١٢٣٢١ - إذا كان للرجل دين على إنسان وكان من عليه الدين مليئًا وفيًا، لم يظهر منه امتناعٌ عن أداء ما عليه، فليس لصاحب الحق أن يأخذ ماله، ولو أخذه، لم يملكه، ولا فرق بين أن يكون من جنس حقه، أو من غير جنس حقه.
وإن كان من عليه الحق مُقرًا مليئًا، ولكن كان مماطلًا، فليرفعه إلى القاضي، وليس له مع التمكن من ذلك أن يأخذ مالَه.
وإن امتنع عليه رفْعُه، أو غَيّب عنه وجهَه، وتعذر عليه الوصول إلى حقه، فإذا ظفر، نظر: فإن ظفر بجنس حقه؛ فله أن يأخذه، وإذا قصد أخذه عن حقه ملكه.
فأما إذا ظفر بغير جنس حقه، فهل يأخذه؟ فعلى قولين مشهورين: أحدهما - أنه لا يأخذه، وهو مذهب أبي حنيفة (١). والثاني - أنه يأخذه، واستدل الشافعي عليه بقول رسول الله ﷺ لهند: " خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف " (٢).
ولم يفصل بين أن تظفر بجنس النفقة أو بغير جنسها.
ثم أبو حنيفةَ جوّز أخذ الدراهم عن الدنانير والدنانير عن الدراهم، ونحن نجري القولين في ذلك إذا تحقق اختلاف الجنس.
ولو كان حقه دراهمَ صحيحة، فوجد مكسرة؛ فإن رضي بها أخذها قولًا واحدًا.
وإن كان حقه دراهم مكسرة، فوجد دراهم صحيحة، فلا يأخذها بحقه، ولا يتصور اعتياض مع التفاضل (٣)، ولا مسلك إلا بيع الدراهم بالدنانير مثلًا، وصرف الدنانير إلى نوع حقه من الدراهم، فإذا كانت صورة المسألة هكذا، فالظافر بالدراهم كالظافر
_________________
(١) ر. مختصر الطحاوي: ٣٥٨.
(٢) حديث " خذي ما يكفيك " سبق تخريجه.
(٣) لأن الاعتياض مع التفاضل ربا، بل يبيع بالدنانير، ويشتري بها الدراهم المكسرة.
[ ١٩ / ١٩٠ ]
بغير جنس حقه على الأصح؛ فإنه لا يتوصل إلى حقه إلا ببيعتين، فهي أبعد عن ثوب يظفر به. ومن أصحابنا من ألحقه بالظفر بجنس حقه.
وفائدة ذلك القطع بجواز الأخذ، ثم لا طريق إلى التملك، ولا وجه إلا ما ذكرناه.
١٢٣٢٢ - وإن ظفر بغير جنس حقه وقلنا: له أخذه، فهل يبيعه بنفسه؟ فعلى وجهين: أظهرهما في النقل - أنه لا يبيعه بنفسه، بل يرفعه إلى القاضي ليبيعه، ثم القاضي لا يبيع مُعوِّلًا على قوله، بل يبني الأمر على علمٍ.
ومن أصحابنا من جوّز للظافر أن يبيع بنفسه، على شرط الاحتياط، وهذا لائق بغرض الباب؛ فإنه ربما يعجز عن تقرير الحال في مجلس القضاء؛ فإنه قد لا يجد بينة في إثبات دَيْنه، وإن وجدها، فقد يعجز عن إثبات كون هذه العين ملكًا لمن عليه الدين، وإنما أُثبت التسلُّطُ لصاحب الحق ليصل إلى حقه المتعذر.
ثم إذا قلنا: للظافر أن يبيعه بنفسه، فقد قال الأئمة: يبيعه بنقد البلد -وإن كان حقه بُرًّا أو شعيرًا- ثم يصرف نقدَ البلد إلى حقه، ويجري في ذلك مجرى الوكيل بالبيع المطلق. هكذا ذكره القاضي، وفيه إشكال؛ فإن من عليه الحق، إذا تمكن من بيع ثوبه بالبر، فليس له أن يطوّل ببيعه بالدراهم إذا لم يكن له غرض مالي، وأيضًا فإن وجد الدراهم الصحيحة، وحقه المكسرة، يبيع الدراهم الصحيحة بالدنانير، وإن لم تكن الدنانير غالبة. ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الضرورة تدعو إليه.
