قال: " وإذا كانت الدعوى غيرَ دمٍ في مالٍ، أحلف المدعى عليه، فإن حلف برىء إلى آخره " (١).
١٢٠٩٨ - في اللفظ الذي نقله المزني خللٌ من وجهين: أحدهما - هو أنه قال: " إن كانت الدعوى غيرَ دم "، فأوهم أن الدعوى لو كانت في الدم لا يحلف المدَّعَى عليه، وليس كذلك. وأوهم أن لا مدخل لليمين في غير الأموال، والأمر على خلاف ذلك.
١٢٠٩٩ - ومقصود الباب الكلام في شيئين: أحدهما - في النكول ورد اليمين، والثاني - فيما يجري التحليف فيه.
فإذا توجهت اليمين على المدعى عليه، فلا يخلو إما أن يحلف أو لا يحلف، فإن حلف، تخلص عن الخصومة، ولم ينقطع الحق إن كان، ولو وجد المدعي بيّنة، أقامها، وقد صحّ أن الرسول ﷺ قال في ذلك: " البيّنة العادلة خيرٌ من اليمين الفاجرة " (٢).
وقال ابن أبي ليلى: لا تُسمع بيّنةُ المدعي بعد تحليف المدعَى عليه، والحق عنده يسقط بيمينه.
وقال مالك (٣) إن كانت البينة حاضرة في المجلس، لم تقبل بعد اليمين، وتعطلت. وإن كانت غائبة، فحلف المدعى عليه، قُبلت بينته إذا أحضرها.
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٥٥.
(٢) خبر " البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة " بوّب له البيهقي في سننه وقال: روي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ وشريح القاضي ﵀ (السنن الكبرى: ١٠/ ١٨٢).
(٣) ر. الإشراف: ٢/ ٩٦٨ مسألة ١٩٥٣، عيون المجال: ٤/ ١٥٨٠ مسألة ١١١٦.
[ ١٨ / ٦٥٨ ]
ولو قال المدعي: ليست لي بيّنة، ثم قال من بعدُ: وجدت بيّنةً عالمةً بحقي، وما كنت أدريها، تسمع البيّنة منه، ولا يمتنع سماعها بقوله: ليست لي بينة.
ولو قال: ليست لي بينة لا حاضرة، ولا غائبة، ثم جاء بشهود، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنها تقبل.
ولو أقام المدعي شاهدين عدلين عند إنكار خصمه، ثم قال: كذب شاهداي، وشهدا بباطل، فلا شك أن بينته تسقط بما صدر منه من التكذيب، وهل تبطل دعواه في الأصل؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - تبطل الدعوى حتى لو أراد أن يقيم بينة أخرى، لم يجد إلى ذلك سبيلًا، وينزل تكذيبُه شهوده منزلةَ تكذيبه نفسه. وهذا الوجه ضعيف.
والوجه الثاني - أنه لا تبطل دعواه؛ إذ من الممكن أن يقول أنا محق في دعواي، ولكنكما لم تحيطا بحقيقة الحال، فشهدتما بما لا تعلمان. وهذا واضح.
ثم فرّع على هذا فقال: لو أن المدعي أقام بينة، كما ذكرنا، وأقام المدعى عليه شاهدًا واحدًا: أن المدعي قال: كذب شهودي، وشهدوا مبطلين، وأراد أن يحلف مع شاهده، فما حكمه؟ قال: إن قلنا: لو قال المدعي ذلك، سقط دعواه، فيُقبل ذلك من المدعى عليه؛ فإنه يستفيد بالشاهد واليمين إسقاطَ الدعوى، فصار كما لو أقام شاهدًا وحلف معه أن [المدعي] (١) أبرأه، فهذا مقبول. وإن قلنا: اللفظةُ التي قدمناها لو صدرت من المدعي حقيقةً، لم تتضمن سقوط دعواه، فإذا أقام المدعى عليه شاهدًا، وأراد أن يحلف معه، والمدعي منكر للّفظ، فلا حكم لما يأتي به المدعى عليه من الشاهد واليمين؛ فإن الدعوى لا تسقط، والبينة لا تسقط أيضًا، فإنه نقل طعنًا من المدعي في البينة، وما يتضمن جرحًا وطعنًا في الشهود لا يثبت بشاهد ويمين، وإن كان المشهود عليه مالًا.
وكل ما ذكرناه متعلق بالبينة.
١٢١٠٠ - فلو لم يكن للمدعي بينة، فاليمين معروضة على المدعى عليه، فلا
_________________
(١) في الأصل: " المدعى عليه ".
[ ١٨ / ٦٥٩ ]
يخلو: إما أن يُنكر، أو يسكت، فإن أجاب، وأنكر، عرض القاضي عليه اليمين باستدعاء المدعي، فإن نكل عن اليمين، لم يُقضَ عليه بنكوله.
ثم قال العلماء: المستحب أن يعرض اليمين عليه ثلاث مرات، فإن اقتصر على مرة واحدة، فله الحكم بالنكول، ولسنا نعني بالحكم بالنكول أنه يثبت على الناكل ما ادعاه المدعي، ولكن فائدة الحكم بالنكول إثباتُه النكول، ليرتب عليه رد اليمين، كما سنصفه إن شاء الله.
وهذه الأمور يعدها معظم الففهاء ظاهرة ويتخطَّوْنها من غير اهتمام بكشفها، ومعظم الغوائل فيها.
١٢١٠١ - ونحن نقول -مستعينين بالله- النكول لا يثبت ما لم يقض القاضي به إذا لم يصرح المدعى عليه بأني ناكل عن اليمين. ثم ما ذكرناه من ترديد القاضي العرضَ على المدعى عليه أدبٌ مستحب في مراسم القضاء، فإن قضى القاضي بالنكول كما (١) ظهر له في العرضة الأولى، ثبت النكول، ثم لا يجوز له أن يقضي بالنكول ما لم يظهر له ذلك من المدَعى عليه، حتى لو كان يجوّز أن يكون امتناعه عن دهش، أو كان يُقدّر أنه لم يفهم عَرْض اليمين لغباوة وعدم إلفٍ بمراسم الخصومات، فليس له أن يقضي بنكوله، وإذا ظهر له امتناعه، فإن أكد بالتكرير، فحسنٌ، وإن أراد ألا يكرر، فلا عليه.
