٧٣٦٢ - منها: أنه لو قال الموصي: أوصيت لحمل فلانة بكذا، فخرج اثنان حيان، فالوصية لهما جميعًا.
ولو خرج أحدهما حيًّا والآخر ميتًا، فجميع الوصية للحي، ويجعل كأن الميت لم يكن، ولا نقول: إن الوصية تتقسط على الولدين، ثم تبطل حصة الميت، وليس كما لو أوصى لحي وميت ابتداء، فإنا قد نسقط قسطًا من الوصية، على ما سيأتي ذلك مشروحًا من بعدُ، إن شاء الله ﷿.
هذا ما ذكره صاحب التقريب، ووجهه أن الميت غيرُ معتد به في الحمل، وكأنه عَلقَة أو مُضغة، ولا حمل إلا الحي، وليس يخلو ما ذكره [عن كلام] (٢)؛ فإنه لو أوصى لحمل امرأة، فانفصل ميتًا، فقيل: الوصية باطلة كما إذا ابتدأ، فأوصى لميت، والميت حمل، فلا (٣) تصح الوصية له، فلا يبعد عن القياس أن نقول: لو نيطت الوصية [بالحمل] (٤) وهو حي وميت، فليبطل قسطٌ منها يقابل الميت.
٧٣٦٣ - ومما ذكره صاحب التقريب أنه لو قال: إن كان حملك غلامًا، فقد أوصيت له بألف، فأتت بغلامين، فلا شيء لواحد منهما؛ فإن حملها عبارة عن جميع ما يحتوي عليه رحمها، فقد بان أن حملها لم يكن غلامًا، بل كان غلامين. وكذلك لو أتت بغلام وجارية.
٧٣٦٤ - [ومثله لو] (٥) قال: إن كان في بطنك غلام، فقد أوصيت له بألف، فخرج غلام وجارية، صح الألف للغلام؛ فإنه كان في بطنها غلام، ومثله لو خرج غلامان،
_________________
(١) في الأصل: مسألة.
(٢) زيادة اقتضاها السياق.
(٣) عبارة الأصل: " والميت حمل ولكن لا تصح الوصية له " والمثبت تصرفٌ منا، ساعدنا عليه أن كلمة [لكن] أقحمت من الناسخ بين السطور.
(٤) في الأصل: للحمل.
(٥) في الأصل: وبمثله أو.
[ ١١ / ١١٧ ]
فالوصية ثابتة، ثم ذكر قولين بعد الحكم بثبوت الوصية: أحدهما - أن الخيرة في ذلك إلى الوارث [يصرف الألف] (١) إلى أي الغلامين شاء، ولا سبيل إلى التشريك؛ فإنه ما أوصى لجميع الحمل، بل أوصى لغلام في البطن، والوارث ينزل منزلة الموروث في التعيين.
هذا قولٌ.
والقول الثاني - أنه لا خيار للورثة في ذلك، ثم على هذا القول قولان: أحدهما - أن الموصى به مقسوم على الغلامين نصفين، إذ ليس أحدهما أولى من الثاني، واسم الغلام يتناول كلَّ واحد منهما. وقد ثبتت الوصية، والقول الثاني - أنه مالٌ مشاعٌ بينهما، يدّعيه كل واحد منهما، فهو موقوف إلى أن يصطلحا.
وهذا يضاهي مسألة ستأتي في نكاح المشركات، وهي أن الكافر لو أسلم عن ثمانٍ، وأسلمن معه، ولم يتفق أن يختار أربعًا منهن، فإذا مات قبل الاختيار، فظاهر المذهب أنه يوقف بينهن ميراث زوجة إلى أن يصطلحن.
وفي المسألة قولٌ آخر حكاه صاحب التقريب: أن الميراث مفضوضٌ عليهن بالسوية؛ إذ ليس إحداهن أولى به من صواحباتها. وليس هذا كالطلاق المبهم، على ما سيأتي مشروحًا، إن شاء الله ﷿.
٧٣٦٥ - ولو قال الرجل: أوصيت لأحد هذين الرجلين بألفٍ، وأشار إلى زيد وعمرو، ثم توفي قبل التعيين.
قال صاحب التقريب: هذه المسألة كمسألة الحمل، وقد قال: إن كان في بطنك غلام، فقد أوصيت له بألف، فانفصل غلامان، ووجه التشبيه [بيّن] (٢)، وقد ينقدح للفقيه فرقٌ بينهما؛ فإن قوله: أوصيت لأحدكما تنصيصٌ منه على تخصيص أحدهما بالاستحقاق، وحرمان الثاني، فيبعد قول الاشتراك في هذه المسألة، ويجرى قولُ تعيين الوارث، وقول الوقف بينهما.
_________________
(١) في الأصل: ينصرف الأول.
(٢) زيادة اقتضاها السياق.
[ ١١ / ١١٨ ]
وإذا قال: إذا كان في بطنك غلام، أمكن أن يُتخيّل من لفظه صرف الوصية إلى جنس الغلامين؛ إذ ليس في لفظه نفيٌ وإثبات بين غلامين، ومسألة نكاح المشركات بالوصية لأحد الرجلين أشبه؛ فإن الزوجية لا يفرض شيوعها في ثمانٍ، على ما سنصف ذلك في موضعه، إن شاء الله ﷿.
٧٣٦٦ - ولو أوصى بشيء لحمل امرأة من زيد، فأتت به لأقلَّ من ستة أشهر من وقت الوصية، [فظاهر الإمكان] (١) يلتحق فيه [بزيد] (٢)، لكن زيدًا نفاه باللعان، فقد حكى العراقيون والشيخ أبو علي في ذلك وجهين: أحدهما - أن الوصية لا تثبت؛ فإن النسب من زيد قد انتفى، وشرط ثبوت الوصية ثبوتُ النسب من زيد.
والوجه الثاني - حكاه العراقيون عن أبي إسحاق المروزي: إن الوصية تثبت، وإن انتفى النسب باللعان؛ فإنه يثبت ظاهرًا [للإمكان] (٣)، وهو يعتمد للنسب، فإن نفينا النسب -لضرورةٍ داعية- باللعان، فلا ينقطع الإمكان المعتبر في باب الوصية، حكَوْا ذلك، وزيفوه [وعدّوه] (٤) من غلطاته.
٧٣٦٧ - ولم يتناه الشيخ (٥) في تزييف ذلك، وبنى عليه مسألة أخرى، تتعلق بأحكام النسب، فقال: لو أتت امرأةُ الرجل [بولدين] (٦) توأمين من بطن واحدٍ، فنفاهما الزوج باللعان، فلا شك أنهما يتوارثان بقرابة الأم، فإنهما يُنسبان إلى الأم، وإن كانت زانيةً، فهما إذًا أخوان من الأم، وهل يثبت بينهما أخوة الأب حتى يقال: إنهما أخوان من أبٍ وأمٍّ؟
ذكر الشيخ وجهين مأخوذين من المأخذ الذي ذكرناه في الوصية: أحدهما - أن
_________________
(١) ما بين المعقفين مكان كلمة غير مقروءة (انظر صورتها).
(٢) في الأصل: زيد.
(٣) في الأصل: ظاهر الإمكان.
(٤) في الأصل: وعلّوه.
(٥) الشيخ: المراد به الشيخ أبو علي السنجي.
(٦) في الأصل: مولدين.
[ ١١ / ١١٩ ]
الأخوّة من الأب لا تثبت بينهما؛ لأن الأبوة لم تثبت، بل انتفت. والأخوة من الأب متفرعة على الأبوة.
والوجه الثاني - أنه تثبت بينهما أخوة الأب؛ تعويلًا على الإمكان، وقيام الفراش، وكأن هذا القائل يزعم أن أثر اللعان في النفي يختص بالملاعِن؛ فإن اللعان حجةُ خصوص.
وهذا لا حاصل له، وهو من خيالات الاحتجاج.
فإن قيل: هلا تردد الأصحاب في أن الرجل إذا قذف امرأته بأجنبي (١)، [والْتعن فلا يندفع عنه الحد] (٢)؛ من جهة أن اللعان يختص بالنكاح ولا يتعلق بالأجنبي (٣)؟ قلنا: هذا مما يتوجه به أحد الوجهين، ثم الأصحاب [عدّوا] (٤) ذكر الأجنبي من الضرورة (٥)، على ما قررناه في مسائل اللعان.
٧٣٦٨ - ومما ذكره الشيخ أبو علي رحمة الله عليه في شرح الفروع أنه لو أوصى لحمل امرأة، فأتت بولد لدون ستة أشهر من وقت الوصية، ثم أتت بولدٍ آخر لأكثر من ستة أشهر من وقت الوصية، ولأقل من ستة أشهر من الولادة، فالوصية مصروفةٌ إلى
_________________
(١) بأجنبي: أي سمّى الزاني الذي قذفها بالزنا به.
(٢) ما بين المعقفين مكان عبارة غير مستقيمة، وفي أولها كلمة قرأناها بصعوبة (انظر صورتها).
(٣) المعنى لا يندفع عنه حد قذفه للأجنبي الذي ذكره؛ لأن أثر اللعان يختص بالنكاح، ولا يتعداه إلى غير الزوجين. والمذهب أن اللعان يُسقط حقَّ الأجنبي الذي قذفها به في المطالبة بالحد (ر. الروضة: ٨/ ٣٤٤).
(٤) في الأصل: عددًا.
(٥) عدوا ذكر الأجنبي من الضرورة: أي إذا قذف الزوج امرأته بأجنبي عيّنه، فيذكر اسمه ضرورة في صيغة اللعان عند ملاعنته زوجته، فيشهد بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا بفلان، فإن فعل ذلك سقط عنه الحد بقذف هذا الأجنبي، فإن لم يذكره، لم يسقط عنه الحد، وجاز لهذا الأجنبي أن يطالب بحده حدّ القذف، قال النووي: هذا هو الأظهر. فعلى هذا إن أراد إسقاط حق الأجنبي، فطريقه أن يعيد اللعان ويذكره. قلت (عبد العظيم): جعل ذكره الأجنبي ضرورة ردُّ على من قال: إن اللعان يختص بالنكاح، ولا يتعلق بالأجنبي. (ر. روضة الطالبين: ٨،/٣٤٤، ٣٤٥).
[ ١١ / ١٢٠ ]
الولدين جميعًا؛ فإنا تبيّنا أنهما حملٌ واحد؛ تحققنا الوجود بانفصال الولد الأول دون ستة أشهر، [وتحققنا من وجود الثاني لانفصاله بعد الأول لدون ستة أشهر] (١) فانتظم من مجموع ذلك أنا استيقنا وجودهما جميعًا حال الوصية.
وهذا ظاهر [لا إشكال] (٢) فيه.
وقد انتهى تفصيل القول في الوصية للحمل.
٧٣٦٩ - [ونحن] (٣) الآن نذكر الوصية بالحمل فنقول: الوصية بالحمل جائزة إذا تحقق وجوده حالة الوصية، [بان] (٤) تأتي الأم به لأقلّ من ستة أشهر من وقت الوصية.
فإن كانت الوصية [بحمل بهيمة] (٥)، فالرجوع [فيها] (٦) إلى أهل الخبرة، فإن [زعموا] (٧) أنه لم يحدث علوق بعد الوصية، فالحمل [موصىً] (٨) به إذا انفصل.
وليس عندنا في حمل البهائم ضبط في الأوقات [يُرجَع] (٩) إليه، على حسب ما ذكرناه في بنات آدم؛ فإن العلماء اعتنَوْا بتتبع أوقات الحمل في النسوة، وأحاطوا بالأكثر والأقل، وحكَّموا الوجودَ (١٠) في ذلك تحكيمهم إياه في أقل الحيض وأكثره، وأوقاتُ الحمل في البهائم تختلف باختلاف أجناسها، فليقع الرجوع إلى أهل الخبرة، فإن قطعوا بطريان الحمل، فلا وصية، وإن قطعوا بوجوده، أثبتنا الوصية.
فإن كان قَرُبَ الزمان، فترددوا، فلم يُبعدوا طريان الحمل بعد الوصية، أبطلناها.
_________________
(١) زيادة اقتضاها السياق.
(٢) في الأصل: "ظاهر الإشكال" وهو عكس المعنى المراد.
(٣) في الأصل: والحق الآن.
(٤) في الأصل: منها.
(٥) في الأصل: ليحمل بهبة.
(٦) في الأصل: منها.
(٧) في الأصل: فإن فاعلموا.
(٨) في الأصل: مرضي به.
(٩) في الأصل: رجع.
(١٠) الوجود: أي الوقوع، وذلك هو المنهج الاستقرائي بعينه الذي يتبع في هذه الدراسات.
[ ١١ / ١٢١ ]
ومما يختص بهذا الطرف أنه لو أوصى لإنسان بحمل جارية منكوحة، فلو انفصل الحمل ميتًا، فلا أثر للوصية، ولو انفصل بجناية جانٍ وألزمناه ما يلزم في الأجنة (١) المملوكة [فالوصية] (٢) ثابتة، وما أُلزمه الجاني مصروف إلى الموصى له، وليس كما إذا كان الحمل موصىً له، ثم انفصل ميتًا بجناية جانٍ؛ فإنا لم نصادف للموصى له حياة، فوقعت الوصية [لمن] (٣) لم نعلم حياته، والحمل لا يمتنع تعلّقُ [الحكم] (٤) به حملًا، وإذا انفصل بجناية جانٍ، قام الغرم على الجاني مقام حياة الجنين لو انفصل حيًا؛ فإن المالية دامت بالتزام الجاني بدل الجنين.
وهذا واضح.
٧٣٧٠ - ولو أوصى بالحمل كما ذكرنا، فانفصل حيًا ومات، فمؤونة تجهيزه على الموصى له، ولو انفصل ميتًا، فالذي أراه أن الموصى له لا يلتزم مؤنة تجهيزه؛ من جهة أن الوصية تعتمد ثبوت المالية، أو ثبوت كون الموصى به منتفعًا به، ولم يتحقق واحد منهما، إذا انفصل الحمل ميتًا، فالوجه أن يتبع الحمل الجارية، فيقوم بتجهيزه من يقوم بمؤونة الجارية.
٧٣٧١ - ومما يتعلق الفصل [به] (٥) أنا إذا جوّزنا الوصية بالحمل، فيجوز استثناء الحمل من الوصية بالجارية، وذلك بأن يوصي لإنسان بجاريةٍ حاملٍ دون ولدها، وهذا على خلاف حُكمنا في البيع؛ فإنه لما لم يجز إفراد الحمل بالبيع، لم يجز استثناء الحمل عن بيع الجارية، على ما فصلتُ المذهبَ فيه في كتاب البيع.
ولا خلاف أنه لو أوصى بجاريةٍ لشخصٍ وبحَمْلها لآخر، صح، ولو أطلق الوصية بالجارية الحامل، ولم يتعرض لحملها بنفي ولا إثبات، [ففي] (٦) اشتمال الوصية على
_________________
(١) في الأصل: الأجنة والمملوكة.
(٢) في الأصل: بالوصية.
(٣) في الأصل: إن.
(٤) في الأصل: الكل.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) في الأصل: وفي.
[ ١١ / ١٢٢ ]
الحمل احتمال ظاهر، مستنده إلى تردد العلماء في أن الحمل هل يحل محل أجزاء الأم في تناوله الاسم المطلق الواقع على الأم؟ ولهذا التفات على قواعد يكفي التنبيه عليها.
ثم إن قلنا: لا يدخل تحت الوصية بالجارية، فإنه يبقى ملكًا للموصي، ثم يخلُفه الورثةُ فيه.
صيان قلنا: تتناوله الوصيةُ، فإذا انفصل قبل موت الموصي، وقد كان موجودًا حالة الوصية، فهو يوصي به.
فإن أوصى بالجارية مطلقًا، وقضينا باشتمال الوصية على الحمل، فلو أوصى بعد ذلك بحملها لآخر، فإن رجع عن الوصية الأولى، ثبت الرجوع، واختص الموصى له الثاني بالحمل، وإن لم يرجع عن الوصية الأولى، ازدحمت وصيتان على الحمل، وكان هذا كما لو أوصى بعبدٍ لزيد، ثم أوصى به لعمرو، فالعبد بينهما نصفان.
وحساب المسألة يقام على قاعدة [العول] (١)، فهذه مسألة عالت [بكلها] (٢) ويقتضي ذلك التنصيف.
٧٣٧٢ - ومما يتعلق بهذا المقصود أنه لو أوصى بحمل جاريةٍ، ثم تحققنا أنه لم يكن حالة الوصية حملٌ، ولكن الجارية علقت بعد الوصية، فليس الحمل الحادث موصىً به.
وإن تردد الأمر، فهو على القياس [المقدّم] (٣) في الوصية للحمل.
٧٣٧٣ - ولو قال الموصي: أوصيت لك [بما] (٤) ستحمل هذه في المستقبل، أو أَوْصى [بنتاجٍ اعتاده] (٥) في المستقبل.
_________________
(١) في الأصل: القول.
(٢) في الأصل: وكلها. ومعنى عالت بكلها، أي ضعفها، أي بمثل الأصل.
(٣) في الأصل: العدم.
(٤) في الأصل: ما.
(٥) كذا قرأناها بعد جهدٍ جهيد. فحمدًا لله ملهم الصواب.
[ ١١ / ١٢٣ ]
ضبطُ (١) المذهب في ذلك أن الوصية بمنافع الدار وغيرها في المستقبل جائزة وفاقًا -على ما سنعقد في ذلك فصلًا على أثر هذا، إن شاء الله ﷿- وإن (٢) كانت المنافع معدومة في الحال؛ لأن الشرع ألحق [توقّعَ] (٣) الوجود منها حالًا على حال بتحقق الوجود في الأعيان، ولذلك صحت الإجارة، ومقصودُها المنافع التي ستكون.
فأما إذا أوصى بما سيكون من حمل، أو نتاجٍ، ففي صحة الوصية وجهان مشهوران: أحدهما - أنها تصح قياسًا على المنافع.
والثاني - لا تصح؛ فإن ارتقاب وجود المنافع تباعًا ووِلاء في الاعتياد ملتحق بالحاصل الكائن، والنتاج والولد [أعيان] (٤) لا يستند التوقع فيهما إلى ثبت واطراد في الاعتياد.
ولو أوصى لإنسان بالثمار التي ستكون في مستقبل الزمان، فلأئمتنا طريقان: منهم من ألحق هذه الوصية بالوصية بالنتاج المنتظر والحمل المتوقع؛ من جهة أن الثمار إذا وجدت، كانت أعيانًا كالنتاج والولد، وليست كالمنافع؛ فإن المنافع في وجودها لا تبقى، فلا تعويل على وجودها؛ إذ لا ننالها بعد الوجود، ولو لم يكن التصرف متقدمًا على وجودها، لم يُتصوّر فيها التصرف، والأعيان إذا وجدت، بقيت، فأمكن ارتقاب وجودها حتى يعتمدَ التصرفُ الوجودَ المستمر.
ومن أئمتنا من ألحق الثمار بالمنافع، فقطع بجواز الوصية بها، واستدل هؤلاء بأن قالوا: وجدنا في قبيل الثمار تصرفًا لازمًا واردًا على الثمار المتوقعة، وهي المساقاة، فالتحقت الثمار لذلك بالمنافع، وليس في قبيل المعاملات ما يلزم على الحمل والنتاج في الاستقبال.
_________________
(١) ضبط المذهب: حقه أن يكون بالفاء جوابًا للشرط. ولكنه جعل الجواب مفهومًا، تقديره: فما الحكم؟ وجاءت هذه استئناف كلام.
(٢) وإن كانت: متعلق بقوله: جائزة.
(٣) في الأصل: يرفع.
(٤) في الأصل: عيان.
[ ١١ / ١٢٤ ]
وإن التفت ملتفتٌ إلى السّلم في الحيوان، فهو [منقطع عما] (١) نحن فيه؛ فإن معتمد السلم الذَّيْن الواقع في الذمة معلومًا بالوصف مقدورًا عليه عند توجه الطلب، وعلى الفقيه تكلف في الحكم بأن المسلم المتعين بالتسليم هو المسلَم فيه، ولولا أن سبيل تأدية الديون هذا، لقلنا: ليس المقبوض مسلمًا فيه. والوصايا إذا أضيفت إلى نتاج [أغنام] (٢) بأعيانها، فهي بعيدةٌ عن وضع السَّلَم؛ فإن التعيين والسلم يتنافيان.
٧٣٧٤ - ومما يتصل بتمام القول في ذلك [أنا] (٣) إن منعنا الوصيةَ بما سيكون من حمل، أو أجزناها، ففي الوصية للحمل الذي سيكون تردد [ظاهرٌ للأصحاب] (٤):
قال العراقيون: المذهب في ذلك المنع؛ فإن حق الوصية أن ترتبط بالموجود وتصح الوصية له حال الإنشاء، والعدمُ يضاد [الإثبات] (٥). ولا تصح الوصية لكل ثابت فكيف تصح [لمن] (٦) لا ثبوت له.
وحكَوْا عن أبي إسحاق المروزي أنه أجاز الوصية [لمن] (٧) سيكون، وزيفوا مذهبه في ذلك.
وليس ما قاله أبو إسحاق بعيدًا عندنا؛ من جهة أن الوقف يصح على من سيكون، إذا وَجَد الوقفُ موردًا في الحال، وهذا سبيل وقف الرجل على أولاده، وأولاد أولاده ما توالدوا، ولو كان الوقف منقطع الأول، وكان وروده على [متوقع] (٨)، ففيه اختلاف قدمته في كتاب الوقف، والوقف من التصرفات الناجزة اللازمة، فإذا تطرق إليها خلافٌ في صورةٍ، فاللائق بالوصية القطعُ بصحتها فيها؛ فإن مبنى الوصية على
_________________
(١) في الأصل: مقتطع ما نحن فيه.
(٢) مكان كلمة لم نستطع قراءتها بعدُ، رسمت هكذا: (الحمام).
(٣) زيادة اقتضاها السياق.
(٤) في الأصل: تردد الأصحاب ظاهر. والمثبت تقدير منا؛ فهو المعهود دائمًا في عبارات الإمام.
(٥) في الأصل: لا ثبات.
(٦) في الأصل: إن.
(٧) في الأصل: من.
(٨) في الأصل: يتوقع.
[ ١١ / ١٢٥ ]
التوقع، وإذا كان يستأخر القبول فيها عن الإيجاب، فليس الاستئخار بعيدًا في وضعها.
وهذا نجاز القول في الوصية للحمل، والوصية بالحمل.
فصل
قال: " ولو أوصى بخدمة عبده، أو بغَلّة داره، أو بثمرة بستانه، والثلث يحتمله، جاز ذلك إلى آخره " (١).
٧٣٧٥ - اتفق الأئمة على صحة الوصية بمنافع الدور وغيرِها، من العقار، والعبيد، والدواب، وكلُّ منفعة يثبت استحقاقها بطريق الإجارة يصح الوصية بها، ثم أصل القول فيها أنها ليست إعارةً على قاعدتنا، ولذلك تلزم الوصية بها إذا اتصفت بالقبول، والعواري لا تلزم.
وأبو حنيفة ﵀ (٢) زعم أن الوصية بالمنافع في معنى الإعارة، ولكنها من حيث إنها تقع بعد موت المبيح تلزم؛ فإن الرجوع في العاريّة يثبت للمعير، وتنقطع العاريّة بموته، وابتداء الوصية يقع بعد [موت] (٣) الموصي، فكان لزومها لذلك.
وليس الأمر على هذا الوجه عندنا؛ ولكن الإعارة لم تلزم؛ من جهة أنها نِحْلةٌ وهبة، وركنُ لزوم الهبات القبض، والقبض لا يلزم في المنافع؛ من حيث إنه لا يتحقق وجودها، والوصية [منيحة] (٤) ولكنها لا تستدعي في تمامها الإقباضَ؛ فإنها تلزم بالقبول إذا وسعها الثلث في الأعيان من غير جريان القبض [فيها] (٥).
وحقيقة المذهب في المنافع الموصى بها أنها [تصير] (٦) ملكَ الموصَى له، كما أن
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ١٦١.
(٢) ر. البدائع: ٧/ ٣٥٢، والهداية: ٤/ ٢٥٢.
(٣) زيادة اقتضاها السياق.
(٤) في الأصل: منحية.
(٥) في الأصل: منها.
(٦) زيادة من المحقق.
[ ١١ / ١٢٦ ]
الأعيان تصير ملكًا للموصى له، [وآية] (١) ذلك أنه ينفذ تصرفه في المنافع بالإجارة، والمستعيرُ لا يصح منه إجارة المستعار، والمنافع لا يستوفيها ملكًا، وإنما يستوفيها على حكم الإباحة، وهي قريبة الشبه من إباحة الطعام للضيفان.
ولهذا المعنى لم تكن العين الموصى بمنفعتها مضمونةً على الموصى له، بخلاف العين المستعارة؛ فإن المستعير لا يثبت له استحقاق في المنافع، والموصى له يستحق لها، على ما قدرنا مسالك الجمع والفرق في مسألة العارية.
فهذا بيان حقيقة الوصية بالمنفعة.
٧٣٧٦ - ثم إنا نذكر بعد هذا أصولًا في هذه القاعدة، ونذكر في كل أصل ما يتصل به؛ فإن شذت مسائل رسمناها فروعًا، على [دأبنا] (٢) في أصول المذهب.
٧٣٧٧ - فممّا نرى تقديمَه القولُ في بيع العين الموصى بمنفعتها، فإن كانت المنفعة الموصى بها [مُقدّرةً] (٣) مضبوطة بأمدٍ مضروبٍ، فالقول في جواز بيع [العين] (٤) الموصَى بمنفعتها كالقول في بيع الدار المستأجرة؛ فإن الاستحقاق في المنفعة والاستيلاء على العين بسببها ثابتٌ في الموضعين، والاستحقاق مؤقت.
وإن أوصى الموصي بمنفعة عينٍ أبدًا، فالوصية صحيحة، لم يختلف في صحتها علماؤنا وإن قال قائل: إنها مجهولة، فالجهل لا ينافي صحة الوصية، وإنما يراعَى الإعلام في [الأعواض] (٥) والمعوّضات في عقود [المعاوضة] (٦)، ثم العين الموصى بمنفعتها [أبدًا] (٧) لا يصح بيعها إذا لزمت الوصية، وتمت بالقبول، وفي الثلث.
هذا هو المذهب الظاهر.
_________________
(١) في الأصل: رواية ذلك.
(٢) في الأصل: رأينا.
(٣) في الأصل: فقدره.
(٤) في الأصل: العتق.
(٥) في الأصل: الأعراض.
(٦) في الأصل: المعارضة.
(٧) في الأصل: إنه.
[ ١١ / ١٢٧ ]
وذكر العراقيون من طريق التنبيه وجهًا عن بعض الأصحاب في تخريج بيع العين الموصى بمنفعتها أبدًا على القولين، وصرح بنقل هذا الوجه الشيخ أبو علي في الشرح، وهذا بعيد؛ فإن العين مسلوبةُ المنفعة.
ووجهُه على بعده أن الملك في الرقبة لا يَنقُص [بها] (١)، وامتناع الانتفاع ينزل منزلة امتناعه بزمانة (٢) العبد، ولم يختلف علماؤنا في جواز بيع العبد الزَّمِن، الذي لا انتفاع فيه.
وهذا ملتبس؛ من جهة أن المعتمد في منع البيع ثبوتُ يد مستحق المنفعة، وامتناعُ إزالتها، وهذا لا يتحقق في الزَّمِن.
والتعلق بالنكاح في توجيه الوجه البعيد أمثلُ؛ فإن النكاح معقود على التأبيد، ثم لا يمتنع به البيع في الرقبة.
٧٣٧٨ - وإذا جرينا على المسلك الأصح، وهو المنصوص عليه للشافعي، وصححنا الوصية بالثمار التي ستكون في المستقبل كتصحيحنا الوصيةَ بالمنافع، فتفصيل القول في بيع الأشجار الموصى بثمارها، كتفصيل القول في بيع العين الموصى بمنفعتها، [فالمقدّر] (٣) من الثمار كالمقدّر من المنافع، والاستحقاق على التأبيد في الثمار يضاهي المنفعة المؤبدة في ترتيب المذهب في بيع الأعيان.
وكان شيخي أبو محمد يقطع القول بأن [الوصية] (٤) بأولاد الأمة في مستقبل الزمان لا تمنع بيعها قولًا واحدًا؛ فإن منافعها باقية، وولدُها ليس مما يؤثِّر ويقدح في تمام الملك في الرقبة، وكان [يتردّد] (٥) في بيع المواشي الموصى بنتاجها، وصغْوُه الأظهر إلى صحة بيعها.
ويتجه عندي تصحيح بيع الأشجار الموصى بثمارها؛ فإن الذي يتجه اعتماده في
_________________
(١) بها: أي الوصية بالمنفعة. وفي الأصل: منه.
(٢) الزمانة: مرض يدوم، والاسم منها: الزمن. (مصباح).
(٣) في الأصل: كالمقدّر.
(٤) في الأصل: بأن الموجب.
(٥) في الأصل: تردّدَ.
[ ١١ / ١٢٨ ]
منع بيع العين الموصى بمنفعتها استيلاء المنتفع بها، [وإدامة] (١) اليد عليها، لا سقوطُ المنفعة؛ فإنا لو اعتمدنا سقوطَ المنفعة، لترددنا في بيع المعضوب (٢) الزَّمِن، ولا تكاد تثبت اليدُ على الأشجار للموصى له بثمارها؛ فإنه [يبغي] (٣) ثمارها إذا برزت الثمار، ولا تطّرد يده اطراد يد الموصى له بالمنفعة والمستأجر، وهذا بمثابة النكاح؛ فإن الزوج وإن كان يستحق [الاستخلاء] (٤) بزوجته الأَمة لقضاء الوطر منها، فليست يده يد استيلاء، ويد السيد أغلب وأعلى من يده.
فانتظم [مما] (٥) ذكرناه تردّدُ الأصحاب في المنافع، كما تفصل المذهب فيها، والقطعُ بأن الوصية بولد الجارية [لا تمنع] (٦) بيعها، وفي المواشي الموصى بنتاجها تردّدٌ [للأصحاب، ونزَّلوا] (٧) الأشجار الموصى بثمارها منزلة الأعيان الموصى بمنافعها، وفي ذلك شيء نبهت عليه.
٧٣٧٩ - ومما يتعلق بهذا الأصل أن ابن الحداد قال: إذا أوصى رجل لرجل بدرهم من غلّة [داره] (٨)، وكانت أجرة الدار مائة درهم، فإذا كانت الوصية [مؤبّدة] (٩)، امتنع البيع في جميع رقبة الدار؛ جريًا على الأصح في أن التأبيد يمنع البيع، وغرضه بذكر هذه الصورة أن يبيّن أن البيع ينحسم في جميع الدار، وليس للقائل أن يقول: ينبغي ألا يمتنع البيع إلا فيما [يُدرّ] (١٠) مقدارَ الدرهم من الدار؛ فإن الدار قد ترجع غلتها إلى مقدار درهم، وهذا من قول ابن الحداد دليل على امتناع بيع الأشجار
_________________
(١) في الأصل: وامه.
(٢) المعضوب: الذي لا حراك به عجزًا وزمانة (مصباح).
(٣) مكان كلمة لم نُساعد على قراءتها بعدُ، رسمت هكذا " معى ".
(٤) في الأصل: الاستخلال.
(٥) في الأصل: ما.
(٦) في الأصل: لا يقع.
(٧) في الأصل: تردد الأصحاب تركوا الأشجار إلخ.
(٨) في الأصل: دايرة.
(٩) في الأصل: مرتدة.
(١٠) في الأصل: بعد.
[ ١١ / ١٢٩ ]
الموصى بثمارها؛ فإنه فرض [مسألته] (١) في الوصية بالولد، ولم يفرضها في إثبات حق الانتفاع [الذي] (٢) يستدعي استيلاء يده على رقبة الدار.
هذا تمام الغرض في هذا الركن.
٧٣٨٠ - ومن أركان الفصل القولُ في كيفية اعتبار خروج المنفعة الموصى بها من الثلث، فنقول: هذه الوصية معتبرةٌ من الثلث اعتبار غيرها، فالموصي وإن كان خلّف على ورثته تركته، فالمنافع التي ستوجد بعد وفاته ملحقة في اعتبار الوصية بها من الثلث، باعتبار التركة، [فلينتبه] (٣) الناظر عند ذلك.
وقد نقول: منافع أعيان التركة ليست من التركة، حتى لا يتعلق بها قضاء الديون [وتنفيذ] (٤) الوصايا، ولعلنا نذكر تحقيق ذلك في أثناء الكتاب، إن شاء الله ﷿.
وسبب هذا أن الوصية بالمنافع [تنقُص] (٥) قيمةَ الأعيان، وتؤثر [فيها] (٦) أثرًا بيّنًا.
فهذا وجه عدّ الشرع [المنافع] (٧) من الثلث، وأيضًا، فإن ما أدخله من المنافع في تصرفه صار كالناجز المحصل، فإذا أوصى بها، فكأنها حصلت.
٧٣٨١ - فإذا وضح بالتنبيه الذي ذكرناه [الأصلَ المجمعَ] (٨) عليه، وهو اعتبار الوصية بالمنافع من الثلث - فالكلام بعد هذا في بيان ما يحسب من الثلث، والوجه أن نقسم القول، فنقول:
الوصية لا تخلو إما أن تقع على التأبيد، وإما أن تقع على التأقيت؛ فإن وقعت على
_________________
(١) في الأصل: مسألة.
(٢) في الأصل: التي.
(٣) كذا قرأناها بصعوبة وقدرٍ كبير من التوسم.
(٤) في الأصل: "فتنفيذ".
(٥) في الأصل: يقتص.
(٦) في الأصل: بها.
(٧) في الأصل: بالمنافع.
(٨) في الأصل: لأصل الجميع.
[ ١١ / ١٣٠ ]
التأبيد، والتفريعُ على الأصح، الذي هو الأصل في أن الوصية بالمنفعة على التأبيد إذا لزمت، [امتنع] (١) منها بيع العين.
فإذا فرعنا على هذا، فقد اختلف أئمتنا فيما يعتبر خروجه من الثلث، فمنهم من قال: المعتبر خروجُ قيمة العين من الثلث؛ فإنها مسلوبة المنفعة في جهة الوصية، والتصرفات ممتنعة على الورثة بحيلولةٍ دائمةٍ، وكأن العين مستهلكة [من] (٢) حقوقهم، وكأن الوصيةَ واقعةٌ بالرقبة.
ومن أصحابنا من قال: تعتبر قيمةُ المنافع وخروجُها من الثلث؛ فإنها الموصى بها، والسبيل في اعتبارها أن نقول: هذا العبد كم يساوي مع وفور المنفعة؟ فيقال: مائة، فنقول: كم قيمته، وهو مستحق المنافع؟ فيقال: عشرة، فنتبين أن قيمة المنفعة تسعون.
فهذا وجهُ الوصول إلى معرفة قيمة المنفعة، ومعنى اعتبارها من الثلث.
التفريع على الوجهين:
٧٣٨٢ - إن اعتبرنا خروج الرقبة من الثلث، فلا كلام، ومعنى اعتبار الرقبة اعتبار خروج قيمتها موفورةَ المنافع.
فإن قلنا: الاعتبار بخروج قيمة المنفعة من الثلث، على ما أوضحنا معنى ذلك، فالمقدار الذي يُفرض قيمةَ الرقبة وهي مسلوبة المنفعة هل يحسب على الورثة من التركة أم لا يحسب عليهم؛ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنها محسوبة على الورثة من التركة؛ فإنها حقهم وملكهم استحقوها إرثًا.
والوجه الثاني - أنها لا تحتسب من مقدار الوصية؛ فإن الموصى بها المنفعة، ولا تحسب على الورثة، لوقوع الحيلولة المؤبدة بينهم وبينها (٣).
هذا أصل القول فيما يحتسب من الثلث، إذا كانت المنافع مؤبدة في مقتضى الوصية.
_________________
(١) في الأصل: انتفع.
(٢) في الأصل: في.
(٣) أي لا تحسب على هؤلاء، ولا على هؤلاء، هذا هو الوجه الثاني.