وقد ذهب طائفة من محققينا إلى أنه لو أراد البيع بجنس حقه، جاز، وهذا متجه حسن.
ثم إذا أخذ ثوبًا عن حقه، فليس له أن يستعمله، وإنما له حق البيع فحسب، ولو تلف في يده، تلف من ضمانه. هكذا قال الأصحاب. وليس كما لو دفع من عليه الحق إلى مستحق الحق ثوبًا ليبيعه، ويصرف ثمنه إلى نفسه، فلو تلف في يده، لم يضمنه. والفرق أن مالك الثوب ائتمنه في ذلك الثوب، والآخذ الظافر مستقل بنفسه.
[ ١٩ / ١٩١ ]
١٢٣٢٣ - فلو أخذ أكثر من حقه مع إمكان ألا يأخذ لم يجُز. والضمان لا شك فيه.
ولو لم يجد إلا ما يزيد على مقدار حقه، مثل أن يظفر بسيف يسوى (١) مائة، وحقه خمسون، فله أن يأخذه، ولكن هل تدخل الزيادة في ضمانه؟ فعلى وجهين: أحدهما - تدخل كالأصل، والثاني - لا تدخل في ضمانه؛ لأنه لم يأخذه لحق نفسه، وله أخذه.
١٢٣٢٤ - ولو كان لا يتوصل إلى حقه إلا بنقب جدار، فقد قال القاضي: له النقب وإخراج ما يأخذ منه حقه من الحرز، ولا يضمن أرش النقض الحاصل بالنقب؛ فإن من جاز له أن يأخذ شيئًا، جاز له التوصل بالطريق الممكن، ومن استحق شيئًا، استحق الوصول إليه.
١٢٣٢٥ - ولو أخذ ثوبًا قيمتُه عشرة وحقه عشرة، فبقي الثوب في يده، حتى بلغت قيمته عشرين، فتلك الزيادة محسوبة عليه، لا شك فيه، وإن انتقصت قيمة الثوب، نُظر: فإن لم يتوان حتى انتقصت القيمة، لم يُحسب عليه النقصان، وإن توانى في البيع حتى انتقصت القيمة، فالنقصان محسوب عليه. هكذا ذكره القاضي.
ولو غصب عينًا من إنسان، وظفر المغصوب منه بعينٍ للغاصب، والامتناعُ قائم، فله أن يأخذها، فيبيعَها، وينتفعَ بقيمتها، كما لو أبق العبد المغصوب؛ فإن الغاصبَ يغرَم القيمةَ للمغصوب منه، وما ذكرناه مأخوذ من هذا الأصل.
ثم إذا رد الغاصبُ العينَ المغصوبة، فيرد الظافر قيمةَ العين.
فإذًا ظاهر المذهب أن الظافر لا يبيع بنفسه، وبيعُه مخرج عند بعض الأصحاب، قال الصيدلاني: لم يحكه القفال.
١٢٣٢٦ - ثم من جوّز للظافر أن يبيع، فلو أراد أن يتملك عين ما ظفر به، فالذي ذكره أئمة المذهب أنه لا يتملك، وأبعد بعض الأصحاب فذكر وجهًا أنه يتملك بقدر
_________________
(١) يسوَى: أي يساوي: وهي من سوي يسوى من باب تعب، وهي لغة قليلة (المصباح).
[ ١٩ / ١٩٢ ]
الحق، وهذا بعيد غير معتد به. ولهذا أخّرته عن تفصيل الباب.