ومما نستحسنه أن يُعلمه أنه يقضي بنكوله لو تمادى على امتناعه، فلو لم يُعلمه ذلك، وظهر له امتناعه، ولكن كان المدعى عليه لا يدري أن امتناعه مع القضاء [بنكوله] (٢) يوجب ردّ اليمين، فهل للقاضي أن يقضي بنكوله ويردَّ، أم شرطُ القضاء بالنكول إعلامُه موجَب نكوله؟ هذا فيه احتمال ظاهر والأرجح أن قضاءه بالنكول ينفذ، [وإن لم يُعلمه] (٣) حكمَ النكول.
_________________
(١) كما: بمعنى عندما.
(٢) زيادة من المحقق.
(٣) في الأصل: "وأن يعلمه".
[ ١٨ / ٦٦٠ ]
وكل ما ذكرناه فيه إذا لم يصرح بالنكول أو الامتناع عن اليمين.
١٢١٠٢ - فإن قال: نكلت، أو أنا ناكِل، أو لست أحلف، فالذي نراه أنه لا حاجة في هذا المقام إلى قضاء القاضي، وهو بمثابة ما لو أقر المدعى عليه بالحق، فلا يظهر بقضاء القاضي أثر عند الإقرار، وسنبين أثر ما ذكرناه في التفريع.
١٢١٠٣ - ثم قال الأصحاب: إنما يتحقق النكول إذا قال القاضي للمدعى عليه احلف بالله، فإذا امتنع، فإذ ذاك يقضي بالنكول، ولو قال له: أتحلف؟ فامتنع، فقد قال القاضي: لا حكم لهذا الامتناع، لأنه لم يأمره باليمين، بل استشاره فيها مستفهمًا، وهذا فيه تدبر من جهة أن قول القاضي للمدعى عليه: " احلف " مشكلٌ؛ فإنه أمر، وتوجيه الأمر عليه بالحلف، فيه غموض، هذا وجه. والآخر أنه إذا قال: أتحلف، فلو ابتدر وحلف، فهل يعتد بيمينه، أم لا؟ هذا وجه التنبيه.
وسبيل الكشف بعده أن قوله: " احلف " ليس أمرًا جازمًا، ولكنه إبانةُ وقت الحلف واليمين المعتد بها إن أرادها المدعى عليه، فإذا لم يحلف وامتنع، نفذ القضاء بنكوله، فأما قوله: " أتحلف "، فاستخبار، ولو ابتدر وحلف، لم يُعْتَدَّ بيمينه؛ فإن اليمين إنما يُعتدُّ بها إذا استحلف القاضي، والاستفهام ليس استحلافًا، ولكن إن قُدِّم الاستفهامُ، فهو حسن، ليكون الاستحلاف بعده على بصيرة.
ونظمُ الكلام أنه يقول للمدعى عليه أتحلف؟ فإن قال: نعم. قال: قل " بالله "، ثم إذا ثبت نكوله، إما بقوله نكلت، أو بحكم الحاكم بنكوله، فلو قال بعد ذلك: أحلفُ، لا يبالَى به، وهذا أثر إثبات النكول. فإن قال: نكلت، أو قال القاضي: حكمتُ بنكولك، أو أقبل على المدعي، فقال: احلف، فلو أراد المدعى عليه أن يحلف، لم يُقبل منه بعد ما وصفنا. وقوله للمدعي: " احْلِف " قضاءٌ منه بالنكول، فلا يشترط في هذا المقام أكثرُ من ذلك.
ولو أقبل على المدعي هامًّا بتحليفه يمينَ الرد، ولم يقل بعدُ " احلف " فأراد المدعى عليه أن يحلف، ففي المسألة وجهان، ذكرهما القاضي: أحدهما - أنه يحلف، لأنه لم يصرح بالنكول، ولم يأت القاضي بعدُ بما يكون حكمًا بالنكول،
[ ١٨ / ٦٦١ ]
فوقت يمينه باقٍ. والوجه الثاني - أنه لا يحلف؛ فإن إقباله على المدعي إقدامٌ منه على تحليفه، ولا يقع هذا إلا بعد إثبات النكول.
ولو جرى القضاء بنكوله أو صرح بكونه ناكلًا، فقد ذكرنا أنه لو أراد أن يحلف لم يمكَّن.
فلو قال المدعي: رضيت بأن يحلف، ففي المسألة وجهان: أظهرهما - أن القاضي يحلِّفُ المدعَى عليه برضا المدعي؛ فإن الحق لا يعدوه، فإذا رضي، جرى القاضي على موجب رضاه. والوجه الثاني - أنه لا يُحلَّف، وإن رضي المدعي؛ فإن هذا تحليفٌ بعد النكول، والنكولُ يُبطل إمكانَ اليمين.
ولكن ما ذكرناه فيه إذا أنكر المدعى عليه، ثم جرى في اليمين ما وصفناه، فأما إذا سكت ولم يُجب المدعي، فقال له القاضي: أجب، فليس بك بُكْم ولا صَمَم، فإن تمادى في سكوته، جُعل ذلك إنكارًا في حكم عرض اليمين، ثم يعرض اليمين، ويجعل التمادي على السكوت نكولًا عن اليمين، وهذا فيه إذا لم يظهر عنده سبب [مُسكت] (١).
فقد انتجز الغرض المتعلق بهذا النوع.
١٢١٠٤ - فإن نكل المدعى عليه عن اليمين، رددنا اليمين على المدعي، فإن حلف، استحق دعواه، وإن نكل، فقد قال الأصحاب: نكول المدعي عن يمين الرد بمثابة يمين المدعى عليه، وهذا طرف من الكلام يجب صرفُ الاهتمام إليه، والوجه أن نسوق كلام الأصحاب على وجهه ثم [نحوِّم] (٢) على الإشكال، ونحلّه شيئًا شيئًا بتوفيق الله تعالى.