[ ١١ / ١٣١ ]
وعلينا في ذلك بقية سنذكرها، إن شاء الله ﷿ إذا تكلمنا في الوصية المؤقتة، فنقول:
٧٣٨٣ - قدمنا التفصيل في أن الموصى بمنفعته على التأقيت هل يجوز بيعه؟ فإن قضينا بجواز بيعه، فلا خلاف أن المحتسب من الثلث أجرة المنافع لا غير.
وقد يعترض في هذا المنتهى إشكال؛ فإن المنافع ليست بتركةٍ على الحقيقة -كما نبهنا عليه- فكان يجب أن نجعل الموصي بالمنافع في حكم من لم يتصرف في التركة، وهذا غير سديد؛ فإنه لو كان كذلك، [لانتفت] (١) الوصية بالمنفعة رأسًا؛ فإنها تصرفٌ في حق الورثة، فإذا نفذنا الوصية، دلّ [ذلك على] (٢) أن المنافع ملحقةٌ بالتركة في هذه القضية، وأيضًا، إن الوصية بالمنفعة تؤثر في قيمة العين، وتقلل الرغبة فيها. هذا إذا قلنا: الوصية المؤقتة لا تمنع البيع.
فأما إذا قلنا: الوصية المؤقتة تمنع بيعَ العين ما دامت، فلأئمتنا طريقان: منهم من قطع بأن المحتسَب من الثلث قيمة المنافع، ومنهم من خرّج المسألة على وجهين، كالوجهين المقدّمين في الوصية بالمنفعة على التأبيد.
أحدهما - أنا نعتبر خروج قيمة الرقبة لمكان الحيلولة الواقعة في [الحال] (٣) ولا ننظر إلى توقع انقضاء الحيلولة بانقضاء المدة المضروبة.
والوجه الثاني - أن الذي يعتبر خروجُه المنافعُ، ولا مبالاة بالحيلولة الناجزة في العين إذا كانت عرضة الزوال.
فإن قيل: هلا جعلتم الحيلولة الواقعة في العين [بمنزلة] (٤) الحيلولة الحاصلة في الثمن [بالأجل] (٥) المضروب [فيه] (٦)، حتى تسلكوا بهذا مسلك البيع بالثمن
_________________
(١) في الأصل: لانتفعت.
(٢) ساقط من الأصل.
(٣) في الأصل: الحالة.
(٤) في الأصل: منزلة.
(٥) في الأصل: بالأصل.
(٦) في الأصل: قيمة.
[ ١١ / ١٣٢ ]
المؤجل؟ قلنا: هذه الحيلولة، مع حصول العين، وتوقع الزوال لا مبالاة بها؛ فإنا لا نعرف خلافًا في أن المريض إذا أجّر داره بأجرة مثلها، والتفريع على أن الدار المستأجرة لا تباع، فلا نقول: إذا مات المكري في أثناء المدة نبيع [عقاره] (١) بالنقص؛ فإن الإجارة من عقود الغبطة، وكان أوقع حيلولةً [بعوض] (٢).
ولو باع عَيْنَه بعوض، لنفذ فيه، فلا فرق إذًا بين الإجارة، وبين الوصية بالمنفعة [إلا أن] (٣) الإجارةَ معاوضة، والوصية تبرّع، ثم حق ما كان تبرعًا أن يحتسب من الثلث؛ فإنّ الثلث يستحق للمريض لا يعترض عليه فيما يوقعه [فيه] (٤).
هذا بيان أصل المذهب في أنَّ المحتسب من الثلث [ماذا؟] (٥) قيمة المنفعة أو قيمة العين في الوصية المؤقتة والمؤبدة.
٧٣٨٤ - ومما نستكمل به بيان هذا الفصل أن الثلث إذا ضاق عن احتمال الوصية بالمنفعة، واقتضت الحالُ، رَدَّ الوصية إلى الثلث، ففي كيفية ردها كلام، نحن نفصّله، فنقول:
إن كانت الوصية بالمنفعة مؤقتةً، [كأن] (٦) أوصى بخدمة عبده عشر سنين، فقد ذكرنا أن الاعتبار بخروج المنافع من الثلث، فعلى هذا إذا كان العبد يساوي مائة، وما كان خلّف سواه شيئًا، فنقول: منافعه عشرَ سنين كم تساوي؟ فإن قيل: إنها تساوي ثُلُث المائة، والعبد الآن دون منافعه في العَشْر يساوي ثلثي المائة، فالوصية منفّذة؛ فإنها خارجة في الثلث والثلث [وافٍ] (٧) بها.
وإن كانت المنافع في عشر سنين تساوي خمسين، والعبد مع استحقاق منافعه في
_________________
(١) في الأصل: عقده.
(٢) في الأصل: بعرض.
(٣) في الأصل: الآن.
(٤) في الأصل: توقعه عنه.
(٥) في الأصل: فإذا.
(٦) في الأصل: وكان.
(٧) في الأصل: داقر.
[ ١١ / ١٣٣ ]
العشر يساوي في الحال خمسين، فلا بد من ردّ الوصية إلى الثلث، وقد اختلف أصحابنا في كيفية ردها، فمنهم من قال: ننقص من المدة ونردها إلى قدر الثلث، ويكون جميع العبد مستحَق المنفعة في أقلَّ من المدة التي ضربها، على ما يقتضيه الحساب.
والوجه الثاني - أنا لا ننقص من المدة، ولكن ننقص من الرقبة، فنقول: إذا كان الثلث لا يفي باستحقاق جميع منفعة العبد عشرَ سنين، وكان يفي باستحقاق منفعة ثلثي العبد، أو ما يتفق عشْرَ سنين، فنرد الأجرة (١) إلى بعض الرقبة في تمام المدة، ولا ننقص من المدة شيئًا.
وارتضى الشيخ أبو علي هذا الوجهَ، وذلك أن المدة قد تختلف أجرتها، فلو نقصنا من المدة، وقعنا في جهالة يتعذر ضبطها.
ويمكن أن يقال: هذان الوجهان متعلّقان بأن البيع هل يُمنع في الرقبة لمكان الوصية؟ فإن قلنا: إن البيع لا يمتنع في الرقبة، فينقدح خروج الوجهين لما ذكرناه في الوجه الثاني [الذي] (٢) اختاره الشيخ. وإن قلنا: البيع يمتنع في الرقبة، فالظاهر ردّ الأجرة، وأن [ننقص] (٣) الرقبة حتى ترتفع الحيلولة عن بعضها (٤)، وينطلق [فيه] (٥) تصرف الورثة، وكل ذلك على أن المعتبر خروج المنفعة من الثلث، فإذا اعتبرنا خروجَ الرقبة، فلا يخفى أنا نرفع الحيلولة عن ثلثي الرقبة إذا لم يخلِّف غيرَها.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الوصية بالمنفعة مؤقتة.
٧٣٨٥ - فأما إذا كانت الوصية بالمنفعة مؤبدة، والتفريع على الأصح، وهو امتناع البيع في الرقبة، فلا يتجه في هذا القسم إذا طلبنا ردّ بعض الوصية إلا تبعيضَ الأمر في
_________________
(١) الأجرة: المراد قيمة المنفعة وتقديرها.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) في الأصل: نقص.
(٤) ترتفع الحيلولة عن بعضها: المعنى أن نجعل الوصية بمنافع جزء من الرقبة، لا كل الرقبة، مثل خمسة أسداسها أو نحو ذلك.
(٥) في الأصل: قيمة.
[ ١١ / ١٣٤ ]
الرقبة؛ فإنا إن اعتبرنا خروج الرقبة من الثلث، لم يخف ذلك، وإن اعتبرنا خروج المنفعة، فالمنفعةُ مؤبدة، لا نهاية فيها، ولا ضبط لها، ولا يمكن التصرف [فيها] (١) بالتبعيض، ولا وجه إلا تبعيض الوصية على الرقبة؛ حتى تثبت على التأبيد في بعض الرقبة، على ما يقتضيه الحساب.
هذا تمام البيان في معنى احتساب هذه الوصية من الثلث، ونحن نختتمه بذكر سؤالٍ على وجه ضعيف وجواب عنه فنقول:
٧٣٨٦ - إذا فرعنا على الوجه الضعيف في أن الوصية بالمنفعة على التأقيت توجب احتساب الرقبة [من] (٢) الثلث، فإذا كان أوصى بمنفعة عبده سنةً، ولم يكن له مالٌ غيرُ العبد، فالذي يقتضيه التفريع على الوجه الضعيف ردُّ الوصية إلى ثلث العبد ورجعها عن الثلثين.
فإن قيل: إذا انقضت المدة، انطلق الحجر عن جميع الرقبة، واستمكن الورثة من جميع الرقبة، فلا تقع الوصية ثلثًا، وليس كان ينقدح ذلك في الوصية المؤبدة، من حيث إن الوصية المردودة إلى [الثلث مردودة إلى] (٣) ثلث العبد متأبدًا، وتنزل منزلةَ وقف جزء من العبد، وتحبيسه، [وهذا] (٤) لا اتجاه له، والوصيةُ مؤقتة.
قلنا: هذا يُضعف هذا الوجهَ، ويبين [سقوطه] (٥).
ثم الممكن في توجيه [هذا] (٦) الوجه أن الوصية بالمنفعة المؤقتة مقصودُها تمكّن الموصى له من المنفعة مدة معلومة، ثم اقتضى وقوع الحيلولة ردّ الاعتبار إلى الرقبة، فإذا انقضت المدة التي ضربها الموصي، فقد انقضى ثلث مقصوده، وكأن هذا القائل لا ينظر إلى القيمة، وإنما يثلّث المنحة في نفسها بفضِّها على أجزاء العبد، فلئن انطلق
_________________
(١) في الأصل: منها.
(٢) في الأصل: عن.
(٣) زيادة اقتضاها السياق.
(٤) في الأصل: فهذا.
(٥) في الأصل: سقوط.
(٦) ساقطة من الأصل.
[ ١١ / ١٣٥ ]
الحجر عن العبد، فهذا انطلاق على حسب مقتضى الوصية.
والذي ذكرناه لا ثبات له؛ فإن الوصايا تعتبر من الثلث على قياس القيم وأقدارها، وهذا النوع من التثليث لا ينتظم فيه اعتبار القيمة أصلًا؛ فإنا اعتبرنا قيمة الرقبة وثبتنا التثليث عليها، ثم الثلث المصروف إلى الوصية استرددناه، ورددناه إلى الورثة.
وقد نجز المقصود.
٧٣٨٧ - ومما يعد من أركان الفصل القول في نفقة العبد الموصى بمنفعته.
حاصل ما ذكره الأصحاب أوجه: أصحها - أن نفقة العبد تجب على الورثة؛ فإن ملك الرقبة لهم، والنفقة تتبع ملك الرقبة إذا لم تثبت عوضًا في عقد، وهذا احتراز عن نفقة النكاح؛ فإنها بنيت على مضاهاة الأعواض، ولا ينظر إلى خروجها عن الضبط؛ فإنها تعارض (١) معوضًا خارجًا عن الضبط، وهو منفعة البضع.
هذا ظاهر المذهب في نفقة العبد الموصى بمنفعته.
ومن أصحابنا من قال: النفقةُ على الموصى له بالمنفعة، وهذا الوجه حكاه صاحب التقريب، ووجهه تشبيه استحقاقه المنفعة باستحقاق الزوج منفعة البضع.
وهذا رديء، لا اتجاه له، والذي أرى القطعَ به تخصيصُ حكاية هذا الوجه بالوصية المؤبدة، فإنها إذا كانت مؤقتة، كان العبد الموصى بخدمته بمثابة العبد المستأجر، ثم نفقة العبد المستأجر على المالك، ثم [بنى] (٢) صاحب التقريب فِطرة العبد على الخلاف في النفقة؛ فإن الفطرة تتبع النفقة، فإن أوجبنا نفقةَ العبد على الورثة، فعليهم زكاة فطره، وإن أوجبناها على الموصى له، فعليه زكاة فطره.
وذكر العراقيون وجهًا ثالثًا في النفقة، فقالوا: نفقة العبد تتعلق بكسبه [وحق] (٣) الموصى له وراء عمل العبد في تحصيل [مؤنته] (٤). ثم قالوا: إن عجز العبد عن
_________________
(١) تعارض: المعنى تقابل وتساوي.
(٢) في الأصل: بين.
(٣) في الأصل: وعن. وهو تصحيف خفي لم ندركه إلا بفضل من الله بعد معاناة شديدة.
(٤) في الأصل: مؤنة.
[ ١١ / ١٣٦ ]
الكسب، فصاحب هذا الوجه لا يوجب نفقته على الورثة، ولا على الموصى له، بل يوجبها في بيت المال.
وهذا فيه ضعف؛ من جهة أن صرف نفقة [المملوك] (١) على بيت المال مع استظهار (٢) المالك وبقائه بعيدٌ، وكان لا يبعد في قياس هذا الوجه أن يقال: النفقة تتعلق بالكسب، فإن لم يكن، انقلب وجوبُها إلى الوارث، أو إلى الموصى له.
فإن قيل: لم تذكروا متعلق الوجه الذي حكاه صاحب التقريب سوى التحكم بالتشبيه بالنكاح. قلنا: ذاك وجهٌ بعيد لا يتوجه، ثم الذي يظهر التعلّقُ به أنا لو صرفنا المنفعة إلى الموصى له أبدأ، [وصرفنا] (٣) كلّ العبد ومؤونته على الوارث، لثقل وقع ذلك، وانضمّ إلى الحيلولة غُرم النفقة. وليس هذا كنفقة العبد المستأجر؛ فإن المكري اعتاض عوضًا من المنفعة، وعوض المنفعة في موجب العادة يقابل احتمال النفقة، وقد يظهر مع هذا التنبيه طردُ ذلك الوجه الضعيف في الوصية المؤقتة بالمنفعة.
ثم ما ذكرناه في النفقة يطّرد في الكسوة، وفي جملة المؤن الواجبة على المالك في [مملوكه] (٤).
٧٣٨٨ - ومما [يُعد] (٥) من أركان الفصل الكلام في الجناية على هذا العبد، وفي جنايته.
ونحن نبدأ بالجناية عليه، والقول فيه ينقسم إلى الكلام في [قتله] (٦)، وإلى الكلام في الجناية على أطرافه.
_________________
(١) في الأصل: المملوكة.
(٢) استظهار: معناها هنا قدرة.
(٣) في الأصل: وضربنا.
(٤) في الأصل: مملوك.
(٥) في الأصل: يعمل.
(٦) في الأصل: مثله.
[ ١١ / ١٣٧ ]
فإن قتله قاتل قتلًا يوجب المالَ، التزم قيمتَه، وفيمن تصرف إليه القيمة اضطرابٌ للأصحاب:
فذهب ذاهبون منهم إلى أن القيمة مصروفةٌ إلى الورثة، وقد بطلت الوصية، وانقطعت؛ فإن الموصى له كان يستحق منفعته ما دام حيًا، فإذ قتل، فقد [انتهت] (١) الوصاية به نهايتها، كما ينتهي النكاح بموت [الزوجة] (٢) وقتلها؛ [فالقيمة] (٣) تسلم إلى مالك الرقبة، وهو الوارث.
ومن أصحابنا من قال: نصرف [تلك] (٤) القيمة إلى [شراء] (٥) عبدٍ ونقيمه [خادمًا] (٦) للموصى له بالخدمة، حتى نكون مقيمين [لحق] (٧) مالك الرقبة [ولحق] (٨) مالك المنفعة.
وأبعد بعض أصحابنا، فزعم أن القيمة مصروفةٌ إلى الموصى له بالمنفعة، وزعم هذا القائل أن هذا الوجه يخرّج على اعتبار خروج قيمة الرقبة من الثلث، فإذا كنا نعتقد ذلك، فكأنا اعتقدنا كونَ العبد مستوعبًا بحق الموصى له؛ فإذا قُتل، صرفنا القيمة إلى من اعتبرنا خروج القيمة من الثلث في حقه، ولا شك أن هذا الوجه إن صح النقلُ فيه إنما يجري إذا كان العبد موصىً [بمنفعته] (٩) أبدًا.
والوجه الثاني [المذكور] (١٠) قبل هذا، يجري مع تأقت الوصية؛ فإن صاحب
_________________
(١) في الأصل: انبنت. وقد سوغّ لنا التغييرَ رعايةُ المزاوجة التي يريدها الإمام في عبارته: انتهت .. نهايتها.
(٢) في الأصل: الوصية. وهو تصحيف قريب، بل هو سبق قلم في الواقع.
(٣) في الأصل: بالقيمة.
(٤) في الأصل: ملك.
(٥) سقطت من الأصل.
(٦) في الأصل: "حال ما" كذا تمامًا (انظر صورتها) وتأمل هذا التصحيف، وكيف الوصول -بفضل الله - إلى سرِّه، وحقيقته.
(٧) في الأصل: بحق.
(٨) في الأصل: ونحن.
(٩) كذا قرأناها بصعوبة (انظر صورتها).
(١٠) في الأصل: المدرك.
[ ١١ / ١٣٨ ]
ذلك الوجه يرى شراء عبد بتلك القيمة، ثم إذا مرّت المنفعة وانقضت المدة، خلصت الرقبةُ ومنفعتها للوارث.
فإن قيل: أليس العبد المستأجر إذا قتل في أثناء المدة، ارتفعت الإجارة في بقية المدة، فما الفرق بين الإجارة وبين الوصية المؤقتة؟
قلنا: الإجارة عقد معاوضة، وإذا لم يَسْلَم فيه المعقود عليه [إن تملكه] (١)، فحكم [المعاوضة] (٢) الانفساخ، ثم إنه [يرجع] (٣) بقسط من [العوض] (٤) ولا [تبعض] (٥) في الوصية، فلو قطعناها، لكان ذلك إحباطًا (٦) لحق الموصى له.
وذكر بعض أصحابنا وجهًا رابعًا من أصل المسألة وقال: القيمة [تُفضُّ] (٧) على المنفعة [به، وعلى] (٨) الرقبة، [وهي مسلوبة المنفعة] (٩)، فينصرف ما يخص المنفعة إلى الموصى له، وما يخص الرقبة إلى الوارث، وسبيل تقويم المنفعة [إن] (١٠) كانت مستحقة على التأبيد أن يقال: منفعة هذا العبد كم تساوي؟ والعبد مسلوب المنفعة كم يساوي؟ فإن قيل: كيف يتأتى تقويم المنفعة، [وهي] (١١) مجهولةُ المقدار؟ قلنا: سبيل [تقويم المنفعة سبيل] (١٢) تقويم الرقبة؛ فإن قيمة الرقبة تتعلق برجاء البقاء، ولو علم طالب الرقبة أنها فائتةٌ على القرب، لم يرغب فيها، ثم القيمة معلومةٌ
_________________
(١) كذا تمامًا. ولم نساعد على قراءتها. ولعلها: "لمن يملكه".
(٢) في الأصل: المعارضة.
(٣) في الأصل: رجع.
(٤) في الأصل: العرض.
(٥) كذا قرأناها بصعوبة. (انظر صورتها).
(٦) إحباطًا: إهدارًا (المصباح).
(٧) في الأصل: تفيض.
(٨) في الأصل: فيه على.
(٩) في الأصل: " وهي مسئلة به المنفعة " وهو تصحيف بالغ الخفاء، أُلهمنا من فضل الله قراءته، (وانظر صورة هذه الجملة).
(١٠) في الأصل: وإن.
(١١) في الأصل: وقال.
(١٢) زيادة اقتضاها السياق.
[ ١١ / ١٣٩ ]
مع تردد في طرفي البقاء، فكذلك القول في المنفعة.
ويتأتى [تقويم] (١) المنفعة على وجهٍ آخر، قدمنا ذكره في فصل الخروج من الثلث، فنقدر العبد منتفعًا به، فنضبط قيمته، ثم نقومه مسلوب المنفعة، فالقدر الذي ينحط مع تقدير الانتفاع قيمةُ المنفعة.
وما ذكرناه فيه إذا قُتل العبد قتلًا يوجب المال.
٧٣٨٩ - فإن قتل قَتْلَ قصاص، فقد أجمع أئمتنا على أن المالك -وهو الوارث - يثبت له حق طلب القصاص، وإذا اقتص من القاتل، سقطت الوصية، وصار كما لو مات العبد الموصى بمنفعته حتف أنفه.
وأبعد بعض أصحابنا، فأثبت للموصى له حقَّ طلب القصاص، وهذا غلطٌ غيرُ معتد به؛ فإن طلب القصاص [والقتيل] (٢) مملوك من خواص أحكام ملك الرقبة، وإنما غلِط هذا القائل [من] (٣) مصير بعض الأصحاب إلى صرف القيمة بكمالها إلى الموصى له بالمنفعة، وهذا لا [متعلَّقَ به] (٤)؛ فإن القيمة قد تصرف إلى حق من لا يطلب القصاص، كالمرتهن إذا قتل العبد المرهون في يده.
هذا كله إذا كانت الجناية على نفسه.
٧٣٩٠ - فأما إذا قطع الجاني يدَ العبد، فقد ظهر اختلاف أصحابنا في مصرف الأرش، فقال قائلون: الأرش مصروف إلى الوارث؛ فإنه بدل الطرف الفائت، والطرف ملكُ مَن الرقبة ملكه.
وحكى صاحب التقريب وجهًا آخر: وهو أنا ننظر إلى ما انتقص من المنفعة، وإلى ما انتقص من قيمة الرقبة، فنفضّ الأرش عليهما، ونصرف ما يجبر نقصانَ الرقبة إلى الوارث، وما يخص نقصان المنفعة إلى الموصى له بالمنفعة. وإذا اعتبرنا نقصان
_________________
(١) في الأصل: تقوّم.
(٢) في الأصل: القتل.
(٣) في الأصل: في.
(٤) في الأصل: لا يتعلق فيه.
[ ١١ / ١٤٠ ]
القيمة، نظرنا إلى قيمة عبد مسلوب المنفعة، ونسبنا النقصان إليه، وهذا الوجه هو الذي حكيناه في الجناية على النفس.
وصار صائرون إلى أن ما يقابل المنفعة من القيمة مصروف إلى الموصى له بالمنفعة، وما يقابل الرقبة منها مصروف إلى الوارث.
ولم يصر أحد إلى صرف تمام الأرش إلى الموصى له بالمنفعة، وإن [ذُكر] (١) في القيمةِ والجنايةُ على النفس.
ولم ير أحدٌ صرف الأرش إلى عبدٍ أو شقصٍ من عبد، حتى يستحقه الموصى له بالمنفعة.
هذا قولنا في الجناية على العبد الموصى بمنفعته.
٧٣٩١ - فأما التفصيل في جناية العبد الموصى بمنفعته، فنقول: إذا كان هو الجاني، وجنى جناية مذهبها المال، فالأرش يتعلق برقبته، وحق الموصى له لا يمنع من ذلك، كما أن ملكَ المالك، وحقَّ المرتهن لا يمنع من تعلق الأرش بالرقبة، ثم إن فداه الوارث، وتخلّصت الرقبة، فحق الموصى له بالمنفعة قائم كما كان، وإن امتنع الوارث من فدائه لم يلزم الفداء، ولكن يباع العبد إن مست الحاجة إلى بيع جميعه.
فإن قيل: هلا قلتم يمتنع بيعُه لأنه مسلوب المنفعة؟ قلنا: حق الأرش مقدّم على حق الموصى له، وهذا كما أن المرهون لا يباع دون إذن المرتهن، وإذا جنى بيع، وأُبطل حق المرتهن.
فإن قال الموصى له عند امتناع الوارث من الفداء: أنا أفديه، فإن قبل المجني عليه الفداء، فلا كلام؛ فإن الأجنبي لو فدى العبد الجاني وقبله المجني عليه، انفلت [من] (٢) الجناية، وإن قال المجني عليه: لست أقبل الفداء، فقد ذكر الأصحاب
_________________
(١) في الأصل: وإن ذكروا.
(٢) ساقطة من الأصل.
[ ١١ / ١٤١ ]
وجهين في أنه هل يجبر على قبول الفداء؟ أحدهما - لا يجبر كالأجنبي؛ فإنه لا حق له في الرقبة، والأرش يتعلق بالرقبة.
والوجه الثاني - يجب قبول الفداء فيه؛ [فإن في فداء العبد فداء حقه] (١)، وفي بيعه انقطاع حقه.
وقد أجرى الأصحاب هذين الوجهين في العبد المرهون إذا جنى، وامتنع الراهن من فدائه، وأراد المرتهن أن يفديه، حتى لا ينفك حق [استيثاقه] (٢)؛ [ففيه] (٣) الوجهان اللذان ذكرناهما في الموصى له، ولعل تصحيح الفداء من المرتهن أوْجَهُ؛ لأن حقه متعلق بالعين، ولهذا تصرف قيمة المرهون إذا أُتلف إليه من غير تردد، وفي قيمة العبد الموصى بمنفعته إذا قُتل ما ذكرناه.
٧٣٩٢ - ومما يعدّ من قواعد الفصل التفصيلُ فيما يملكه الموصى له بالمنفعة، وفي تصرفاته [بمنافع] (٤) البدن، فلا شك أنه يملكها، وبنى الأصحاب عليه أنه لو احتطب أو احتش، أو صاد، فهذا الاكتسابُ للموصى له بالمنفعة، ولو كان محترفًا، فأجر أعماله له.
فإن اكتسب [كسبًا] (٥) نادرًا مثل أن يهب منه إنسان شيئًا فيتّهبه، ففي هذا الفن وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا يستحقه الموصى له، وإنما [يستحقه] (٦) الوارث بحق ملك الرقبة.
والثاني - أنه يستحقه الموصى له بالمنفعة.
هكذا أطلق الأصحاب الخلاف، وهو يحتاج إلى فضل بيان، فالاتهاب ليس مما يتعلق بعمل العبد، فالوجه في تنزيل الخلاف والوفاق أن نقول: كل كسب يحصّله
_________________
(١) عبارة الأصل: كان في بناء العبد بناء حقه.
(٢) في الأصل: استئنافه.
(٣) في الأصل: فيه.
(٤) في الأصل: بما منافع البدن.
(٥) في الأصل: أكسابًا.
(٦) في الأصل: يستحق.
[ ١١ / ١٤٢ ]
عملٌ، فهو للموصى له بالمنفعة، وكل كسب لا يحصله ما [يعدّ من الأعمال] (١) [كذلك العبد الذي اتهب] (٢)، ففيه خلاف: من أصحابنا من قال: هذا لا [يعاوضه] (٣) عمل، ولا يقتضيه نوعٌ من المنفعة، بل التغليب فيه لهبة الواهب، فيجب صرفه إلى مالك الرقبة.
فإن أردنا في ذلك ضبطًا، [فكل] (٤) ما يمتنع على العبد من أعماله، حتى يراجع مولاه، فهو المنفعة التي يتعلق بها الاستحقاق، فأما قوله وحكمه، فمما لا يحتاج العبد في إطلاقها إلى مراجعة مولاه.
هذا قاعدة المذهب.
ثم الذي ذكره العراقيون [أن] (٥) منفعة البضع تدخل تحت مطلق الوصية بالمنفعة؟ وبنَوْا عليه أن الجارية الموصى [بمنفعتها] (٦) لو وطئت بشبهة، فالمهر للموصى له بالمنفعة، هذا هو [المعتدّ به] (٧) ولا شك أن قياس المراوزة يخالف هذا؛ فإن منفعة البضع مما لا يصح الوصية به، فلا يتعلق الاستحقاق بمنفعة البضع بنحلةٍ وهبةٍ إذا بقي الملك في الرقبة للواهب المتبرع، فيجب ألا يدخل تحت الوصية بالمنفعة إلا المنفعةُ التي تستباح بالإعارة، وتستحَق بالإجارة.
ثم ترقى بعض الأصحاب من منفعة البضع إلى الكلام في الولد، فذكروا وجهين في أن الجارية الموصى بمنفعتها لو أتت بولد رقيقٍ، فالملك فيه للوارث، أو للموصى له.
وهذا خرّجوه على أن [استفادة] (٨) الولد فيها [كاستفادة] (٩) الأكساب، واشتمال الرحم على المولود كاشتمال الشبكة على الصيد.
_________________
(١) في الأصل: ما بعد من الأعمار.
(٢) في الأصل: كترك العبد اتهب.
(٣) في الأصل: "يعارضه".
(٤) في الأصل: وكل.
(٥) سقطت من الأصل.
(٦) في الأصل: منفعتها.
(٧) كذا قدرناها (انظر صورتها).
(٨) في الأصل: استعارة.
(٩) في الأصل: كاستعارة.
[ ١١ / ١٤٣ ]
وهذا في نهاية البعد؛ فإن الولد يعد في وضع الشرع جزءًا من الأم لا يملكه إلا من ملك الأمَّ، إلا أن تفرض الوصية ناصّةً على الأولاد، فيخرّج القول حينئذٍ على الاختلاف في الوصية بالأولاد في الاستقبال، والوصية بالثمار.
وذكر بعض أصحابنا الولدَ على وجهٍ آخر، فقالوا: الولد المملوك ملكُ الوارث، ولكن هل يصير الموصى له بالمنفعة مستحِقًا لمنفعة الولد، كما أنه مستحق لمنفعة الأم؟ فعلى وجهين: وهذا [أبعد] (١) من الخلاف المحكي في صرف ملك الولد إلى الموصى له بالمنفعة؛ فإن ذلك على بعده محمول على التشبيه بالعبد، والخلاف في منفعة الولد مع تسليم الملك فيه للوارث، لا اتجاه له على مذهب الشافعي ﵁؛ فإنه لا يُتبع الولدَ الأمَّ في هذه الأشياء، ولذلك لم يحكم بتعدِّي الرهن من الأم إلى الولد، وقد سبق استقصاء القول فيما نُتبع الولدَ فيه الأصلَ، وفيما لا نتبع، وفيما يُختلف فيه.
٧٣٩٣ - ومما يتعلق بتمام القول في هذا الفصل الكلامُ في وطء الجارية الموصى بمنفعتها، فالذي ذكره الأئمة المعتبرون في نقل المذهب أن وطأها محرم على الوارث؛ من جهة أن الوطء يسبب العلوقَ، والعلوقُ يُفضي إلى [الطَّلْق] (٢)، وهو من أسباب الهلاك، والحملُ ناجزًا يؤثِّر في تنقيص المنفعة.
ولم يختلف علماؤنا في تحريم وطئها على الموصى له، ومَنْ ذهب إلى أن عُقرها إذا وُطئت بشبهة مصروف إلى الموصى له، لم يخالف في تحريم وطئها عليه. وهذا أصدق آيةٍ على فساد صرف استحقاق منفعة البضع إلى الموصى له.
وحكى الصيدلاني في مجموعٍ له في الخلاف وجهين عن الشيخ الإمام سهل (٣) في
_________________
(١) في الأصل: البعد.
(٢) في الأصل: المطلق.
(٣) الإمام سهل: هو سهل بن محمد بن سليمان، أبو الطيب الصعلوكي، الفقيه الأديب مفتي نيسابور وابن مفتيها، النجيب ابن النجيب (ابن الأستاذ أبي سهل) جمع بين العلم والعمل، تخرج به جماعة من الفقهاء بنيسابور، وسائر مدن خراسان ت ٤٠٤ هـ (طبقات الشافعية لابن السبكي: ٤/ ٣٩٣ وما بعدها).
[ ١١ / ١٤٤ ]
أن الوارث هل يستبيح وطء الجارية الموصى بخدمتها؛ تعويلًا على الملك؟ وهذا بعيد.
فإن صح النقل فيهما، فالوجه تنزيلهما على وطء الراهن الجاريةَ المرهونة إذا كانت صغيرة، لا يتوقع علوقها، وقد قدمنا في الرهن أن الوطء مع إمكان الإعلاق محرم، وإذا كان الإعلاق مأمونًا، ففي تحريم الوطء وجهان (١): فينبغي أن يخرّج وطء الوارث الجارية على هذا القياس.
فإذا فرعنا على الظاهر، وهو أن الوطء محرّم، فلا شك أن الوارث إذا وطىء لم يستوجب الحد، لمكان ملكه في الرقبة، وهل يلتزم المهرَ؟ هذا يخرّج على ما قدمنا من أن مهر مثل الجاربة إذا وطئت بشبهة هل ينصرف إلى الموصى له؟ فإن صرفناه إليه، فعلى الوارث مهرُ المثل، وإن لم نجعل المهر [مصروفًا] (٢) إليه، فهو للوارث.
فعلى هذا إذا وطىء الوارث، لم يستوجب بالوطء مهرًا.
وأما الموصى له، فلا خلاف في تحريم وطء الجارية عليه، فإن وطئها، وقلنا: منفعة البضع مصروفةٌ إليه استحقاقًا، وإن امتنع عليه استيفاؤها، فلا حد عليه إذا وطىء، فإن قلنا: منفعة البضع لا تصرف إليه، فيلتزم بالوطء على الشبهة المهرَ للوارث، وإن لم يكن شبهة، فقد قطع العراقيون بانتفاء الحد.
ولا يمتنع عندي أن يجب عليه الحد كما يجب على [المرتهن] (٣) إذا وطىء الجارية المرهونة.
والعراقيون بنَوْا ما قالوه على مصيرهم إلى أن المهر للموصى له، فقد ذكرنا أن القياس الظاهر عندنا أن منفعة البضع لا تُصرف إلى الموصى له، ولست أدري ماذا يقول العراقيون فيه إذا أوصى بمنفعة بُضع جاريةٍ لإنسان دون منفعة بدنها؟ فإن قضَوْا
_________________
(١) يحرم الوطء إن كانت ممن تحبل، وإذا أمن العلوق، فوجهان، أظهرهما التحريم. (ر. العزيز: ٧/ ١١٤، والروضة: ٦/ ١٩٠).
(٢) كذا قدرناها على ضوء السياق، وصورة أحرفها المصحفة المحرفة (انظر صورتها).
(٣) في الأصل: الموصي.
[ ١١ / ١٤٥ ]
بانصراف الاستحقاق إليه، فهذا سخف خارج عن قاعدة الشريعة، وإن أبطلوا ذلك، [كان] (١) [إقرارًا] (٢) بإثبات الاستحقاق فيه تبعًا. مع أن منفعة البضع لا تفهم مندرجة تحت الوصية بالمنافع.
فهذا تمام القول فيما يندرج تحت الوصية بالمنفعة.
٧٣٩٤ - [فأمّا] (٣) تصرّف الموصى له في المنفعة، فإنه يتصرف فيها انتفاعًا، وله إباحة المنافع بالإعارة، وله إيراد عقد الإجارة عليها، ومن حقوقه إثبات اليد على العين الموصى بمنفعتها، فاختلفت الأئمة في أنه هل يملك المسافرة بالعبد الموصى بمنفعته: فذهب بعضهم إلى أنه يملك ذلك؛ لأن ملكه ثبت في جميع جهات الانتفاع المسوَّغة للملاك.
[ومن] (٤) أئمتنا من منع المسافرة لحق الملك في الرقبة، واستدل بأن زوج الحرة يسافر بها حيث شاء، وزوج الأمة لا يسافر بها.
ولكنْ بين النكاح وبين استحقاق المنفعة (٥) فرقٌ؛ فإن للمولى أن يسافر بالجارية الزوجة، ولا يمنعه من المسافرة حقُّ الزوج.
والوارث لو أراد المسافرةَ بالعبد الموصى بمنفعته، لم يكن له ذلك قطعًا، والضابط لتصرفاته حكمنا بالملك الحقيقي له في المنفعة، ولأجل هذا قطع من يعوَّل على نقله من الأئمة بأن الموصى له بالمنفعة إذا مات، انتقل الاستحقاق إلى وارثه (٦).
وأبعد بعضُ الأصحاب، فذهب إلى انقطاع الحق الموهوب للموصى له وعَوْدِ الاستحقاق إلى وارث الموصي إذا بقي بعده.
وهذا ساقطٌ غيرُ معتد به.
_________________
(١) زيادة من المحقق.
(٢) في الأصل: إفراد.
(٣) في الأصل: فأمها.
(٤) في الأصل: ففي.
(٥) الأصح أن له المسافرة بالعبد الموصى له بمنفعته (ر. الروضة: ٦/ ١٨٨).
(٦) الصحيح أن الوصية بالمنافع تنتقل إلى الوارث (ر. الروضة: ٦/ ١٨٦).
[ ١١ / ١٤٦ ]
ولو وطىء الوارث الجارية الموصى بمنفعتها، وأولدها، صارت أم ولدٍ له بمصادفة العلوق الملكَ.