ولو أخذ العين وحبسها، وقصّر في بيعها، حتى نقصت القيمة، فقد ذكرنا أن النقصان محسوب عليه، وهذا فيه إذا باع واستوفى، فأما إذا ردّ العين، فحقه بجُمامه؛ إذ الغاصب لا يضمن نقصان القيمة عند رد العين، فما الظن بما نحن فيه؟
١٢٣٢٧ - ولو كان لإنسان على إنسان دين، وعليه لذلك الشخص دين، فالقول في ذلك يتعلق بالتقاصّ (١)، وكان شيخي يستقصيه في كتاب الكتابة، ونحن نتيمن بالجريان على ترتيبه إن شاء الله، والقدر الذي يليق بهذا الموضع أن من عليه حقه لو جحده، وقلنا: لا تقاصّ إلا بالرضا، فهل له أن يجحد ما عليه؟ فعلى وجهين: على قولنا لو ظفر بغير جنس حقه، لأخذه، ولعل القياس أن له أن يجحده. والعلم عند الله تعالى.
فصل
وجدنا في مجموع القاضي في الدعوى وأدب القضاء مسائلَ تتعلق بالمراسم، وليست عريةً عن الفقه، فرأيتُ إثباتَها مسائلَ.
مسألة ١٢٣٢٨ - إذا دفع رجل إلى آخرَ عشرةَ أمناء فَيْلَج (٢) ليطبخه، ويضرِب منها الإبريسم، فإذا طُبخ، رجع إلى خمسة أمناء، والإبريسم منه مَنْ، فجحد المدفوع إليه، ولم يدر المدعي أن الفيلج على الهيئة الأولى باقية، فيدعيها عشرةَ أمناء، أم هي مطبوخة، فيدعيها خمسةَ أمناء، أم حصل الإبريسم منًا، أو تلف في يده، فيغرم القيمة، وسببُ الضمان لم يثبت إلا عند الجحود، والتفريع على أن لا ضمان على الأجير المشترك.
_________________
(١) ت ٥: " بالنقصان ".
(٢) أمناء: جمع (منًا) مثل سبب وأسباب. وهو مكيال يكال به السمن وغيره، وقيل: مكيلته أي ملؤه يزن رطلين، والتثنية منوان. وفي لغة تميم (منّ) بالتشديد، والجمع أمنان، والتثنية منان على لفظه. أما (الفيلج) وزان زينب، فهو ما يتخذ منه القز، وهو معرّب، والأصل (فيلق)، ومنهم من يورده على أصله " المصباح ".
[ ١٩ / ١٩٣ ]
فإن وصف المدعي الحالَ ونوعّ الدعوى، فقال: عليك عشرة من كذا، أو خمسةٌ من كذا، أو منٌّ مِنْ كذا، أو القيمةُ إن أتلفت، فهل تقبل الدعوة مميّلة (١) على هذه الصيغة؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قبلها، وحلّف المدعى عليه على جميعها، قال القاضي: اصطلح القضاة على سماع هذه الدعوى. فمن أصحابنا من قال: لا تسمع الدعوى متميلة، ولكن ينبغي أن تفرد (٢) هذه الدعاوي ويحلَّف المدعى عليه على آحادها. وهذا جارٍ على القياس، ولكن فيه إشكال، وهو أن المدعى عليه لو نَكل عن اليمين، فلا يتأتى للمدعي الإقدامُ على يمين الرد؛ لأنه إذا ادعى عشرة أمناء فَيْلَج، فكيف يحلف؟ وربما طبخه، أو ضربه إبريسم، والذي يدل عليه كلام القاضي أن للمدعي أن يعتمد نكولَه، فيحلف ويستند إلى نكوله، وهذا حسن. وهو كما لو ادعى المودَع تلفَ الوديعة، وحلَّفناه، فنكل، فللمودِع أن يحلف تعويلًا على نكول المودَع. وهذا أصل ضابط.
فنقول: إن كان المردود عليه عالمًا بما يحلف عليه، مثل أن ينكُل المودَع عن اليمين على الرد (٣)، وعلم المودِع أنه لم يرد، فيحلف يمين الرد (٤)، وإن ادعى التلف ولم يقطع المودع بالتلف، فهل له أن يعتمد نكولَه ويحلف، كما يعتمد الوارث خطَّ أبيه المعتمد في الروزنامج، ويحلف؟ فعلى وجهين - وهذه المسألة خارجة على ذلك. وقد مضى لهذا نظير في دعوى العين على الضامن أو القيمة.