قال الأصحاب: إن قال المدعي -وقد رُدَّت اليمين عليه-: أمهلوني ريثما أطالع حسابي، أو أستفتي، وأتثبت في أمري، فإنه يُمهَل. ثم قالوا: لا تزيد مدة إمهاله على ثلاثة أيام. ولو قال المدعى عليه -لما عرضت عليه اليمين الأولى-: أمهلوني
_________________
(١) في الأصل: " فسكت ".
(٢) في الأصل: "نحرّم".
[ ١٨ / ٦٦٢ ]
لأتدبر، وأراجع حسابي، كما ذكرناه في جانب المدعي، فلا يمهل أصلًا. وإذا ظهر امتناعه، كان ناكلًا، والفرق بينه وبين المدعي أن المدعى عليه مطالبٌ محمولٌ على الإقرار، أو اليمين، وليس صاحبَ خِيَرة، وأما المدعي، فليس محمولًا من جهة أحد، بل هو صاحب الحق؛ إن أراد قدمه، وإن أراد أخره. هذا قول الأصحاب.
فقد حصل لنا من كلامهم أن نكول المدعي ممكن، وهو نازل منزلة حلف المدعى عليه، وثبت من كلامهم أنه إذا استمهل، أمهل.
١٢١٠٥ - ونحن نقول بعد ذلك: قد اعترض لنا تصوير النكول عن اليمين مع الشاهد، وتصوير النكول عن يمين الرد، فنقول: إذا أقام المدعي شاهدًا، فكيف وجهُ نكوله؟ ومن يعرض عليه اليمين حتى ينكُل؟ وما المأخذ الفقهي الذي يربط النكول به؟
فنقول في إيضاح ذلك: إذا استعدى المدعي على خصمه، وأحضره مجلس الحكم وادعى، وأنكرالخصم، فإن أقام المدعي بيّنة، فذاك، وإن لم يقمها، فحقٌّ على القاضي أن يقول للمدعي: أحلّف خصمك إن أردت، وإلا فاقطع طلبتك عنه، واترك رفعه إلى مجلس الحكم، فإذا أقام شاهدًا واحدًا، وتمكن من الحلف معه، فلم يحلف، فينتهي الأمر إلى ما ذكرناه من تحليف الخصم، وإلزام المدعي قطعَ الخصام، وإلا فهذا يؤدي إلى أن يرفع خصمه إلى مجلس القضاء في كل ساعة يتصدى القاضي فيها للقضاء، ولا يحلّفه، ولا يقيم بيّنة، ولا سبيل إلى تسويغ هذا.
فخرج من مجموع ما ذكرناه أنه إذا أقام شاهدًا، أبان له القاضي أنه لو حلف معه، ثبت حقه؛ فإن لم يحلف، أبان له أنك لو لم تحلِّف المدعَى عليه، منعتك من إعادته إلى مجلس الحكم، فهذا تصوير النكول عن اليمين مع الشاهد.
ولو قال المدعي: أمهلوني، أمهلناه كما يمهل المدعي في يمين الرد، فإن اليمين ليست محتومة عليه، وليس هو واقفًا موقف المحمولين في الخصومة، وإذا منعناه من إعادة خصمه إلى مجلس الحكم، فلا يُعيده في تلك الخصومة إلا أن يجد بينةً كاملة، فيُعيدُه ويقيمُها، فإنه لو وجد بينة بعد حلف المدعى عليه، فعل ذلك، وقد نجز الغرض في النكول عن اليمين مع الشاهد.
[ ١٨ / ٦٦٣ ]
١٢١٠٦ - فأما تصوير النكول عن يمين الرد، ففيه مزيد إشكال؛ فإن المدعي إذا أقام شاهدًا، فالمدعى عليه يقول: حلّفني أو احلف وخلصني، وهذا لا يتأتى في يمين الرد؛ فإن المدعى عليه نكل عن اليمين، فإن قال للمدعي: احلف أو انكُل، فالمدّعي يقول له: وأنت احلف أو أَقرّ، [ففي] (١) مسألة اليمين مع الشاهد، فالمدعى عليه متعرض ليمينٍ بحق، وفي مسألة الرد هو ناكل عن اليمين، غيرُ معذور في ترك الإقرار واليمين.
هذا وجه من الإشكال. ولأجله قال بعض أصحابنا: لا يصير المدعي ناكلًا عن يمين الرد قط، إذا لم يصرح بالنكول، ولا ضبط لإمهاله بمدة، وسبيله في يمين الرد كسبيله في البينة يقيمها متى وجدها. وهذا قد يظهر على قولنا: " يمين الرد تنزل منزلة البينة "، وغالب ظني أني أجريت ذكر هذا فيما تقدم من الكتب.
ولكن المذهب المشهور تصوير النكول عن يمين الرد من غير تصريح به، والسبب فيه أنا لو لم نفعل هذا، [لرفع] (٢) خصمَه كلَّ يوم، والخصم ناكل، وهو لا يحلف يمين الرد، فلا يتفرغ القاضي من خصومته إلى شُغْلٍ، ولا يجوز أن يُفضي القضاء إلى مثل هذا، فيجب إذًا قطْع الخصومة، ومن ضرورة هذا أن نحكم بنكول المدعي إذا امتنع، ثم إن استمهل أمهلناه ثلاثة أيام بلا مزيد، وهي مدة ثابتة في قواعدَ من الشريعة، ومدة إمهال المرتد إذا رأينا إمهاله ثلاثةُ أيام، وهي مدةُ الخيار، ومقامُ المسافرين. ولو امتنع ولم يستمهِل [لا نمهله] (٣) ثلاثةَ أيام ثم نقضي بالنكول، بل نعجل القضاءَ بالنكول إذا لم يُظهر عذرًا.
وقد تم ما أردناه من تصوير النكول باليمين مع الشاهد، وتصوير النكول عن يمين الرد على أبلغ وجه في البيان.
ولو نكل المدعي عن يمين الرد، فقال: [إني] (٤) نكلت، فحلّفوا خصمي، فلا
_________________
(١) في الأصل: " فهي ".
(٢) في الأصل: " لرجع ". والمعنى لرفع خصمه كل يومٍ إلى مجلس القضاء.