ولا خلاف أن الموصى له إذا وطىء وأعلق، لم يثبت الاستيلاد، وإن درأنا الحدَّ، ولم نُلزمه المهر، وصرفنا إليه القيمة عند القتل، فلا سبيل مع هذه الأصول إلى الحكم بالاستيلاد؛ لأن وطأه لم يصادف ملك الرقبة. نعم، إن حكمنا بأن الولد لو حدث رقيقًا لكان له، [فالولد] (١) حر؛ فإنه لا يعلق مولوده ملكًا له، ثم إذا كان المُولدُ الوارثَ، فالوصية بالمنفعة تبقى مع ثبوت الاستيلاد.
٧٣٩٥ - ومما يتصل بهذا المنتهى أن العبد الموصى بخدمته لا ينكح إلا بإذن المالك، والموصى له بالمنفعة: أما المالك، فلا بد من استئذانه؛ فإن التزوج تسلط على الاستمتاع، وذلك يؤثر في الملك، ولا بد من استئذان الموصى له بالمنفعة [فإن ذلك يؤثر في استيفاء المنفعة] (٢).
وذهب بعض الأصحاب إلى أن إذن الموصى له بالمنفعة كافٍ، وهذا القائل يقول: إنما يفتقر نكاح العبد الخالص لمولاه إلى إذنه، لتعلق المهر والنفقة بالكسب، ولا معنى للنظر إلى ما في الوطء من [إنهاك] (٣) القوى؛ فإن ذلك بعيد، غيرُ مدرك بالحس.
والدليل عليه أنه لو صح نكاحه، لم يكن للسيد أن يحجر عليه، ويكلّفه الاقتصادَ (٤)، والحكمُ في ذلك [مَيْلَ] (٥) النفس، والنظر في الضارّ منه خوضٌ في التطبيب الذي لا ينتهي إليه نظر الفقيه، وهذا يقرب (٦) من المأكل؛ فإن معظم [الاعتلال] (٧) من الإكثار أو الإقلال في المطعم، ولا حجر على العبد فيه،
_________________
(١) في الأصل: بالولد.
(٢) ما بين المعقفين زيادة اقتضاها السياق. وعبارة الأصل: " الموصى له بالمنفعة في الملك، وذهب إلخ".
(٣) في الأصل: إنها.
(٤) الاقتصاد: أي في الوطء.
(٥) في الأصل: مثل.
(٦) كذا قرأناها بصعوبة.
(٧) في الأصل: الأعلاك.
[ ١١ / ١٤٧ ]
[فالعهدة] (١) إذًا في افتقار النكاح إلى الإذن أنه إذا صح، تعلقت حقوقه بالكسب، والكسب مستحق للمولى.
فإذا تبين ذلك، فالمنافع والاكساب للموصى له، فليقع الاكتفاء بإذنه في النكاح.
فإن كان الموصى [بخدمته] (٢) جارية، فلا بد في تزويجها من إذنهما جميعًا وفاقًا؛ فإن التزويج ينقُص من القيمة، وما ينقص من القيمة يؤثر في الملك لا محالة. ثم قال فقهاؤنا: الولي في التزويج الوارثُ، ولكن لا بد من رضا الموصى له، وهذا حسن ظاهر.
٧٣٩٦ - ومما ألحقه الأصحاب بالقواعد المقدمة القولُ في [بيع] (٣) الوارث العبدَ الموصَى بخدمته، وقد اختلف أصحابنا في ذلك على ما تقدم الشرح فيه.
فإن ملّكنا الوارثَ البيعَ، فلا شك في نفوذ إعتاقه.
فإن قلنا: لا ينفذ بيعه، فالذي قطع (٤) به معظم الأصحاب أن إعتاقه ينفذ، ثم بنَوْا عليه أن العتق إذا نفذ، بقيت المنفعة مستحقةً للموصى له.
وقد ذكر شيخي وطوائف من الأئمة أن العبد المستأجر إذا عَتَق في أثناء مدة الإجارة، هل يملك فسخ الإجارة؟ فعلى وجهين، فالرأي في الإجارة القطعُ بأنه لا يملك الفسخ (٥).
فأما إذا كانت الوصية بالمنفعة، فهذه [منيحة] (٦)، [ويتجه] (٧) في ذلك ترددٌ لمثابة الاستحقاق، والظاهر [أنْ لا خيار] (٨) [في أن الاستحقاق يهدم] (٩) كما إذا أُعتقت
_________________
(١) في الأصل: فالعهد.
(٢) في الأصل: بحق.
(٣) في الأصل: جميع.
(٤) وهو المعتمد الذي عليه الشيخان: الرافعي والنووي (ر. العزيز: ٧/ ١١٢، والروضة: ٦/ ١٨٩).
(٥) وهو المعتمد (ر. العزيز: ٧/ ١١٢، والروضة: ٦/ ١٨٩).
(٦) في الأصل: "قبيحة" (انظر صورتها) والمثبت من اختيارنا.
(٧) زيادة من المحقق على ضوء عبارة الإمام في مثل هذه العبارات.
(٨) في الأصل: أن الأخيار.
(٩) كذا تمامًا، لا تقرأ إلا هكذا. والعبارة قلقة، ولكن المعنى مفهوم من السياق والسباق، وهو =
[ ١١ / ١٤٨ ]
الأمة تحت زوجها الحر؛ فإن النكاح مؤبد عليها، وهو رق كما قال المصطفى صلى الله عليه، وإنما ثبت الخيار [للمعتَقة] (١) تحت العبد للخبر (٢).
ويجوز أن يقال: إذا أُعتق العبد الموصى له بخدمته أبدًا، [يُخيّر] (٣) كالأمة تُعتَق تحت العبد؛ فإنها لو عتقت تحت حر، [لرجع] (٤) إليها حظ ظاهر في [الاستمتاع] (٥)، فلا ضرار إلا استمرار حكم النكاح. ولو أثبتنا حق الانتفاع للموصى له بعد الحرية، لكان دوام هذا الاستحقاق كالاسترقاق، وهذا يزيد على ما ينال [المعتقة] (٦) من الضرار تحت العبد.
فإن قيل: إذا أثبتم الخيار، فهل يحتمل أن يقال: تنقطع الوصية من غير حاجة إلى خيار؟ قلنا: لم يصر إلى ذلك أحد من الأصحاب، وإذا كنا نثبت الوصية بالمنفعة على التأبيد والملك في الرقبة [بعدُ للموصي] (٧)؛ فلا يبعد أن تبقى المنفعةُ مستحقةً بعد زوال الملك، ولكن الخيار يعتمد الضرار، كما قدمناه.
فهذا منتهى الكلام في ذلك.
ثم من [قالى] (٨): نفقة الموصَى [بمنفعته] (٩) على المالك، فإذا [أعتقه] (١٠) يتخلص
_________________
(١) = أن الظاهر أنه لا خيار للعبد المعتق واستحقاق الموصى له بمنفعته قائم، كما أنه لا خيار للمعتقة تحت حُرّ.
(٢) في الأصل: المعتق.
(٣) الخبر: يشير إلى قصة بريرة.
(٤) في الأصل: مخير.
(٥) في الأصل: فرجع.
(٦) في الأصل: الاستحقاق، والمثبت من هامش الأصل، والمقصود بالحظ الظاهر في الاستمتاع أن يد السيد ارتفعت عنها، فلا يستطيع أن يأخذها عن زوجها، وأن يسافر بها كما كان له الحق في ذلك قبل عتقها.
(٧) في الأصل: المعتق.
(٨) في الأصل: بعد الموصى.
(٩) في الأصل: ملك.
(١٠) في الأصل: فمنفعته.
(١١) في الأصل: أعتق.
[ ١١ / ١٤٩ ]
من النفقة، وإن قلنا: النفقة على الموصى له، فالاستحقاق دائم عليه؛ فإن سبب الاستحقاق عليه ثبوت المنفعة له على التأبيد، وهذا المعنى دائم مع حصول الخدمة.
فرع:
٧٣٩٧ - الصحيح من المذهب أنه لا يجوز (١) إعتاق الموصى بمنفعته عن الكفارة؛ لعجزه عن الكسب لنفسه، فأشبه ذلك عجزه عن الكسب بالزمانة.
ومن أصحابنا من قال: يصح إعتاقه عن الكفارة لكمال الرق والأطراف، فليقع النظر في ذاته وصفاته، لا في مصرف منافعه.
فرع:
٧٣٩٨ - ذهب طوائف من أئمتنا إلى أن مكاتبة العبد الموصى بخدمته غيرُ صحيحة (٢)، فإنه ليس قادرًا على أكساب نفسه لنفسه، وقال هؤلاء: يجوز كتابة العبد المؤاجَر في مدة الإجارة.
ومن أصحابنا من صحح الكتابة؛ تعويلًا على صرف الصدقات إليه، ويجب أن يكون في مكاتبة العبد الزمن هذا التردد.
ومن منع كتابة العبد الموصى بمنفعته رأى هذين التصرفين متناقضين. فعلى هذا من أوصى بالمنفعة، ثم [كاتب] (٣)، كانت الكتابة من الموصي رجوعًا عن الوصية بالخدمة، والذي قدمناه من منع الكتابة مفروض في الوارث إذا أراد مكاتبة العبد بعد استقرار الوصية بالمنفعة.
فرع:
٧٣٩٩ - إذا غصب رجلٌ العبد الموصى بمنفعته أيامًا، وعطل منافعه على مستحقها، فإنه يغرَم له أجرة المثل، من جهة أنه أتلف عليه المنافعَ المملوكة له.
ولو غصب غاصب العبد المستأجَر في أثناء المدة، وضيّع منافعه على المستأجر، فقد ذكرنا أن المذهب الصحيح أنه لا يغرَم شيئًا للمستأجِر، وإنما يغرَم أجر المثل للمالك المكري ويحط (٤) عن المستأجِر قسطًا من الأجرة المسماة.
_________________
(١) هذا هو المعتمد في المذهب (ر. العزيز للرافعي: ٧/ ١١٢، وروضة الطالبين: ٦/ ١٨٩).
(٢) عدم صحة الكتابة للعبد الموصى بخدمته هو المعتمد في المذهب. (ر. روضة الطالبين: ٦/ ١٨٩، والعزيز: ٧/ ١١٣).
(٣) زيادة من المحقق.
(٤) يحط: أي المالك.
[ ١١ / ١٥٠ ]
والفرق بين الموضعين أن المنافع إذا لم تتلف في يد المستأجِر، فليست مضمونة عليه، بل هي محسوبةٌ على المكري، ثم [عهدة] (١) العقد توجب ما ذكرناه، وليس في الوصية بالمنفعة عوضٌ يفرض سقوطه في مقابلة تضييع المنفعة على الموصى له، فلا وجه إلا تغريم الغاصب قيمة ما يتلفه من المنفعة لمستحقها ومالكها، ومستحقُّها الموصى له.
فرع:
٧٣٩٩/م- إذا ذكَر للمنفعة وقتًا، لم يخف حكم التأقيت، وقد بان حكم التأبيد أيضًا.
فلو أوصى لإنسانٍ بمنفعة عبد، ولم يتعرض لتأقيتها، ولا لتأبيدها، فالذي ذكره الشيخ أبو علي في الشرح القطعُ بحمل ذلك على التأبيد؛ فإن العقود المطلقة القابلة للتأبيد محمولةٌ على التأبيد.
هذا ما ذكره، ولم أر في الطرق ما يخالف ذلك.
فصل (٢)
قال: " فإن كان أكثرَ من الثلث، فأجازه الورثة في حياته، لم يجز ذلك إلا أن يجيزوه بعد موته إلى آخره " (٣).
٧٤٠٠ - الوصية إذا كانت زائدةً على الثلث، فلو أجاز الوارث الزيادة قبل موت الموصي، فإجازته ملغاة لا أصل لها؛ فإنها [حدثت] (٤) عنه قبل أن يثبت له حق الإرث، فكذلك لو استأذن الموصي ورثته، فأوصى وزاد، فتلك الزيادة لا تنفذ.
وهذا بمثابة ما لو أذن الشفيع لشريكه في بيع الشقص وإذا باع نثبت الشفعة [ولا] (٥) أثر للإذن المتقدم.
_________________
(١) في الأصل: عهد.
(٢) من هنا بدأ عندنا نسختان: نسخة الأصل (ح)، ونسخة (س) مساعدة.
(٣) ر. المختصر: ٣/ ١٦٢.
(٤) في الأصل: حدوث.
(٥) مزيدة من: (س).
[ ١١ / ١٥١ ]
وكذلك إذا قبل الموصى له الوصية في حياة الموصي، فقبوله مردود؛ فإنه لا يدخل وقتُ القبول ما لم [يمت] (١) الموصي، فهو على خِيرَته بعد موته. وإن قبل في حياته. فكذلك إن رد الوصية، فلا حكم لرده في الحياة. ولو كان يؤثر قبوله ورده في حياة الموصي لاشتُرط اتصالُ القبول بالإيصاء، وسيكون لنا إلى هذا [عودة] (٢) في أثناء الكتاب، إن شاء الله ﷿.
فصل
أورده صاحب التقريب، مضمونه يشابه الوصيةَ بالمنفعة على التأبيد، وله تعلق بالثلث ومقدارِه وتفصيل الإجازة.
٧٤٠١ - قال ﵁: إذا أوصى لإنسان بدينارٍ كلَّ سنة، ولم يذكر مقدارَ الدنانير، ومنتهى السنين، قال: تصح الوصية بالدينار الواحد في السنة الأولى؛ فإنه مضبوط لا شك فيه.
فأما بقية الدنانير في السنين المستقبلة، فقد ذكر صاحب التقريب فيها قولين: أحدهما - أن الوصية باطلة فيها؛ فإن ضبطها غير ممكن، ولا ندري كم مبلغها، لنقدر خروجها من الثلث، وقد يتفق معها وصايا، فلا يتحقق مبلغ حصة هذه الوصية في المضاربة، ولو صححناها، لبقينا في موجَبها أبدًا.
هذا أحد القولين.
والقول الثاني - أنه لا تبطل الوصية في باقي السنين؛ فإن الجهالة لا تتضمن بطلان الوصايا، كالوصية بالمنفعة.
ومن قال بالقول الأول، (٣ نفصل عن الوصية بالمنفعة، بأن قال: الوصية بالمنفعة ٣) على التأبيد غايتها أن تقتضي احتساب العبد من الثلث، ولتقويم المنفعة
_________________
(١) في الأصل: يجب.
(٢) في (ح): "مردّة".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (س).
[ ١١ / ١٥٢ ]
جهةٌ أوضحناها، أما إخراج دينار في كل سنة من غير ذكر نهاية، فهو مشكل جدًا.
ثم اختار (١) من القولين تصحيحَ الوصية، وقال مفرعًا على هذا:
٧٤٠٢ - إذا ثبتت هذه الوصية، فلا يخلو: إما أن يكون في التركة وصايا سواها، أو لا يكون في التركة وصيةٌ غيرُها.
فإن لم يكن في التركة وصيةٌ غيرها، فلا شك أن الورثة لهم أن يتصرفوا في ثلثي التركة؛ إذ لهم رد الوصية في الثلثين، فأما الثلث، فهل ينفذ تصرفهم [فيه؟] (٢) فعلى وجهين ذكرهما: أحدهما - ينفذ تصرفهم فيه، بعد إخراج الدينار الواحد؛ فإن مِلْكه متحقق، ولا يُدرى هل يستحق الموصى له في مستقبل الأعوام أم لا.
والوجه الثاني - أن الثلث يوقف؛ فإن الموصى له إذا قبل الوصية، فقد ثبتت، ولا نهاية لها، فلا وجه إلا وقفُ الثلث. فإن رأينا الوقفَ، فلا كلام، فإذا بقي من له الحق على مر السنين، حتى استوعب بالدنانير الثلث، فذاك.
فإن مات قبل ذلك، فبقية الثلث مردودةٌ على الورثة.
وهذا الذي ذكره فيه نظر؛ فإن الوصية بالدنانير إلى غير نهاية، كالوصية بثمار الأشجار من غير نهاية، فإذا صححنا الوصية بثمار الأشجار، ثم مات الموصى له بها، فالوجه إقامة وارثه في الاستحقاق مقامه.
٧٤٠٣ - والغرض في ذلك يبين بفرض ثلاث مسائل: إحداها - الوصية بالمنفعة، فالمذهب الظاهر أن الموصى له إذا مات، قام وارثه مقامَه، وخلفه في الاستحقاق.
وفيه وجهٌ بعيد ذكرناه (٣).
وإذا (٤) أوصى بثمار الأشجار، فتخصيص الاستحقاق به وقطعه عن الورثة يظهر
_________________
(١) اختار: أي صاحب التقريب.
(٢) سقطت من النسختين.
(٣) في الأصل: ما ذكرناه.
(٤) المسائل الثلاث التي فرضها هي: ١ - الوصية بالمنفعة. ٢ - الوصية بثمار الأشجار. ٣ - الوصية بالدينار كل سنة. ففي هذه المسائل يظهر التدرج في قطع الوصية بعد موت الموصى له، ففي الوصية بالمنفعة هو وجه بعيد، وفي الوصية بثمار الأشجار يظهر بعض الظهور، وفي الوصية بالدينار يظهر جدًا.
[ ١١ / ١٥٣ ]
بعض الظهور؛ فإنّ في الوصية بالثمار احتمالًا في أصلها.
وإذا أوصى بأن يُصرفَ إلى إنسان (١) كلَّ سنة دينار، [فمات] (٢) ذلك الشخص، فيظهر في هذه (٣) الصورة جدًا انقطاعُ الوصية بموته، ويتجه أيضًا إذا صححنا الوصية أن يدوم الاستحقاق لورثته، ولهذا الإشكال في التفريع خرج قولٌ في إبطال الوصية.
ولو قيدَ الكلامَ بصرف دينار إليه كل سنة ما بقي، فلا شك في أن ذلك ينقطع بموته.
فإن صورنا المسألة في هذه الصورة، أو فرعنا على ما قطع به صاحب التقريب من حمل الوصية على الدنانير التي تكون على سني عمر الموصى له، فنقول: [نصرف] (٤) الثلث على وجه الوقف، ونصرف إلى الموصى له دينارًا دينارًا، فإن استغرق الثلثَ في حياته، [فذاك] (٥). وإن مات، وقد بقي من الثلث بقية، رددناها على الورثة.
فإن قلنا: لا يُوقف الثلث، فالورثة يتصرفون فيه، ومهما استحق عند انقضاء سنة دينارًا، طالب الورثةَ به، وكان ذلك بمثابة ما لو اقتسم الورثةُ التركة، ثم ظهرت وصية.
وهذا فيه نظر؛ فإنه إذا ظهرت وصية تتبَّعْنا تصرَّفَ الورثة في الثلث [بالنقض] (٦)، فإن كان الأمر كذلك في مسألتنا، فلا فرق. وظاهر كلام صاحب التقريب أن تصرّفهم في الثلث ينفذ، ولا يُتْبَع بنقض.
وهذا فيه إشكال واحتمالٌ ظاهر، وبين المسألة التي نحن فيها وبين ظهور الوصية فرقٌ؛ من جهة أن [الدنانير] (٧) تنقسم على أواخر السنين في هذه المسألة وتثبت دينارًا دينارًا، وليس كالذي [يبين] (٨) أنه كان ثابتًا، ولم نعلمه.
_________________
(١) عبارة (س): إلى كل إنسان كل سنة.
(٢) في الأصل: فاق.
(٣) في الأصل: في أن.
(٤) في الأصل: نقف.
(٥) في الأصل: بذلك.
(٦) في الأصل: فالنقض.
(٧) في الأصل: الدينار.
(٨) مكان كلمة غير مقروءة في الأصل، وساقطة من (س).
[ ١١ / ١٥٤ ]
وجميع ما ذكرناه فيه إذا تجردت تلك الوصية، ولم يكن معها وصايا.
٧٤٠٤ - فأما إذا أوصى بوصايا ومن جملتها الوصيةُ التي ذكرناها (١)، فإن [جعل] (٢) الوصية التي ذكرناها معلّقةً بعُمر الموصى له، فقد قطع صاحب التقريب بأن الثلث يُفضّ على مستحقي الوصايا في الحال، ولا نؤخر حقوقهم؛ فإنا لا نضبط مبلغ الوصية الأخرى، فلا وقف في حقوقهم، وإنما الاختلاف في وقف الثلث في حق الورثة إذا تجردت الوصية التي نحن فيها (٣)، والفرق أن الثلث إن وقفناه، فهو حق المتوفَّى، ومحل تبرعاته، فلا بُعد لو [حُلْنا] (٤) بين الورثة وبينه، فأما إذا ثبتت وصايا ناجزة، فالثلث محلُّ حقوقهم، فيبعد أن نقف الثلث إلى أن نتبين منتهى هذه الوصية المجهولة، فإذا فضضنا الثلث على الدينار الذي انتجز من هذه الوصية في هذه السنة وعلى سائر الوصايا، فإذا انقضت سنة أخرى، استحق الموصى له دينارًا وضارب به أربابَ الوصايا، واسترد منهم ما يقتضيه التقسيط في ذلك القدر، ثم لا يزال يفعل ذلك في كل ما يستحقه حتى تنتهي الوصية.
وهذا الذي ذكره بيّنٌ إذا كانت الوصية مقيّدة بحياة الموصى له، فأما إذا لم تتقيّد بحياته، ورأينا أن نقيم ورثته مقامه، فهذا مشكلٌ لا يُهتدى إليه، وحاصله مضاربةُ [أقوام] (٥) حقوقُهم مقدرة بما لا نهاية له.
ولو قيل: إنه لا يضارب إلا بمقدار الثلث، ويبطل ما وراءه، لانتفاء النهاية عنه، لم يبعُد. وهذا الإشكال في مضاربة الوصايا؛ فإن الورثة إذا [ردّوا الوصية إلى الثلث] (٦) انحصرت فيه، والغموض في مضاربة ما لا نهاية له أقدارًا متناهية، فيجوز
_________________
(١) هذا التفصيل متصل بقوله السابق: إذا ثبتت هذه الوصية، فلا يخلو إما أن يكون في التركة وصايا سواها أو لا يكون.
(٢) في الأصل: فصَلَ.
(٣) في (س): نشأ منها.
(٤) في النسختين: حملنا.
(٥) في الأصل: أقدام.
(٦) في الأصل: ردوا إلى الوصية إلى الثلث.
[ ١١ / ١٥٥ ]
أن تبطل الوصية في الزائد على الثلث، ويكون هذا في هذه المسألة مناظرًا لمذهب أبي حنيفة (١) في رده ما يزيد من الأجزاء على الثلث إذا رُدّت الوصايا إلى الثلث، وهذه مناظرة لفظية، وإلا [فما] (٢) ذكره أبو حنيفة باطل؛ فإنه أبطل السدس من الوصية بالنصف، وهو [مقدّر] (٣)، وإنما الغموض في هذه المسألة من جهة انتفاء النهاية عن الوصية.
وينقدح أن يقال: يضارب بمقدار المال كله، حتى كأنه أوصى له بكل المال، ثم ردت الوصايا إلى الثلث، فإنا نثبت المضاربة بالزائد على الثلث.
ومنتهى الأمر تقدير الوصية بجميع المال، ثم هذا التضارب يقع شيئًا شيئًا.
كذلك قال صاحب التقريب.
ويجوز أن يقال: يوقف له القدر الذي ذكرناه، إما في تقدير الثلث وإما في تقدير الكل، بحكم المضاربة.
وقد قال صاحب التقريب: إذا قال: ادفعوا إلى فلان في انقضاء كل سنة دينارًا إلى عشرين سنة، فهل نقف هذا القدر له في معارضة الوصايا؟ فعلى وجهين.
٧٤٠٥ - فليتأمل المتأمل أطراف هذه المسألة ولْيقْضِ العجبَ منها، وفي [اختباط] (٤) تفاريعها يظهر للإنسان بطلان الوصية، وليت شعري ما قول الأصحاب فيه إذا قال: أوصيت لفلان بما لا نهاية له من الدنانير؟ هذا فيه تردد، فينقدح إبطال الوصية؛ فإنها [وقعت] (٥) بغير ممكن، ويجوز أن يقال: هي وصية بالمال كله، والعلم عند الله ﷿.
_________________
(١) ر. المبسوط: ٢٨/ ١٢١ وما بعدها.
(٢) في الأصل: بما.
(٣) في الأصل: مقدار.
(٤) في الأصل: "احتياط ".
(٥) في الأصل: "رفعت".
[ ١١ / ١٥٦ ]
فصل
قال الشافعي ﵁: "ولو قال أعطوه رأسًا من رقيقي إلى آخره" (١).
٧٤٠٦ - إذا قال الموصي: أعطوا فلانًا رأسًا من رقيقي، فمضمون هذا اللفظ الوصيةُ له بمملوك من جملة مماليك، ومقصود الفصل بيانُ مقتضى هذا اللفظ، وإيضاحُ المعنى الذي يكون وفاء في المطلوب منه، فإذا كان للموصي عبيد وإماء، فأعطى الوارثُ الموصى له عبدًا أوْ أمةً من جملة رقيقه، فقد خرج عن موجَب الوصية ومقتضى لفظها؛ فإن الرقيق يتناول الذكر والأنثى.
ولو كان في رقيقه خنثى، فالمذهب الصحيح أنه مجزىء، وبذلُه كافٍ؛ فإن اسم الرقيق يتناوله.
وذكر صاحب التقريب وجهًا آخر أنه لا يجزىء، ولا يكون بذله وفاءً باللفظ؛ فإن هذا الاسم يتناول ما يفهم منه [في] (٢) العرف، والخنثى يندر اتفاق وجوده، فلا يتناوله الاسم العام.
وهذا عريّ عن التحصيل، لا اعتداد به؛ فإن الاسم العام، وهو رأس من الرقيق يتناول الخنثى تناوله للذكر والأنثى، ولو قال الرجل: [مماليكي] (٣) أو أرقائي أحرار، دخل الخنثى [بحيث يعتِق] (٤)، فإن [منع] (٥) صاحب التقريب [ذلك] (٦)، كان في نهاية البعد، وإن سلّمه، وفرّق بأن المماليك إذا [تناولت] (٧) الجميع عمومًا،
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ١٦٢.
(٢) زيادة من (س).
(٣) في الأصل: ما يمكن.
(٤) في الأصل: يجب العتق.
(٥) في الأصل: يقع.
(٦) في الأصل: وكل.
(٧) في الأصل: تنازلت.
[ ١١ / ١٥٧ ]
لم يبعد اشتمال اللفظ على الخنثى مع جريانها على مقتضى عمومها؛ فإن اللفظ المُجرى على حقيقة عمومه يتناول [النادر] (١) مع تناوله لغيره، وإذا قال: رأسًا من رقيقي، فحمل على النادر الذي لا يخطر بالبال دون غيره، كان بعيدًا، فهذا الفرق لا حاصل له؛ فإن قوله: رأسًا من رقيقي وإن كان مقتضاه بذلَ واحدٍ، فهو مضاف إلى لفظ جامع شامل على أصل، فهذا الوجه (٢).
٧٤٠٧ - ولو قال: أوصيت لفلان برأسٍ من رقيقي، ولم يكن له رقيق حالة [الإيصاء] (٣)، ولم يمت عن رقيق أيضًا، فالوصية باطلة، فإنه أضاف الموصى به إلى أرقائه، فإذا لم يكن له مماليك، فلا أصل ولا مستند للفظه.
ولو قال: أوصيت لفلان برأس من رقيقي، ولم يكن له حالة الإيصاء رقيق، ثم ملك مماليك، ومات عنهم، فالمذهب أن الوصية تنفذ في واحد منهم.
ومن أصحابنا من قال: الوصية مردودة؛ فإن لفظه حالة الإيصاء لم يجد متعلقًا فلغَى وبطل، ثم لا أثر لوجود الأرقاء بعد ذلك، وهذا يضاهي ما لو قال: أوصيت لفلان بثلث مالي، وكان لا يملك إذ ذاك شيئًا أصلًا، ثم تموّل ومات عن مال، فالأصح أن ثُلث ماله مصروفٌ إلى وصيته.
ومن أصحابنا من قال: الوصية مردودة؛ لأنها لم تتناول موردًا، [ولم] (٤) تثبت بمتعلَّقٍ حالة الإنشاء.
ولم يختلف أصحابنا أنه لو كان يملك درهمًا، فقال: أوصيت لفلان بثلث مالي، فخوله الله تعالى مالًا جمًا، ومات، فثلث جميع ما خلف مصروف إلى وصيته.
هكذا ذكر الشيخ أبو علي في صورة الوفاق والخلاف في شرح التلخيص.
_________________
(١) في الأصل: النار.
(٢) الوجه: خبر هذا. والمعنى أن هذا هو الوجه المعتمد.
(٣) في الأصل: الإحياء.
(٤) في الأصل: أو لم تثبت.
[ ١١ / ١٥٨ ]
فعلى هذا لو كان قال؛ أعطوه رأسًا من رقيقي، وكان يملك إذ ذاك أرقاء، ثم ملك غيرهم ومات، فللوارث أن يسلّم رأسًا من الذين استفادهم بعد الإيصاء.
ولو قال: أعطوه رأسًا من مماليكي، وكان لا يملك إلا مملوكًا واحدًا ومات على ذلك، ولم يخلّف غيرَه من المماليك، فهذا اللفظ فيه خبلٌ، واضطراب؛ من جهة أنه أضاف المملوك الموصى به إلى مماليكه، وليس له جمع من المماليك يصح إضافة المملوك الموصى به إليهم، ولكن الذي يقتضيه المذهب القطع بتنزيل وصيته على ذلك المملوك الواحد، وإن لم نجد في ملكه جمعًا من المماليك، يضيف ذلك العبدَ إليهم؛ فإنا وجدنا متعلقًا لوصيته، فاستقلت به، ولا مبالاة بأن يختل بعد هذا المتعلق لفظهُ.
ولم يختلف أصحابنا في أنه إذا أوصى برأسٍ من رقيقه، وكان له جمع من الأرقاء، فماتوا إلا واحدًا منها، نزلت الوصية عليه.
٧٤٠٨ - ومما يتصل بمقصود الفصل، وهو المعتبر فيه -وعلى المنتهي إلى هذا الموضع من هذا الفصل أن يتامل ما نلقيه إليه- أنَّ هذه الوصية مفروضةٌ فيه إذا أطلق الموصي لفظه، وأرسل وصيته، وحاول أن تنفذ فيما ينطلق عليه لفظُه، ولم يضمر إرادةَ تعيينٍ من رقيقه، فمسائل الفصل مدارةٌ على هذه القاعدة، والغرض بيان مقتضى هذه الصيغة عند الإطلاق.
وعلى هذا قال الأئمة: لو أوصى برأسٍ من رقيقه، وكان له جمع من المماليك، فانتحى الوارث معيَّنًا منهم، واعتمد أحسنهم قدرًا، أجزأ ما يُخرجه عن الوصية؛ فإن اسم رأسٍ من رقيق يتناوله، وهذا متفق عليه بين الأصحاب.
فإن قال الموصى له: لم يُرد الموصي هذا، لم يردّه، على أن نُفهمه معنى عموم اللفظ وشمول الصيغة ونبين له أن المسألة مفروضةٌ فيه إذا لم يعيّن الموصي بلفظه أحدًا من مماليكه، وإنما أراد أيَّ واحدٍ كان من أرقائه.
ولو قال الموصى له: إنه أضمر واحدًا منهم، وإن أبهم لفظه، فليس يبعد أن يضمر مع الإطلاق، وإن كان لفظه عامًا؛ فإن سيد المماليك لو قال: واحد منهم
[ ١١ / ١٥٩ ]
حُرٌّ، ثم زعم أنه عنى عند اللفظ متعينًا منهم، تبيّنا نزول العتق عليه.
وكذلك إذا قال الزوج: واحدةٌ من نسائي طالق. وأضمر عند إطلاق هذا اللفظ واحدةً متعينة منهم في نفسه، فهي المطلقة.
وإن أطلق إبهام العتاق والطلاق، ولم يضمر معينًا، خوطب بإيجاب التعيين عليه، على ما ستأتي هذه المسائل مشروحةً في كتاب الطلاق، إن شاء الله ﷿.
٧٤٠٩ - فإذا وقع التنبيه لها، فنقول: الموصى له غير بعيد عن الاحتمال، ولكن لا نقبل دعواه، ما لم يعيّن عبدًا، وما لم يقل هذا مَعْنِيُّه ومرادُه؛ فإن الدعوى المبهمة مردودة ممّن يبغي مالًا.
ثم إن عين، فالقول قول الورثة، فإن قالوا: لم يعيّن، ولم يُضمر تعيينًا أصلًا، وإنما أبهم اللفظ ليُجرى على [مقتضى] (١) عمومه، فالرجوع إلى أقوالهم.
وإن فرض عرْضُ يمين، فالقول في صيغتها يأتي في سياق الكتاب، فليس تفصيلها من غرضنا الآن.
٧٤١٠ - ولو قال: اشتروا عبدًا من مالي وسلموه إلى فلان، فاشترى الورثة عبدًا معينًا، وسلموه إلى الموصى له، وقع الاكتفاء به في قول أصحابنا المعتبرين؛ تعلّقًا بما ذكرناه من مقتضىً، وتشبيهًا لهذا بما لو قال: أعطوه رأسًا من رقيقي، وكان فيهم معيب [فقصدوه] (٢) وأخرجوه إلى جهة الوصية.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن الوصية إذا كانت متقيّدة بالشراء، فلا يقبل [فيها] (٣) معيب؛ فإن الشراء يقتضي سلامة المشترَى، ولذلك يثبت الرد بالعيب.
فإذا قال: اشتروا عبدًا أو مملوكًا، وسلموه إلى فلان، فقد أوصيت [له به] (٤)،
_________________
(١) في الأصل: يقتضي.
(٢) في الأصل: يقصدوه.
(٣) في النسختين: منها.
(٤) في الأصل: لزيد.
[ ١١ / ١٦٠ ]
فربْطُه المملوكَ الموصى به بجهةٍ مقتضاها طلب السلامة يقتضي السلامة.
وهذا لا أصل له؛ فإن الوصية تستقل بموجب اللفظ، واللفظ عام، كما سبق تقريره، فلئن كان مقتضى العهدة في البيع ثبوت خيار الرد، فلا تعلق لهذا بوضع الوصية، والدليل عليه أن الرجل إذا وكل وكيلًا ليشتري له مملوكًا، وأطلق التوكيل ولم يقيّده بالسلامة، فاشترى الوكيل عبدًا، ثم اطلع على عيب به، وكان العبد مع ذلك العيب يساوي الثمن المذكور، فالبيع يصح عن الموكل؛ حملًا على مقتضى الاسم المطلق، ثم عهدة العقد تقتضي ثبوتَ الخِيَرة في الرد، فلزم تنزيل الوصية على العبد المشترى وإن كان معيبًا، ثم لا عهدة في الوصية حتى نفرض رد العبد فيها.
٧٤١١ - ومما يتعلق بتحقيق الفصل أنه إذا قال: أوصيت لفلان برأسٍ من رقيقي، وكان له مماليك، فماتوا قبل [موت] (١) هذا الموصي، انقطعت الوصية.
وكذلك لو ماتوا بعد موت الموصي، وقَبْل قبول الموصى له، فلا فائدة للحكم ببقاء الوصية؛ فإنها لو ثبتت، لكانت متعلقة بعبد من العبيد الذين خلّفهم الموصي، فإذا ماتوا موتًا لا يُعقب ضمانًا على آخر، فقد فاتت الوصية في أعيان العبيد، ولم يُعقب موتُهم أَبْدَالًا، وعَسُر الوفاء، ونزل هذا منزلة ما لو ماتوا قبل وفاة الموصي.
٧٤١٢ - ولو أوصى برأس من رقيقه، فقُتِل أرقاؤه في حياته قتلَ ضمان، فاتت الوصية؛ فإنّ نَفَذ (٢) الوصية ما بعد الموت، وقد [مات] (٣) ولا رقيق له.
ولو قتلوا بعد موته، وقبل قبول الموصى له، نزلت قيم العبيد القتلى منزلة العبيد بأنفسهم، فيعيّن الوارث [قيمة] (٤) من شاء من المماليك.
_________________
(١) في الأصل: ثبوت.