ويلتحق بهذا أنه إذا دفع ثوبًا إلى دلال ليبيع الثوبَ بعشرة دراهم؛ وجحد الدلال الثوبَ، فصاحب الثوب يدعي الثوب، أو الثمن، أو القيمة؟ فهو على ما ذكرناه.
مسألة ١٢٣٢٩ - إذا ادعى عشرة دنانير على إنسان، فقال المدعى عليه: لا تلزمني العشرة، قال (٥)؛ ليس للقاضي أن يقول: لا تلزمك العشرة، ولا شيء منها. ولو
_________________
(١) ت ٥: "متميلة".
(٢) ت ٥: " تقرر ".
(٣) على الردّ: أي على ردّه الوديعة.
(٤) يمين الردّ: أي اليمين المردودة من المدعي.
(٥) القائل هو القاضي الحسين، فعن مجموعه ينقل هذه المسائل.
[ ١٩ / ١٩٤ ]
قال ذلك، كان فضولًا؛ فإن إنكاره انطبق على مضادة الدعوى، فإن المدعي أثبت في دعواه عشرة، والمدعى عليه أنكر العشرة، ثم قال القاضي: إذا آل الأمر إلى تحليفه، حلّفه لا تلزمه العشرة ولا شيء منها.
وهذا الذي ذكره في التحليف مستقيم، والذي ذكره أولًا من الاكتفاء بإنكاره عشرة [وهمٌ] (١) عظيم، وما بناه عليه من انطباق الجحود على مضادة الدعوة فزللٌ بيّن؛ فإن (٢) من ادعى عشرة، فقد ادعى استحقاق أجزاء العشرة ذرة ذرة، وإذا قال المدعى عليه: لا تلزمني العشرة، فمن الممكن أن العشرة لا تلزمه، وتلزمه العشرة إلا حبة، فنَفْي العدد ليس نفيا لآحادها، وليس ما ذكرناه تأويلًا، بل القول متردد فيما دون العشرة، وليس فيما دون العشرة ذكر في إنكاره، وهي مثبتة في الدعوى، فالإنكار ليس بتامٍّ، فكأنه لم ينكر إلا أقل جزء من العشرة، فإذا لم يتم الإنكار، فلا نأخذ في التحليف؛ فإن امتنع عن المزيد على هذا القدر، فهو في حكم الساكت عما دونه، وقد مضى تفصيلُ السكوت وتقديرُه إنكارًا ثم نكولًا، هذا هو الذي لا يجوز غيره.
والظن بالقاضي أنه لا يخالف فيما ذكرناه. وإنما صوّبى المسألة في اقتصاره على نفي العشرة، وامتناعه عن ذكر ما دونها، فإن حلّفناه لا تلزمه العشرة، ولا شيء منها، فإن نكل، رددنا اليمين على المدعي، فيحلف ويستحق، وإن حلف المدعى عليه، انتهت الخصومة في هذا الفن.
فإن حلف لا تلزمه عشرة، وامتنع عن الحلف على نفي ما دون العشرة، فيحلف المدعي على ما يقل عن العشرة بأقل القليل؛ فإنه نكل عما دون العشرة، والعشرة إلا حبة دون العشرة، وهذا في نهاية اللطف.
فإن قال قائل: من يلزمه دينار، فقوله: لا تلزمني العشرة سديد، ومن تلزمه تسعة، فقوله لا تلزمني العشرة سديد، فلم جعلتموه ناكلًا عن عشرة إلا أقلَّ القليل؟
_________________
(١) في الأصل: " دراهم " مكان لفظ " وهم " وهو تصحيف طريف، والتصويب من (ت ٥).
(٢) ت ٥: " فأما ".
[ ١٩ / ١٩٥ ]
قلنا: لأنه امتنع عن الحلف عن كل (١) ما دون العشرة.
مسألة ١٢٣٣٠ - إذا ادعى دارًا في يد رجل، وقال: إنها ملكي وأنت مبطل في استيلائك، وعليك ردُّها على، فقال المدعَى عليه: لا يلزمني تسليم هذه الدار إليك، فأقام المدعي بيّنة أن الدار ملكُه، ولم تتعرض البينة لأكثر من إثبات الملك للمدعي.