(٣) في الأصل: "لا نطرده" والمثبت من (ق).
(٤) في الأصل: " إن ".
[ ١٨ / ٦٦٤ ]
نجيبه؛ فإن اليمين، انقطعت عن جانب المدعى عليه بنكوله، فلا عود إلى ما تحقق انقطاعه، ثم هذا لو قيل به، لأفضى إلى الدَّور، والغرض أن تنفصل الخصومة، لا أن تتسلسل.
وقد عقد الشافعي بابًا في النكول ورد اليمين، وغرضُه محاجَّة أبي حنيفة في قضائه بالنكول. وليس ذلك من شرطنا.
فصل
قال: " فإن قيل: كيف أحْلَفت في الحدود والطلاق إلى آخره " (١).
١٢١٠٧ - كنا ذكرنا إن الباب مشتمل على النكول والرد، وعلى ما يجرى التحليف فيه، وقد تم الغرض في أحد الفصلين، فأما ما يجري التحليف فيه، فكل ما تتعلق الدعوى به، وتقام البينة عليه، فاليمين جاريةٌ فيه، كالطلاق، والعَتاق، والفيئة في الإيلاء، والرجعة، والولاء، والنسب، والنكاح.
وعند أبي حنيفة (٢) لا تجري اليمين في هذه الأشياء، وقيل: بناء مذهبه على أن اليمين تُطلب بتقدير النكول، ثم القضاء يقع بالنكول، والنكولُ نازلٌ منزلة البذل والإباحة، ولا مدخل للبذل في هذه الأصول، وهذا كلام مضطربٌ، لا استناد له إلى قاعدة من قواعد الشريعة.
ونحن اعتمدنا الدعوى، وسماعَ البينة، [فالعقوبات] (٣) تتمحض حدودًا لله، لا تنتظم فيها الدّعوى، وإن كانت البينة تقوم على موجباتها، فلا جرم لا يجري التحليف فيها، والنكاح، والرجعة، والطلاق والعَتاق، والفيئة في الإيلاء، والولاء، والنسب، تجري الدعوى فيها، وتقوم البينة عليها.
ومما يجب التثبّت فيه أن شهادة الحسبة تجري في الطلاق، والعَتاق، وإذا كان
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٥٥.
(٢) ر. مختصر الطحاوي: ٣٣٣، طريقة الخلاف: ٣٩٥ مسألة: ١٦٢، إيثار الإنصاف: ٣٥٠.
(٣) في الأصل: "بالعقوبات".
[ ١٨ / ٦٦٥ ]
كذلك، فلا ارتباط للبينة بالدعوى، ولكنا لسنا نعني دعوىً تقتضي البينة أو تقتضيها البينة، وإنما نعني أن الدعوى تنتظم فيها، وتصح، ثم التحليف يجري متعلقًا بما ذكرناه. إلا أن يؤدي إلى فساد حال.
وبيان ذلك أن المشهود عليه لو ادعى على الشاهد تعمّد الكذب، فالدعوى منتظمة، ولو أقام بينة على إقرار الشاهد بذلك لسُمعت، ولكن لو أراد تحليف الشاهد، لم يجد إليه سبيلًا؛ فإن هذا يُطَرِّقُ إلى الشهود أمرًا عظيمًا لا يحتمل، وقد يرتدعون عن الشهادة لأجله، وكذلك لو ادعى الخصم على القاضي تحيُّفًا في القضاء، فالدعوى منتظمة، والبينة على شرطها مسموعة عند قاضٍ آخر. ولكن لا سبيل إلى تحليف القاضي في زمان ولايته. وإن عُزل، فقد قدمنا تفصيل المذهب في الدعاوي المسموعة على القاضي المصروف.
ولو قذف رجل رجلًا، ثم ادعى عليه أنك زنيتَ، وأراد أن يحلّفه على ذلك، فقد قال الأصحاب: له أن يحلّفه؛ فإن حلف، استقر حد القذف على القاذف، وإن نكل، رددنا اليمين على القاذف، فإن حلف، لم يثبت الزنا بحلفه، ولكن يندفع حد القذف عن القاذف، فإذًا فائدة عرض اليمين ترجع وتؤول إلى دفع حد القذف، وهو من حقوق الآدميين.
فرع:
١٢١٠٨ - إذا نكل المدعي عن اليمين المردودة، ثم أقام شاهدًا، وأراد أن يحلف مع شاهده، ففي المسألة قولان: أحدهما - لا يكون له ذلك؛ لأنه نكل عن اليمين في هذه الواقعة. والثاني - له ذلك؛ لأن هذه اليمين غير تيك التي نكل عنها.
وكذلك إذا أقام شاهدًا واحدًا، ونكل عن اليمين معه، فعرضنا اليمين على المدعى عليه، فنكل، فأراد المدعي أن يحلف يمين الرد، فقولان كما تقدم، وقد ذكرنا نظائر لذلك في كتاب القسامة، عند فرض النكول عنها، والرغبة في يمين الرد بعدها. وإذا اتضح الغرض، فالإيجاز أولى.
ومما اشتهر في المسائل قولان استنبطهما الأصحاب من كلام الشافعي في أن يمين الرد بمثابة بينة تقام، أم هي بمثابة إقرار المدعى عليه؟ ولهما فوائدُ وآثارٌ
[ ١٨ / ٦٦٦ ]
[سبقت] (١) في مواضعها، وسيأتي منها ما لم يأت.
فرع:
١٢١٠٩ - إذا وكل في مجلس الحكم بحضرة القاضي من يخاصم عنه، صح التوكيل، وله أن يخاصمه، وإن وكّله في غير المجلس، فجاء وادَّعى أنه وكيل فلان، وأراد أن يقيمَ البينة، فقد اختلف أصحابنا في المسألة، فذهب ذاهبون إلى أن له أن يثبت الوكالة من غير إحضار الخصم، ثم إذا ثبتت، استعدى على الخصم، وأحضره، وابتدأ المخاصمة.