(٢) في (س): مقرّ. واخترنا ما في الأصل: (نَفَذَ) لما عهدناه في أسلوب الإمام من استخدام المصدر على وزن (فُعول) بصيغة (فَعَل) مثل صَدَر مكان صدور، وحدَث مكان حدوث، ونفذ مكان نفوذ.
(٣) في الأصل: فات.
(٤) في الأصل: فيه.
[ ١١ / ١٦١ ]
وعلى الناظر تأملٌ في هذا؛ فإن الأقوال [مختلفة] (١) في أن الملك في الموصى به متى يحصل للموصى له؟ ففي قولٍ يحصل الملك بنفس موت الموصي، ويستقر بالقبول.
وفي قولٍ يقف الأمر على القبول، فإن قُبل، تبيَّنا استنادَ الملك إلى موت الموصي، وإن ردّ الموصى له الوصية، تبيّنا انتفاء الملك أصلًا، ومسألتنا مفروضة [فيه] (٢) إذا قُتل العبيد، وقَبِل الموصى له الوصية بعد قتلهم، [فيستدّ] (٣) على القولين المذكورين صرفُ قيمة عبد إلى حقه؛ فإنا نتبيّن على الوقف، أو نحكم على تحقق أن عبدًا من العبيد قُتل ملكًا للموصى له.
وفي أصل المسألة قولٌ ثالث، وهو أن الملك يحصل للموصى له بالقبول، فعلى هذا يقع قبوله [بعد] (٤) فوات رقاب المماليك، والوصية [بواحدٍ] (٥) منهم، فقد يُشْكل ورود الملك على قيمة عبد ابتداء، ولكن أطلق الأصحاب ما حكيته، والممكن منه أنا وإن حكمنا بأن الملك يحصل بالقبول، فللموصى له حق في الموصى به قبل القبول.
وآية ذلك أنه يستبد بتملكه، ولا يقدر أحد على إبطال هذا الحق عليه، وليس كحق القبول في البيع والهبة بعد الإيجاب من الموجِب؛ فإن الموجِب لو أراد بعد التلفظ بالإيجاب أن يُبطل إمكان القبول، تُصوِّر ذلك منه، ولا يتصور من الورثة قطع حق القبول، فخرج منه أنا وإن حكمنا بأن [القبول] (٦) يستعقب الملك، فلسنا ننكر
_________________
(١) في الأصل: مختلف.
(٢) زيادة من (س).
(٣) في الأصل: "فيستمر". وفي (س): فيستتم. والمثبت اختيار من المحقق على ضوء المعهود من ألفاظ الإمام، والأوفق للمعنى؛ فإن (يستد) معناها (يستقيم)؛ فهي لا شك أوفق من (يستمر) التي تصحفت إليها على كثير من النساخ.
(٤) زيادة من (س).
(٥) في الأصل: واحد.
(٦) في النسختين: المقبول.
[ ١١ / ١٦٢ ]
ثبوت حق الموصى له قبل القبول، فالحقوق اللازمة الماليّة إذا تعلقت بأعيانٍ (١)، لم يمتنع انتقالُها من الأعيان إلى أبدالها، كحق الموصى [له] (٢)، فهذا هو الممكن.
ولا يبعد عن القياس أن يقال: إذا حكمنا بأن القبول يستعقب الملك، تسقط الوصية [و] (٣) تفوت بفوات الأعيان قبل القبول، وهذا ابتداء احتمال من طريق النظر، ولم يصر إليه أحد من الأصحاب، فلا (٤) اعتداد به.
٧٤١٣ - ولو قتل العبيد بعد موت الموصي وقبل القبول إلا واحدًا منهم، فالذي ذكره أئمتنا في الطرق أن للورثة أن يصرفوا الوصية إلى قيمة [قتيلٍ] (٥)، كما لو قتلوا بأجمعهم، ولهم إخراج العبد الباقي.
ووجه ما قالوه أن [القتلى بمثابة] (٦) الأحياء في بقاء الوصية؛ إذ لو قتلوا، لكانت الوصية قائمة، فبقيت خِيرَةُ الورثة، ولا فرق بين الحي الباقي وبين [القتلى] (٧).
وقطع العراقيون قولهم بأنه يتعين على الوارث تسليم العبد الباقي، وإن كان لو قتلوا جميعًا، لعيَّنُوا [أيَّةَ] (٨) قيمةٍ شاؤوا، واعتلّوا بأن قالوا: الأصل في الوصية إخراج (٩ رأسٍ من الرقيق، فما دام ذلك ممكنًا، فالوفاء بحق الوصية إخراج ٩) رقيق؛ فإن فاتوا من عند آخرهم، أقمنا الأبدال لتعلق الوصية بالأعيان مقام الأعيان.
وهذا الذي ذكروه فقيه (١٠) متجه، وما ذكره أصحابنا المراوزة ممكن غيرُ بعيد.
_________________
(١) (س): بالأعيان، لم يمتنع المرجوع من الأعيان إلى إبدالها.
(٢) سقطت من النسختين.
(٣) زيادة من (س).
(٤) (س): على اعتداد فيه.
(٥) في الأصل، كما في (س): القتيل.
(٦) في الأصل: أن القتل عليه بمثابة
(٧) في الأصل: القتل.
(٨) في الأصل: به.
(٩) ما بين القوسين ساقط من (س).
(١٠) (س): غير متجه.
[ ١١ / ١٦٣ ]
٧٤١٤ - ولو أوصى بعبد معيَّنٍ لإنسانٍ، فقُتل ذلك العبد قبل موت الموصي قَتْلَ ضمان، فقد فاتت الوصية بفوات العبد، ولا تعويل على القيمة؛ فإنه لم يوص (١) بالقيمة، ولما قتل العبد، لم يقع مثلُه في وقتٍ ثبت فيه ملكُ الموصى له، أو حق تملكه.
فلو قتل بعد موت الموصي وقبل القبول، فإذا قبل الموصى له، كانت القيمة له، وهذا خارج على ما قدمناه من قول الأصحاب.
٧٤١٥ - وقد نجز الغرض في الفصل المفروض فيه إذا قال: أعطوه رأسًا من رقيقي، وتبين أن شرط هذه الوصية أن يخلّف أرقاء، أو رقيقًا، كما بينا ذلك مفصلًا.
٧٤١٦ - فلو قال: أوصيت لفلان بعبد من مالي، أو قال: أعطوا فلانًا رقيقًا من مالي، فلا يشترط في صحة هذه الوصية أن يخلف مملوكًا، ولكن لو لم يخلف مملوكًا أصلًا، اشترينا من الثلث مملوكًا، وصرفناه إلى جهة الوصية.
ولو خلف مملوكًا [أو] (٢) مماليك، ولفظ وصيته: أعطوا فلانًا عبدًا من مالي، فلو أراد الورثة أن يشتروا عبدًا ويسلموه إلى الموصى له، فالذي صار إليه المحققون أن لهم ذلك، ولا يتعين عليهم إخراج عبد من عبيد التركة؛ فإنهم لو لم يكونوا، لاستقلت الوصية في مكان تحصيل العبد من المال، فلا أثر [لوجود العبيد ولعدمهم] (٣).
ورأيت في بعض التصانيف رمزًا إلى أنه يتعين تسليم عبد من الموجودين، إذا كانوا في التركة، فإن لم يكونوا، فتحمل الوصية حينئذ [على] (٤) تحصيل العبد من التركة.
وهذا غير معتد به، ولا سبيل إلى عد مثله من المذهب.
_________________
(١) (س): فإنه لو فرض، ولو قتل العبد لم يقع مثله.
(٢) في الأصل: له.
(٣) في الأصل: "فلا أثر لوجوه السيد واحد منهم".
(٤) سقطت من النسختين.
[ ١١ / ١٦٤ ]
فصل
قال: " ولو قال: شاةً من مالي إلى آخره " (١).
٧٤١٧ - إذا أوصى بشاةٍ من ماله، فالمذهب الذي عليه التعويل أن اسم الشاة ينطلق على الذكر والأنثى، فلو أخرج كبشًا أو تيسًا أجزأه؛ فإن الهاء في الشاة ليست هاء التأنيث، وإنما هي هاء التوحيد، فيما يتميز الواحد فيه عن الجمع بالهاء، على قياس التمر والتمرة، والجوز والجوزة، [فقولك] (٢) شاة أصله شاهة، ويتبين ذلك بقولك في التصغير شويهة، والتصغير يرد المحذوف إلى أصله.
هذا هو المذهب.
وأبعد بعض أصحابنا؛ فحمل الشاة على الأنثى. ثم لا خلاف أن الضانية والماعزة، مندرجان تحت الشاة، فيجوز للوارث أن يخرج من أي نوع شاء، ولو أخرج سخلة، فظاهر النص أنها تجزئه، وهو الذي قطع به صاحب التقريب وأئمة العراق، ومعظم المراوزة.
وذكر الشيخ أبو بكر في مجموعه في طريقة القفال، [في روايةٍ أن] (٣) السخلة لا تجزىء؛ فإن اسم الشاة لا يتناولها، كما أن اسم الرجل والمرأة لا يتناولان الطفل.
ثم قال الشافعي ﵁ في الوصية بالشاة: " لو أخرج الوارث صغيرة، أجزأت "، فحمل الشيخ أبو بكر (٤) الصغيرة على جذعةٍ من الضأن صغيرة الجثة، وهذا الذي ذكره وإن كان له اتجاه على حالٍ، فهو خلاف ما صرح به الأصحاب أجمعون في طريقهم؛ فإنهم متفقون على إجزاء السخلة، وذلك أن اسم الشاة يتناول
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ١٦٢.
(٢) في الأصل: فقد ذكر.
(٣) في الأصل: من عقد نفسه فإن.
(٤) الشيخ أبو بكر: المراد به الصيدلاني، كما سيصرّح بذلك بعد سطور.
[ ١١ / ١٦٥ ]
في اللسان ما يعد من جنس الغنم، والسخالُ من جنس الغنم، ويكمل بها نصاب الجذاع [والثنايا] (١) في الزكاة، فلا اغترار [بما ذكره] (٢) الصيدلاني، والتعويل على الجنس كما [ذكرناه] (٣)، ثم إن جرى جارٍ على ما رآه (٤) اعتُرِض له بالجذعة من المعز؛ فإنها غيرُ مجزئة في الضحايا، والظاهر أنها مقبولة في الوصية بالشاة. [فإنها منزلة على مرتبة السخال والجذاع، والله أعلم] (٥).
٧٤١٨ - والكلام في الفرق بين أن يقول: شاة من غنمي أو شاة من مالي، والكلام في موت الشياه وقتلها، والفرق بين قتل جميعها وبقاء بعضها كما ذكرناه في الأرقاء، فلا معنى لإعادة ما تقدم. وإنما نذكر في كل فصل ما يتجدد فيه، والقول في المعيبة والسليمة، كما سبق.
٧٤١٩ - ولو أوصى لإنسان ببعيرٍ، فالنص أنه محمول على الذكر، لا تجزىء الناقة فيه.
وقد ذهب طوائف من أئمتنا إلى أن الناقة مقبولةٌ، فكان هذا منهم قولًا مخرَّجًا، وهو موافقٌ للغة؛ فإن من كلام أئمة اللسان أن البعير من الإبل، كالإنسان يتناول الذكر والأنثى، والجمل كالرجل، والناقة كالمرأة. هذا وضع اللسان.
وما ذكره الشيخ أبو بكر في أن السخلة لا تجزىء عن الشاة الموصى [بها] (٦) على الإطلاق يظهر (٧) في البعير؛ فإنه قد يبعد حمله على فصيلٍ وحُوارٍ [ومن] (٨) قبل
_________________
(١) في الأصل: والبقايا.
(٢) في الأصل: ما ذكرناه. والمثبت تصرف من المحقق. وأما (س): فلا أثر لما ذكره الصيدلاني.
(٣) في الأصل: ذكره.
(٤) ما رآه: الضمير يعود على الصيدلاني، والاعتراض واضح إن شاء الله.
(٥) زيادة من: (س).
(٦) في الأصل: مهما.
(٧) في الأصل: ويظهر.
(٨) في الأصل: وقد. والمثبت تقدير منا. وعبارة (س) مضطربةٌ فيها سقط هكذا: يبعد حمله =
[ ١١ / ١٦٦ ]
السخال في الغنم طرَدَ مذهبَه في الفُصلان ولم يُناقَض.
ثم قد ذكرنا أن مذهب جماهير الأصحاب أن الشاة مترددة بين الذكر والأنثى، والهاء للتوحيد، وما يخالف هذا بعيدٌ.
٧٤٢٠ - واشتهر خلاف الأصحاب في الوصية بالبقرة والبغلة، فذهب بعضهم إلى أن البقرة محمولة على الأنثى، وكذلك البغلة، وذهب آخرون إلى أنها مترددة بين الذكر والأنثى تردد الشاة، ورأيت الطرق متفقةً على أن الكلب محمولٌ على الذكر من جنسه، لا غير.
وهذه الفصول المتداخلة تقتضي ترتيبًا، فنقول:
ما لا يتخيل فيه التأنيث ويجري في قبيله تمييز الواحد عن الجمع بالهاء، فالمذكور بالهاء واحدٌ من الجنس، وهذا كالجوزة والتمرة واللوزة والشجرة والنخلة ولا [تعويل] (١) على ما يُذْكر في النخيل من الذكور والإناث، والجنس الذي تتحقق فيه الذكورة والأنوثة من جهة الخلقة ينقسم، فمنه ما يتميز فيه الذكر عن الأنثى بالهاء، مع اتحاد البناء، وهذا بمثابة الكلب والكلبة، والحمار والحمارة، فالاسم المذكور مع الهاء الأنثى، ومن غير هاءٍ للذكور. وعليه (٢) يخرّج قول الأصحاب في حمل الوصية [بالكلب] (٣) على الذكر، وإن خطر لإنسانٍ فيه إشكال، فسببه [ردّ] (٤) الاسم إلى العجمية، وليس في لغة العجم فرق بين الذكر والأنثى.
فأما ما لم يثبت في اللسان فيه [فرق] (٥) بين الذكر والأنثى بالهاء ثبوتًا متحققًا
_________________
(١) = على فصيل وجوب قبل السخال في الغنم، طرد مذهبه في الفضلا.
(٢) في الأصل: تحويل.
(٣) في الأصل: بدون واو.
(٤) في الأصل: بالطلب.
(٥) في الأصل: بردّه.
(٦) في الأصل: رق.
[ ١١ / ١٦٧ ]
منقولًا، [ففيه] (١) اختلاف الأصحاب، وهذا ينقسم: فمنه ما غلب منه إرادة التوحيد، حتى لا يكاد العرب تفهم منه التأنيث، وهو كالشاة، وفيه ما لا يبعد فهم التأنيث منه، وهو كالبقرة والبغلة، [فظهر] (٢) الخلاف في البقرة والبغلة [للتردد] (٣) بين التوحيد والأنوثة، وبُعد الخلاف في الشاة.
فهذا ما يجب ضبطه في هذه المسائل.
٧٤٢١ - ولو أوصى لإنسانٍ بدابةٍ، فاسم الدابة في اللسان ينطبق على ثلاثة أجناس: الخيل، والبغال، والحمير، ولا يندرج تحتها الإبل، وإن كانت [مركوبة] (٤)، وهذا متفق عليه، ومعناه في اللسان واضحٌ، لا إشكال فيه.
ثم تردد أئمتنا في لفظ الدابة، إذا جرت في [مصر، وقد] (٥) قيل: إن أهلها لا يفهمون منه إلا الحمار، فلو فرضت بلدة لا يفهم أهلها من الدابة إلا الفَرَس، نفرض (٦) الكلامَ [على] (٧) ما يتحمل اللفظ على موجب اللسان ليتردّد بين الأجناس الثلاثة (٨): الخيل، والبغال، والحمير، أو يُحمل اللفظ على موجب عرف المكان؟ فيه تردد للأصحاب: فمنهم من لم يبال بالعرف [لظهور] (٩) معنى اللسان، ومنهم من حمل اللفظ على موجب عرف المكان؛ فإن العرف قرينة الألفاظ.
٧٤٢٢ - ويتصل بهذا الفصل أن ألفاظ العقود في النقود قد تحمل على الدراهم
_________________
(١) في الأصل: وفيه.
(٢) في الأصل: فظاهر.
(٣) في الأصل: المتردد.
(٤) في الأصل: في كونه.
(٥) في الأصل: في مصروفة.
(٦) نفرض الكلام إلخ جواب (فلو فرضت بلدة) والاستفهام مقدّر.
(٧) مزيدة من المحقق.
(٨) عبارة (س): ففرض الكلام ويحمل اللفظ على موجب اللسان لتردد بين الأجناس الثلاثة إلخ.
(٩) في الأصل: بظهور.
[ ١١ / ١٦٨ ]
المغشوشة إذا كانت بيّنة العيار جاريةً في المعاملات، وقد ذكرنا أن الإقرار بالدراهم محمول على المطبوع من النقرة، وذكرت وجه ذلك على ما ينبغي، ولم أر للأصحاب في الوصية بالدراهم شيئًا، ووجدت صَغْوَهم الأظهرَ إلى تنزيل ألفاظ الوصايا منزلة ألفاظ المقرّين (١)، ولكن لا يبعد عن الاحتمال عندي صرف الوصية بالدراهم إلى الدراهم الجارية في المعاملات، والظاهر إجراء الوصية مجرى الإقرار، والعلم عند الله تعالى.
وتمام القول في حمل الألفاظ على العرف يأتي في كتاب الأَيمان، إن شاء الله ﷿.
فصل
قال: " ولو قال: أعطوه كلبًا من كلابي إلى آخره " (٢).
٧٤٢٣ - الوصية بالكلب الذي يجوز اقتناؤه صحيحة، والكلب الذي لا يُقتنى لا تصح الوصية به، وقد فصلنا في كتاب البيع ما يصح اقتناؤه، وما لا يحل اقتناؤه، وذكرنا تفصيلًا في الجرو الذي ينتفع به إذا كبر.
والقدر الذي يُكتفى به هاهنا ما ذكرناه من الرجوع إلى جواز الاقتناء، (٣ وعماد جواز الاقتناء ٣) الانتفاع المشروع، ثم البيع وإن كان ممتنعًا، فالوصية جائزة؛ فإن البيع يستدعي الملكَ المطلقَ التامّ، والوصية لا تقتضي ذلك، بل أقرب معتبر فيها الوراثة، فكل ما يتعلق به حقُّ الإرث تتعلق الوصية به إذا انتفع الموصى له انتفاع الوارث.
وهذا فيه احتراز عن القصاص [وحدّ القذف] (٤)؛ فإن الوارث ينتفع به من جهة
_________________
(١) (س): الألفاظ المفروضة.
(٢) ر. المختصر: ٣/ ١٦٣.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٤) في الأصل: وجه الفرق.
[ ١١ / ١٦٩ ]
شفاء الغليل، وهذا لا يحصل للموصى له، والوارث يخلف الموروث في الانتفاع بالكلب المنتفع به، والموصى له بمثابة الوارث، وهذا يجري مطردًا في الأعيان النجسة التي يجوز الانتفاع بها، كالزبل والخمرة المحترمة، والجلدِ القابلِ للدباغ قبل الدباغ، [فالوصية] (١) جائزة بهذه الأشياء؛ تعويلًا على تعلق استحقاق الوراثة بها مع التقييد الذي قدمناه.
ثم إن قال: أوصيت لفلان بكلب من كلابي، وله كلاب، فالوصية نافذة.
ولو قال: أوصيت لفلان بكلبٍ من مالي، ولم يكن له كلاب، فالوصية باطلة، فإن سبيل تقدير صحة الوصية ابتياع كلبٍ، وتسليمه إلى الموصى له، وهذا لا سبيل إليه؛ فبطلت الوصية.
٧٤٢٤ - ومما يتعلق بمقصود الفصل كيفية اعتبار خروج الكلب من الثلث: قال الأئمة: إن كان له مال سوى الكلب، فالكلب خارج، وإن كان لا يملك إلا دانقًا، ولم يخلف على ورثته غيرَ ذلك الدانق (٢)، وعللوا بأن ما خلّفه من المال، وإن قل قدرُه، فهو أعلى قدرًا من الكلاب؛ فإنها لو قُتلت، لم تُضمن، ولا يصح بيعها.
وعلى هذا لو أوصى بكلابه، وخلف درهمًا، أو أقلَّ، فالكلاب بجملتها مسلمةٌ، والوصية بها نافذةٌ.
وذكر العراقيون هذا المسلك، وحكَوْا وجهًا آخر معه، وهو أنه لا أثر لوجود المال وعدمه في الوصية بالكلاب، حتى لو كان في يده كلب، وخفف مالًا جمًّا، وقد أوصى بذلك الكلب، فالوصية تقع بثلث الكلب، وذلك أن الكلب ليس من قبيل الأموال، وليست الأموال من جنس [الكلاب] (٣)، والثلث المعتبر من ثلاثة أجزاء،
_________________
(١) في الأصل: بالوصية.
(٢) مكانها بياض في (س).
(٣) في الأصل: الكلام.
[ ١١ / ١٧٠ ]
فإذا لم يكن الكلب من جنس المال، فعدُّه جزءًا من المال محال، فلا أثر إذًا للمال كان [أو] (١) لم يكن.
وهذا الذي ذكروه بعيد، لا أصل له.
وكل ما ذكرناه فيه إذا أوصى بكلب أو كلاب، ومعه شيء من المال، فأما إذا لم يكن له إلا الكلاب، فأوصى بكلب منها، فللأصحاب في المعتبر الذي إليه الرجوع في الخروج من الثلث، أوجه: أحدها - أن الاعتبار بالعدد لا غير، إذ لا قيم (٢) لها فتعتبر.
ومن أصحابنا من قال: [تعتبر قيمتها عند من يرى لها قيمة، ومبنى الثلث على هذا التقدير.
ومن أصحابنا من قال:] (٣) مبنى الثلث على اعتبار منافعها، وهذا قريب من اعتبار قيمتها، فإن قيمتها لمكان منافعها.
هذا منتهى القول في ذلك.
ومن تمامه أنه لو أوصى لإنسان بكلب [أو] (٤) خمر محترمة وأُهب، لم تدبغ بعدُ، فلا يمكننا اعتبار العدد في ذلك، ولا يتجه إلا قيمتها لو كانت لها قيمة، فإن منافعها لا تتجانس، فتعتبر.
ومن أصحابنا من يقول: إذا أخلف، (٥) كلابًا وأزقةً من الخمر المحترمة، فتعتبر الأعداد. وهذا بعيد.
_________________
(١) في الأصل: إذا.
(٢) (س): قيمة.
(٣) ما بين المعقفين ساقط من الأصل.
(٤) في الأصل: وله.
(٥) في الأصل: تكلف.
[ ١١ / ١٧١ ]
فصل
قال الشافعي ﵁: "ولو قال: طبلًا من طبولي إلى آخره" (١).
٧٤٢٥ - الطبل له ثلاثة محامل: أحدها - طبل العطارين (٢)، والثاني - طبل الحرب، وفي معناه طبل الحجيج، والثالث -[طبل] (٣) اللهو، وهو الذي يضربه النسوة والمخنثون، وهو المسمى [الكوبة] (٤).
فأما طبل الحرب وطبل الحجيج [وطبل] (٥) العطارين، فيجوز بيعها، وتصح الوصية بها.
وأما طبل اللهو وهو الكوبة، فمن آلات الملاهي، وسبيله سبيل المعازف، ثم الضبط فيها أنه إذا وجب تغييرها إلى حدٍّ (٦) يُسقط عنها الاسمَ المذكور، فالبيع باطل فيها وفاقًا.
فإن قيل: هلا صححتم البيع (٧) [ونزلتموه] (٨) على الأجزاء التي تبقى بعد التغيير؟ فإن آلات المعازف لا تبطل [بالكلّية] (٩) ولكنها تغير وتفسد فيها الصيغة التي [تتهيّأ] (١٠) لهو لأجلها. ويبقى أجزاؤها ورُضَاضها، وقد ذكرنا (١١) في الغصوب
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ١٦٣.
(٢) طبل العطارين هو سفَط لهم، والسفط وعاءٌ يخبأ فيه الطيب ونحوه (ر. الروضة: ٦/ ١٢١).
(٣) زيادة من (س).
(٤) في الأصل: الكربة. والكوبة الطبل الصغير المخصّر (مصباح).
(٥) في الأصل: كلمة غير مقروءة (انظر صورتها) وهي بمعنى عَيبة أو وعاء.
(٦) (س): جهة.
(٧) عبارة (س): صححتم البيع الواقع على الأجزاء.
(٨) في الأصل: تركتموه.
(٩) في الأصل: بالكلمة.
(١٠) في الأصل: نبهنا.
(١١) (س): ذكرنا طرق الأصحاب.
[ ١١ / ١٧٢ ]
طرق الأصحاب في [المنتهى] (١) الذي لا يتجاوز في الكسر والتغيير؟
قلنا (٢): البيع وإن كان سائغًا في الرضاض، فلا يصح إيراده على آلة اللهو قبل الترضيض. وهذا متفق عليه.
والسبب فيه [استحثاث] (٣) الناس على الانكفاف عن التصرف في آلات الملاهي، ولو جوزنا بيعها، ثم حملناه على [الأجزاء] (٤) التي تبقى، لكان هذا تنجيزَ (٥) تصرف فيما أمرنا باجتنابه، والتباعدِ عن التصرف [فيه] (٦)، فنخرّج عليه أنه لو قال: " بعتك هذا "، وأشار إلى كوبة أو بَرْبَط، فالبيع باطل، وإن لم يسم؛ فإن تعليل البطلان ما ذكرناه من الانكفاف عن التصرف فيه رأسًا.
ثم إذا بان فساد البيع فيها، فالوصية بالآت الملاهي فاسدة أيضًا.
فإن قيل: قد صححتم الوصية بالكلب وإن منعتم بيعه، فهلا صححتم الوصية بآلات الملاهي، حملًا على رُضاضها؛ فإن الوصية تحتمل ما لا يحتمله البيع، ولذلك صححنا الوصية بالكلب وإن لم نصحح بيعه؟
قلنا: حق من يبغي دَرْك حقائق المذهب ألا يتبع الألفاظ، ويضرب عن المعاني، فالمعنى الذي لأجله رددنا البيعَ هو المنع (٧) من تعاطي هذه الأشياء، والجريان على شعار الدين في الانكفاف عن التصرف في هذه الأشياء، وهذا المعنى يجري في الوصية جريانَه في البيع، والدليل عليه أنا أخذنا الوصية من الوراثة، وقلنا: ما يستحقه الوارث لا يمتنع الوصيةُ به، ثم طبل اللهو لا يبقى في يد الوارث، فإذا كان
_________________
(١) في الأصل: المسمى.
(٢) في (س): فإن.
(٣) في الأصل: استحقاق.
(٤) في الأصل: الأجرام.
(٥) كذا في النسختين ولعل الصواب تجويز.
(٦) زيادة من المحقق. وفي (س) والتباعد عنه.
(٧) (س): المتبع.
[ ١١ / ١٧٣ ]
لا يبقى في يد الورثة، فلا يصح الوصية به، غيرَ أن الوارث لا يستحقه طبلًا، ولو [رُضّض] (١)، لكان الرضاض ملكَه إرثًا.
وإذا أبطلنا الوصية بطبل اللهو، لم نثبت للموصى له حقًا في رضاض الطبل، ومُكَسَّره (٢)؛ فإن الوصية من العقود، فإذا أُبطلت، قُدّر كأنها لم تكن، والإرث خلافة ضرورية، ووضعُها يقتضي أن يكون الوارث كالموروث، وقد كان الطبل مقرًّا على الموروث، وملكُه مستمر في المكسّر المغيّر.
٧٤٢٦ - ولو أوصى لإنسان بطبل لهو، وكان يخرج عن صلاحية اللهو بتغييرٍ، كما فصلناه في كتاب الغصوب، واسم الطبل يبقى مع انتهاء التغيير المستحق نهايته، فقد قال العلماء: تصح الوصية بالطبل على هذا الوجه؛ فإن الاسم الذي اعتمد به الوصية يمكن تقريره وتنزيلُ الوصية عليه، فصحت [الوصية] (٣) على هذا النسق، واتفقت الطرق عليه.
ويجب على مقتضى ذلك القطع بتصحيح الوصية بمكسّر الطبل، أو رُضاض العود؛ فإنه جَعل موردَ العقد لفظًا مشعرًا بمملوك محترم، وكأنه قال: رضضوه وسلموا إليه رضاضه، والوصية تقبل التعليق.
٧٤٢٧ - ولو قال صاحب [البَرْبَط] (٤): بعت منك رُضاض هذا، لم يصح البيع؛ فإن البيعَ لا يحتمل التعليق، فقوله: بعتك رضاضه تقديره: إذا رُضّض، فقد بعتك رُضاضه. ثم ليس للترضيض منتهى يوقف [عنده] (٥) على ضبط.
فإن قلنا: يكفي في تغيير البَرْبط نزعُ الأوتار منه، فقال: بعتك هذا دون وتره [أو] (٦) محلولًا الوتر (٧).
_________________
(١) في الأصل: رخص.
(٢) الواو مزيدة من (س).
(٣) في الأصل: الوجه.
(٤) في الأصل: الربط.
(٥) في الأصل: هزه. وهو تصحيف طريف.
(٦) زيادة من المحقق.
(٧) عبارة (س): بعتك محلولًا عن الوتر هذا دون وتره أو محل عن الوتر. فهذا إلخ.
[ ١١ / ١٧٤ ]
فهذا يقرب من بيع ذراعٍ من خشبة تُعنى للحطب، والعلم عند الله.
٧٤٢٨ - ولو باع إناء من فضة، وكان اتخذ آلة من آلات الملاهي من الفضة، فإذا باعه، فهذا [محتمل] (١) عندي؛ فإن الصنعة، وإن لم تكن محترمة في آلة اللهو، وفرعنا على منع استصناع الآنية من التبرين، فالمقصود الأعظم نفاسة الجوهر، والصنعة تابعة، وليس كذلك الآلات المتخذة من الجواهر الخسيسة، كالخشب وغيرها؛ فإن المقصود الأظهرَ منها الصنعةُ، والرضاضُ بعد التكسير تابع غير مقصود، فيجوز أن يكون النظر إلى المقصود في النوعين، حتى يصحّ بيع الإناء وآلات الملاهي من التبرين.
ولا يجوز بيع آلات الملاهي من الخشب؛ فإن عماد المقصود فيها الصنعة، وهي مستحقة التغيير.
ويجوز أن يقال: لا يصح البيع في النوعين نظرًا إلى الصنعة، فإن ما يبقى من آلة الخشب متموّل، وإن قل قدره.
فإذا ثبت ما ذكرناه، قلنا بعده:
٧٤٢٩ - إذا أوصى بطبلٍ من طبوله، وله طبولُ حرب، وطبول لهوٍ، فالوصيةُ محمولةٌ على طبل الحرب، ثم للوارث أن يعيّن من طبول الحرب ما شاء.
ولو قال الوارث: لفظُ الطبل يتناول طبلَ اللهو، وطبلَ الحرب، والطبول موجودة في تركته، فلست أحمل لفظه على طبول الحرب ليصحّ، بل أحمله على طبل اللهو ليفسد، فنقول له: إذا أوصى، فقد أثبت والتزم، فلا بد من إثبات وصيته ما وجدنا إلى الإثبات سبيلًا.
[فانتظم] (٢) من هذا أن اللفظ إذا تردد بين محملين يصح في أحدهما، ويفسد في الثاني، فهو محمول على الوجه الذي يصح [فيه] (٣)؛ فإن الموصي أثبت للوصية لفظًا
_________________
(١) في الأصل: محمل.
(٢) في الأصل: فأعظم.
(٣) في الأصل: منه.
[ ١١ / ١٧٥ ]
وقصد إثباته، فلاح [لنا] (١) من لفظه وقصده الإثبات، [فمِلنا] (٢) إليه.
ولو تردد لفظُ الموصي [بين] (٣) الكثرة والقلة، حملناه على القلة؛ فإن اللفظ مع القلة [مستقل] (٤) والوصية ثابتة، ونحن على تردد في الزائد على حد القلة، فلا يثبت ما ترددنا فيه.
هذا أصل المذهب.
٧٤٣٠ - وقال الأئمة: لو أوصى بعودٍ من عيدانه، فاسم العود ينطلق على البَرْبط، وعلى العود الذي هو خشب كالعصا وغيرها، فاللفظ يحمل على العود الذي تصح الوصية به، لتناول اللفظ للنوعين، قياسًا على ما ذكرناه في طبل اللهو والحرب.
٧٤٣١ - وممّا ذكره الشافعي ﵁ الوصية بالقسيّ (٥)، فنقول: إذا أوصى بقوسٍ من قسيه، أو [من] (٦) ماله، اندرج تحت لفظه قسيُّ العجم، وقسيُّ العرب، وقسي الحُسبان، والحُسبان سهام صغار، ترمى على قسيِّ العجم (٧)، وهي المسماة نازك (٨)، ولا يدخل تحت اسم القوس قوسُ النَّدْف ولا قوس الجُلاهق، وهو قوس البنادق؛ فإن قسيّ النَّدْف مشبهة في الصورة بالقسي لمكان أوتارها، فكان تسميتها قوسًا بحق التشبيه لا بوضع الاسم، وكذلك قوس الجُلاهق. هكذا ذكره الشافعي وأطبق الأئمة عليه.
_________________
(١) في الأصل: له.
(٢) في الأصل: حملنا.
(٣) في الأصل: من.
(٤) في الأصل: مستقلة.
(٥) ر. الأم: ٤/ ٢١، والمختصر: ٣/ ١٦٧.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) الحسبان: مرامي صغار لها نصالٌ دفاق يرمي بها الرجل في جوف قصبة، ينزع في القوس، ثم يرمي بعشرين منها، فلا تمر بشيء إلا عقرته وقوسها فارسية صلبة. (الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي: فقرة: ٥٩١).
(٨) في (س): المسماة بالنبل، وتسمى أيضًا: (النيزك)، وهو الرمح القصير. (ر. معجم الألفاظ الفارسية المعرّبة، والمصباح أيضًا).
[ ١١ / ١٧٦ ]
ولو جرت الوصية في ناحية لا يعرف فيها إلا نوعٌ من هذه الأنواع، فهذا يخرّج على التردد الذي ذكرناه في الوصية بالدابة في القطر الذي لا يفهم منها إلا صنفًا واحدًا.
وهذه المسألة وتيك تخرّجان على أن المتبع موجب اللسان في إطلاق اللفظ، أو ما يفهم منه في طرد العرف؟.
٧٤٣٢ - ولو أوصى بقوس معيَّنٍ، وكان عليه وترٌ، فقد ذكر العراقيون وجهين في دخول الوتر في الوصية: أقيسهما عندنا - أنه [لا يدخل الوتر؛ لأنه ليس جزءًا من] (١) القوس متصلًا به اتصال صيغة.
والآخر - لا اتجاه له وإن ذكره العراقيون، ولعلهم إنما يقولون هذا في القوس المعيّن، أو في قوسٍ من قِسيٍّ كلها موترة، فأما إذا لم يكن على القسيّ أوتار، وقال: اشتروا قوسًا [وسلموه] (٢) إلى فلان، فلا يجوز أن يُتخيلَ خلافٌ في أنه لا يجب ضمُّ وترٍ إلى القوس الموصى بها.
وما ذكروه من الخلاف في دخول الوتر تحت الوصية بالقوس يجب طرده في بيع القوس الموتر؛ فإن ما يؤخذ من الألفاظ ولا يختلف فيه موجب الوصيةِ والبيعِ [يجب] (٣) طَرْدُ البابين [فيه] (٤) على قضية واحدة.
٧٤٣٣ - ومن تمام القول في هذا أنه إذا كان عند الرجل قسيُّ ندْفٍ أو قسي جُلاهق، فقال: أوصيت لفلان بقوسٍ من قسيَّي، فالوصية تُصرف إلى قوسٍ من قسيّ الندف؛ فانه ليس [يملك] (٥) غيرَها، فإضافته القوس إلى ما يملك تصريحٌ منه بقوس الندف، وهو كما لو قال: أوصيت لفلان بقوس ندف.
_________________
(١) عبارة الأصل: لا يدخل على الوتر ليس جزءًا من القوس.