قال القاضي: يثبت الملك ويكفي ثبوته. ويقال للمدعى عليه: إن أثبتّ استحقاقًا من إيجار، أو ارتهان، فادّع، وأثبت. وإلا فحكم الملك استبداد المالك باسترداد الملك من يدك.
وهذا فيه للنظر مجال؛ فإن البينة لم تشهد إلا على الملك، والملك لا ينافي استحقاقَ يد المدعى عليه، فلم تقم البينة على وجه يوجب إزالةَ يده.
وهذا عندي يقرب مأخذه من أن المالك وصاحب اليد إذا تنازعا في الإعارة والإجارة، فالقول قول منْ؟ وهذا قدمته في موضعه مفصلًا، فإن جعلنا القول قولَ المالك، فيكفي ثبوت الملك هاهنا، ثم باب الدعوى مفتوح لصاحب اليد، والقول قول المالك، وإن جعلنا القول قولَ صاحب اليد، فلا تُزال يده ما لم تتعرض البينة لكون صاحب اليد مبطلًا.
مسألة ١٢٣٣١ - أجرى القاضي في أثناء الكلام شيئًا مستفادًا، قد يتوقف الناظر في ابتدائه، ولا تعلق له بالدعاوي والأقضية، قال: إذا غصب رجل أُمَّ ولدٍ، فهي مضمونة باليد عندنا، وهذا سديد، لا إشكالَ فيه على المذهب، فلو أَبِقت من يد الغاصب؛ غَرِم الغاصب القيمةَ.
فإذا غرمها، ثم مات السيد المغصوب منه، عَتَقَت المستولدة، ووجب ردُّ قيمتها من تركة المولى؛ لأن الرق صار مستهلكًا بحكم الموت عليه.
وكذلك إذا غصب عبدًا فأبق، وغرم القيمةَ، ثم إن المغصوب منه أعتق العبد في
_________________
(١) ت ٥: " وعن كل ما دون العشرة ".
[ ١٩ / ١٩٦ ]
[إباقه] (١)، فيلزمه ردُّ القيمة، لأنه بإعتاقه إياه، صار في حكم المسترِدّ له.
وإن قطع جانٍ يدَ أمِّ الولد، وغرم الأرش، ثم مات السيد، وعَتَقَت المستولدة، فلا يُرد الأرش على الجاني، لأنه بدل الطرف الفائت. والعتق لا ينعكس عليه.
مسألة: ١٢٣٣٢ - إذا ادعت امرأة على رجل، وقالت: تزوجتني بخمسين دينارًا، فاعترف الزوج بالنكاح، ولكنه قال: ما قبلتُ نكاحَك بخمسين، فإنكاره منطبق على مضادة دعواها.
والوجه أن نذكر غائلة المسألة وإشكالَها، ثم نخوض في الجواب عنها. فنقول: إذا أنكر الزوج، وحلف، فكأنه شبَّبَ بأن المهر أقلُّ من الخمسين، ولكنه لم يذكر المقدار، والمرأة إذا اعتقدت أن الزوج قبل الخمسين لو نزلت عن ذلك، كانت كاذبة، فأين الوقوف، وكيف السبيل، وليس للمهر أقل حتى ننتهي إليه ونثبته على قطع، ونرد الخصام إلى الزائد؟
وليس هذا كما لو ادعى رجل على رجل عشرة، ولم يذكر أنها ثمن عبد، فإذا حلف المدعى عليه على نفي العشرة، ولم ينف ما دونها، فالمدعي يمكنه أن يحلف على ما دونها؛ فإن الدعوى المرسلة تقبل التبعيض، والمرأة في مسألتنا ادعت قبولًا في الخمسين، فلو ذكرت ما دون الخمسين، فيكون هذا منها دعوى عقد آخر، فإن تفطّنت لهذا، وادعت خمسين دينارًا من غير أن تنسبها إلى قبولٍ في عقد، فهذا هو الذي قدمناه في ادعاء العشرة وإنكارها.