قال القاضي: الذي عندي أنه لا تُسمع بيّنتُه هكذا، بل يُحضر الخصمَ، ويدعي عليه أني أستحق مخاصمتك بتوكيل فلان إياي، فيربط دعواه به، ويثبت الوكالة بالبينة، ووجه ذلك أن الوكالة حقُّ آدمي، فينبغي أن تُربط بخصم عند محاولة الإثبات.
ثم قال القاضي في أثناء كلام له: الخصم إذا حضر مجلس الحكم، فالغالب أنه يقول لمن يوكله هذا وكيلي بالخصومة، ولا يخصصه؛ وحكم ذلك أنه ينتصب وكيلًا له في كل خصومة، غيرَ أن القضاة يرونه وكيلًا في تلك الخصومة في ذلك المجلس لا غير، وإنما بَنَوْا ذلك على ما علموه من عادات الخصماء على اطراد، ونزلوا اللفظ على المفهوم منه في التعارف.
ثم قال: إذا أنكر الخصم الوكالة، ولم يُقم الوكيل بينة، فقال للقاضي: حلّفه: لا يَعْلَمُني وكيلًا في الخصومة معه، فالقاضي لا يحلّفه؛ لأن أكثر ما في الباب أن يقر بوكالته، ولو أقر بالوكالة، وقال: لا أخاصمه، فإني لا آمن أن ينكر الموكِّل وكالته، فأحتاج أن أستأنف الأمرَ معه، فله أن يقول ذلك، وهذا [كما] (٢) لو ادعى أنه وكيل فلان في قبض ماله، فلو أقر من عليه الحق بالوكالة، لم يلزمه الدفع إليه للعلة التي ذكرناها.
وإذا قال المدعَى عليه بعد ثبوت الوكالة: حلّفه أيها القاضي "ما عُزل أو لم يمت موكِّله"، فالقاضي يحلفه على نفي العلم.
_________________
(١) في الأصل: " ثبتت ". والمثبت من (ق).
(٢) زيادة من (ق).
[ ١٨ / ٦٦٧ ]
فصل
قال: " ولو قال: أَحْلفه: ما اشتريتُ هذه الدار إلى آخره " (١).
١٢١١٠ - إذا ادعى على صاحب اليد في الدار، وقال قد بعتَ هذه الدارَ مني، والتمسَ من القاضي أن يحلّفه على نفي البيع منه، فالقاضي لا يجيبه؛ فإنه لم يدّع الملك في الحال، وما لم يدع ذلك، لم يكن مدَّعيًا لاستحقاقٍ ناجز، وإنما يطالب القاضي الخصمَ بالجواب إذا توجهت عليه دعوى في استحقاق ناجزٍ، مع طلب الخروج من موجَب الدعوى، ولو قال: بعتَ مني واختصر، فلا يبعد أن يكون صادقًا، ولكن عادت الدار إلى ملك البائع، وهي مقرَّة على ملكه الآن.
وإن قال المدعي: الدار التي في يده ملكي الآن، واشتريتها منه، فالدعوى مسموعة، ثم المدعَى عليه بالخيار: إن شاء، قال: ما بعتها منه، وإن شاء، لم يجبه على وفق الدعوى لفظًا ومعنىً، بل قال: لا يلزمني تسليمُ الدار إليه، والجواب على هذا الوجه مقبول.
وكذلك إذا ادعى عليه أنه مزّق ثوبه، وعليه أرشُه، فلا يلزمه أن يقول: ما مزّقتُ، بل إن شاء قال: لا يلزمني غرامةُ الأرش له.
وإنما يسوّغ الشرعُ مثلَ ذلك، لأنه ربما كان مزّقه، لكن بإذنه، ولو اعترف بالتمزيق وادعى الإذن، فربما يحلف صاحبُه.
وذهب أبو يوسف إلى أنه يجب على المدعى عليه أن يجيب عن عين ما يذكره المدعي.
ولو ادّعى المدّعي مثلَ ما ذكرناه؛ فأنكر المدعى عليه عينَ ما ادعاه، ثم لما عُرضت اليمين عليه أراد أن يحلف، لا يلزمه تسليم الدار، أو أرش التمزيق، ففي قبول اليمين على التأويل مع تقدم الإنكار على التصريح وجهان. وسيكون لنا إلى هذا الأصل عَوْدٌ في كتاب الدعاوى، إن شاء الله ﷿.
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٥٥.
[ ١٨ / ٦٦٨ ]
فرع:
١٢١١١ - إذا رهن بدينٍ عليه شيئًا عند صاحب الحق، ثم إن الراهن ادّعى تلك العين على المرتهن؛ فإنه يحلف، لا يلزمه تسليمُ العين إليه؛ فإنه لو أقر بملكه، وادعى الرهن، لم يصدقه القاضي، وانتزعه من يده.
وإذا ادعى المرتهن على الراهن الدَّينَ، فهو مُحق في دعواه، فلو كان الراهن لا [يأمن] (١) جحودَ المرتهن الرهنَ، فقد كان الشيخ القفال يقول: له أن يقول: أتدعي عليّ ألفًا بها رهنٌ عندك حتى أجيبك، أو تدعي ألفًا آخر؟ قال: لأنه لو أقر بالدين المطلق، فربما ينكر صاحبُه الرهنَ، ويستمسك بظاهر اليد، فيتضرر به الراهن.
قال القاضي: لا يُقبل عندي من المدعى عليه ترديد القول والجواب على هذا الوجه؛ فإن القاضي لا يبحث عن جهة الوجوب، ولا يطلب منه أن يذكر سبب الاستحقاق، وللمدعى عليه مع بتّ الجواب حيلةٌ أخرى مستقيمة على قياس الأصول، وهي أن يجحد الحق إذا جحد المرتهنُ الرهنَ؛ وذلك لأن العين المرهونة تدخل في ضمان المرتهن بالجحد، فللراهن الذي عليه الحق أن يجحد ويمتنع من أداء ما عليه، إذا كانت قيمةُ المرهون قدرَ الدين (٢).
وكل من غصب عينًا من إنسان، وللغاصب على المغصوب منه دين، فللمغصوب منه أن يجحد حقه ويمنعه، مع اعتبار المساواة في القدر، كما وصفنا.