(٢) في الأصل: ذكره.
(٣) زيادة من (س).
(٤) في الأصل: منه.
(٥) في الأصل: تمليك.
[ ١١ / ١٧٧ ]
ولو كان له قسيُّ ندفٍ، فقال: أوصيت لفلان بقوسٍ، أو قال: أعطوه قوسًا، لم يصرف ما أوصى به إلى ما عنده، فالقوس محمولة على قوس الرمي لا غير. وإن كان يظن الظان أنه يريد بالقوس [ما] (١) عنده.
ولو قال: أعطوه عودًا من القسي، فقوس العرب يُتخذ من نبعة واحدة، وليست القوس غيرَها، فالوصية تحمل على عودٍ مهيىءٍ لقوس العرب. فأما قسيُّ العجم، فهي مركبة من [أجناس شتى] (٢)، وقد يكون الخشب أقلها، فلا ينتظم لفظ العود فيها، فيتعين الصرف إلى أعواد قسي العرب، وأمثال هذا سهلة مع إحكام الأصول.
فصل
قال: " ويجعل وصيته في الرقاب والمكاتبين إلى آخره " (٣).
٧٤٣٤ - إذا قال: "اجعلوا ثلث مالي في الرقاب"، فهو موضوع في المكاتبين عندنا، وعند أبي حنيفة (٤) ﵀، وقال مالك (٥): يُشترى بثلث ماله عبيد يعتقون.
واتفق العلماء على أن الرقاب في صيغة الوصية محمولة على ما يُحمل عليه قول الله تعالى في آية الصدقات: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] غيرَ أنا حملنا الرقاب في آية الصدقات على المكاتبين، وحملها مالكٌ على صرف قسط (٦) الصدقات إلى شراء عبيد ليعتقوا.
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) في الأصل: من أجناس مجتمعة من قسي. وفي (س): من أجناسٍ مجتمعة من شتى. والمثبت تصرف من المحقق على ضوء المعنى.
(٣) ر. المختصر: ٣/ ١٦٣.
(٤) ر. البدائع: ٢/ ٤٥، حاشية ابن عابدين: ٢/ ٦٠.
(٥) ر. الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٤٢١ مسألة: ٦١٦، جواهر الإكليل: ١/ ١٣٩، والتهذيب للبرادعي: ١/ ٤٤٥.
(٦) في الأصل: وقسط.
[ ١١ / ١٧٨ ]
فإن قيل: اسم الرقاب يتناول المكاتبين والأرقاء، فلِمَ يتعين في الوصية الحمل على المكاتبين؟ قلنا: رأى العلماءُ لفظَ الرقاب لفظًا عامًا في اللغة، خاصًا في عرف الشريعة، فغلّبوا [اللفظ] (١) الشرعي، كما غلبوا لفظ الصوم، والصلاة، والحج، فإنها إذا جرت في وصيةٍ، أو نذر، أو يمين، كانت محمولةً على عرف الشرع، فكذلك القول في الرقاب.
ثم إذا قال: ضعوا ثلث مالي في الرقاب، فلا بد من وضعه في ثلاثة من المكاتبين فصاعدًا، والاقتصار على الثلاثة جائز، والزيادة حسنة جائزة، والنقصان ممتنع، وكذلك الوصية للفقراء والمساكين، وما في معانيهم.
والقول الضابط [فيه] (٢) أنه إذا أوصى لأشخاصٍ، تعيّن استيعابهم، ثم إذا كانت الوصية مطلقةً، يجب صرف الموصى به إلى جميعهم بالسوية من غير تفصيل، وإذا أوصى بشيء لموصوفين لا [حصر] (٣) لهم، وكانت الصفات فيهم عوارض لا تلزم، كالفقر، والمسكنة، والغُرم، والكتابة، فهذه الوصية مستقلّة بأقلّ الجمع، ولا نقصان من الأقل، وأقل الجمع في وضع الشرع ثلاثة، ويجوز الازدياد على الأقل إلى غير نهاية، والأمر مفوض إلى رأي الوصي إذا كانت الوصية مطلقة. وفي حكم هذا القسم جواز تفضيل [البعض] (٤) على البعض، حتى لو رأى الصرف إلى ثلاثة، فصرف المعظم إلى واحد منهم، وصرف إلى كل واحد من الباقين مقدارًا نزرًا، جاز ذلك، على ما سيأتي تقرير هذا في قَسْم الصدقات، إن شاء الله ﷿.
٧٤٣٥ - ولو أوصى لأقوامٍ يبعد عن الإمكان حصرهم، وكانوا موصوفين بصفات ملازمة لهم، لا تحل محل العوارض التي يفرض طريانُها وزوالُها، وهذا بمثابة الوصية للعلويّة، فأنسابهم في حكم الصفات اللازمة، وحصرهم غير ممكن، ففي
_________________
(١) في الأصل: "العرف".
(٢) في الأصل: منه.
(٣) في الأصل: لا حصة.
(٤) ساقطة من الأصل.
[ ١١ / ١٧٩ ]
صحة الوصية لهم قولان؛ فإن الصفات إذا لزمتهم، تضمن ذلك كونَهم مقصودين بأعيانهم، وليسوا كالموصوفين بما يعرِض ويزول؛ فإن الأشخاص ليسوا معينين، فإنما العَرَضُ يتبع الصفة التي يقع التعرض لها في جمعٍ، وسيأتي تفصيل القول في الوصية للعلوية وغيرهم، وإنما اعترض ذكرهم لاستيعاب أقسام الكلام، والغرض الآن أن الاقتصار على ثلاثة في الوصية للرقاب سائغ، كما يسوغ الاقتصار على ثلاثة في صرف سهام الرقاب من الزكاة إليهم، ثم الوصي إن صرف الموصى به إلى ثلاثة من المكاتبين، فقد وفَّى، وإن صرف الموصى به إلى اثنين وفات الأمرُ، فإنه يغرَم حصة ثالث، وفي القدر الذي يغرَمه خلاف مشهور.
ومن أصحابنا من قال: يغرَم له أقلَّ ما يتموّل، فإنه لو صرف إليه ذلك القدر ابتداء، لكان خارجًا عن العهدة [وافيًا] (١) بموجب الوصية، فخرج عن عهدة [الغرم، بما كان يخرج به عن عهدة] (٢) الوصية ابتداء.
ومن أصحابنا من قال: يلزم لمكاتب ثلث الموصى به، فإنه غرم واحدًا من ثلاثة، وانتسب إلى المخالفة الملزمة للغرامة، فيجب أن يكون مطالبًا بمقدارٍ منضبط، وأقرب الأمر الفَضُّ على رؤوسٍ ثلاثة. وسنشرح هذا أيضًا في قَسْم الصدقات، إن شاء الله ﷿، فاكتفينا بذكر مراسمَ في التقاسيم.
٧٤٣٦ - فإن قيل: إذا صححتم الوصية للعلوية، فهل توجبون استيعابهم؟ قلنا: إيجاب ما لا يستطاع محال، فالوصية إذا صحت لهم، فهم نازلون منزلة الفقراء، فيجوز الاكتفاء بثلاثة منهم، ثم لا يجب التسوية، بل يجوز تفضيل البعض على البعض، كما ذكرناه في الفقراء، ثم إذا أوجبنا على الوصي أن يغرم لمكاتبٍ ثالث شيئًا، فقد قال القفال [فيما] (٣) حكاه الصيدلاني: ليس لهذا الوصي أن يدفع بنفسه ما لم يلزمه إلى مكاتبٍ؛ فإنه إنما يسلم إلى المكاتَبَيْن [ما] (٤) يسلِّم بحكم الوصية،
_________________
(١) في الأصل: رانيًا.
(٢) ما بين المعقفين سقط من الأصل.
(٣) في الأصل: فما.
(٤) في الأصل: "فما".
[ ١١ / ١٨٠ ]
وكونه وصيًا، وهو الآن غارم، وليس وصيًّا [فيما] (١) يغرمه ولا مؤتمنًا، فيتعين عليه أن يسلم ما يلزمه إلى حاكمٍ ليقبضه منه. ثم لو ائتمنه ذلك الحاكم فأمره بصرفه إلى مكاتب، جاز له ذلك امتثالًا لأمر الحاكم، وهذا حسن ظاهر.
فصل
قال: "فإن لم يبلغ ثلاث رقاب، وبلغ أقل من رقبتين الفصل" (٢).
٧٤٣٧ - ذكر المزني هذا الفصلَ معطوفًا على الوصية للرقاب، وفي العطف إخلالٌ؛ فإن مضمون هذا الفصل الكلامُ في صرف ثلث المال إلى عبيد يشترَوْن ويعتقون، ومضمون الفصل الأول في صرف طائفة من المال إلى جمعٍ من المكاتبين، فإذا قال بعد نجاز الكلام في المكاتبين: " فإن لم يبلغ ثلاث رقاب وبلغ أقل من رقبتين "، لم ينتظم مبتدأ هذا الكلام مع مختتم الفصل الأول، وكان الوجه أن يبتدىء، فيقول: " لو أوصى بصرف شيء من ماله إلى شراء عبيدٍ، فلم يبلغ [ثلاث] (٣) رقاب، فحكمه كذا ".
نعود إلى مقصود الفصل وفقهه ونقول:
٧٤٣٨ - إذا أوصى بصرف ثلث ماله إلى شراء عبيد ليعتقوا، فلا بد من صرفه إلى ثلاثة من العبيد؛ لأن اللفظ لفظ الجمع، فإن لم يوجد بثُلثِه ثلاثةُ أعبد، فقد قالت الأئمة المعتبرون من المراوزة: نصرف الثلثَ إلى عبدين [نفيسين] (٤)، فإن لم يتأت إلا صرفُه إلى عبدين، وفضل فضلٌ لم نجد به رقبة، ولم نجد عبدين يستوعب [ثمنهما] (٥) الثلثَ، فالفاضل مردود على الورثة، والوصية باطلةٌ فيه، ولا يجب
_________________
(١) في الأصل: مما.
(٢) ر. المختصر: ٣/ ١٦٣.
(٣) في الأصل: ثمن، و(س): ثمان، والمثبت تقدير منا أخذًا من عبارة المزني المذكورة آنفًا.
(٤) في الأصل: شيئين.
(٥) في الأصل: منها.
[ ١١ / ١٨١ ]
صرف ذلك الفضل إلى شقصٍ (١) من عبد، وعللوا هذا بأنه ذكر العبيد، واسم العبد لا ينطلق على شقص من عبد.
هذا مسلك أئمتنا المراوزة.
وأخذ العراقيون مأخذًا آخر، وقالوا: لا يرتدّ الفاضل إلى الورثة، بل يجب صرفه إلى شقصٍ من عبد؛ فإن غرض الموصي أن يصرف الثلث إلى جهة العتق، فإن تمكنا من الوصول إلى تحصيل العتق في أشخاصٍ، فعلنا ذلك، وإن لم نقدر على تحصيل العتق في [جمعٍ] (٢) من الأشخاص، حصلناه في شخصٍ أو شخصين، فإن فضل فضلٌ، [فصرفه] (٣) إلى شقصٍ أقربُ إلى مقصودِ الموصي من رده إلى الورثة.
ثم قالوا: إن أمكن صرف الثلث إلى عبدين نفيسين يستوعب ثمنهما الثلث، وأمكن صرفه إلى عبدين دونهما مع صرف الفاضل إلى شقص، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يجب أن نشتري العبدين النفيسين؛ حتى لا يؤدي إلى التبعيض. وهذا المسلك حتمٌ. قالوا: وهو اختيار ابن سريج.
والوجه الثاني - وهو اختيار أبي إسحاق فيما حَكَوْه أنه يجب أن نشتري عبدين، ونُفْضل، ونشتري بالفضل جزءًا من ثالثٍ؛ فإن هذا أقربُ إلى مقصود الموصي؛ إذ من مقصوده ربطُ العتق [بجمع] (٤).
وطريق العراقيين بعيدةٌ عن طريق المراوزة؛ فإنهم لم يرَوا لشراء الشقص وإعتاقه وجهًا، وإذا [فرض] (٥)، لم يقع عن جهة الوصية عندهم.
_________________
(١) (س): بعض.
(٢) في الأصل: جميع.
(٣) في الأصل: فنصرفه.
(٤) في الأصل:، بجميع، وفي (س): "بجميع الثلث" والمثبت تصرّف من المحقق رعاية للمعنى المقصود.
(٥) في الأصل: مرض.
[ ١١ / ١٨٢ ]
فالخارج من أقوال الأئمة [أن] (١) الصرف إلى ثلاثة من غير تشقيص إن أمكن تعيّن. ولو في أخسّاء من المماليك.
وإن لم نجد ثلاثة، ووجدنا عبدين وشقصًا، فالمراوزة قاطعون بردّ الفضل إلى الورثة، والعراقيون قاطعون بوجوب صرفه إلى شقصٍ.
وإن [تصدّى] (٢) لنا شراء نفيسين وشراء عبدين دونهما مع شراء شقصٍ في ثالث، [فقد] (٣) ذكر العراقيون وجهين، كما قدمنا، وقطع المراوزة بما حَكوه من اختيار ابن سُريج.
٧٤٣٩ - ثم قال العراقيون: إذا قال المريض: اشتروا عبدًا وأعتقوه عنِّي، فاشترى الوارث عبدًا وأعتقه، ثم ظهر دينٌ مستغرق للتركة، نُظر: فإن كان اشترى من عين التركة، فقد بان بطلان البيع؛ إذ لا وصية مع الدين ولا ينفذ صرف شيء من التركة إلى ثمن العبد المشترى، لمكان الدَّين المستغرِق للتركة، فالعبد مردود على بائعه، والعتق فاسدٌ، وثمن العبد يُسترد ويصرف إلى الدين. وإن كان اشترى العبد في الذمة وأعتقه، نفذ البيع والعتقُ؛ فإن البيع اعتمد الذمة، فصح للوارث (٤)، ثم يَسْري العتقُ منه مطلقًا في ملكه، فلا مرد له. وهذا واضح لا خفاء به.
فصل
قال: "ولو أوصى أن يحج عنه، ولم يكن حج حجةَ الإسلام الفصل" (٥).
٧٤٤٠ - ذكرنا صدرًا صالحًا في الاستئجار على الحج المفروض والمتطوّع به في كتاب الحج، وقد يتكرر في أثناء الكلام بعضُ تلك القواعد.
_________________
(١) في الأصل: إلى.
(٢) في الأصل: تعدى.
(٣) في الأصل: نفذ.
(٤) (س): من الوارث.
(٥) ر. مختصر المزني: ٣/ ١٦٤.
[ ١١ / ١٨٣ ]
فإذا استجمع الكامل شرائط الاستطاعة، والتزم حجةَ الإسلام، ومات فتحصيل الحج دين من رأس التركة، أوصى به أو لم يوصِ. وقال أبو حنيفة (١): إذا مات ولم يوص، لم يحج عنه، وطرد هذا في الزكوات المستقرة في حالة الحياة، فقال: إذا مات من تجمعت عليه الزكاة، ولم يوصِ بأدائها، لم تُخرج من ماله، وإن لقي الله عاصيًا، وإن أوصى بإخراجها، أُخرجت من ثُلثه إن وفّى بها.
وكان شيخنا أبو محمد رحمة الله عليه يحكي هذا قولًا قديمًا للشافعي ﵁، ولم يتعرض لحكاية هذا أحد من الأئمة الذين يبعد أن يشذ [عنهم] (٢) قريب وبعيد.
ثم معتمد أبي حنيفة رحمة الله عليه افتقارُ الزكاة إلى النية، ثم إن صدرت النية من ملتزم الزكاة، فذاك، وإلا (٣) قامت نية من يستنيبه مقامَ نيته، فإذا مات، فقد فات صدَرُ (٤) النية منه، ولم يوص، فتقوم نية وصيِّه ومأموره مقام نيته.
وهذا لا يستقيم على أصلنا مع مصيرنا إلى أن السلطان يأخذ زكوات الممتنعين، كما صح ذلك في سيرة الصديق ﵁، وإنما تردد أصحابنا في أن السلطان إذا أخذ الزكاة قهرًا، وسقطت طَلِبتُه، فهل تسقط الزكاة عمن عليه باطنًا بينه وبين الله تعالى؟ فيه اختلاف ذكرناه في موضعه من الزكاة. ثم كنا نقول في مراجعة شيخنا أبي محمد: القياس إن لم يكن من هذا القول [بُدّ] (٥) أن يقال: إذا أوصى، فالزكاة محسوبة من رأس المال؛ فإن متعلق هذا المذهب [تعذّرُ] (٦) النية وسقوطُ الزكاة بتعذرها، فإذا جرت الوصاية، فقد أمكنت النية على طريق النيابة، فليؤدِّ الزكاة دينًا، فكان يأبى هذا ويقول: "القول القديم مثلُ مذهب أبي حنيفة، فالزكاة تسقط إذا لم
_________________
(١) ر. رؤوس المسائل: ٢٤٧ مسألة: ١٤١، حاشية ابن عابدين: ٢/ ٢٨، ٥/ ٤١٥.
(٢) في الأصل: منهم.
(٣) (الواو) مزيدة من (س).
(٤) صدر النية: أي صدور.
(٥) في الأصل: به.
(٦) في الأصل: يعتذر.
[ ١١ / ١٨٤ ]
تجر وصية، فإن جرت، فهي من الثلث"، وهذا لا أعرف له وجهًا أصلًا.
رجع بنا الكلامُ إلى التفريع على أصل المذهب، فنقول:
٧٤٤١ - إذا استقر الحج في ذمته ومات، [فحجة] (١) الإسلام الواقعة ركنًا ميقاتية، هذا هو الركن، فيستأجر من الميقات أجيرًا بأجرة قريبة، ويتأدى حج الإسلام به.
ولو كان نذر حجًا في صحته، لزمه الوفاء به إن استطاع إلى الحج سبيلًا، فلو مات قبل الوفاء، ففي الحجة المنذورة قولان: أحدهما - أنها دَيْنٌ، كحجة الإسلام من رأس المال (٢)، ووجهه أنه وجب في الصحة، فاستقر في الذمة، فكان دينًا لله تعالى كحجة الإسلام.
والقول الثاني - أنها لا تكون من رأس التركة؛ فإن الناذر أدخل الوجوبَ على نفسه، فيجوز أن يقال: يُلزمه الشرع الوفاء به في تمكنه، فأما أن يصير ما أدخله على نفسه مزاحمًا [لحقوق] (٣) الورثة، فلا.
وهذا التوجيه فيه مخيلةٌ (٤) من الفقه، وهو معنى (٥) قول بعض الأصحاب: إن هذين القولين [مبنيان] (٦) على أن [المنذور] (٧) هل يثبت له حكم الواجب شرعًا أم لا؟ وهذا فيه لبس وتعقيد؛ فإن الذي ذُكر من التردّد في أن الواجب بالنذر هل يأخذ حكم الواجب شرعًا؛ معناه أن من نذر لله تعالى صلاةً، ثم صلى قاعدًا مع القدرة على القيام، فهل يخرج عن موجَب نذره؟ فهذا ومثله يخرّج على القولين في أن الواجب بالنذر هل يتقيد بالشرائط المرعية في الواجب شرعًا، ففي قولٍ نحمل [النذر] (٨) على
_________________
(١) في الأصل: بحجة.
(٢) جعلهما النووي وجهين، وقال: إن هذا أصحهما (ر. الروضة: ٦/ ١٩٧).
(٣) في الأصل: بحقوق.
(٤) (س): فيه مختلف في الفقه.
(٥) في الأصل: وهو معنى عن قول بعض الأصحاب. وفي (س): وهو خارج عن قول بعض الأصحاب.
(٦) في الأصل: ينتهيان.
(٧) في النسختين: النذور.
(٨) في الأصل: القدر.
[ ١١ / ١٨٥ ]
ما يسمى صلاة؛ اتباعًا للفظ، وفي قول نحمله على مضاهاة الواجب شرعًا؛ تقريبًا وتشبيهًا. فهذا مأخذ ذلك.
فأما القول في أن المنذور هل يكون من رأس التركة يبعد (١) أخذه مما ذكره هؤلاء.
والخلاف في احتساب الكفارة من رأس التركة، وقد لزمت الكفارة في الصحة، كالخلاف في الملتزم بالنذر؛ فإن الكفارات دخلت عليه بتسبُّبِه إلى التزامها، وليست من وظائف الشرع، فنزلت منزلة المنذور.
وهذا فيما يجري في الصحة.
والنذرُ الذي يصدر من المريض في مرضه المخوف من الثلث، لا خلاف فيه، وكذلك الكفارات التي تجري أسبابها في المرض.
ونقول وراء ذلك: نذر الصحة إن (٢) جعلناه دينًا، فلا كلام. وإن لم نجعله دينًا، فالذي أشعر به كلام الأئمة أنه لا بد من الوصية فيه، فإن لم تكن (٣)، [سقط] (٤) بالكلية.
وفي بعض كلام المحققين ما يدل على أنها تخرج من الثلث، وإن لم يكن وصية؛ فهي مستحقة من الثلث، ونفسُ جريان النذر في حكم الوصية به، وكذلك القول في الكفارات وأسبابها.
وهذا فقيهٌ حسن.
٧٤٤٢ - ومما نذكره في قاعدة الفصل أن الوصية بحج التطوع هل تصح؟ فعلى قولين (٥) مشهورين ذكرناهما في المناسك، والأصح في الفتوى الصحة، وهو الذي
_________________
(١) بدون الفاء في جواب (أما) كدأب الإمام في اختيار هذه اللغة الكوفية.
(٢) في الأصل: وإن.
(٣) فإن لم تكن: أي فإن لم توجد الوصية.
(٤) في النسختين (سقطت). والمثبت تصرف من المحقق، فالفاعل ضمير يعود على النذر.
(٥) في الأصل: وجهين قولين، وفي (س) وجهين: والتصويب من العزيز للرافعي، والروضة للنووي، وقد قال: إن الأظهر صحة الوصية بحج التطوع. (ر. العزيز: ٧/ ١٢١، والروضة: ٦/ ١٩٥).
[ ١١ / ١٨٦ ]
تشهد له [الآثار] (١) والأقيسُ أنها لا تصح؛ فإن الحج عبادةٌ بدنية وإجراء النيابة في المفروض منه في حكم الضرورة المتبوعة بطريق الرخصة، والوصيةُ بالتطوع مستغنى عنها.
ثم ذكر طوائف من أئمتنا أنا إذا صححنا الوصية بالحج تطوعًا، فهل تقدم على سائر الوصايا، أم هي مساوية لها في المرتبة؟ فعلى قولين: أحدهما - أنها مقدَّمة. والثاني - أنها مساوية، وهذا ترددٌ وذكر اختلاف قول، لستُ أعرف وجهه؛ فإن الوصية بالحج ليست على مرتبة من التأكيد تقتضي تقديمَها، وكيف يُدّعى ذلك وفي (٢) أصل صحتها قولان: أحدهما -[عدمُ] (٣) الثبوت، والمشهورُ اختلاف القول في تقديم الوصية بالعتق على ما سواه من الوصايا، وذلك لسلطان العتق في نفوذه، كما سيأتي شرح ذلك في مسائل الوصايا بالعتق.
وذكر الشيخ أبو علي طريقة ناصة على الحقيقة تشفي الغليل، وعليها التعويل عندي: قال ﵁: الوصية بحج التطوع لا تقدم على غيرها من الوصايا إلا أن ينص الموصي على تقديمها، فتقدم حينئذ بحكم الإيصاء، كما سنصف ذلك أثناء الفصل، إن شاء الله ﷿.
والحجة المنذورة في الصحة إذا قلنا: إنها محسوبة من الثلث، قال ﵁: هل تقدم على سائر الوصايا؟ فعلى قولين: أحدهما - لا تقدم؛ لأن محلها الثلث.
والثاني - أنها مقدمة لتأكد لزومها في حالة الصحة. وهذا في نهاية الحسن.
ثم قال ﵁: نُجري في الوصية بالحج والوصية لزيد وعمرو بشيءٍ الاختلافَ في أنه إذا ازدحم على [المال] (٤) المتضايق حق الله تعالى، وحق الآدميين، فالمقدم أيُّهما؟ وفيه أقوال ستأتي، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) في الأصل: الاختيار.
(٢) في الأصل: في صحتها (بدون واو).
(٣) في الأصل: أحدهما عن الثبوت وعبارة (س): قولان لبعدها من الثبوت.
(٤) في النسختين: "الحال" والمثبت من اختيارنا.
[ ١١ / ١٨٧ ]
فإن قلنا: المقدَّم حقُّ الله تعالى، اتجه عليه تقديمُ الحج على الوصية للآدميين، وإن لم نَرَ ذلك، فقد نقدم حقَّ الآدمي في قول وقد نُسوِّي.
فأما الوصية بالحج والوصية بالصدقة إذا اجتمعا، فلا وجه لتقديم الوصية بالحج.
وكل ما ذكرناه في حكم المقدِّمة لمقصود الفصل.
٧٤٤٣ - ونحن الآن نعود إلى غرض الفصل ونقول:
قد بينا أن حجة الإسلام إذا قرّت في الذمة، فهي دين، فلو كان أوصى الرجل بوصايا، ثم قال: أحِجوا عني حجةَ الإسلام من ثلثي، فقوله هذا محمول على مزاحمة الحج للوصايا، حتى إذا زاحمها، وقلت الوصايا [بمزاحمته] (١) إياها، فإن تحصّل ما يتأدى الحج به من المضاربة، فهو المراد، وإن لم يتحصل من مزاحمة الوصايا ما يتم به الحج، أكملناه من رأس المال.
هذا إذا صرح الوصي بالإحجاج عنه من ثُلثه، وكان عليه حجةُ الإسلام، وقد استكمل الاستطاعة في حياته.
ولو قال: أوصيت إليكم أن تُحجوا عني إنسانًا، ولم يتعرض للثلث ولاعتبار الحج منه، ولكنه ذكر لفظ الوصية، فقد اختلف أصحابنا في ذلك على ما حكاه العراقيون، فذهب بعضهم إلى أن هذا [ينزل] (٢) منزلة تصريحه بالإحجاج عنه من ثلثه، حتى يقتضي مزاحمةَ الوصايا؛ فإن الوصية لفظةٌ مشهورةٌ فيما يحسب من الثلث، فجرى مجرى التصريح بالحَسْب (٣) من الثلث.
وذهب آخرون إلى أن الحج لا يزاحم الوصايا إذا لم ينصّ الموصي على اعتباره من الثلث؛ فإن الإيصاء بمثابة الأمر، ولو قال: أحجوا عني إنسانًا، لم يتضمن مجردُ
_________________
(١) في الأصل: المزاحمة.
(٢) في الأصل: نزلت.
(٣) (س): في الاحتساب.
[ ١١ / ١٨٨ ]
الأمر مزاحمةَ الحج للوصايا، ثم ذكروا صورةً أخرى، ورتبوا [فيها] (١) الخلاف على ما ذكرناه، وقالوا: إذا قال: أوصيت إليكم أن تُحجوا عني وأن تصدقوا بكذا، وتعتقوا رقبة، فذكر لفظ الوصية في الحج [وقَرَنه] (٢) بما هو محسوب من الثلث، فهل يتضمن هذا في الحج مزاحمة الوصايا به؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين فيه إذا أطلق الوصية بالحج، ولم يقرنه بتبرعٍ محسوبٍ من الثلث، وهذه الصورة الأخيرة أولى بحَسْب الحج فيها من الثلث؛ فإنه انضم إلى لفظ الوصية ذكرُ الحج مع تبرعٍ يحسب من الثلث في قَرَنٍ، والإقران في الذكر من ضروب البيان.
ولو [أمر] (٣) بالإحجاج عنه، وقرن الحجَّ بتبرعٍ، ولم يَجْر لفظُ الوصية، ففي [مزاحمة] (٤) الوصايا بالحج خلاف، والأظهر أنا لا نزاحم به، إذا لم يجْرِ لفظُ الوصية؛ فإن مجرد الاقتران لا يستقل بنفسه تبيينًا، ولكن إذا جرى لفظٌ له مقتضىً، فالاقتران يؤكده.
هذا مجموع القول في ذكر الحج أمرًا وإيصاء، وتصريحًا بالحَسْب من الثلث، وذكْرِ غيره معه.
٧٤٤٤ - وما ذكرناه في الحج، وهو دين يحتسب من رأس المال يجري في جملة الحقوق التي سبيلها أن تكون من رأس المال.
فإذا نصّ مَنْ عليه الحق على حَسْبه من الثلث إذا أطلق لفظَ الإيصاء أو قرنه بتبرعٍ، فالتفصيل في المزاحمة على ما ذكرناه في الحج، وفاقًا وخلافًا.
٧٤٤٥ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنا إذا فرعنا على تقديم الوصية [بحجّ] (٥) التطوع على الوصايا، فإذا أوصى [من] (٦) عليه حجةُ الإسلام، فإن تحصل الحجة من
_________________
(١) في الأصل: منها.
(٢) في الأصل كلمة غير مقروءة رسمت هكذا: [ونسريه].
(٣) في الأصل: أصر.
(٤) في الأصل: تزاحمه.
(٥) في الأصل: فحج.
(٦) سقطت من الأصل.
[ ١١ / ١٨٩ ]
ثُلثه؛ فالذي دلّ عليه فحوى كلام الأئمة أنا على تقديم الحج على الوصايا نقدم حجة الإسلام على الوصايا جُمَع، فلا مزاحمة، حتى إن لم يفضل من الثلث شيء، بطلت الوصايا، وإذا فضل عن تمام الحج شيءٌ، صرف الفضلُ إلى الوصايا [وفُض] (١) عليها، فتثبت المزاحمة في الثلث بحج الإسلام على حسب المزاحمة من حج التطوع والوصايا.
ومن أصحابنا من قال: نحن وإن قدمنا حجة التطوع على الوصايا، فإذا أوصى أن يوقع حجة الإسلام في الثلث، لم نقدمها، وذلك أنا نتلقى الاحتساب في الثلث من قوله المشعر بإرادة (٢) المزاحمة، وإلا فحجة الإسلام حقُّها أن تُقدَّمَ على الثلث، فإن أثّر تقديمُها في [تقليل] (٣) الثلث، فلا بد من ذلك، فأما مزاحمة الوصايا في محل الوصايا، فمتلقى من [قصد] (٤) الموصي، لا من مقتضى حجة الإسلام.
نعم، إن قال: قدموا حجِّي في ثلثي على الوصايا، فيقدّم حينئذٍ عليها؛ اتّباعًا للفظه.
٧٤٤٦ - ومما نذكره في استكمال هذا أنا إذا صححنا الوصية بحجة التطوع، فإذا أطلق الوصية بها، فقد ذكر العراقيون وجهين في أن الوصية المطلقة بالحجة محمولةٌ على حجة [ميقاتية] (٥)، أم هي محمولة على حجة ينتهض لها قاصدًا من دويرة الموصي؟ أحدهما - أنها محمولة على ميقاتية، ولعل هذا هو الظاهر؛ فإن ألفاظ الموصي محمولة على أقل المعاني، فلذلك تحمل الوصية [بالمال] (٦) على أقل ما يتموّل، كما يحمل الأقرار عليه. واسم الحج ينطلق على الحج الميقاتي، فليقع الاكتفاء به.
_________________
(١) في الأصل: ونص، وفي (س): ومضى. والمثبت اختيار المحقق على ضوء السياق والمعهود من ألفاظ الإمام.
(٢) في الأصل: فإرادة.
(٣) في الأصل: تعليل.
(٤) في الأصل: فصل.
(٥) في الأصل: منقاسة.
(٦) في الأصل: فالمال.
[ ١١ / ١٩٠ ]
والوجه الثاني - أن الوصية المطلقة محمولة على إحجاج قاصدٍ من دويرة الموصي؛ إذ هذا هو العرف الغالب، وهو المفهوم من الحج المطلق، فإذا أراد مريدٌ الحجَّ الميقاتي، قيده بذلك. والعرف إذا اقترن باللفظ، كان اللفظ محمولًا على موجب العرف، فإذا تبين ذلك، فلو قال في حجة الإسلام: أحجوا عني رجلًا من ثلثي، فالحج من الميقات مردودٌ إلى الثلث لغرض المزاحمة، وهل يتضمن الأمر بالإحجاج ترشيحَ قاصدٍ من دويرة الموصي؟ اختلف أصحابنا في ذلك أخذًا من الوصية المطلقة [بحج] (١) التطوع، فمنهم من قال: لا يُحَج عنه إلا من الميقات، والمزاحمة تقع بالحجة الميقاتية، ومنهم من قال: ذكْر الحج في محل الوصايا يتضمن أن نرشح عنه قاصدًا من دويرته.
وكان شيخي يقول: الأمر المطلق بالحج والحج ركنٌ لا يتضمن [الإحجاج] (٢) من دويرته، والأمر على ما قال.
وقال الأصحاب كافة: إذا فرعنا على أن حج التطوع مقدم على الوصايا، فهذا [فيه] (٣) إذا كان المبذول للأجير مقدارَ أجر مثله، فإن كان بذل له الموصي أكثرَ من أجر مثله، فتلك الزيادة الموصى بها لا تقدم على الوصايا قولًا واحدًا؛ فإن سبب التقديم في الحج قوةُ الحج، أو شرفه، أو ما يرى (٤)، وهذا يختص بالحج، فإذا فرضتَ نِحْلة ومزيدًا (٥) في الأجرة، فذلك الزائد كالوصايا.
وذكر شيخي أبو محمد أن من أصحابنا من رأى تقديم الزائد على أجر المثل في الحج على الوصايا إذا وقع التفريع على تقديم الحج؛ فإن (٦) ما يثبت عوضًا في الحج يتبعه في مقتضاه، ويكتسب حكمه. وهذا بعيدٌ، لم أره إلا له.
_________________
(١) في الأصل: فحج.
(٢) في الأصل: بالإحجاج.
(٣) في الأصل: منه.
(٤) أو ما يرى: أي إرادة الموصي ذلك.
(٥) سقطت من (س).
(٦) (س): فأما.
[ ١١ / ١٩١ ]
٧٤٤٧ - ثم إن ابن الحداد ذكر مسألة وأخرى معها ثم شعّبهما الأصحاب بالتفريع.
قال ابن الحداد: إذا كان على الإنسان حجةُ الإسلام، وقد وضح أنها ميقاتية.
فإذا قال: أخرجوا حجة الإسلام من ثلثي، [وأخرجوا] (١) أجرته إلى فلان، وسمى زيدًا مثلًا، وقرر الأجرة، وقال مائة، وكان مقدار أجرته أجرة المثل، وأوصى لعمرٍو بما يبقى من ثلثه بعد الحج، وأوصى لبكرٍ بثلث ماله، وخلّف تسعمائة، فإن أجاز الورثة الوصايا، صرفنا ثلثًا كاملًا، وهو ثلاثمائة إلى الموصى له بالثلث، وصرفنا من ثلثٍ آخر مائة إلى الحج، وصرفنا الباقي من هذا الثلث وهو مائتان إلى عمرو، وهذا ترتيب القسمة حال الإجازة.
ولو رد الورثة الوصايا إلى الثلث، وأبطلوا الزائد عليه، والثلث ثلاثمائة في هذه الصورة، فحاصل ما ذكره الأئمة في كيفية القسمة بين الوصايا ثلاثة أوجه: أحدها - غلطٌ على المذهب.
والثاني - مزيّفٌ.
والثالث - المذهب.
٧٤٤٨ - أما الغلط، فجواب ابن الحداد، قال: يصرف مائة إلى الحج، ويقسم باقي الثلث وهو مائتان بين عمرو الموصى له بباقي الثلث بعد الحج، وبين بكر الموصى له بالثلث، واعتلّ ابنُ الحداد بأن قال: لو ثبت الوصية بالحج مع الوصية بالباقي بعد الحج، والمسألة كما صورناها، [لقلنا: للحجّ] (٢) مائة، والباقي [للموصى] (٣) له بما يبقى من الحج، ولو فرضنا الوصية بالحج مع الوصية بالثلث، لقلنا مع ردّ الورثة الزائدَ على الثلث: نصرف إلى الحج مائة، ونصرف إلى الموصى له بالثلث مائتين، فإذا كان كل واحد من الرجلين في الوصية بالباقي، والوصية بالثلث
_________________
(١) في الأصل كلمة غير مقروءة. (انظر صورتها).