وإن ربطت دعواها بالقبول كما ذكرنا، فقد قال القاضي: الوجه أن يفرض القاضي لها مهرَ مثلها، ويقدّر كأنها مفوِّضةٌ؛ فإن الزوج إذا امتنع عن ذكر مسمى، فليس بين النكاح المشتمل على المسمى، وبين التفويض رتبة، ولا يمكننا أن نُلزم الزوجَ ذكرَ مسمّى من غير طلب من المرأة، وتعريةُ النكاح عن المهر لا سبيل إليه، ولا وجه لإثبات الأقل؛ فإنه لا ضبط له، فيفرض القاضي لها مهرَ مثلها، وهذا إذا كان مهرُ مثلها خمسين أو أقلَّ منه، فإن كان كثر، فليس لها إلا الخمسون.
_________________
(١) في الأصل: " إيابه ".
[ ١٩ / ١٩٧ ]
وهذا لا يليق مثله بقياس مذهب الشافعي ﵁، فإنه لا يركب إلا متن جادّة الشريعة ولا يميل مثل هذا الميل.
فإن قيل: ما الوجه؟ قلنا: أولًا، ليس يعظم تعطل حق إذا لم تقم عليه حجة، ومعظم الحقوق المجحودة بهذه المثابة، فطريقها أن تدعي خمسين دينارًا من جهة المهر، إن أرادت أن تذكر الجهةَ من غير أن تضيف الخمسين إلى القبول، ومن غير أن تذكر أنها كلُّ المسمى. فإن حلف الزوج: لا يلزمه الخمسون، ونكل عن الحلف على نفي ما دون الخمسين، حلفت المرأة واستحقت الخمسين إلا أقلَّ القليل.
والمشكل في المسألة أن الزوج لو أراد أن يحلف على نفي الخمسين وكل جزء منه (١)، فلا يتصور هذا إلا بتقدير البراءة أو الأداء، فلا يقبل قوله حينئذٍ، وليس كما لو ادعى رجل دينًا مطلقًا، فقال المدعى عليه: لا يلزمني، فإن هذا كما يحتمل البراءة يحتمل نفي أصل الدين، ونفيُ أصل الدين ممكن، ونفي أصل المهر لا يمكن، إلا على مذهب التفويض. فإذا حلف على نفي المهر، تعيّن التفويض، فيفرض القاضي لها مهر المثل -لا وجه غيره- فيحصل به إثبات المهر، والجريان على موجب يمين الزوج.
هذا منتهى القول. وهو الذي عناه القاضي، ولكن لا بد من إجراء المسألة إلى هذا الحد، ولا يجوز ابتدار الفرض بقوله: ما قبلت بخمسين، ويجوز أن يقال: القول قول الزوج في أن لا مسمى؛ فإن الأصلَ عدمُ التسمية، ثم الشرع يحكم بما يرى في النكاح الخالي عن المهر ذكرًا.
مسألة: ١٢٣٣٣ - إذا صححنا كفالة البدن، فطلب المدعي من المدعى عليه كفيلًا قبل أن يقيم البينة، وذكر أني أبغي كفيلًا إلى أن أشمِّر لإقامة البينة، وأجمع الشهودَ، فقد جرى رسم القضاة بحمل المدعى عليه على إعطاء الكفيل، وهذا غير واجب باتفاق الأصحاب؛ فإنه لم يَثْبت للمدعي بعدُ حقٌ.
وإن أقام بينة على دين في ذمة المدعى عليه، ولم يُعدَّل شهودُه، فقد قال
_________________
(١) منه: على معنى العدد، أو المبلغ.
[ ١٩ / ١٩٨ ]
القاضي: له طلب الكفيل هاهنا؛ فإن حبسه قبل التعديل لأداء الدين محال؛ فإن الحبس عذاب، وتخليته -وقد يغيّب وجهه- لا وجه له، فتكليفه بذلُ كفيلٍ يضاهي إخراجنا العين المدعاة من يده إن كانت الدعوى في عين (١)، فإن أعطى الكفيل، فذاك، وإلا حبسناه لمنع الكفيل، لا لمنع الدين.
فإن قيل: البينة قبل التعديل كما لا توجب الدين، يجب أن لا توجب الكفيل.
قلنا: البينة لا توجب الكفيل، ولكن الحالة توجب الكفيل.
مسألة: ١٢٣٣٤ - إذا ادعى قصاصًا على عبد، استحضره، وادعى عليه، ولا تعلق للدعوى بالمولى.