فرع:
١٢١١٢ - إذا ادعى على رجل مالًا، فقال المدعى عليه -بعد الإنكار-: قد حلفتني في هذه الدعوة مرةً أخرى، نظرنا: فإن ادعى أنه حلّفه في مجلس هذا القاضي، فالرجوع إليه، فإن تذكر [ما ادّعاه] (٣) المدعى عليه مَنَع المدعي من تحليفه مرة أخرى، وإن لم يتذكر ما ادعاه المدعَى عليه من التحليف، فلا مبالاة بقوله، وتتوجه عليه اليمين.
_________________
(١) في الأصل: " يأمل "، والمثبت من تصرف المحقق. ثم وافقتنا (ق).
(٢) إلى هنا انتهت نسخة (ق)، وسيستمر العمل على نسخة وحيدة إلى أن نلتقي بنسخة (ت٥) من أول باب الشهادة على الشهادة.
(٣) زيادة لاستقامة العبارة.
[ ١٨ / ٦٦٩ ]
وإن ادعى المدعى عليه تحليف الخصم إياه عند قاضٍ آخر، فهل يسمع قول المدعى عليه؟ فعلى وجهين: أحدهما - يسمع هذا منه، لأن المدعي لو أقر به، لانتفع المدعى عليه، وتخلص من الخصومة. والثاني- لا تسمع، لأنه ليس بحقٍّ يدعيه. وقد ذكر الوجهين أبو سعيد الإصطخري، فإن قلنا: يُسمع، فإن كان للمدعى عليه بينة أقامها عليه، وتخلص من هذه الخصومة، وإن لم تكن له بينة، فالقول قول المدعي: يحلف بالله ما حلّفه، فإن حلف، فذاك، وإن نكل، حلف هو، وتخلص عن الخصومة.
ولو قال المدعى عليه -والتفريع على سماع الدعوى في ذلك- أمهلوني لأقيم البينة، قال القاضي: القياس أن يمهل ثلاثةَ أيام، قياسًا على الاستمهال في نظائر ذلك، قال: ولكني أقول: لا نمهله أكثر من يوم واحد؛ فإنه يشبه المراوغ المتعنت.
وهذا الذي ذكره غير لائق [بفقهه] (١)، فإن القياس إن صح، فلا يدافع بمثل ذلك. نعم، يتجه أن نقول: لا نمهله أصلًا؛ لأن اليمين متوجهة عليه في أصل الخصومة، وهو يريد أن يدرأها باحتيال واستمهال، وليس كالمدعي إذا ردت عليه اليمين، فاستمهل؛ فإنه صاحب الحق، واليمين حجته، ولا طلبة عليه، وإنما الإشكال في أن المدعي كيف يصح نكوله عن يمين الرد، كما قدمنا ذكر ذلك، والمدعى عليه مطالب باليمين، وهو بما يذكره من إقامة البينة مدافع ليمينٍ توجهت عليه.
فرع:
١٢١١٣ - إذا ادعى رجل مالًا على رجل، وصحت دعواه فيه، فقال المدعى عليه: قد أبرأني عن هذه الدعوى، قال الإصطخري: هذه الدعوى مسموعة، وقال القفال: لا تسمع، وكان القفال يقول: إنما يستقيم هذا على أصل أبي حنيفة (٢)، حيث يجوّز الصلح مع الإنكار، فأما على أصلنا، فلا يصح، لأنه ادعى الإبراء مما لم
_________________
(١) في الأصل: " بفقه ".
(٢) ر. مختصر الطحاوي: ٩٨، مختصر اختلاف العلماء: ٤/ ١٩٥ مسألة: ١٨٨٧، رؤوس المسائل: ٣١٥ مسألة ٢٠١، طريقة الخلاف للأسمندي: ٤٢٨ مسألة ٧٧٤.
[ ١٨ / ٦٧٠ ]
يثبت إذا (١) قال: أبرأتني عن الدعوى. والدعوى تنقسم حقًا وباطلًا، فدعوى الإبراء عن الدعوى إنما هي دعوى في شيء غير صحيح.
وعلى مذهب الأصطخري لو سمعنا هذه الدعوى، فنقول: يصح الإبراء عن الدعوى لو صدر من المدعي، فلو أقام المدعى عليه البينة على إبراء المدعي عن الدعوى، بطل حق المدعي، حتى لو أراد المدعي أن يقيم البينة على الحق، لم تقبل منه، وإن نكل المدعي عن اليمين، وحلف المدعى عليه على إبرائه، ثبت مقصوده، وانقطعت الدعوى.
ولو ادعى مالًا وصحت (٢) الدعوى، فقال المدعى عليه: قد أبرأني عن هذا المال، فهذا إقرار منه بالمدعَى؛ فإن الإبراء من ضرورته تقدم الحق عليه، فقد اعترف بالحق، وادعى على مستحِقه إسقاطَه، فيطالَب بإقراره، وله الدعوى.
ثم في كلام القاضي ما يدل على أن المدعى عليه إذا ادعى إبراءً عن الحق، أو إيفاءً، فهو مطالب بالحق. يقال له: أدّ ما لزمك، ثم استفتح دعواك.
وهذا لا أعرف له وجهًا. والأصحاب مجمعون على خلافه. وكيف يطالب المدعى عليه بإيفاء الحق، ودعواه مسموعة في الإيفاء، وفصلها ممكن في الحال بتحليف المدعي؟ نعم، لو ادعى الإبراءَ، وقال: لي بينة، فأمهلوني في إقامتها إياها، فلا نمهله الآن، ونقول: أدّ ما ثبت عليك، أو اقنع بتحليف صاحبك على نفي الإبراء، ثم أدّ، وإن كان لك بيّنة، فأقمها من بعدُ. ونحن نُتبع (٣) الحكم، وله -إن صدق- أن يصابر الحبس أيامًا معدودة ليحضر بيّنته.
وهذه الصورة الآن تناظر مسألة وكيل الغائب في الحكم، فإذا حضر وكيلٌ، وأثبت حقًا لموكله على خصمه، فقال المدعى عليه: قد أبرأني موكلك، فنقول له:
_________________
(١) إذا: بمعنى " إذ ".