(٢) في الأصل: فقلنا صحَّحَ مائة.
(٣) في الأصل: يعرض له ما يبقى.
[ ١١ / ١٩٢ ]
يستحق مائتين، فإذا اجتمعا مع الحج وقد بان مساواة ما يستحقه كل واحدٍ لما يستحقه صاحبه، فإذا اجتمعا، استويا. فهذا [إذًا مصير منه] (١) إلى تقديم الحج.
ثم فرع بعد هذا على مذهب أبي حنيفة؛ فإنه يُقدّر في قسمة الرد -بين الذين لهم الوصية- حالةَ انفراد كل واحد منهم، ولهذا يقول: الموصى له بالنصف يساوي الموصى له بالثلث عند رد الوصيتين إلى الثلث؛ لأن الورثة إذا ردوا الزائد وفرض انفراد الموصى له بالثلث، فليس له إلا الثلث، ولو فرض عند ردهم انفراد الموصى له بالنصف، فليس له إلا الثلث، فإذا اجتمعا في المسألة اشتركا على استواء في الثلث.
هذا مذهب أبي حنيفة (٢).
ونحن نقول: الاعتبار في حالة الرد بنسبة القيمة حالة الإجازة، والموصى له بالنصف يفضُل الموصى له بالثلث حالة الإجازة؛ فيتفاضلان في الثلث حالة الرد على نسبة التفاضل حالة الإجازة، كذلك نقول في مسألة ابن الحداد: [لو] (٣) أجيزت الوصايا، فالحج مائة، وللموصى له بالباقي مائتان، وللموصى له بالثلث ثَلاثُمائة، فإذا رُدّت الوصايا إلى الثلث، ورأينا تقديم الحج، يجب أن تكون القسمة بين صاحب الثلث والباقي على [التفاضل] (٤)، كما سنصفه عند ذكرنا الوجه الثالث إن شاء الله.
هذا جواب ابن الحداد وبيان خطئه.
وهذا الجواب وإن صدر عن رجل عظيم القدر، فليس معدودًا من المذهب؛ فإنه غلطٌ لا يستراب فيه.
٧٤٤٩ - والوجه الثاني - وهو المزيّف الضعيف مذهب ابن خَيْران، قال: وجدنا الثلثين حالة الإجازة على ستة أسهم بين الوصايا والحج: للحج منها سهم،
_________________
(١) في الأصل: فهذا إذ لا مصير منه، و(س): وهذا أولًا تضمن منه إلى يم الحج، والمثبت تصرف من المحقق.
(٢) ر. مختصر اختلاف العلماء: ٥/ ٩ مسألة رقم ٢١٥٣، ومختصر الطحاوي: ١٥٨.
(٣) في النسختين: ولو. (ولا محلّ للواو، فحذفناها).
(٤) في الأصل: الفاضل.
[ ١١ / ١٩٣ ]
وللموصى له بالباقي سهمان، وللموصى له بالثلث ثلاثة أسهم، فنتخذ هذه النسبة أصلًا في الرد، ونقول: للموصى له بالثلث ثلاثةُ أسهم من ثلاثمائة، وهو مائة وخمسون، وللموصى له بالباقي سهمان، وهو مائة، ولجهة الحج خمسون.
والثلاثمائة كذلك تنقسم إذا قسمت أسداسًا.
وهذا الذي ذكره ركيك بالغٌ في الرداءة؛ فإن الموصى له بالباقي [مؤخر] (١) عن تقدير تمام الحج، فالتبعيض من الحج ساقط رديء، وقد وافق ابن خَيْران في أن الموصي لو صرح بتقديم الحج، فقال: قدموا الحج بمائة، وما فضل فهو إلى تمام الثلث لعمرو، فلا يدخل النقص -إذا كان كذلك- على الحج، وقوله ما فضل من الحج تصريحٌ بتقديم الحج، ونظره إلى سهام الإجازة نظرٌ (٢) من حيث الظاهر لا غوْصَ (٣) فيه؛ فإن الباقي من الحج وقع سهمين، فإذا ردّت الوصايا، فينبغي أن نعتبر الباقي من الحج، ثم ننظر كم يقع.
فقد بطل هذا المذهب.
وما ذكره ابنُ الحداد، وإن لم يخرّج على مذهب الشافعي ﵁، فهو خارج على مذهب أبي حنيفة.
٧٤٥٠ - والمذهب الصحيح أنا إذا رأينا تقديمَ الحج، أخرجنا للحج مائة، وقسمنا الباقي بين الموصى له بالثلث وبين الموصى له بالفضل من الحج أخماسًا؛ فإن الوصية بالثلث والوصية بالباقي على هذه النسبة [وقعتا] (٤) حالة الإجازة، إذا صرفنا إلى الحج مائة، وإلى الموصى له بالثلث ثلاثمائة، وإلى الموصى له بالباقي مائتين، فنرعى هذه النسبة في الوصيتين بعد تقديم الحج؛ فإنا على تقديمه نفرع.
فإن لم نر تقديمَ الحج، فالوجه أن نقول: كنا صرفنا حالة الإجازة ثلثًا إلى الحج،
_________________
(١) في الأصل: مرجو.
(٢) عبارة (س): ونظره إلى سهام الإجازة تطرق خبر الظاهر لا عوض منها.
(٣) في الأصل: عوض منها.
(٤) في الأصل: وقلنا.
[ ١١ / ١٩٤ ]
والفاضل منه كان مصروفًا إلى من له الباقي، وصرفنا ثلثًا إلى الموصى له بالثلث، فنجمع الحج والوصية بالباقي بعد الحج، ونصرف إليهما نصف الثلث، ونصرف إلى الموصى له بالثلث نصف الثلث، ثم الحج من نصف الثلث وهو مائة وخمسون مائةٌ كاملة، والباقي وهو خمسون للموصى له بالباقي، ونصرف نصف الثلث وهو مائة وخمسون إلى الموصى له بالثلث.
هذا هو الوجه الصحيح الذي لا يسوغ غيرُه، فرّعناه على تقديم الحج على الوصايا كلّها، ثم فرعناه آخرًا على تقديم الحج على إحدى الوصيتين، وهي الوصية بالباقي.
٧٤٥١ - صورة أخرى: إذا جرت الوصايا على ما ذكرنا، ثم رد الورثة الزائد على الثلث، وكان الثلث مائة وخمسين، ورأينا أنه لا نقدم الحج على جميع الوصايا، وهو الأصح، فعلى هذا نجعل الثلث نصفين، وسبيله (١) أن نقول: صاحب الحج، وصاحب الباقي بعد الحج نجعلهما حزبًا، وصاحب الحج يقول للموصى له [بالثلث] (٢): أنا والموصى له بالباقي نأخذ مثل ما تأخذ [فأَعُدُّ] (٣) الموصى له بالباقي عليك، حتى أشاطرك، فاني وصاحبي مضافان إلى الثلث، ثم أفوز بنصف المائة والخمسين، ولا أدفع إلى صاحبي شيئًا، وأُعَادِكَ (٤) به، كفعل الأخ من الأب والأم مع
_________________
(١) (س): وسيأتي.
(٢) في الأصل: فالثلث.
(٣) في الأصل: مثل ما نأخذفًا عند الموصى له وفي (س): مثل ما نأخذ ما عدا الرضى. والمثبت تقدير منا، على ضوء السياق.
(٤) وأعادك به: يمثلون هذه المسألة من مسائل الوصية بمسائل المعاداة في ميراث الجد مع الإخوة، فهنا يقول صاحب الحج للموصى له بالثلث: أنا والموصى له بالباقي بعد الحج إلى تمام الثلث، نشاطرك الوصيةَ نصفين، ثم أفوز أنا بالنصف كاملًا ولا أدفع للموصى له بتمام الثلث بعد أجرة الحج شيئًا، وذلك مثل مسألة (المعادّة) من مسائل ميراث الجد مع الإخوة، حين تجمع الفريضةُ الأخَ الشقيق وأخًا لأب مع الجد، فهنا يُحسب الأخُ لأب، ويُعدّ على الجد، ويُقسم له ثلث التركة، ثم يعود الأخُ الشقيق، فيأخذ نصيب الأخ إلى نصيبه؛ لأن الأخ لأب يُحجب بالأخ الشفيق، ولكنه احتُسب على الجد؛ لأن الجد يعجز عن دفع الإخوة لأب إذا اجتمعوا معه منفردين عن الأشقاء، فإذا اجتمعوا مع الأشقاء، وهم أقوى، كان الجد عن =
[ ١١ / ١٩٥ ]
الأخ من الأب، [والجد] (١)؛ فإن الأخ من الأب، وإن كان محجوبًا بالأخ من الأب والأم، فإنه يعدُّه على الجد (٢)، ونقدر الأخ من الأب ضاربًا في ثلثي التركة حتى لا يخص الجدَّ إلا ثلث، ثم ما يقدّر للأخ من الأب يفوز به الأخ من الأب والأم، كذلك صاحب الحج يشاطر صاحب الثلث بضم صاحب الباقي إلى نفسه، ثم يفوز بجميع الشَّطر؛ فإنه أقلُّ (٣) من المائة التي يستحقها، فلا يفضل منه شيء.
هكذا (٤) ذكره أئمة العراق وصاحب التقريب وكلُّ معتبرٍ في المذهب، فلا فرق بين المعادّة في الفرائض، وبين ما ذكرناه هاهنا. ومن [قبيل] (٥) المعادَّة ردُّنا الأمَّ إلى السدس في فريضة فيها أبٌ وأخوان وأم؛ فإن الأخوين وإن سقطا بالأب، فهما معدودان على الأم، والأب يقول: أنا حاجبهما، فهما محسوبان عليك.
وقال ابن خَيْران: اعتبرْ حالة الإجازة، فإذا كان الثلث مائةً وخمسين، فالثلثان (٦) ثلاثمائة، فلو أجاز الورثة الوصايا، فعلمنا للموصى له بالثلث مائة وخمسون، وللحج مائة، والباقي من الثلث الثاني وهو خمسون للموصى له بالباقي بعد الحج، فقد وقعت القسمة في الإجازة في هذه الصورة أسداسًا، ولكن وقع للحج سهمان في الإجازة وللباقي سهم وللثلث ثلاثة أسهم، فإذا ردّت الوصايا إلى مائة وخمسين، قسمناها على ستة أسهم: لصاحب الثلث [منها] (٧) ثلاثة أسهم، وهو خمسة
_________________
(١) = دفعهم أعجز، فهم إذًا يُحسبون على الجد، ثم يسلّم نصيبهم للأشقاء، وما أحسن قول صاحب الرحبية: واحكم على الإخوة بعد العَدِّ حكمَك فيهم عند فقد الجد
(٢) في الأصل: والأم.
(٣) في الأصل: بعده على الجد به، ونقدر.
(٤) (س): أولى.
(٥) (س): هذا.
(٦) في الأصل: قبل.
(٧) أي عندما يجيز الورثة صرف الثلثين.
(٨) في الأصل: فيها.
[ ١١ / ١٩٦ ]
وسبعون، ولصاحب الحج سهمان، وهو خمسون، ولصاحب الباقي سهم، وهو خمسة وعشرون.
وهذا ظاهر السقوط، وتبيّن بقوله في هذه الصورة ضعفُ مذهبه [وإن] (١) جرى على قياس واحد؛ لأن ما ذكره لو كان نسبة حقيقية بالجزئية، لكانت لا تختلف بقلة المال وكثرته، وقد (٢) خص صاحب الباقي في المسألة الأولى مائتان وخص الحجَّ مائة، والسبب فيه أن الباقي هو المعتبر، وقد اختلف قدر الباقي، ولا باقي في مسألتنا عن الحج، بل ليس [ما بقي] (٣) معنا بمقدار الحج، فيظهر بطلان مذهبه، واتضح أن المسلك الحق ما ذكرناه.
وفي نفسي من المعادّة شيء؛ من جهة أن صاحب الباقي [مترتب] (٤) على الحج (٥)، فكيف يعادّ به صاحبُ الحج صاحبَ الثلث، والأخ من الأب يزاحم الجد مزاحمة الأشخاص، وكذلك الإخوة في فريضة فيها أبٌ وأم، (٦ وإذا لم نعتبر المعادّة، ولم ٦) نعتبر الحج، قلنا فريضة فيها حج بمائة، ووصية بثلث، وهما محصوران في الثلث، والثلث مائة وخمسون، فيجب أن نصرف للحج سهمين ولصاحب الثلث ثلاثة أسهم، [وهذا احتمال] (٧)، والأصل ما ذكره الأصحاب من المعادّة.
٧٤٥٢ - صورة أخرى: إذا كان ترتيب الوصايا على ما صورنا، والثلث مائةٌ، وقد جرت الوصية بالثلث، وأجرةُ الحج مائةٌ.
فنقول: أما الوصية بما تبقى بعد أجرة الحج إلى الثلث، فباطلةٌ في هذه الصورة؛
_________________
(١) في الأصل: ولو.
(٢) عبارة (س): بقلة المال وكثرته، وحظ الحج مائة، والسبب فيه أن الباقي في المسألة الأولى مائتان، وحظ الحج فيه مائة، والسبب فيه أن الباقي هو المعتبر إلخ.
(٣) عبارة الأصل: بل ليس في معنا ما بقي بمقدار الحج.
(٤) في الأصل: مترقب.
(٥) في الأصل: على أن الحج.
(٦) ما بين القوسين سقط من (س).
(٧) في الأصل: وهو الاحتمال.
[ ١١ / ١٩٧ ]
فإن الأجرة مستغرقة للثلث، فليس يفضل منها شيء، والمعادّة التي ذكرها الأئمة في الصورة المتقدمة لا معنى لها في هذه الصورَة؛ فإن المعادّة إنما تجري بين ثلاثة أشخاص فصاعدًا، إذا كان الذي يقع المعادة به [يُفرضُ استحقاقُه] (١) مع واحد من الثلاثة إذا لم يكن (٢) الثالث، كالجد والأخ من الأب والأم والأخ من الأب، فالمعادّة تقع بالأخ من الأب؛ من جهة أنه لو كان مع الجد وليس معهما أخ من أب وأم يقاسم الجدَّ، فيعدّه الأخُ من الأب والأم على الجد.
وإذا كان من يُفرض المعادّة به (٣) لا يرث مع أحدٍ في الفريضة، فلا معنى للمعادّة به، وهذا كالأخ من الأم مع الجد، والأخِ من الأب والأم.
والوصيةُ بالباقي إذا كلان الثلث زائدًا على المائة التي هي قدر الثلث يقدّر ثبوتُها لو تفردت الوصية بالحج، فيجوز أن يقع [بتلك] (٤) الوصية معادّة مع الموصى له بالثلث، فأما إذا كان الثلث على مقدار أجرة الحج، فلا يتصور للوصية بالباقي ثبات (٥). ثم إن رأينا تقديمَ الوصية بالحج، فالوصية بالثلث ساقطة، كما سقطت الوصية بالباقي، والثلث مستغرَق بأجرة الحج، وهو مصروف إليها، وإن لم نر تقديم الحج، [فالثلث] (٦) بين الحج وبين الموصى له بالثلث؛ فإن الحاج يضرب بمائة والموصى له بالثلث [يضرب] (٧) بالثلث، وهو [مائة] (٨) فيما نطلقه في أول المسألة إلى أن تظهر غائلتها.
٧٤٥٣ - ثم المسألة تدور لا محالة؛ فإنها مفروضة في الوصية بحجة الإسلام،
_________________
(١) في الأصل: ففرض استحقاق. و(س): بعوض استحقاق، والمثبت تصرف منا.
(٢) يكن الثالث: كان هنا تامة.
(٣) سقطت من (س).
(٤) في الأصل: لملك، و(س): لتلك.
(٥) (س): فلا يتصور الوصية بالباقي بثلث.
(٦) في الأصل: بالثلث.
(٧) في الأصل: يصرف.
(٨) في الأصل: بمائة.
[ ١١ / ١٩٨ ]
والثلث في الصورة التي ذكرناها لا يفي بمقدار الحج، فلا بد من استكمال أجرة الحج من رأس المال، وإذا أخذنا من رأس المال مقدارًا، نقص (١) الثلث، وقلّ ما يحصل المضاربة [به] (٢) [ويزداد] (٣) المأخوذ من رأس المال، ولا ننفصل (٤) إلا بالحساب، ومهما لم تف حصة الحج [بأجرة الحج] (٥) وهو حجة الإسلام، [دارت] (٦) المسألة؛ للاحتياج إلى أخذ التكملة والقيمة من رأس المال.
ثم قال الأصحاب: وجه الدور في هذه المسألة أن يقال: نأخذ من رأس المال شيئًا مجهولًا، فيبقى مال ناقص شيئًا، فثلثه وهو مائة ناقص بثلث شيء، فنقسم ذلك بين الحج وبين الموصى له بالثلث نصفين، يخص كلَّ واحد منهما خمسون ناقصًا بسدس شيء؛ فإن الثلث مائة ناقصة بثلث شيء، وفي يد الحاج شيء وخمسون درهمًا ناقصًا بسدس شيء، فنجبر الخمسين بسدس شيء من هذا الشيء الذي أخذناه، فصار خمسين وخمسة أسداس شيء، وذلك يعدل مائة، فيذهب الخمسون بالخمسين، ويبقى خمسة أسداس شيء تعدل خمسين، فالشيء يعدل [ستين] (٧)، فنعود ونقول: الشيء المأخوذ من رأس المال ستون، يبقى مائتان وأربعون، ثلثها ثمانون، أربعون منها لعمرو الموصى له بالثلث، وأربعون للحج، وإذا ضم إلى [ستين] (٨)، كملت المائة.
قال الشيخ القفال: هكذا عَمَلُ (٩) أصحابنا، وهو غلط عندي؛ لأنا إذا أخذنا
_________________
(١) (س): مقدارًا من الثلث.
(٢) ساقطة من الأصل، وعبارة (س): وقل ما يحصل بالمضاربة.
(٣) مكان بياضٍ بالأصل.
(٤) ولا ننفصل: المعنى ولا يتم بيان المسألة إلا بالحساب.
(٥) زيادة من (س).
(٦) في الأصل: وارث.
(٧) في الأصل: شيئين.
(٨) في الأصل: شيئين.
(٩) (س): ذكره أصحابنا، والأولى نسخة (عمل) فهذا يشبه المصطلح عند الفقهاء يريدون به الحساب.
[ ١١ / ١٩٩ ]
الستين من رأس المال، وكان الثلث بعد الستين ثمانين، فالموصى له بالثلث يجب أن [يضرب] (١) بثمانين؛ فإن الثلث إنما يقام ويعدّل بعد أخذ الديون من رأس المال، والحاج يضارب بالمائة التامة بحكم الوصية.
فالمسلك الحق في الفقه لو صحت هذه الصورة أن يضرب الحاج بعشرة أسهم، ويضرب الموصى له بالثلث بثمانية أسهم. وإذا جرى التضارب كذلك، ازداد نصيب الحج، واختلف الحُسَّاب في المأخوذ من رأس المال، وعلى عبارة الجبر يضارب الحاج بمائةٍ كاملة، ويضارب الموصى له [بالثلث بمائة ناقصة ثلث شيء، فالتضارب في مائة ناقصة ثلث شيء، وصاحب الحج يضرب] (٢) بمائة تامة، هذا كلام القفال (٣)، ويجب بحسبه في الصورة التي ذكرناها أن يكون المأخوذ من رأس المال [أقلَّ] (٤) من ستين، فإنا لو أخذنا الستين [وأثبتنا] (٥) المضاربة بالمائة، [لزاد] (٦) ما يحصل على مائة.
ونحن نقول: ما ذكره القفال من تغليط الأصحاب صحيح لا مراء فيه [ووجهه] (٧) ما أبديناه من كلامه.
_________________
(١) في الأصل: يصرف.
(٢) ما بين المعقفين سقط من الأصل، وأثبتناه من (س).
(٣) في هامش نسخة الأصل حاشية عبارتها كالآتي: " هذا من كلام الإمام الأجل أبي نصر القشيري ﵁ " ثم بعد هذا مباشرة: "قوله: الحاج يضارب بالمائة التامة فيه نظر: إذا وقع له شيء من رأس المال، فلا يضارب بمائة تامة، لأنه يؤدي إلى أن يقال: يضارب بأكثر من المائة، لأنه وقع له شيء من رأس المال، فالوجه ما ذكره الأصحاب لا غير. وما قاله القفال يؤدي إلى ألا ينقضي حكم المسألة أبدًا، وهو محال" ا. هـ بنصه من هامش نسخة الأصل.
(٤) في الأصل: يقل.
(٥) في الأصل: وأثبثت.
(٦) في الأصل: أراد.
(٧) في الأصل: وجهه.
[ ١١ / ٢٠٠ ]
هذا القدر من كلام الشيخ [الإمام] (١) أبي نصر القشيري (٢) رحمة الله عليه (٣)، ثم لم يذكر (٤) ﵁ وجه الصواب في الحساب.
ونحن إن وفق الله تعالى نذكر ما يحضرنا في هذه المسألة، إن شاء الله ﷿ فنقول وقد نجزت مسائل الحج بما فيها: قد (٥) ذكر أئمة العراق في مسألة ابن الحداد وهي الوصية بالحج وبما بقي إلى تمام الثلث مع الوصية بثلث لثالثٍ شرطًا لم أره إلا لهم، وذلك أنهم قالوا: إذا تقدمت الوصية بالحج وبما بقي من الثلث، ثم جرت الوصية بثلث بعد ذلك، [فالأجوبة] (٦) كما قدمناها في أطراف المسألة.
فأما إذا تقدمت الوصية بالثلث، ثم جرى بعدها الوصية بالحج وبما يبقى بعد الحج إلى الثلث، فالوصية بالباقي إلى تمام الثلث باطلة؛ فإنه قد تقدم ذكر الثلث كاملًا، فالوصية بما يبقى بعد الثلث فاسدة في اللفظ.
_________________
(١) زيادة من (س).
(٢) الإمام أبو نصر القشيري، هو الإمام بن الإمام، الأستاذ أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري. الفقيه الفرضي. أحد النوابغ المرموقين، والهداة المهديين، إمام العلم والعمل. تخرّج بوالده، ثم بإمام الحرمين، فقد لازمه وواظب على درسه وصحبته ليلًا ونهارًا، ولزمه حتى حصّل طريقته في المذهب والخلاف. بلغ من نبوغه وعلوّ شأنه أن نال التقدير والإجلال من شيوخ عصره، وأئمة وقته، وتوّج ذلك أن شيخه إمام الحرمين كان يعتدّ به ويستفرغ أكثر أيامه معه، واستفاد منه بعض مسائل الحساب في الفرائض والدور والوصية؛ ودوّن ذلك منسوبًا إليه في كتابه هذا (نهاية المطلب). وبحقٍ قال السبكي: "وأعظم ما عظم به أبو نصر أن إمام الحرمين نقل عنه في كتاب الوصية من النهاية، وهذه مرتبة رفيعة". توفي الإمام أبو نصر سنة ٥١٤ بنيسابور. (طبقات السبكي: ٧/ ١٥٩، والإسنوي: ٢/ ٣٠٢، وابن الصلاح: ١/ ٥٤٦).
(٣) الترحّم من الناسخ، وإلا فإن أبا نصر توفي -كما ترى- بعد إمام الحرمين.
(٤) (س): يدرك وجه الصواب.
(٥) في النسختين: وقد.
(٦) في الأصل: فالأوجبة.
[ ١١ / ٢٠١ ]
وهذا الذي ذكروه لا أصل له؛ فإنه [و] (١) إن جرى ذكر الثلث، فالوصية بالباقي بعد الثلث من الحج مقدرة من ثلثٍ آخر، ولا يمتنع تقدير [فضلٍ] (٢) من الحج إذا قُدّر ثلث آخر؛ فإن ذلك الباقي مضاف إلى الحج، وما تبقى منه إلى تمام ثُلثٍ.
٧٤٥٤ - ومما كان يذكره شيخنا أبو محمد ﵁ أن الوصية بالحج إذا تقيدت بترشيح رجل من بلدةِ الموصي، فإن وجدنا وفاء نفذناه، وإن لم نجد وفاءً، رَدَدْنا الحجة إلى الميقات، وإن كان [يفي] (٣) ما ظفرنا به ببعض الطريق قبل الانتهاء إلى الميقات، فإنا نُحجّ شخصًا من نصف الطريق، وكلما طالت مسافة القصد، كان [الحج] (٤) أفضل. وبالله التوفيق (٥).
بسم الله الرحمن الرحيم
فصل
قال الشافعي ﵁: "ولو أوصى بأمةٍ لزوجها وهو حُرّ إلى آخره" (٦).
٧٤٥٥ - هذا الفصل وفصول بعده يستند إلى الملك متى يحصل للموصى له في الموصى به؟ ونحن نمهد قاعدة المذهب في هذا أولًا، ونوضح ما فيه أصلًا وتفريعًا، ثم نعود إلى تتبع الفصول المذكورة في (المختصر) على وِلائها، فنقول أولًا: الإيجاب في الوصية لا بد منه، وهو لفظةٌ دالةٌ على التمليك نصًّا صادرةٌ من
_________________
(١) الواو زائدة من (س).
(٢) في الأصل: حصل.
(٣) في الأصل: يثمن.
(٤) في الأصل: بالحج.
(٥) هنا في نسخة الأصل: تمت المجلدة الرابعة عشرة بعون الله وحسن توفيقه. وبعدها البسملة في أول الفصل، وأبقيناها تيمنًا.
(٦) ر. المختصر: ٣/ ١٦٤.
[ ١١ / ٢٠٢ ]
الموصِي، وذلك مثل أن يقول: أوصيت لفلان بكذا، أو ملكته كذا، أو أعطوه كذا، أو سلموا إليه من مالي كذا، فهذه الألفاظ وما في معانيها إيجابٌ من الموصي.
وتردد أئمتنا فيه إذا قال: وهبت لفلان كذا، ورام الإيصاء، لا تنجيز [الهبة] (١): فمنهم من قال: هذا إيصاء، كقوله: ملكت فلانًا، ومنهم من قال: لا تصح (٢) الوصية بهذه اللفظة؛ فإنها صريح في الهبة المنجزة، فإذا لم يترتب عليها مقتضاها في تنجيز الهبة، بطلت.
فهذا بيان ما يكون إيجابًا.
فإذا ذكر صيغةً صريحة في الإقرار، فهي إقرار، وليست [إيصاءً] (٣)، وذلك كقوله: هذا العبد لفلان، حتى لو أراد حملَ ذلك على الإيصاء، لم يُقبل منه، ولو قرن باللفظ ما يخرجه عن كونه إقرار، مثل أن يقول: هذا العبد من مالي لفلان، فالإقرار على هذه الصيغة باطل، وهل يكون هذا إيصاءً مع عُروّه عن إنشاء تمليك؟ فيه تردّدٌ واحتمال (٤). ولو قال: جعلت هذا العبدَ لفلان، فهذا إيصاء (٥ لتصريحه بإثبات الملك له، ولو قال: عيّنتُ هذا العبدَ لفلان، فما أرى ذلك إيصاء ٥)؛ فإن التعيين له يتردد بين معانٍ: أحدها وعْدٌ بالإيصاء، كأنه قال: عينته له لأوصي له [به] (٦)، ويجوز أن يريد بلفظه [تعينه] (٧) للوصية بالمنافع، وإذا تقابلت جهات الإمكان، فلا نجعل اللفظ إيجابًا في الإيصاء، فإن زعم من [يُقرّ] (٨) أنه أراد إيصاء، فالظاهر عندي صحةُ الإيصاء (٩) بالكنايات إذا اقترنت بالقصود والنيات. وقد ذكرت
_________________
(١) في الأصل كلمة غير مقروءة (انظر صورتها).
(٢) وهو الأصح، ذكره النووي في الروضة: ٦/ ١٤٠.
(٣) في الأصل: اسيا (انظر صورتها).
(٤) المعتمد في المذهب أنه يصح، قاله النووي (ر. الروضة: ٦/ ١٤٠).
(٥) ما بين القوسين سقط من (س).
(٦) في الأصل: بها.
(٧) في الأصل: تعينها.
(٨) في الأصل: بعد.
(٩) وهو المعتمد: (ر. الروضة: ٦/ ١٤٠).
[ ١١ / ٢٠٣ ]
ترددًا في انعقاد البياعات بالكنايات، والسبب فيه استدعاء البيع جوابًا ناجزًا من المخاطب به، وذلك يستدعي إفهامًا وهو عَسِرٌ بالكناية، وسأجمع في ذلك قولًا جامعًا [في] (١) كتاب الخلع، إن شاء الله تعالى، والإيصاء لا يستدعي في الحال (٢) جوابًا ولذلك قَبِل التعليقَ بالأغرار والأخطار.
فهذا بيان ما يقع إيصاء، ثم لا خلاف أن الوصية لا تستدعي جوابًا من الموصى له في الحال، بل أجمع أئمتنا على أنه لو قبل، لم يكن لقبوله في حياة الموصي حكم، ولو أراد الردّ بعد موت الموصي، لكان على خِيَرته فيه، وكذلك لو ردّ الوصيةَ في حياة الموصي، لم يكن لرده حكم، وهو على خِيرَته في القبول بعد موت الموصي، ثم لا خلاف أن القبول لا بد منه، كما سنصفه، ولا يشترط مبادرة القبول من الموصى له كما (٣) بلغه موت الموصي، ولكن الخيار إليه في التأخير والتعجيل.
٧٤٥٦ - فإذا تبين ما ذكرناه، افتتحنا بعده غرضنا في أن الملك متى يحصل للموصى له في الموصى به؟ وقد اختلفت النصوص، وحاصل الأقوال في ذلك ثلاثةٌ: أحدها - أن الملك يحصل بموت الموصي من قَبْل القبول، ولكن لزومه منوط بالقبول، فإن قبل الموصى له، لزم الملك، واستقرّ إذا وفّى الثلث، وإن ردّ، انقطع الملك بعد ثبوته.
والقول الثاني -وهو أعدل الأقوال وأمثلها- أن الملك موقوف (٤) مراعى، فإن قبل الموصى له، تبيّنا أن الملك حصل بموت الموصي إسنادًا إليه، وإن تأخر القبول عنه بمدة مديدة. وإن ردّ، تبينا أن الملك لم يحصل.
_________________
(١) في الأصل: من.
(٢) في (س): جوابًا في الحال.
(٣) كما بلغه: كما بمعنى عندما، وهذا استعمال جرى كثيرًا في لسان الإمام، وتبعه فيه تلميذه أبو حامد الغزالي، وقال النووي في التنقيح: " وليست بعربية ولا صحيحة " وقد أشرنا إلى هذا من قبل أكثر من مرّة.
(٤) وهو كما قال الإمام، فهو المعتمد في المذهب (ر. الروضة: ٦/ ١٤٣).
[ ١١ / ٢٠٤ ]
والقول الثالث - أن الملك يحصل للموصى له في الموصى به عند تمام قبول الموصى له؛ فالقبول يستعقب الملك على هذا القول.
٧٤٥٧ - التوجيه: من قال: الملك يحصل بموت الموصي، احتج بأن هذا ملكٌ يقتضيه الموت، مع تقدم الإيصاء، فشابه الملك الذي يقتضيه التوريث، غير أنا نسلّط الموصى له على الزد إن أراده، حتى لا يدخل على اللزوم في ملكه ما لا يريده، ولو كان القبول يستعقب الملك في المقبول، لوجب اشتراط اتصال القبول بالإيجاب، فلما لم يكن كذلك، بل كان القبول المتصلُ بالإيصاء في حياة الموصي مردودًا ساقطَ الأثر، دلّ أن عماد الملك الموتُ بعد الإيصاء.
ومن قال: الملك يحصل عقيب القبول، احتج بأن قال: القبول معتبر بالاتفاق، إنما الكلام في أثره وفائدته، وكل تمليك اعتبر القبول فيه وجب أن يكون القبول مؤثرًا في تحصيل الملك، حتى لا يتقدم حصول الملك عليه، وأيضًا؛ فإن إدخال الأشياء في أملاك الناس قَهْرًا من غير ولاية بعيدٌ عن قاعدة الشريعة، وإن ثبتت (١) لهم الخيرة في الرد. وسيتضح وقع هذا في التفريع.
وأما وجه قول الوقف، فواضح، وفيه الجمع [بين نكت] (٢) الأقوال؛ فإن القبول لا بد منه، وليس هو على قياس القبول في سائر العقود، وللموت أثر بيّن في اقتضاء تحصيل الملك، فالوجه ربط الملك بالقبول في معرض التبيّن والإسناد.
٧٤٥٨ - فإذا ظهرت الأقوال نقلًا وتوجيهًا، فأظهرها في نصوص الشافعي قولُ الوقف، وأبعدها في النقل قولُ استعقاب القبول الملك، ويلي قولَ الوقف في الظهور قولُ حصول الملك بموت الموصي.
وأول ما نذكره في تأسيس الأقوال قبل الخوض في تفصيل التفريع عليها أنا إن حكمنا بوقوع الملك بالموت، فالرد نقضٌ للملك، وإن حكمنا بالوقف، فمعناه لائح، وإن حكمنا باستعقاب القبول الملكَ، فالملك في الموصى به بعد موت
_________________
(١) (س): وإن لم تثبت لهم الخيرة.
(٢) في الأصل: من نكة.
[ ١١ / ٢٠٥ ]
الموصي إلى قبول الموصى له لمَنْ؟ فيه وجهان مشهوران: أحدهما - أن الملك للوارث [فيه] (١).
والثاني - أن الملك [يبقى للميت، فإذا فرض القبول، فإذ ذاك يملك الموصى له.
توجيه الوجهين:
٧٤٥٩ - من قال: الملك] (٢) للوارث احتج بأن الموصى به مملوك، وليس يحتمل مذهب الشافعي إثباتَ مملوك لا مالك له، ويستحيل بقاء الملك للميت؛ فإن الموت مقطعةٌ للأملاك، ومِن أدنى آثاره أن يخرج الميت عن كونه مالكًا، فيتيعن إسناد الملك إلى الوارث.
ومن قال بالوجه الثاني، احتج بأن الملك لو وقع بالموت للوارث، لكان الموصى له متملّكًا عنه، (٣ وهذا بعيد عن وضع الوصية، مع أن الموصي مملِّك والموصى له يتملك عنه ٣) ولا يبعد تقدير بقاء الملك له إلى اتفاق التملك بالقبول، حتى يكون ملكُ الموصى له مترتبًا على ملك الموصي، وإن كان لا يبعد بقاء الدّين على الميت تحقيقًا، فكذلك لا يبعد بقاء الملك له، وقد صار صائرون من أئمتنا إلى أن الأكفان على ملك الميت، كما سيأتي شرح ذلك، إن شاء الله تعالى.
فإذا ثبتت الأقوال تأصيلًا، افتتحنا التفريع عليها، [حتى إذا استكملنا ما أراد الله من التفريع، خرَّجنا على مجاري التفريعات] (٤) فصولَ السواد (٥)، إن شاء الله.
٧٤٦٠ - فإن قلنا: الملك في الموصى به يحصل بموت الموصي، فيتفرع على ذلك القولُ [في] (٦) الزوائد، والمغارم، وانقطاع النكاح إن كان أوصى مالكُ الجارية
_________________
(١) في الأصل: منه.
(٢) ما بين المعقفين زيادة من (س).
(٣) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٤) ما بين المعقفين زيادة من (س).
(٥) السواد: المراد به مختصر المزني، كما تكررت الإشارة سابقًا.
(٦) في الأصل: والزوائد.
[ ١١ / ٢٠٦ ]
برقبتها لزوجها، يتفرع أيضًا عتقُ الموصى به على الموصى له إن كان ابنه أو أباه أو غيرهما من الأصول والفصول. فهذه الأحكام لا بد من تفريعها.
فأما القول في الفوائد كالأكساب، والنتاج الحادث، والثمار وما في معانيهما من الفوائد المنفصلة، فالقول الوجيز فيها أن الوصية إذا اتصلت بالقبول والتفريع على أن الملك يحصل بالموت، فتلك الزوائد تساق بجملتها إلى الموصى له، ولو أتلف بعضَها متلفٌ قبل القبول، غرِم البدلَ للموصى له؛ فإنه اجتمع أمران: أحدهما - حصول الزوائد في وقت ملكه، على القول الذي عليه التفريع، والثاني - استقرار الملك عليه آخرًا بالقبول. هذا إذا قبل.