وإن ادعى أرش جناية، قال القاضي: يستحضر المولى؛ فإن الخصومة مالية؛ وحق المال في العبد للمولى.
ولو أراد استحضار (٢) العبد على قولنا: له ذمة في الجناية، فله ذلك.
ولو قُبِل الدعوى (٣)، تعلّق بالعبد - إن قلنا للعبد في الجناية ذمة.
ثم إن جعلنا يمين الرد إقرارًا (٤)، لم يتعلق برقبته شيء لو نكل عن اليمين، وحلف المدعي، وإن جعلنا يمين الرد بمثابة البينة، فيثبت الأرش في ذمته، ولا يتعلق
_________________
(١) ت ٥: " إن كانت الدعوى عين ".
(٢) استحضار العبد: أي طلب إحضاره وتوجيه الدعوى إليه، لا إلى السيد، وهذا طبعًا لا يكون إلا على القول بأن العبد له ذمة تتعلق بها الحقوق، كما وضح من عبارة المؤلف.
(٣) أي لو قبلت الدعوى على العبد، تعلّق المدعي به، وطلب القاضي الإجابة من العبد، وهي إما إنكار، أو سكوت، أو إقرار، كما هو ترتيب الدعاوى.
(٤) فيما إذا أنكر العبد، وطلب القاضي منه اليمين، فنكل عنها العبد، فردّ القاضي اليمين إلى المدعي، فحلف المدعي يمين الردّ، تتردّد منزلتها بين الإقرار من المدعى عليه، وبين البينة يقيمها المدعي، فإن جعلناها إقرارًا، لا يتعلق برقبة العبد شيء، لأن العبد ليس من أهل الإقرار، والرقبة حق السيد. وإن جعلنا اليمين المردودة بمنزلة البينة، فيتعلق الأرش بذمة العبد، فإن المسألة كلَّها مفروضة على قولنا. إن للعبد ذمة، ولا ثقبل الدعوى عليه إلا على هذا التقدير. ثم هو إثبات للأرش في ذمة العبد يُتبع به إذا عَتَق، فليس شيئًا حالًا ناجزًا.
[ ١٩ / ١٩٩ ]
برقبته، على ظاهر المذهب، وفيه الوجه البعيد أنه يتعلق برقبته، وإن [اقتضى] (١) ذلك حكمًا على ثالث (٢)، فهذا احتمالٌ على بُعْد، ولا تعويلَ عليه؛ فإن توجيه الدعوى على السيد ممكن، وذلك الوجه البعيد إنما يجري إذا عسُر توجيه الدعوى على الثالث (٣).
مسألة: ١٢٣٣٥ - ذكر في أثناء الكلام أن من أخذ فأسًا مسبَّلًا على المسلمين، فتلف في يده من غير تقصير، فلا ضمان عليه، فإنه بمثابة الموصى له بالمنفعة، إذا تلفت العين في يده.
وكذلك لو وضع دِنًّا على باب داره، وسبّل، ورتب كيزانًا، وسبّلها، فتلف كوزٌ في يد شارب من غير تقصير، فالأمر على ما رسمناه في نفي الضمان.
_________________
(١) في الأصل: " اقتصر "، والمثبت من (ت ٥).
(٢) صورة الحكم على ثالث: هي أن الدعوى على العبد، فإذا أنكر، ونكل عن اليمين، وردت اليمين على المدعي، فحلف، وجعلناها بمنزلة البينة، فيثبت الأرسْ على العبد متعلقًا بذمته، كما سبق. وفي وجهٍ بعيد، يتعلّق برقبته، وهنا يكون الحكم على ثالث غيرِ المدعي والمدعى عليه، ونعني به السيد؛ لأن رقبة العبد ملكُ السيد، فإذا علقنا الأرش بها، فقد علقناه بمال السيد، ونكون بهذا قد حكمنا على ثالث (السيد).
(٣) راجع هذه المسألة -إن شئت- في الشرح الكبير: ١٣/ ١٨٧، ١٨٨، وفي الروضة: ١٢/ ٣٠، ٣١.
[ ١٩ / ٢٠٠ ]