(٢) صحت الدعوى: أي صحت في نظمها وترتيبها، واستوفت شروط قبولها، وليس المراد ثبت المدَّعى به.
(٣) أي: نتبع الحكمَ البينة.
[ ١٨ / ٦٧١ ]
أدّ ما عليك، ثم إذا حضر الموكل، فادّع، واستدرك؛ فإنا لو لم نقل هذا، لأدى إلى تعطيل فائدة التوكيل على الغَيْبة.
فصل
١٢١١٤ - ذكر صاحب التلخيص مسائلَ في نوعين: أحدهما - في امتناع جريان التحليف، والثاني - في امتناع ردّ اليمين بعد النكول.
فأما النوع الأول- فمن مسائله فيه، أن من نصب وصيًا في تركته، فجاء إنسان، وادعى أنه قد أوصى له الميت بوصيةٍ؛ فإن أقام البينة، تثبت الوصية، وإن لم يُقم، وأراد أن يحلّف الوصيّ بالله لا يَعلم ذلك، فلا يجد إلى تحليفه سبيلًا، إذا لم يكن الوصي وارثًا.
وهذا ظاهر؛ لأن الوصي لو أقر بالوصية، لم تثبت بقراره؛ فلا معنى لتحليفه، ولو كان الوصي وارثًا، فاليمين تتوجه عليه حينئذ بحق الوراثة.
ومما ذكره مسألة الوكيل: إذا جاء رجل، وادعى أنه وكيل غائبٍ، ولا بينة له، فإن أراد أن يحلّف الخصمَ على نفي العلم بالتوكيل، فقد ذكرنا أنه ليس له ذلك، لأنه لو أقر بالتوكيل ولا بينة، فله أن يمتنع لما يتوقعه من إنكار الموكّل لأصل الوكالة.
وألحق الأئمة بما ذكره تحليفَ الشاهد والقاضي (١)، وقد أوضحنا امتناع ذلك لما فيه من الفساد.
_________________
(١) هنا أمر عجب، وهو أن ما نسبه الإمام إلى صاحب التلخيص، وذكر أنه من مسائله ليس موجودًا في التلخيص المطبوع الذي بين أيدينا، وما قال: إن الأئمة ألحقوه بما ذكره صاحب التلخيص- فالأمر بالعكس هو الذي في التلخيص. وهاك نص كلام صاحب التلخيص، قال: "ويجب اليمين في كل حق لابن آدم إلا في أربعة مواضع: أحدها - القاضي، إذا ادعى رجل بعد العزل أنه حكم بباطلٍ أيام قضائه، وادعى عليه قيمة ما أتلف، فإن أقر القاضي، لزمه، وإن أنكر، فلا يمين. قاله نصًا. [ثانيًا]- وكذلك الشاهد: إذا شهد على رجل بطلاق، أو عَتاق، أو غيره، فادعى المحكوم عليه أنه شهد بزور، وأراد قيمة ما أتلفت شهاته، فإن أقر، لزمه، وإن أنكر، فلا=
[ ١٨ / ٦٧٢ ]
ومما ذكره أن من ادعى على إنسان شيئًا، فادعى المدعى عليه أنه صبي، وكان ما يقوله محتملًا، فالخصومة تقف، فلو قال المدعي: حلّفوه على الصبا، لم نحلّفه، لأن الصبيَّ لا يحلّف، وتحليفه ينافي قبولَ دعواه.
١٢١١٥ - فأما المسائل التي ذكرها من النوع الثاني، وهي إذا امتنع رد اليمين بعد نكول الخصم، فمنها: أن الساعي إذا طلب الزكاة، فقال رب المال: قد أديتُها، فالقول قوله، فإن حلَّفناه، فنكل، فلا سبيل إلى رد اليمين على الساعي، ولا على المستحقين -ولا حصر لهم- فماذا نصنع والحالة هذه؟ فيه تفصيل قدمتُه في كتاب الزكاة، وأنا أعيد منه ما أظن أني لم أذكره، فأقول: من أصحابنا من ذهب إلى أن اليمين غيرُ مستحَقة على رب المال، فعلى هذا لا أثر لنكوله. ومنهم من قال: اليمين مستحَقة عليه، فإذا حلفناه، فنكل، ففي المسألة أوجه: أجدها- أنه يُقضى عليه بالنكول؛ فإن اليمين قد تعذَّر ردُّها (١)، والثاني - لا يقضى بالنكول؛ فإنه ممتنعٌ على أصل الشافعي، ولا سبيل إلى الرد، فيُحبَس المدعى عليه حتى يحلف أو يؤدي ما عليه ويُقر.
وهذا بعيد عن قاعدة الشافعي؛ فإن الإجبار على التحليف إنما صار إليه أبو حنيفة في القسامة وغيرها.
والوجه الثالث - أنا نفصل بين أن يكون رَبُّ المال على صورة المدعين، وبين أن
_________________
(١) =يمين عليه. قلته تخريجًا على المسألة الأولى. [ثالثًا]- وكذلك لو ادعى عليه شيئًا في يده، فقال: هو لولدي الصغير، لم يحلَّف. [رابعًا]- وكذلك لو ادعى رجلان في امرأة، فأقرت أنها زُوّجتْ لأحدهما، لم تحلَّف للآخر " (ر. التلخيص: ٦٤٥). هذه هي المسائل الأربع التي ذكرها التلخيص نصًَّا، وليس فيها واحدة من الثنتين اللتين نسبهما الإمام إليه. ولكن فيها الثنتين اللتين ذكر الإمام أن الأئمة ألحقوهما بما ذكره صاحب التلخيص. هذا وقد خالفنا منهجنا، فلم نكتف بالإشارة إلى الموضع من (التلخيص)، وأوردنا النص بكامله -محتملين الإطالة على كُره- تأكيدًا للدعوى التي ادعيناها على الإمام.
(٢) هذا ما ذكره صاحب التلخيص: ٦٤٦.
[ ١٨ / ٦٧٣ ]
يكون نافيًا على صورة المدعى عليه؛ فإن كان مثبتًا، مثل أن يقول: أدّيتُ الزكاة.