فإن ردّ الوصية، ارتد الملكُ وانقلب إلى الورثة، وكان تركةً يؤدى منه الديون وتنفّذ منه الوصايا الثابتة. وفي تلك الزوائد وجهان مشهوران: أحدهما - أنها تنقلب إلى الورثة وتتبع الأصل في انقلابها.
والوجه الثاني - أن الملك يرتد في الموصى به، وتبقى الزوائد في ملك الموصى له ملكًا لازمًا لا يملك رده.
توجيه الوجهين: من قال: إنها تبقى على اللزوم، احتج بحصولها في الملك مع اختصاص الرد بمحل الوصية، ولو أراد الموصى له ردّ الزوائد، لم يملكه، كما (١) لو حدثت زوائد على العين المشتراة (٢) في يد المشتري، ثم [إذا ردّ] (٣) المشتري بعيب اطلع عليه، فالزوائد تبقى له، ولا ترتد بردّه، وهذا مما نقله الشيخ أبو بكر في أثناء كلامه.
ووجه الوجه الثاني - أن الزوائد ترتدُّ تابعةً؛ إذ لو قضينا ببقائها على ملك الموصى له، لكان ذلك تسببًا إلى إدخال شيء في ملكه قهرًا، وهو مطلق لا حجر عليه، وهذا بعيد عن القواعد، وينضم إليه أن الملك قبل حصول القبول ضعيف؛ فيليق بارتداده
_________________
(١) (س): حتى لو حدثت.
(٢) (س): المستردة.
(٣) في الأصل: أراد ردّ المشتري.
[ ١١ / ٢٠٧ ]
استتباع الزوائد، وقد ذكرنا في التفريع على أقوال الخيار في البيع أنه إذا حدثت [زوائد] (١) في زمان الخيار، ثم أفضى العقد إلى الفسخ، والتفريع على أن الملك في زمان الخيار للمشتري، فإذا ارتد ملكه في المبيع، فهل يرتد الزوائد؟ فعلى خلافٍ مشهور، وبقاء الملك للمشتري في الزوائد مع ردّ الأصل أوجه من بقاء الملك في الزوائد في الوصية؛ فإن عقد البيع جرى بإيجابه وقبوله على حسب اختيار المشتري على حالٍ، فإن بقّينا له زوائدَ. صادفنا في ذلك [مستندًا من] (٢) اختيار المشتري، ولم يجْرِ في الوصية قبل القبول اختيارٌ، [فيبعد] (٣) عن القواعد إلزام الموصى له الملكَ في الزوائد على وجهٍ لا يملك نقضَه وردَّه.
ولا شك أنه يلتحق بالزوائد [العُقر] (٤) الذي يجب على الواطىء بالشبهة بين [موت] (٥) الموصي والقبول، وهو مندرج تحت ما أطلقناه من قيم الفوائد؛ فإن منافع البضع من الفوائد التي تجري بين موت الموصي وقبول الموصى له، والعُقر قيمةُ ما أتلفه الواطىء من منافع البضع.
وكذلك القول في أجرة المنافع إذا وجبت على الغاصب للعين الموصى بها.
هذا منتهى قولنا في الزوائد عند فرض القبول والردّ، تفريعًا على أن الملك يحصل بالموت.
٧٤٦١ - فأما ترتيبُ القول في المغارم التي من جملتها زكاة الفطر، فإذا فرض استهلال هلال شوال بين موت الموصي وقبول الموصى له، فزكاة الفطر تجب على الموصى له إن قبل الوصية على ظاهر المذهب؛ فان الملك كان في الرقبة حالة الاستهلال للموصى له، ثم أفضى إلى القرار بالقبول، وقد ذكرت هذا بما فيه
_________________
(١) في الأصل: زايد.
(٢) في الأصل: مستند إلى.
(٣) في الأصل: فبعد.
(٤) في النسختين: العقد.
(٥) زيادة من المحقق، سقطت من النسختين.
[ ١١ / ٢٠٨ ]
مستقصىً في كتاب الزكاة، وأتيتُ في ترتيبه وتوصيفه بالعجائب والآيات، فليتأمّله مَنْ يريده في موضعه (١)، ولْيَجمع بين ما ذكرتُه ثَمَّ وبين ما جمعتُه ها هنا لتتم القواعد جُمَع.
والقول في النفقات والمؤن بين الوفاة والقبول يخرج على هذا القانون، فإن [أفضى] (٢) الملك إلى القرار، فالمؤن بجملتها على الموصى له، وإن رد الموصى له الوصيةَ، فلا أحد من الأصحاب يستجيز إلزام الموصى له بالمؤن بين الموت والرد؛ فإن هذا إن قيل به هجومٌ عظيم على القواعد، وليس هذا كإلزامه ملكَ الزوائد حتى لا يمكن ردّها، نعم، وفي إلزامه الزوائد إلزامُه مؤن الزوائد، وهذا والحق أحق ما قيل فيه بعيدٌ، ولكنه متعلق بملك يقرّ (٣) في الزوائد، فكان يقرب بعض القرب، وإنما الأمر الذي لا يحتمل إلزام المؤنة مع ارتداد الملك في الأصل.
وقد يعترض وراء ما ذكرناه إشكال، وهو أن الموصى له إذا كان يؤخر القبولَ والنفقاتُ التي تسد الحاجات جاريةٌ لا تقف، فمن المطالب بها؟
الوجه أن نقول للموصى [له] (٤): هل لك في تعجيل القبول [أو] (٥) الرد؟ ولا نُلزمه واحدًا [منهما] (٦)، فإن قبل، لم يخف حكم القبول ولزوم النفقات، وإن ردّ، لم يخف حكم الردّ وانقلابُ المؤن إلى الورثة، وإن قال: لست أقبل الآن، ولست أردّ، وليس لكم حملٌ على أحد هذين، فيتجه جدًا إن قال ذلك، أن يُطوَّقَ النفقةَ (٧) ونلزمه إياها؛ بناء على حصول الملك، وهو مقتدر على صرف المؤن عن نفسه بالرّدّ، ولو لم نقل هذا، والنفقاتُ لا تقف، وإلزامُ الورثة ولا ملك لهم محال،
_________________
(١) الزكاة ج ٣ ص ٣٨٧.
(٢) في الأصل: أمضى.
(٣) (س): تقرر.
(٤) سقطت من الأصل.
(٥) في الأصل: والرد.
(٦) في الأصل: منها.
(٧) (س): أن نلزمه النفقة.
[ ١١ / ٢٠٩ ]
والإنفاق من التركة محالٌ، وردُّ المؤن إلى بيت المال بعيد - لم نجد للمقال مساغًا، ثم لا نعدَم للإلزام مثالًا، فإن من طلق على الإبهام إحدى امرأتيه طلاقًا مبينًا، وامتنع عن بيان المطلقة منهما، فعليه [التزام] (١) نفقتهما جميعًا -كما سيأتي ذلك مشروحًا، إن شاء الله ﷿- وإن كانت إحداهما بائنة، وكذلك القول في النسوة [الزائدات] (٢) على منتهى العدد إذا أسلم عليهن زوجُهن، وأسلمن، ثم امتنع الزوج عن اختيار أربع منهن، فنفقتهن واجبة عليه في زمان التوقف، وليس ينقدح مسلك آخر سوى ما ذكرناه.
فإن قيل: إذا مضت مدة [الخيار] (٣) على ما [وصفناه] (٤)، ثم اختار الموصى له الردّ، قلنا: النفقة المقتضاة منه جاريةٌ، [لا استدراك] (٥) لها، ولا تراجع فيها؛ فإنه أُتي من قِبَل نفسه، ولم يختلف أصحابنا في أن الزوج إذا توقف عن البيان زمانًا، وألزمناه النفقةَ، ثم بيّن، فما ألزمناه من النفقة لا يرجع به، هذا والمطلقةُ بائنة لا اعتصام لها في النفقة إلا [تأخر البيان] (٦)، والملك على القول الذي عليه نفرع ثابت للموصى له، وقد انضم إليه توقُّفُه مع القدرة على التنجيز.
٧٤٦٢ - فلو فرضنا الموصى له غائبًا، وعسر (٧) الوصول إليه، وتعذرت مراجعته، فنفقة العبد الموصى به ممن تؤخذ في الحال؟ الوجه (٨) أن يقال: إن أمكن استكساب العبد، فعلنا ذلك، فإن كان لا يكسب، ولا يستقل به، فلسنا نرى في الحال مأخذًا
_________________
(١) في النسختين: إلزام.
(٢) في الأصل: الزائد.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) في الأصل: وضعنا.
(٥) في الأصل: الاستدراك.
(٦) مكان كلمة لم نساعَد على قراءتها، فاستغلقت علينا (انظر صورتها). وفي (س) يمكن أن تقرأ على استكراه: "إلا التبيين المتأخر".
(٧) (س): وتيسر.
(٨) (س): فالوجه.
[ ١١ / ٢١٠ ]
إلا بيتَ المال؛ إذ لا ملك للورثة فيطالبوا، وإنما يطالب بالنفقة مالكُ الرقبة، ولا سبيل إلى التعطيل، فلا وجه إلا ما ذكرناه.
ثم إذا قبل الموصى له الوصية، فالرجوع عليه بما أخرجناه من بيت المال منقدحٌ، وقد استقر الملك عليه آخرًا، ويثبت للسلطان هذا النوع من التسلط، وهو بمثابة ما لو أنفق على عبيدِ غائب لمسيس الحاجة إلى الإنفاق عليهم، فإذا رجع المالكُ، رجع السلطان عليه، وإن ردّ الموصى له الوصية لمّا بلغه خبرها، [ففي] (١) الرجوع عليه بالنفقة [بُعدٌ] (٢)؛ من جهة أن في ذلك إلزامَه مؤنةً من غير اختيارٍ منه، ومن غير تردّد مع العرض عليه، ولا سبيل أصلًا إلى الرجوع على التركة والورثة؛ فإن الملك لم يكن لهم، والنفقة تتبع الملك، كما رآه الناظر.
ولا يبعد أن يقال: إذا كنا نرى ارتداد الزوائد إلى الورثة إذا رُدّت الوصية، فينقلب عليهم الرجوع بالنفقات التي جرت، ونقول بحسبه: إذا كنا نُبقي الزوائد للموصى له مع ردّه الأصلَ، فلا يبعد أن يرجع السلطان عليه [بالمؤنة] (٣)، هذا مسلكٌ في الاحتمال، [والفرق أظهر] (٤) فيه؛ فإن إثبات الملك للغير (٥) أقرب إلى [الأصول] (٦) من إلزامه مؤنةً من غير اختياره، ومن غير تسببه إلى التوقف، وانقلاب الزوائد على الورثة على مذهب الاتباع من وقت ارتداد الملك، وليس ذلك على الإسناد إلى ما تقدم، فينتظم من مجموع ذلك ألا يكون لبيت المال [مرجع] (٧).
هذا منتهى القول في الزوائد والمؤن والمغارم، تفريعًا على أن الملك يحصل بموت الموصي.
_________________
(١) في الأصل: مع.
(٢) في الأصل: بعيد.
(٣) في الأصل: بالدية.
(٤) في الأصل: والفرق فيه، وفي (س): والمعنى أظهر فيه، والمثبت اختيار منا، وهو تلفيق من النسختين مراعاة للمعنى والسياق.
(٥) (س): المعين.
(٦) في الأصل: الوصول.
(٧) في الأصل: يرجع.
[ ١١ / ٢١١ ]
٧٤٦٣ - فأما القول في انفساخ النكاح إذا فرضنا الوصية بزوجة الموصى له والتفريع على أن الملك يحصل بموت الموصي، فالنكاح ينفسخ بنفس موت الموصي، وذلك أن الملك ينافي النكاح منافاة المضادة، ويستحيل أن تكون زوجة الإنسان مملوكته، وكل ما يتلقى من التضاد، فلا فرق فيه بين الضعيف وبين القوي.
وإن فصل فاصل بين الملك الضعيف والقوي في إفادة الزوائد (١) واقتضاء المغارم، فلا معنى لذلك فيما ينافي الشيءَ منافاة الضد، فخرج من ذلك أن الوصية إذا كانت بزوجة الموصى له، فالنكاح ينفسخ، سواء قَبِل الوصيةَ أو ردَّها، فإن الرد على هذا القول لا يبيّن لنا أن الملك لم يكن، ولكنه يقطع ملكًا حاصلًا.
٧٤٦٤ - فأما القول [في] (٢) حصول العتق، فإذا كان الموصى به ابنَ الموصى له، فإذا قبل الوصية، عتق عليه ابنُه.
وهل يحكم بحصول العتق قبل القبول، حتى نقول: لو ردّ، لم ينفذ الرد؟ هذا محل التردد والاختلاف، وللمسألة التفاتٌ على قواعد نشير إليها، منها: أن المشتري إذا أعتق العبد المشترى في زمان الخيار، والتفريع على أن الملك له مع الفرض في ثبوت الخيار للبائع أيضًا مع ثبوته للمشتري، فقد اختلف أصحابنا في نفوذ العتق.
وبين مسألتنا وبين ما ذكرناه فرق ظاهر؛ من قِبَل أنا لو نفّذنا العتق في الصورة التي ذكرناها، لأفضى ذلك إلى إبطال خيار البائع، وإبرام العقد على الاستبداد، والحق في القبول للموصى له، وليس لأحدٍ معه حق، فيجوز أن يقال: نظير الوصية من البيع ما لو كان المشتري منفردًا بالخيار، والملك له، ولو كان كذلك [فعتقه] (٣) ينفذ باتفاق الأصحاب.
وبين هذه المسألة الأخيرة من البيع وبين الوصية فرق، فإن المشتري اختار
_________________
(١) عبارة (س): في انتفاء المغارم وإفادة الزوائد.
(٢) في الأصل: من.
(٣) في الأصل: معتقه.
[ ١١ / ٢١٢ ]
التملك، وأثبت لنفسه مستدركًا، فإذا ضم إليه الإعتاق، كان ذلك منه قطعًا للخيار، والموصى له لم يوجد منه اختيار للوصية، ولو حكمنا بحصول العتق، لكان هذا إثباتَ ملك له على اللزوم قهرًا، من غير اختيار من جهته؛ فإن العتق لا يترتب إلا على ملك، ثم العتق يستعقب الولاءَ، ومن حكم نفوذ العتق عليه لزوم (١) الولاء له، فقد تبين بما ذكرناه تردد [الرأي] (٢) في المسألة.
وحاصل ما ذكره الأئمة أنه إن ردّ الوصية ففي (٣) الحكم [بنفوذ] (٤) العتق متقدمًا على ردّه -وفيه (٥) ردُّ ردِّه (٦) - وجهان: أحدهما - أنه يحصل؛ لسلطان العتق ونفوذه، وسقوط حق غير الموصى له.
والثاني - أنه لا ينفذ؛ لبعد إثبات الولاء له على [قهرٍ] (٧)، وهو مطلق لا اعتراض عليه (٨).
هذا إذا رد الوصية.
فإن قبلها، فالعتق هل ينفذ مع الموت متقدمًا على القبول؟ فعلى وجهين (٩).
وظن بعض الأصحاب أن هذه الصورة تترتب على الأولى، وهي أولى بنفوذ العتق منها؛ من جهة إفضاء الوصية إلى القبول.
وهذا كلامٌ قليل الجدوى [والفحوى] (١٠)؛ فإنا لسنا نفرع على [قول] (١١)
_________________
(١) (س): نفوذ.
(٢) في الأصل: الثاني.
(٣) (س): بقي.
(٤) في الأصل: نفوذ.
(٥) وفيه: أي نفوذ العتق، فهو ردٌّ ومنع للموصى له من الردّ؛ ففيه ردٌّ لردّه.
(٦) عبارة (س): وفي ردّه وجهان.
(٧) في الأصل: على جهة.
(٨) الجمهور على أنّ الموصى له يملك الردّ، وأن العتق لا يحصل قبل القبول (الروضة: ٦/ ١٤٦).
(٩) إن قلنا: يملك بالموت، أو الملك موقوف، نتبين أنه عتق عليه يوم الموت، وإن قلنا: يملك بالقبول، عتق عليه حينئذ (ر. الروضة: ٦/ ١٤٦).
(١٠) في الأصل: والفتوى.
(١١) زيادة من (س).
[ ١١ / ٢١٣ ]
الوقف، حتى نتبين بالقبول استناد قوة إلى الملك السابق.
وإذا حكمنا بنفوذ العتق، فلا أثر للقبول، [ولا] (١) معنى للترتيب. وحاصل المذهب حصول الخلاف قبل القبول، [فُرض الردُّ أو القبول] (٢).
وقد نجز ما أردناه من تفريع الأحكام الأربعة (٣) على قولٍ واحد.
٧٤٦٥ - فأما إذا فرعنا على الوقف، فالكلام الوجيز فيه أن الموصى له إن قبل، ثبتت هذه الأحكام على قضية الملك اللازم، فلا نقول: نتبين إسنادَ الملك إلى حالة الموت على جوازٍ [حتى] (٤) نتردد في الزوائد، وحصولِ العتق، ترددنا في الملك قبل القبول على قولنا يحصل الملك بنفس الموت، وذلك لأن ذلك الملك وإن حكمنا به، فهو جائز، وإذا أسندنا الملك على قول الوقف نُسنده تامًا، ولسنا نقول: نسند ملكًا على الضعف، فلنثبت أحكام الملك التام. وهذا واضح.
وإن فرضنا الرد، لم يثبت في حق الموصى له حكمٌ من الأحكام المترتبة على الملك؛ فإنا نتبين أنْ لا ملك أصلًا، ولكن [يعترض] (٥) في هذه الحالة فقهٌ يناظر ما ذكرناه من حال الإجازة، وهو أن تلك الأحكام بجملتها للورثة؛ فإن القبول كما (٦) يُبيّن استنادَ الملك التام إلى ما تقدم، فالردّ يبين تقرر الملك التام للمالك.
فليفهم الناظر [ما ذكرناه من] (٧) أمثال ذلك، وإن كان من الجليّات؛ فمعظم الزلل ينشأ من الغفلة عن الجليّات.
٧٤٦٦ - فأما إذا حكمنا بأن الملك يحصل بالقبول [ولا] (٨) يتقدم عليه
_________________
(١) في الأصل: فلا.
(٢) في الأصل: فرضي الرد والقبول.
(٣) الأحكام الأربعة هي: ١ - الزوائد. ٢ - النفقات والمغارم. ٣ - انفساخ النكاح. ٤ - العتق.
(٤) زيادة من (س).
(٥) في الأصل: يعبر من.
(٦) ساقطة من (س).
(٧) زيادة من (س).
(٨) في الأصل: لا (بدون واو).
[ ١١ / ٢١٤ ]
تحققًا ولا تبيّنا، فنفرّع الأحكام الأربعة، ونقول: أما الزوائد الحاصلة بعد موت الموصي وقبل قبول الوصية، فسبيل الكلام [فيها] (١) أن نقول: لا يخلو الموصى له إما أن يقبل الوصية وإما أن يردّها، فإن ردّها، فلا شك أنه لا حظ له في الزوائد، ثم هي تابعة للملك، وقد ذكرنا وجهين في أن الموصى به بعد الموت وقبل القبول ملك مَن؟ فإن قلنا: إنه ملك الميت، فالزوائد تحدث على هذا التقدير، ثم تكون إرثًا وحكمه حكم التركة يقضى منه الديون، وتنفّذ منه الوصايا.
وإن قلنا: الموصى به بين الموت والقبول ملكُ الوارث، فالزوائد حيث انتهى الكلام بمثابة الزوائد المستفادة من التركة، والظاهر من المذهب أن زوائد التركة لا تقضى منها الديون؛ فإن التركة مرتهنة بالديون، وهي مملوكة للورثة، فلا يتعدى حقوق مستحق الديون إلى الزوائد، والفوائد.
[ومن] (٢) أصحابنا من يثبت لزوائد التركة حكمَ التركة، وهذا لا خروج له إلا على قول من يقول: التركة لا يملكها الورثة إذا كانت مستغرقة بالديون، فانتظم إذًا وجهان في أن الزوائد تركة أم هي خالصُ حق الورثة.
هذا كله إذا ردّ الموصى له الوصيةَ.
فأما إذا قبلها، ففي الزوائد الحاصلة بعد الموت وقبل القبول وجهان: أحدهما - أنها للموصى له نظرًا إلى قرار الملك.
والثاني - أنها مجراةٌ على القياس الذي قدمناه فيه إذا ردّ الوصية؛ فإنا لسنا نفرعّ على قول الإسناد، فوجود طريان الملك بعد الزوائد. وعدمه بمثابة واحدة، وقد قدمنا في كتاب البيع أنه إذا حدثت زوائد في زمان الخيار -والتفريع على أن الملك للبائع- ثم أفضى العقد إلى اللزوم، فالزوائد مختلف فيها: من أصحابنا من جعلها للبائع؛ فحدوثها في حالة ثبوت الملك له، ومنهم من جعلها للمشتري؛ نظرًا إلى قرار الملك في الأصل.
_________________
(١) في الأصل: منها.
(٢) في الأصل: وفي.
[ ١١ / ٢١٥ ]
والضابطُ فيما هذا سبيله أنه إذا ثبت [حقُّ] (١) الملك لجهة، ثم استقر على تلك الجهة، فالزوائد لتلك الجهة؛ فإنه اجتمع كونُ الملك حالة حصول الزوائد، والقرارُ من الآخر.
فإن كان الملك لجهةٍ والقرارُ على أخرى، ففي الزوائد وجهان: أحدهما - أنها تتبع جهة الملك حالة حصول الزوائد. والثاني - أنها تتبع جهة القرار، ثم إن جعلنا الزوائد للموصى له، فلا كلام، وإن لم نجعلها له، فهي على التفصيل الذي ذكرناه فيه إذا رد الموصى له الوصية.
٧٤٦٧ - فأما القول في المغارم، فلم أر أحدًا من أصحابنا يتبعها قرارَ الملك، مع تردّدهم في الزوائد، وكان لا يبعد عن القياس تنزيلُ الغرم منزلة الغُنم، ولكن تتبع الملك الناجز.
ثم يعرض في ذلك أنه ملكٌ ضعيف، وفي تعلق زكاة الفطر بالملك الضعيف خلاف [قدّمته] (٢) في كتاب الزكاة على أبلغ وجهٍ في البيان.
٧٤٦٨ - فأما القول في انفساخ النكاح، فنقول: إذا كان حصول الملك للموصى له يقف على القبول، ثم يحصل معه، ولا (٣) يستند إلى ما تقدم تبيّنًا، فلا يخفى حكم الموصى له في النكاح، فإذا قبل الوصية في زوجته المملوكة، انفسخ النكاح، ولا خفاء ببقاء النكاح قبل القبول.
هذا حكمه.
فأما إذا كانت الجارية الموصى بها زوجة الوارث، والتفريع على أن الملك لا يحصل للموصى له إلا مع القبول، فقد ذكرنا خلافًا في أن الملك في الموصى به ما بين موت الموصي إلى قبول الموصى له لمَنْ؟ من أصحابنا من قال: إنه للميت، فعلى هذا لا ينفسخ نكاح الوارث، فإنه لا يحصل الملك له.
_________________
(١) في الأصل: "جواز".
(٢) في الأصل: قد بينته.
(٣) في الأصل: فلا.
[ ١١ / ٢١٦ ]
ومن أصحابنا من قال: إن الملك للوارث إلى اتفاق القبول، فعلى هذا هل يحكم بانفساخ نكاح الوارث؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: ينفسخ نكاحه بحصول الملك له في زوجته، وقد أوضحنا أن الملك والزوجية يجريان مجرى الضدين، وإذا كان انتفاء الزوجية بالملك على مضاهاة اعتقاب الضدين، فلا نظر إلى الضعف والقوة في الملك، قياسًا على ملك المشتري في زمان الخيار؛ فإن من اشترى زوجته على شرط الخيار، وفرّعنا على أن الملك للمشتري، انفسخ النكاح بالملك الجائز.
ومن أصحابنا من قال: لا ينفسخ نكاح الوارث؛ فإن هذا الملك تقديرٌ اضطررنا إليه؛ من جهة أنا لا نرى إثبات ملك لا مالك له، فوضْعُ هذا إذا فرض القبول من الموصى له لا يفضي إلى مقاصد الأملاك وحقائقها، وليس ذلك كملك المشتري في زمان الخيار؛ فإنه ملك واقع في سبيل جلب الملك؛ [فأثبت منّا قضاءً] (١) ولو رد الموصى له الوصية، فقد [تقرر] (٢) ملك الوارث، فمن قال بانفساخ نكاح الوارث إذا قبل الموصى له الوصية، فلا شك أنه يقول بانفساخه إذا ردّ.
ومن قال: إذا قبل الموصى له، لم ينفسخ نكاح الوارث؛ لأن ملكه في زوجته الموصى بها تقدير، فالأظهر أنا نحكم الآن باستناد الانفساخ إلى وقت موت الموصي، وهذا لطيفٌ؛ فإن حكم الإسناد يليق بقول الوقف، وقد اتجه في هذا الطرف، والتفريعُ على أن الملك يحصل بالقبول. وسببُ اتجاهه أنا لم نحكم بانفساخ النكاح إذا فرض القبول من الموصى له من حيث إن ذلك الملك كان مقدّرًا، والآن إذا رُدّت الوصية، واستمر ملك الوارث، صار التقدير تحقيقًا، وهذا يتضمن الانعطافَ على ما تقدم.
_________________
(١) في الأصل: ما ينسَبُ مناقضًا (هكذا بكل وضوح بهذا الضبط) وفي (س): فانتسب مناقضًا (هكذا بهذا التنوين، مع صعوبة في قراءة الكلمة الأولى) والعبارة قلقة مع كل هذا.
(٢) زيادة من (س).
[ ١١ / ٢١٧ ]
وقيل (١): لا نحكم بانفساخ نكاح الوارث قبل الرد، وإنما نحكم بانفساخه إذا ردّ الموصى له؛ فإنَّ التحقيق يثبت من وقت الردّ، وهذا متجه، والأول ألطفُ وأغوص في الفقه.
٧٤٦٩ - فأما القول في بيان من يعتِق على الوارث، أو على الموصى له، فإن كانت الوصية بمن يعتق على الموصى له، فحصول العتق يتوقف على القبول، فإن الملك به يحصل على القول الذي نفرع عليه، ثم إذا حصل، استقرّ، فلا يُتصور للموصى له على هذا القول ملك جائز في الوصية الصحيحة التي يحتملها الثلث.
فأما إذا كان الموصى به ممن يعتق على الوارث، فإن قلنا: الملك للميت ما بين الموت إلى القبول، فلا إشكال، وإن قلنا: الملك للوارث، فهذا ملكُ تقدير، وقد اتفق الأئمة على أنه لا يعتِق على الوارث؛ فإن الملك تقديرٌ، كما ذكرناه؛ وفي الحكم بنفوذ العتق إبطالُ الوصية، وهذا محال، وليس هذا العتقُ لو حكم به موجبًا غُرمًا على الوارث؛ فإن الغرم إنما يثبت في سرايات العتق إذا ترتبت على أسباب اختيارية (٢)، ولا سبيل (٣) إلى إبطال الوصية، فليفهم الناظر مواقع الكلام، ومأخذ الأحكام، وليقض العجب من محاسن الشريعة. نعم، لو رد الموصى له الوصية، لم يبعد أن يستند نفوذ العتق إلى ما تقدم إن كان العتق ينفذ في الملك الضعيف.
وقد انتهى تفريع الأحكام على الأقوال الثلاثة.
٧٤٧٠ - ومما يتعلق بتمام القول في هذا الأصل بيانُ المذهب في موت الموصى له بعد موت الموصي [وقبل] (٤) القبول والرَّد، فإذا مات الموصي [ولم] (٥) يتفق من
_________________
(١) (س): ومن أصحابنا من قال: لا نحكم بانفساخ
(٢) (س): إجبارية.
(٣) (س): ولا سبب.
(٤) في الأصل: قبل. (بدون واو).
(٥) في الأصل: لم. (بدون واو).
[ ١١ / ٢١٨ ]
الموصى له قبول ولا رَدٌّ حتى مات، فمذهب الشافعي ﵁ أن وارث الموصى له بالخيار: إن شاء، قبل الوصية، وإن شاء، ردّها.
وقال أبو حنيفة (١) تلزم الوصية بموت الموصى له، وهذا في نهاية الضعف؛ فإنه إلزامٌ يتضمنه عقدٌ مع أقوامٍ مطلقين، وكان ينقدح في القياس القضاء ببطلان الوصية، لو كان مذهبًا لذي مذهب؛ من جهة أن الموصى له قد مات، ففرضُ القبول من غيره، وليس القابل موصًى له [بعيدٌ] (٢)، ولم يصر إلى هذا أحدٌ نعلمه من العلماء. فإذا لم يصح هذا مذهبًا، وبطل لزوم الوصية من غير قبول، لم يبق بين هذين الطرفين إلا إحلالُ الوارث محل الموروث.
وهذا المنتهى يشعر بدقيقة، وهي أن قبول الوصية ليس على حقائق قبول العقود، ولهذا استأخر عن الإيجاب، مع إمكان فرضه متصلًا بالإيجاب، ولكن الإيصاء يُثبت عند الموت للموصى له حقَّ التملك بالقبول، ولا يبعد أن يجري الإرث في حق التملك، كالشفعة على مذهبنا. ثم أبو حنيفة أبطل الشفعة بموت الشفيع، وألزم الوصيةَ بموت الموصى له.
٧٤٧١ - فإذا ثبت [أن] (٣) وارث الموصى له بالخيار في القبول والرد، فإن فرعنا على قول الوقف، لم يكن [بين] (٤) قبول الوارث وردّه، [وبين] (٥) قبول الموصى له وردّه فرقٌ؛ فإن قبل الوارثُ الوصية، [تبيّنا] (٦) أن الملك كان حصل بموت الموصي للموصى له، ثم خلفه إرثًا على ورثته، وننُزلُ قبولَ الوارث منزلة قبول الموصى له في حياته.
_________________
(١) ر. مختصر الطحاوي: ١٥٧، الاختيار: ٥/ ٦٥.
(٢) زيادة من (س).
(٣) في الأصل: كان.
(٤) زيادة من (س).
(٥) في الأصل: ومن.
(٦) في الأصل: ثبتت.
[ ١١ / ٢١٩ ]
وإن رد الوراثُ الوصيةَ، [تبيّنَّا] (١) أن الملك لم يحصل أصلًا، ونُنزل ردّ الوارث منزلةَ ردّ الموروث نفسه.
٧٤٧٢ - وإن قلنا: الملك يحصل للموصى له بموت الموصي، وقبولُه للوصية [تقريرٌ] (٢) للملك، وردُّه [قطعٌ لملكٍ حاصل من غير تبيّنٍ وإسناد، فقبول الوارث وردُّه] (٣) بمثابة قبول الموصى له وردّه، ولا يظهر على هذا القول أيضًا [مزيد] (٤) حكمٍ.
٧٤٧٣ - فأما إذا قلنا: الملك في الموصى به يحصل بالقبول، فقد [يعتاص الكلام بعض الاعتياص] (٥) في قبول الوارث، أما ردّه، فلا إشكال فيه؛ فإنه يستأصل الوصية ويقطع أثرها.
٧٤٧٤ - فأما إذا قبل الوارث والتفريع على قول القبول، فقد اختلف أصحابنا على وجهين حكاهما صاحب التقريب: فذهب بعضهم إلى أن الوارث إذا قبل تقدّم الملكُ في الموصى به إلى ألْطف لحظة قبل موت الموصى له.
ومن أصحابنا من قال: يحصل الملك مع قبول الوارث من غير تقدم.
توجيه الوجهين: من قال بتقدم الملك، احتج بأن الموصى له هو المقصود بالوصية؛ فيستحيل أن نثبت الوصية من غير أن يثبت للموصى [له] (٦) ملكٌ في الموصى به، فاضطررنا إلى الإسناد على الحد الذي ذكرناه. وإن كنا لا نفرع على قول الإسناد والوقف.
_________________
(١) في الأصل: ثبتت.
(٢) في الأصل: مقدمة.
(٣) ما بين المعقفين زيادة من (س).
(٤) في الأصل: مزية.
(٥) في الأصل: يعتاض الكلام بعض الاعتياض، وفي (س): يعترض الكلام بعض الاعتراض. والمثبت تقدير منا بناء على معهود ألفاظ الإمام.
(٦) مزيدة من (س).
[ ١١ / ٢٢٠ ]
ومن قال بالوجه الثاني احتج بأنّ التفريع إذا كان على قولٍ، فلا يجوز أن يترك أصله في تفصيله، وأصل قول القبول استعقاب القبول للملك، فيبعد أن يتقدم عليه.
التفريع على هذين الوجهين:
٧٤٧٥ - إن حكمنا بأن الملك يتقدم على موت الموصى له، فالموصى به تركة الموصى له، ولا غموض.
وإن حكمنا بأن الملك يحصل مع قبول الوارث، فعلى هذا الوجه وجهان:
أحدهما - أن الملك يحصل للميت، ثم ينتقل إلى القابل إرثًا.
والثاني - أن الملك يحصل ابتداء للوارث.
توجيه الوجهين: من قال: يحصل الملك للميت، والموصى به تركة يُقضى منها ديون الموصى له، وتنفّذ منه وصاياه، احتج بأن الوصية للمتوفى لا لوارثه، فيستحيل أن تستقر الوصية من غير أن [يستند] (١) الملك إلى الموصى له.
ومن قال: الملك يحصل للوارث، احتج بأن الميت يستحيل أن يثبت له ملكٌ على الابتداء، فيثبت الملك لمن خلفه، وحلّ محله. وهذا القائل يقول: استحق وارث الموصى له [حق] (٢) التملك، وهذا هو الموروث، وهو بمثابة إجراء الإرث في حق الشفعة، فإذا أقمنا الوارث في الشفعة مقام الموروث، فالملك يحصل في الشقص المشفوع للوارث ابتداء، وإن كان تلقي الملك مترتبًا على حقّ موروث. ومال اختيار صاحب التقريب إلى هذا الوجه.
التفريع:
٧٤٧٦ - إن حكمنا بأن الملك يستند إلى حياة الموصى له، فلو كان الموصى به ممن يعتِق على الموصى له تبيّنًا، [فإنه] (٣) يعتق عليه، على ما سيأتي
_________________
(١) في الأصل: يستبد. و(س) بدون نقط.
(٢) في الأصل: من.
(٣) في النسختين بأنه.
[ ١١ / ٢٢١ ]
التفصيل في أن القريب كيف يعتِق على القريب في مرض موته؛ والمقدار الذي ننجزه أن المريض إذا ورث قريبه، عتق عليه من رأس المال، وتقدير الملك للموصى له لا اختيار فيه، فكان كالإرث على ما سيأتي ذلك مشروحًا، إن شاء الله تعالى.
وإن قلنا: الملك يحصل مع قبول الوارث للميت، فإذا كان الموصى به ممن يعتِق على الموصى له، فإنه لا يعتِق على الموصى له، فإنا قدّرنا الملك بعد موته، ولا ينفذ العتق على الميت، على ما سنبين ذلك في مسائل نجمعها في العتق في هذا الكتاب.
وإن قلنا: الملك يحصل للوارث، وكان الموصى به ممن يعتق على الموروث في حياته، ولا يعتق على الوارث، بأن كان ابنَ الموصى له وأخَ الوارث القابل.
نعم، تردد أئمتنا على هذا الوجه في شيءٍ وهو أن الوارث إذا ملك الموصى به، فهل يجعل هذا في حكم تركة الموصى له، حتى يقضى منه ديونه؟ اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: ليس ذلك تركته؛ فإنه لم يدخل في ملكه، فصار كالشقص المأخوذ بالشفعة.
ومنهم من قال: هو في حكم تركة الموصى له؛ لأن الوارث ملكه بسببه، وليس كالمبيع المشفوع؛ فإنه مملوك بعوضه لا بالإرث، وإنما الموروث حق تملكه، والموصى به في مسألتنا مملوكٌ بالوصية للميت، فشابه ذلك ما لو كان نصب شبكة في حياته وتعقّل بها صيدٌ بعد موته، فالمذهب الظاهر أن الصيد يثبت له حكم تركة الميت؛ لترتب الملك على سبب وجد منه في حياته، والملك المستفاد مشبه في مأخذه (١) بالغُرم اللاحق، ولو كان حفر بئرًا في محل (٢) عدوان، وتردى فيها بعد موته متردٍّ مضمونٌ، صار الضمان وإن طرأ بعد الموت كالدين الذي التزمه الميت في حياته.
