدر الذي قبله يعتِق على الميت. ثم إن كان في يد القابل من التركة ما يفي بالسراية، سرى العتق فيه، وبذل القابل القيمة مما في يده، وينفذ العتق على الميت [في] (٣) هذه الصورة ابتداءً وسرايةً. هكذا ذكره الأصحاب. ولو لم يكن في يده من التركة شيء أصلًا، فلا يسري العتق.
ثم قالوا: يعتبر في ذلك ما في يد القابل من التركة، ولا يعتبر ما في يد صاحبه؛ فإنه ردّ الوصية، ولم يختر قبولَها.
_________________
(١) في الأصل: "يسيب" وفي (س): "تثبيت" مع إسقاط كلمة: (بفرق).
(٢) في الأصل: ملكه متى. (وس): ملكن من.
(٣) في الأصل: من.
[ ١١ / ٢٧٠ ]
قال الشيخ: الذي عندي فيه أنه إذا قبل أحدُهما وردّ الثاني، فيعتق القدر الذي قبله، ولا يسري أصلًا؛ فإنه لو سرى، لسرى على الميت، وقد ذكرنا أن العتق لا يسري على الميت؛ لأن حكمه حكم المعسرين.
ولا وجه إلا ما ذكره الشيخ، وما سواه غلط في القياس.
ثم قال ﵁: إذا قبل أحدهما، وعتق ما قبله، أو قلنا بالسراية على رأي الأصحاب، فسرى إلى التمام، فالولاء للميت، ويرث به الابن القابل، وهل يرث به الابن الذي لم يقبل؟ ذكر فيه وجهين: أحدهما - أنه يرث به؛ إذ الولاء [يثبت] (١) للموروث في الأصل، فاستوى فيه الورثة، وهذا هو الصحيح.
والثاني - أنه يختص بالإرث بالولاء من تسبب إلى جَلْبه، وهذا ضعيفٌ؛ فإن الولاء ليس يورث، بل يورث به، وإذا ثبت الولاء للموروث، وجب [توريث] (٢) كافة الورثة به (٣).
٧٥٢٠ - مسألة: إذا قال: إذا مت، فعبدي حر، أو قال: إذا مت، فاصرفوا إلى فلان كذا.
فإذا قُتل، فهو كما لو مات حتف أنفه؛ فإن كلّ قتيلٍ ميت (٤)، ويجب طرد هذا في (٥) عاقبتي اليمين حنثًا وبرًّا.
ولو قال: إن مت من مرضي هذا، فعبدي حر، فبرأ [واستبلّ] (٦)، ثم مرض
_________________
(١) زيادة من (س).
(٢) في الأصل: توريثه.
(٣) ساقطة من (س).
(٤) (س): مريض.
(٥) (س): على مبنى اليمين.
(٦) في النسختين: استقلّ. والمثبت تقدير منا على ضوء المعنى وعلى المعهود لدينا من ألفاظ إمام الحرمين. واستبلّ معناها شفي من مرضه وعوفي، من قولهم: بلّ من مرضه: بَرَأ (معجم ومصباح).
[ ١١ / ٢٧١ ]
ومات، فلا يعتِق عبدُه؛ [فإنه] (١) علّق وصيتَه على هذا الوجه بموته من ذلك المرض، [فلم] (٢) تثبت الوصية.
ولو مات، فاختلف الموصى له والوارث، فزعم الوارث أنه مات من مرضٍ آخر، وزعم الموصى له أنه مات من ذلك المرض بعينه. قال ابن الحداد: القول قول الوارث؛ فإن ما قاله محتمل، والأصل عدم ثبوت الوصية.
قال الشيخ: هذا هو المشهور، ومن أصحابنا من قال: القول قول الموصى له؛ فإنه قد ثبت موتُه، والأصل بقاء ذلك المرض، والوارث يدّعي زوالَه وارتفاعَ وصيةٍ ثبت أصلُها. وابن الحداد يقول: الوصية إنما تثبت إذا ثبت الموت من ذلك المرض.
والصحيح ما قاله ابن الحداد.
٧٥٢١ - مسألة: إذا قبل الموصى له الوصية، ثبت ملكه في الموصى به، ولم يتوقف حصوله على القبض والتسليم، بخلاف الهبات.
ثم الذي قطع به المراوزة أن الموصى له لو حاول ردّ الوصية بعد قبولها وقبْل القبض لم يكن له ردُّها، ولو ردّها، لم ترتد؛ فإن المنح والتبرعات إذا أفضت إلى تحصيل الملك، لم تَقبل الفسخ والنقضَ، والرجوعُ الذي أثبته الشرع في الهبات في حق بعض الناس في حكم تملك جديد أثبته الشرع.
وذكر العراقيون هذا وارتضَوْه، وحكَوا معه وجهًا آخر، وهو أن الموصى له بالخيار في الردّ -وإن قبل- ما لم يقبض، فإذا قبض (٣)، لم يصح منه الرد بعد القبض والقبول. وهذا ضعيف لا مستند له من أثرٍ ولا معنى، فلست أعتد به.
_________________
(١) في النسختين: وإن. والمثبت تصرفٌ من المحقق رعايةً للسياق.
(٢) في الأصل، وكذا (س): لم. والمثبت تقدير منا اقتضاه سلامة العبارة.
(٣) (س): قيل.
[ ١١ / ٢٧٢ ]