_________________
(١) (س): تأخره.
(٢) (س): في ملك غيره.
[ ١١ / ٢٢٢ ]
ومن أصحابنا من لم يجعل الصيد المتعقل بالشبكة تركةً، كما ذكرناه في الموصى به إذا قبله الوارث، ويبعد أن يقال: الصيد يدخل في ملك الميت، ثم ينتقل عنه، وإن ذكرنا هذا وجهًا في الموصى به؛ وذلك أنا اضطررنا إلى هذا في الوصية لعلمنا أن الموصى له هو المقصود بالوصية المملكة.
هذا منتهى الكلام في حصول الملك في الموصى به إذا قبله الموصى له أو قبله وارثه.
وقد ذكرنا طرفًا من هذا في كتاب الزكاة، ولكنا أوجزناه، وحق من ينتهي إلى هذا الفصلِ من كتاب الزكاة أن يحيل الناظر إلى هذا الكتاب.
٧٤٧٧ - ونحن نذكر بعد هذا -إن شاء الله تعالى- أصولًا نقلها المزني عن الشافعي ﵄ ونذكر في كل فصل ما يليق به، ونحرص ألا نعيد ما أوضحناه من أحكام الرّدّ والقبول.
قال الشافعي ﵁: " ولو أوصى بأمةٍ لزوجها وهو حر، فلم يعلم حتى وضعت له بعد موت سيدها أولادًا إلى آخره " (١).
صورة المسألة أن السيد إذا أوصى بأمةٍ لزوجها الحر، ومات الموصي وتأخر القبول حتى وضعت أولادًا، ثم قبل الزوج الوصية. قال الشافعي ﵁: " عَتَق الأولاد ولم تكن أمهم أمَّ ولد له، حتى تلد بعد القبول بستة أشهر فأكثر؛ لأن الوطء قبل القبول وطء نكاح، والوطء بعد القبول وطء ملك " (٢).
وهذا النص مشكلٌ، وفي ظاهره تناقضٌ، كما سنوضحه في معرض السؤال، ثم نذكر الممكن [والواجب] (٣).
فإن قيل: الأولاد إنما يعتقون عليه إذا حكمنا بأن الملك يحصل بموت الموصي،
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ١٦٤. وتمام النص: "فإن قبل، عتقوا، ولم تكن أمهم أم ولد حتى تلد منه بعد قبوله بستة أشهر فأكثر" كما سيأتي بعد سطور.
(٢) السابق نفسه.
(٣) في الأصل: والمرات. والمثبت من (س).
[ ١١ / ٢٢٣ ]
فيحدث الأولاد [مملوكين] (١) لمن الأم مملوكة له، وإذا وقع التفريع على هذا، فيجب على موجبه أن يكون النكاح منفسخًا مع الموت، ثم يثبت الاستيلاد لمصادفة الإعلاق ملكَه، وإن كان الملك الضعيف لا [يستقرّ] (٢) فيه الاستيلاد على رأيٍ، فهو وجهٌ، وقد ذكرته. ولكن موجَبه أن الملك الضعيف لا يفيد الملك في الأولاد.
وإن قيل: يحصل الملك في الأولاد إذا بان استقرار الملك، [فيلزم] (٣) أن يثبت الاستيلاد (٤ إذا بان استقرار الملك، فنفْيُ الاسيتلاد ٤) مع إثبات الملك في الأولاد، والقضاءُ بعتقهم عليه مشكل جدًا.
٧٤٧٨ - ومن [أراد] (٥) فقه هذا الفصل، فقد قدمنا قواعد المذهب، وتفاريعها، وإنما غرضنا الآن الكلام على النص.
فمن أصحابنا من غلّط المزني في [النقل] (٦)، ونسبه إلى نقل جوابين للشافعي مفرعين على قولين (٧).
ومن أصحابنا من قال فَرْض الكلام فيه إذا علق الولد بوطءٍ قبل موت الموصي؛ فإن الاستيلاد لا يثبت (٨ به، لا شك ٨) فيه؛ من قِبَل أن الوطء إذا فرضناه قبل موت
_________________
(١) في الأصل: مملوكة.
(٢) في الأصل: لا يفيد.
(٣) في الأصل: فيلزمهم.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٥) في الأصل: أراده. وعبارة (س): ومن أراد معرفة هذا الفصل.
(٦) في الأصل: في النص.
(٧) مفرعين على قولين: بيان ذلك أن قوله "عتِقوا" تفريع على حصول الملك بالموت، وقوله: "ولا تصير أم ولد" تفريع على حصوله بالقبول. وقال الأكثرون -في تفسير تخليط المزني في النقل- بل هو تفريع على قول الوقف، وأراد الشافعي " بالقبول " في قوله: " حتى تلد منه بعد القبول " أراد " الموت " فسماه قبولًا، لأنه وقت القبول. وقال بعضهم: لفظ الشافعي " الموت " لكن المزني سها فيه فجعله " القبول " ا. هـ من الروضة: (٦/ ١٥٤).
(٨) ما بين القوسين ساقط من (س).
[ ١١ / ٢٢٤ ]
الموصي، فهو جارٍ في وقت لا ملك فيه للواطىء، ولكن فرضنا الولادة بعد موت الموصي وأتبعنا الولدَ الأمَّ في الملك تفريعًا على أن الحمل يتبع الأم في الوصية المطلقة، على ما أوضحنا ذلك فيما سبق. وهذا لا بأس به.
ولكن في نص الشافعي ما يدرأ هذا؛ فإن الشافعي ﵁ لما منع الاستيلاد علّل، فقال: لم تصر أم ولد لأن الوطء متقدم على قبول الوصية، فاعتبر تقدم الوطء على القبول، لا على موت الموصي.
وليس يتجه عندنا للنص تأويلٌ إلا من وجهٍ واحد، وهو أن نقول: لعلّه فرّع على أن الملك يحصل بالقبول، فلا ملك في الجارية إذًا قبل القبول، ولكنا قد نقول على قول القبول: إذا حدثت زوائد قبل القبول، ثم استقرت الوصية بالقبول، فالزوائد تكون للموصى له؛ نظرًا إلى قرار الوصية، لا إلى الحالة التي حدثت فيها الزوائد، ولكن الاستيلاد لا يتقدم ثبوته على الوقت الذي يثبت الملك فيه، وهذا وإن كان منتظمًا يبعد أن يفرِّع الشافعي عليه.
ومهما [نعرض] (١) لقول القبول؛ -فإن الملك يحصل به- ابتدره [فريق] (٢)، وقال: هذا قولٌ ينكسر (٣) عندنا، ثم ما ذكرناه في استحقاق الزوائد التي تقدمت على وقت ملك الأصل وجهٌ ضعيف على قولٍ ضعيف؛ فحَمْلُ نص الشافعي عليه استكراهٌ بيّن، وميلٌ عن مجاري كلام الشافعي، فلا وجه إلا نسبة المزني إلى الإخلال بالنقل، فَشَرْطُنا في كتابنا هذا ألا نتعدى قدرَ الحاجة في التنبيه على الغرض فيما يتعلق [بنص] (٤)
_________________
(١) في الأصل: يعرض، و(س): تعرض.
(٢) في النسختين: فريقه.
(٣) كذا في النسختين. وأكاد أقطع بأنها مصحفة محرفة عن عبارة لم نُساعَد على إدراكها. والله المعين.
(٤) في الأصل: "بفعل" وفي (س): "بسواد المختصر". والمثبث اختيار منا على ضوء ما قاله إمام الحرمين في مقدمته، إذ قال: "ولا أعتني بالكلام على ألفاظ السواد، فقد تناهى في إيضاحها الأئمة الماضون" (انظر مقدمة المؤلف ص٧ من الجزء الأول).
[ ١١ / ٢٢٥ ]
سواد المختصر (١)، وبعد كمال البيان للفقه والمعنى، [فقد] (٢) أوضحنا فقه الفصل فيما تقدم.
٧٤٧٩ - ثم قال الشافعي ﵁: " فإن مات قبل أن يقبل أو يرد، قام ورثته مقامه إلى آخره " (٣).
ذكر الشافعي ﵁ قبولَ ورثة الموصى له بعد موت الموصَى له من غير قبول ولا ردّ، ثم فرض هذه المسألة في الصورة الأولى حيث يفرض حصول أولادٍ للجارية الموصى بها قبل موت الموصى له.
ثم قال: " إذا قبل ورثةُ الموصى له الوصيةَ عَتَق الأولاد " (٤). وهذا فرّعه على أن الأولاد تدخل في ملك الموصى له، ثم يعتِقون عليه [بتقدير] (٥) ثبوت الملك فيه، وهذا ينقدح على قول الوقف، ويجري منقاسًا حسنًا، وكذلك [يجري] (٦) تفريعه
_________________
(١) سواد المختصر: لأول مرة يجمع بين اللفظين ويضيف (السواد) للمختصر، فقد كان يضع أحدهما مكان الآخر، فتارة كان يقول: سأجري على ترتيب (السواد)، وأخرى يقول: ونعود إلى ترتيب (المختصر). وقد أشرنا من قبل إلى أنه يضع لفظ (السواد) بمعنى (المتن) أو (الأصل)، وأن هذا المعنى غير وارد في المعاجم، وقد أفادني شيخي الشيخ محمود شاكر -برد الله مضجعه- بأن لفظ (السواد) يرد في لسان بعض الأئمة بمعنى (الأصل) أو (المتن)، وهو استعمال كان مألوفًا عندهم. ورحم الله شيخي فقد كان -عندما أفادني بذلك- في أخريات أيامه، وفي حالة لم تسمح لي بالإثقال عليه وطلب المواضع والنصوص التي جرى فيها هذا الاستعمال، وما كان هو بقادرٍ على ذلك لو أراد (﵀ رحمة واسعة). نعود لجمع إمام الحرمين هنا بين اللفظين، فأقول: إنه واضح -إن شاء الله- فالمعنى: "متن المختصر" وهي ألفاظ الشافعي التي "تناهى الأئمة الماضون في الكلام عليها".
(٢) في الأصل: وقد.
(٣) ر. المختصر: ٣/ ١٦٥.
(٤) هذا معنى كلام الشافعي، أما لفظه -كما في المختصر: ٣/ ١٦٥ - فهو: "فإن قبلوا، فإنما ملكوا أمةً لأبيهم، وأولادُ أبيهم الذين ولدت بعد موت سيدها أحرار، وأمهم مملوكة".
(٥) في الأصل: بتقدمه.
(٦) في الأصل: يخرج.
[ ١١ / ٢٢٦ ]
متجهًا على قولنا: إن الملك يحصل (١ بموت الموصي، ويتفرع أيضًا على قولنا: الملك يحصل بالقبول ١) ولكن يتقدم على موت الموصى له، ويُجعل كأنه قبل ثم مات.
وهذا أبعد المحامل لكلام الشافعي؛ فإنه لا يكاد يفرّع على قول القبول، وإن جرى منه ذكر هذا القول، لم يزد على تزييفه، ثم إن المزني ذكر مسألة الوارث [ونبّه] (٢) بعد ذكرها لما في الكلام من الاختلاف في المسألة الأولى، حيث حكم الشافعي بعتق الأولاد ولم يحكم بثبوت الاستيلاد، وقد مضى القول فيه.
٧٤٨٠ - ثم تكلم الأصحاب في مسألة قبول الورثة، فقالوا: إذا مات الموصى له بولده (٣) مثلًا، فقام وارثه مقامه في القبول، وحكمنا بأن الولد يعتِق، فهل يرث أباه مع الوارث القابل للوصية؟ قالوا: هذا مما ينظر فيه إن كان يؤدي توريثه إلى حرمان القابل وإخراجِه عن أن يكون وارثًا، فلا يرث الولد المقبول، وإن حكمنا بنفوذ العتق وصحة القبول، وذلك مثل أن يخلّف الموصى له (٤) أخًا فقبل الأخ له ولده (٥)، فلو ورّثنا الولد يخرج الأخ من أن يرث؛ فإن الابن يحجب الأخ عن الميراث، والمسألة فيه إذا كان الولد ابنًا. ثم إذا قدرنا حرمان الأخ وخروجَه عن كونه وارثًا، لم يصح قبوله؛ وإذا لم يصح القبول، لم يعتِق الابن، وإذا لم يعتِق، لم يرث، ففي توريثه إبطالُ توريثه. وهذا من [الدوائر] (٦) الفقهية، وسنجمع منها مسائلَ في كتاب النكاح نبيّن بها قواعدَ الدوائر الفقيهة -إن شاء الله ﷿- وهذه المسألة منها.
٧٤٨١ - وإن كان القابل لا يخرج عن كونه وارثًا، بتقدير توريث الابن المقبول،
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٢) في الأصل: وبينه.
(٣) (س): بعد موت الموصي مثلًا، فقام وارثه
(٤) (س): يخلف الموصى له ابنًا وأخًا، فقبل الأخ، فلو ورّثنا إلى آخره.
(٥) فقبل الأخ له ولده: أي قبل أخو الموصى له ولدَه الموصى به، أي ولدَ الموصى له. وإنما رجحنا عبارة الأصل هذه لما رأيناه من عبارته الآتية بعد سطور، حيث وصف الابن بأنه الابن المقبول.
(٦) في الأصل: من الزوائد.
[ ١١ / ٢٢٧ ]
وذلك مثل أن يخلف الموصى له ابنًا [حُرًّا] (١) فقبل الوصيةَ بالابن المملوك، فإذا عتِق، فللأصحاب وجهان في أنه هل يرث: أحدهما أنه يرث؛ لأن القابل لا يخرج عن كونه وارثًا بتوريث هذا الابن.
والوجه الثاني -وهو اختيار القفال ﵀- أن الابن المقبول لا يرث أيضًا في هذه الصورة؛ لأن القابل بتوريث هذا المقبول [يخرج] (٢) عن أن يرث جميع المال من جهة مشاركة المقبول [في استحقاق الميراث لو ورّثناه، فلو كان كذلك، فلا يصح القبول] (٣) في كل الوصية؛ [إذ لا يصح القبول في كل الوصية] (٤) إلا ممن يرث كلَّ المال، ومن يرث البعض [يقبل] (٥) البعض، ولا (٦) سبيل إلى أن يقبل هذا الابن الذي كان رقيقًا بنفسه ليعتِق، فإن ورّثناه، لم يصح قبولُ أخيه له إلا في البعض، وإذا كان كذلك، لم يعتِق منه إلا البعض، والمعتَق بعضُه لا يرث، ففي توريثه إبطال توريثه من جهة التبعيض، وقد لاح أن هذا المقبول لا يتعاطى (٧) قبول الوصية؛ فإن الوصية لأبيه، فكيف يقدر الرقيق على قبوله، فليس يتجه إذًا إلا ما ذكره (٨) القفال ﵁، واختاره.
٧٤٨٢ - ثم قال الأئمة: من [ورَّث] (٩) الابنَ المقبول، فينبغي أن يخرّج توريثه على قول الوقف، أو على قولنا يحصل الملك بموت الموصي، فيقتضي هذا أن يحصل العتق سابقًا على موت الموصى له، وهذا وإن صورناه كذلك، ففيه الإشكال الذي ذكره القفال؛ فإنا لو ورثنا ذلك الابنَ، لاحتجنا إلى فرض القبول منه، ويستحيل أن
_________________
(١) في الأصل: حيًا.
(٢) في الأصل: تخريج.
(٣) زيادة من (س).
(٤) زيادة من المحقق اقتضاها السياق.
(٥) في الأصل: فقبل.
(٦) عبارة (س): ومن يرث البعض، ولا سبيل إلى
(٧) عبارة (س): لا يتعاطى قبول الوصية لابنه، وكيف يقدر الرقيق
(٨) ما ذكره القفال: أي عدم توريث الابن المقبول مع أخيه القابل.
(٩) في الأصل: أرّث.
[ ١١ / ٢٢٨ ]
يتقدم حصول العتق فيه على وقت قبوله، فإنه لو أقدم على القبول رقيقًا، فقبوله باطل، ولو أقدم على القبول حرًا، [فقد] (١) حصل العتق دون قبوله.
وهذا كلام مضطرب، وسنأتي فيه وفي أمثاله بما يشفي الغليل في [الدوائر] (٢) الفقهية من كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى.
٧٤٨٣ - ثم قال الشافعي ﵁: " ولو أوصى بجاريةٍ، ومات، ثم وهب للجارية مائة دينار إلى آخره " (٣).
غرضُ هذا الفصل الكلامُ في أن الزوائد التي تحصل من الموصى به بين (٤) موت الموصي. وقبول الموصى له، أو قبول ورثته فتلك الزوائد لمن؟ والمائة (٥) الموهوبة كسبٌ متجدد في الحالة التي ذكرناها.
[وقد ذكرنا] (٦) بيان الأكساب والزوائد وإيضاح من يملكها على أحسن وجه في الترتيب، وأوقع نظامٍ في التفريع، فلا حاجة إلى [إعادته] (٧).
وقد نجز الكلامَ في [أقوال] (٨) الملك في الموصى به، وأنه متى (٩) يحصل، وكيف [يتشعب] (١٠) المذهب في تفريعاته، وتخريجات الأحكام الأربعة التي هي المعتبر (١١) وإليه الرجوع. والله ولي التوفيق، وهو [بإسعاف] (١٢) راجيه حقيق.
_________________
(١) في الأصل: قد.
(٢) في الأصل: الرواية.
(٣) ر. المختصر: ٣/ ١٦٥.
(٤) في (س): بعد.
(٥) في الأصل: المائة (بدون واو).
(٦) زيادة من المحقق، حيث سقط من النسختين.
(٧) في الأصل: إعادة.
(٨) في الأصل: أموال.
(٩) ساقطة من الأصل.
(١٠) في الأصل: يحصل.
(١١) في الأصل: المعتبرة.
(١٢) في الأصل: باستعانة.
[ ١١ / ٢٢٩ ]
فصل
قال: " ولو أوصى له بثلث شيء بعينه، فاستُحِق ثلثاه إلى آخره " (١).
٧٤٨٤ - إذا أوصى لإنسان بثلثٍ من عبدٍ أوْ دارٍ أو غيرهما من الأعيان، وكنا نقدّر أن العبد بكماله ملكُ الموصي، وأنه خصّصَ بوصيةٍ ثلثَه، ثم تبين استحقاق ثلثيه وأن الموصي كان لا يملك منه [إلا] (٢) الثلث، فإن لم يخلف سوى ذلك الثلث، وردّ الورثةُ الوصيةَ في الزائد على الثلث، فالوصية ترجع إلى ثلث الثلث لا محالة.
وإن خلف من الأموال ما يفي ثلثُها بتمام الثلث الموصى به، فالمنصوص عليه للشافعي ﵁ القطعُ بأن جميع الثلث موصًى به.
وذهب بعض السلف إلى أن الوصية لا تنفذ إلا في ثلث الثلث؛ فإنّ ذكر الثلث جرى شائعًا، فكأنه أوصى بثلثٍ من كل ثلث، فإذا ثبت الاستحقاق في الثلثين، بطلت الوصية بثلثي الثلث، وهذا مذهب أبي ثور وزفر، والذي يستقيم على قياس الشافعي تنفيذ الوصية في جميع الثلث الموصى به.
وترتيب المذهب [في هذه المسألة] (٣) وغيرها [من] (٤) هذه الأجناس أن مَنْ كان يملك الشقص من دارٍ، فباعه، ولم يضفه إلى نفسه، مثل أن يقول: بعتك [نصف] (٥) هذه الدار، وكان مالكًا لنصفها، ولم يقل: بعتك النصف الذي أملكه، فهل نحمل بيعَه المطلق على ما يملكه [أم] (٦) نشُيعه في جميع الدار، حتى نجعلَه جامعًا بين بيع النصف من نصفه وبين بيع النصف من النصف الذي [له] (٧)؟ فيه اختلاف.
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ١٦٧.
(٢) زيادة من (س).
(٣) سقط من الأصل.
(٤) في النسختين: في.
(٥) في الأصل: بنصف.
(٦) في الأصل: لزم. وهو تحريف واضح. وفي (س): أو.
(٧) في الأصل: ليس فيه اختلاف.
[ ١١ / ٢٣٠ ]
والأوجه عندنا تصحيح البيع في النصف الذي يملكه؛ فإنه باع النصفَ، وله النصفُ، [والشيوع ينافي التميز] (١)، فلا حاصل لقول القائل: باع بعضَ ماله، وبعضَ ما لشريكه.
وقد ذكرنا هذا في كتاب البيع.
٧٤٨٥ - فإذا أوصى بجزءٍ يستحقه من عبد أوْ دارٍ، ولم يضفه إلى ملك نفسه، فإذا صححنا البيع في جميع حصته، فلا إشكال في نفوذ الوصية أيضًا في جميعها، وإن جعلناه في البيع بائعًا بعضَ ما يملك، فالوجه حمل الوصية على جميع ما يملك، من جهة أن وضع الوصية [حملُها] (٢) على الصحة إذا ترددت بينها وبين الفساد؛ ولهذا قال الأئمة إذا أحضر الإنسان طبلين طبلَ حرب وطبلَ لهو، وقال: بعتك أحدَهما [فالبيع] (٣) لا يُحمل على طبل الحرب، ولكن يُقضى بفساده، لما في لفظه من التردّد، وإذا أوصى بطبل من طبوله، وله طبل لهو وطبل حربٍ، فالوصية محمولةٌ على طبل الحرب؛ لتصح؛ فيجب على هذا المقتضى صرفُ الوصيةِ إلى تمام حصة الموصِي.
وذهب ابن سريج من أصحابنا إلى أن الوصية تصح في جزءٍ من حصته، وينفصل عن البيع؛ من حيث إن البيع قد يفسد كله، لتفرق الصفقة، والوصية لا تبطل لتفرق الصفقة في المقدار الذي تصح منه لو أُفرد بالوصية.
ثم حاول ابن سريج فرقًا بين مسألة الطبل وبين مسألة الشيوع، فقال: إذا أوصى بطبل من طبوله، ففي حمل وصيته على طبل اللهو إبطالُها بالكلية، مع ظهور [قصد] (٤) الموصي في تصحيحها وقبولها للتردّد والورود على المجاهيل، وإذا صححنا الوصية على مذهب الإشاعة في جزءٍ من الحصة التي أطلقها الموصي، فقد
_________________
(١) في الأصل: وللشيوع ما في التميز.
(٢) في النسختين: وحملها.
(٣) في الأصل: بالبيع.
(٤) في الأصل: القصد.
[ ١١ / ٢٣١ ]
وجدت الوصية متشبثًا، مع استمرار قياس الإشاعة، فانفصل بذلك عن مسألة الطبل.
هذا منتهى الغرض في المسألة.
فصل
قال: " ولو قال: ثلث ما لي للمساكين، قُسم ثلثُه في ذلك [البلد] إلى آخره " (١).
٧٤٨٦ - قد مضى في كتاب الزكاة صدرٌ من الكلام في نقل الصدقات، وسنذكره مستقصى، إن شاء الله تعالى في قَسْم الصدقات، وغرض هذا الفصل أنا إن جوّزنا نقلَ الصدقات، فالوصية للمساكين لا تختص بمساكين [البقعة] (٢) التي جرت الوصية فيها. وإن منعنا نقلَ الصدقات الشرعية، فالوصايا المطلقة المضافة إلى موصوفين لا ينحصرون هل يجوز نقلها أم تتقيد بقيد الصدقات الشرعية؟
اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: يجب تنزيل الوصية المطلقة على موجب الزكاة، وهذا ما إليه [صغوُ] (٣) معظم الأصحاب.
وقد يوجّه بأن الألفاظ التي أجريت (٤) عن مستحقي الزكاة إذا جرت في ألفاظ الموصين، فهي محمولة على معانيها في الزكوات الشرعية، وهذا كذكر أبناء السبيل والرقاب وغيرها، فإذا كانت ألفاظ [الموصين محمولة] (٥) على معاني ألفاظ الكتاب والسنة في أصناف الزكاة [فالألفاظ] (٦) المطلقة في الوصايا ينبغي أن تتقيد بما تتقيد به
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ١٦٧. وفي النسختين: قسم ثلثه في ذلك الثلث. والتصويب من المختصر.
(٢) في الأصل: النفقة.
(٣) في الأصل: صعود.
(٤) (س): أعربت.
(٥) في الأصل: ألفاظ المؤمنين محمولًا.
(٦) في الأصل: بالألفاظ. و(س): والألفاظ.
[ ١١ / ٢٣٢ ]
الألفاظ المطلقة في الكتاب والسنة، ثم المساكين وإن أطلقوا في الزكاة محمولون على مساكين البلدة التي بها [أمال] (١) الزكاة، فكذلك إذا قال الموصي: أوصيت بثلثي للمساكين، وجب حملهم على مساكين بلده.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب ذلك في الوصايا، فإنا إنما منعنا النقل في الزكوات لأخبارٍ وآثار وأقضية مصلحية تجري في وظائف الزكوات، فأما الوصية، فليس فيها ما يوجب منعَ النقل، والدليل عليه أنه يصح للموصي أن يصرف وصاياه قصدًا إلى غير مساكين بلده، فاتباع موجَب لفظ [الموصي] (٢) أولى من حمله على الزكاة.
فصل
قال: " ولو أوصى له بدارٍ، كانت له وما يثبت فيها إلى آخره " (٣).
٧٤٨٧ - [أراد أن] (٤) الوصية بالدار بمثابة بيع الدار، فكل ما يدخل تحت إطلاق اسم الدار في البيع، فهو داخل تحت مطلق تسمية الدار في الوصية.
وقد ذكرنا في كتاب البيع ما يندرج تحت البيع إذا سميت الدار، وأوضحنا موضع الخلاف والوفاق، وهذا لا إشكال فيه، ولكن نتكلم في مسألة وراء هذا، ونحن نذكرها، ونذكر نقيضها (٥).
٧٤٨٨ - فإذا أوصى بدارٍ لإنسان، فانهدمت في حياة الموصي، أو انهدم بعضُها، فذلك النقض مختلفٌ فيه: فمن أصحابنا من قال: إنه (٦) يخرج عن الوصية، فإن اسم
_________________
(١) في الأصل: قال.
(٢) في الأصل: "المولى".
(٣) ر. المختصر: ٣/ ١٦٨ ..
(٤) زيادة من (س).
(٥) في (س): تفصيلها.
(٦) ساقطة من (س).
[ ١١ / ٢٣٣ ]
الدار [لا يتناول النقض، ولا يُستحق بالوصية إلا ما يبقى تحت اسم الدار] (١) عند قرار الوصية، كما سنوضح المعنى بقرارها.
ومن أصحابنا من قال: النقضُ موصى به؛ اعتبارًا بحالة الإيصاء، واسم الدار كان متناولًا لهذه الأجزاء التي تحطمت بالانهدام، فيبقى تحت قضية اللفظ، وإنما [يتغير] (٢) قرار الوصية فيما يتعلق بتغاير الأملاك، أو فيما [يشعر] (٣) بالرجوع عن الوصية في حق الموصي؛ فإنه لو أوصى بحنطة ثم طحنها، فقد يكون هذا رجوعًا منه عن الوصية؛ من جهة إشعار طحنه باستعمال الطحين، وصرفه عن الاعتياد والإبقاء للموصى له، فأما انهدام الدار، فليس من هذا القبيل، وليس من الفقه تشبيه هذا بالنقض في حق [الشفيع] (٤)؛ فإن المبيع إذا انهدم قبل ثبوت ملك الشفيع فيه، ففي أخذه النقضَ خلافٌ قدمناه في كتاب الشفعة، وذلك الأصل ينفصل عما نحن فيه؛ فإنه لا يؤخذ من الألفاظ، والإطلاقات، وإنما [يرتبط بأصلٍ حُكمي] (٥)، وهو أن الشفعة لا تتعلق إلا بالثوابت.
ثم إن قلنا: نقضُ الدار (٦) يبقى تحت مقتضى الوصية إذا انهدمت الدار قبل موت الموصي، فلو انهدمت بعد موته، فإن قلنا: الملك على الوقف أو يحصل بالموت، فالنقض للموصى له إذا قبل الوصية.
وإن قلنا: يحصل الملك بالقبول ففي النقض خلاف مرتب على ما إذا انهدمت الدار قبل موت الموصي، وهذه الصورة أوْلى باستحقاق النقض فيها؛ من جهة أن الموصي إذا مات، [فقد] (٧) دخل وقت إمكان القبول، وهذا الآن على مضاهاة الشفعة مع بُعد الوصية عن قياس الشفعة.
_________________
(١) ما بين المعقفين زيادة من (س).
(٢) في الأصل: يعتبر، و(س): تغير.
(٣) في الأصل: يشرع.
(٤) في الأصل: المبيع.
(٥) في الأصل: يربط بأصل حكمٍ.
(٦) (س): الدواير.
(٧) في الأصل: وقد.
[ ١١ / ٢٣٤ ]
هذا بيان انهدام الدار.
٧٤٨٩ - فأما نقيض ذلك، فلو أوصى بدارٍ، ثم زاد في بنائها، [فتغييراته بها] (١) لا تكون رجوعًا عن الوصية، بخلاف طحن الحنطة؛ فإن الحنطة تُطحن لتؤكل، والتغايير في الدار لا تشعر بمناقضة الوصية.
إذا أحدث زوائد في البناء، فقد ظهر اختلاف أصحابنا في أن تلك الزوائد هل تدخل في الوصية؟ وهذا الاختلاف يبتني على أن أجزاء الدار من الدار تنزل منزلةَ أطراف العبد من العبد أم يثبت لأجزاء البناء حكم الاستقلال؟ وفيه خلاف ذكرناه في البيع، [وأعدناه] (٢) في أثناء الكتب، ونحن نحصّل القول فيه الآن مجموعًا، فنقول:
٧٤٩٠ - إذا باع رجل دارًا، فاحترق سقفها، فمن أصحابنا من يقول: احرّاق السقف من الدار بمثابة تعيّب العبد المبيع، فإن سقطت يدُه أو تناله آفةٌ أخرى، فللمشتري الخيار، فإن فسخ، استرد الثمن، وإن أجاز، أجاز بجميع الثمن.
ومن أصحابنا من قال: احتراق السقف بمثابة تلف مبيعٍ مضمومٍ إلى مبيعٍ مع اتحاد الصفقة واشتمالها عليهما، فهو كما لو اشترى الرجل عبدين، فتلف أحدهما، فالبيع ينفسخ فيه.
والرأي الظاهر أنه يسقط قسطٌ من الثمن، كما ذكرناه في تفريق الصفقة.
ثم عبّر الفقهاء عن هذا، فقالوا: أجزاء الدار في وجهٍ كالصِفة (٣) للمبيع، وفي وجهٍ هي مبيعة في أنفسها، وكل جزء متقوّم من الدار مبيع في نفسه.
فبنى الأئمةُ زيادةَ العمارة في الدار على هذه القاعدة، فقالوا: إن جعلنا أجزاء الدار كالصفات [فزيادةُ] (٤) الأعيان في العمارة الجديدة بمثابة كبر الغلام الموصى به،
_________________
(١) في الأصل: فتعين أنه لها. و(س): فتغيراته بها.
(٢) في الأصل: واعتبرناه.
(٣) (س): كالصفقة.
(٤) في الأصل: وزيادة.
[ ١١ / ٢٣٥ ]
ونموّ الفسيل [الموصى به] (١) وجملة الزيادات المتصلة.
وإن (٢) قلنا: لكل جزء من الدار حكمُ الاستقلال، فلا (٣) تدخل الزيادة المحدثة في الدار تحت الوصية.
٧٤٩١ - وهذا كلام مختلط عندي، والوجه القطع [بأن] (٤) زيادة الأعيان لا تدخل تحت الوصية؛ فإنا لو فتحنا هذا الباب، وأقمنا الزيادة صفةً حقيقةً (٥)، لزمنا منه ما صار إليه أبو حنيفة (٦) من أن الغاصب إذا استعمل الأعيان المغصوبة في دارٍ ابتناها على عرصته المملوكة، صارت الأعيانُ المغصوبة صفة لملك الغاصب، حتى لا تنتزع، ويُلزم (٧) بدلها؛ لأنه [فوّتها] (٨) على مالكها. ثم أبو حنيفة وإن طرد هذا في الغصب، لم [يجره] (٩) في الدار المشفوعة إذا زاد المشتري من أعيان ماله في بنائها، ولم يَقُل: الشفيع يأخذه؛ لأن ما زاده انقلب صفة للرَّبع المشفوع، فلا سبيل إلى اعتقاد حقيقة الصفة في الأعيان التي تزاد، ومن انتسب إلى التحقيق من أصحاب أبي حنيفة لم يعتمد في مسألة غصب الساجة (١٠) إلا محاذرة إلحاق الضرار بالغاصب،
_________________
(١) زيادة من (س).
(٢) (س): فإن.
(٣) (س): ولا.
(٤) في الأصل: لأن.
(٥) (س): حقيقية.
(٦) ر. مختصر اختلاف العلماء: ٤/ ١٧٨ مسألة: ١٨٦٧، الاختيار: ٣/ ٦٢.
(٧) (س): وإنما يلتزم.
(٨) في الأصل: فوته.
(٩) في الأصل: يجزه، و(س): ينجزه.
(١٠) الساجة: خشبة من أخشاب البناء. وصورة المسألة أن يغصب غاصب ساجة، فيدخلها في بناء دارٍ له على أرضٍ مملوكة له، فعند أبي حنيفة لا نلزمه نزع الساجة وردّها، بل نلزمه قيمتها؛ والعلة عند أبي حنيفة أن الساجة صارت في حكم (صفةٍ) من صفات البناء، فخرجت عن حقيقتها. ولكن من انتسب إلى التحقيق من أصحاب أبي حنيفة لم يجعل علّة عدم إلزامه نزع الساجة أنها صارت صفةً من صفات البناء، وإنما جعل العلة محاذرة إلحاق الضرار بالغاصب إذا كلفناه هدم داره لنزع الساجة وردّها.
[ ١١ / ٢٣٦ ]
ورأى وجه النظر من الجانبين ألاّ نهدم بناء الغاصب ونغرّمه قيمة الأعيان المغصوبة.
ولئن (١) تخبط أصحاب أبي حنيفة، لا يليق بمذهب الشافعي مثلُ هذا.
نعم، اشتهر الخلاف في تلف أجزاء الدار في يد البائع، وليس ذاك من جهة التردّد في أن أجزاء الدار صفاتٌ، ولكن سبب الاختلاف أن الدار بيعت جملةً واحدةً، فوقع البيع في غرض المتعاقدين على صيغة (٢) مقتضاها ألا تُفردَ (٣) الأجزاء بالثمن، وليست أجزاء الدار في حكم قصد المتبايعين مع عرصة الدار بمثابة عبد [مضمومٍ] (٤) إلى عبد في البيع (٥)، ولست أعرف خلافًا أن البائع لو زاد في الدار المبيعة من أعيان ملكه قبل القبض، [فالمشتري] (٦) ينزعها أو يكلف البائع نزعها.
وإذا كان كذلك، فلا يتجه أصلًا تخيّل الخلاف في أن الأعيان التي زادها الموصي تدخل تحت الوصية، ولكن ذكرتُ ما ذكره الأصحاب، وقد حكاه الصيدلاني أيضًا ثم نبهنا على تحقيق القول [فيه] (٧)، ولم يختلف أصحابنا في أنه لو باع سقفَ داره، أو خشبةً من السقف، وسهل [رفعها] (٨)، وتسليمها من غير تغير ظاهر في الأعيان التي اتصلت الخشبة بها [أن البيع جائز] (٩) وما جاز إفراده بالبيع كيف ينتظم فيه كونُه صفةً على التحقيق؟
هذا منتهى القول في هذا الفصل.
_________________
(١) (س): وقد تخبط.
(٢) (س): صفة.
(٣) (س): تنفرد.
(٤) في الأصل: مضمون.
(٥) (س): المبيع.
(٦) في الأصل: فالمثوي.
(٧) في النسختين: منه.
(٨) في الأصل: بيعها.
(٩) زيادة من (س).
[ ١١ / ٢٣٧ ]