١٢١١٦ - ومما أورده من هذا الجنس أن الذمي إذا ضربنا عليه الجزية، فلما انقضى نصف السنة، غاب عنّا، وعاد بعد انقضاء الحول مسلمًا، وقال: قد أسلمت قبل انقضاء الحول، وفرّعنا على قولنا: إن الذمي إذا أسلم قبل انقضاء الحول، لم يلزمه شيء من الجزية لما مضى من الحول في الشرك، فإذا ادعى ذلك قُبل قوله؛ فإن ما يقوله ممكن، والأصل براءة الذمة، فنحلّفه، فإن حلف، فذاك، وإن نكل عن اليمين، فلا سبيل إلى رد اليمين على أهل الفيء.
ففي المسألة ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يُقضى عليه بنكوله، فتلزمه الجزية (١).
والثاني - لا يقضى عليه بالنكول، ولا سبيل إلى الرد، فلا يلزمه شيء. وهذا عندي إسقاط اليمين؛ فإنه يَنْكُل، فلا يلتزم شيئًا، ولا سبيل إلى حمله على اليمين. والوجه الثالث - أنه يحبس حتى يحلف أو يعترف [بما عليه] (٢).
ثم قيّد صاحب التلخيص هذه المسألة بالغَيْبة (٣)، فقال: لو غاب ثم جرى ما جرى، وعاد مسلمًا، فظاهر هذا يدل على أنه لو بقي بيننا، ولما انقضت السنة، صادفناه مسلمًا، فادعى أنه قد أسلم قبل الحول، ولم يُخْبرنا، وكتمَ إسلامَه عنا، فلا يقبل قوله في هذه الصورة؛ إذ الظاهر أن من يسلم لا يكتم إسلامه في بلاد الإسلام؛ فلم يقبل قوله، والأصل عدم ما يدعيه، فتلزمه الجزية، إلا أن يقيم بيّنة.
والذي أراه أنا لو ألزمناه في مسألة الغَيْبة الجزية إن لم يُقم بينة على إسلامه قبل انقضاء السنة، لم يكن ذلك بعيدًا؛ فإن إسلامه في الغيبة وإن كان ممكنًا، فهو ثبوت أمر يناقض موجَبَ عقد ملزم؛ وقد قلنا: لو ادعى الموكّل عزْلَ الوكيل في الغيبة - تفريعًا على نفوذ عزله- فلا يقبل قوله ما لم يُقم البينة، وهذا أمثل من الوجوه الثلاثة التي ذكرناها.
١٢١١٧ - ومما ذكره صاحب التلخيص في ذلك أنا إذا أسرنا طائفةً من الكفار وأردنا
_________________
(١) هذه هي المسألة الثانية من مسائل صاحب التلخيص: ٦٤٦.
(٢) في الأصل: " ما عليه ".
(٣) ر. التلخيص: الموضع السابق نفسه.
[ ١٨ / ٦٧٤ ]
قتل مقاتلتهم، فقال واحد منهم: لست ببالغ، فالحكم أنا نكشف عن مؤتزره، فإن كان أَنْبت، حكمنا ببلوغه، وقتلناه في القتلى، فلو قال: قد داويتُ واستعجلت الإنبات، فحصل في غير حينه، فإن قلنا: الإنبات عين البلوغ، فلا فائدة لقوله، وقد استعجل سبب حتف نفسه، وإن جعلنا الإنباتَ علامةَ البلوغ، فنحلّفه في دعوى العلاج، فإن حلف، لم نقتله، وكان من الذُّرية (١)، وإن نكل عن اليمين، فقد نُقل نص الشافعي في أنه يقتل. وهذا قضاء بالنكول.
وهذه المسألة فيها وقفات:
منها - أنه قد ادعى الصبا، وتحليفُ من ادعى الصبا متناقض كما سبق ذكره. قال الشيخ (٢): لكنا عولنا في تحليفه على ظاهر الإنبات، وإن كان هو يدعي الصبا، ولكن ظاهر الإنبات يكذبه، فحلّفناه. قال الشيخ: هذا مشكل مع هذا.
ثم إذا حلّفناه، فنكل، فالنص ما ذكرناه. وفي المسألة وجه آخر أنه استعجل، وهذا فيه إشكال من وجه آخر، وذلك أنه إذا تحقق بلوغه، فيحتمل أن يقال: لا يقتل، بل يدام الحبس عليه حتى يحلف أو يقر بأني ما كنت استعجلت فيقتل؛ وذلك لأن البلوغ المتحقق لا يخرجه عن الذرية أمس، وهو لا يقتل لبلوغ [حالٍّ] (٣)، وإنما يقتل لتبين بلوغه عند الأسر، هذا ما أردنا أن نذكره في ذلك.
١٢١١٨ - ومما ذكره من هذا الجنس أن غلامًا يافعًا من الأولاد المرتزقة إذا عرض نفسه، وزعم أنه قد بلغ لنُثبت اسمَه في الديوان (٤)، ونُجريَ له السهم، وكان صدقه محتملًا، قال: نحلّفه، فإن حلف، فذاك، وإن نكل، لم يثبت له سهمُ المرتزقة.
وقد تكلم الأصحاب في هذه المسألة على وجهين: أحدهما - أن منهم من قال: إذا ادعى البلوغ، صُدِّق، ورُجع إلى قوله، ولم نحلّفه؛ فإن الإمام إن قدره بالغًا، لم
_________________
(١) هذا ما اقتصر عليه صاحب التلخيص.
(٢) الشيخ: المراد هنا هو القفال، كما يظهر من عبارة الرافعي، والنووي. (ر. الشرح الكبير: ١٣/ ٢٠١، والروضة: ١٢/ ٣٨).
(٣) في الأصل: "حاله".
(٤) هذه من مسائل التلخيص: ص ٦٤٧.
[ ١٨ / ٦٧٥ ]
يحتج إلى تحليفه، وإن قدّره صبيًا، فلا حكم ليمينه، وقالوا: إن حلّفه، فنكل، فليس هذا من باب القضاء بالنكول -إن رأينا تحليفه- بل هو من باب عدم الحجة، فقد ادعى أمرًا لا حجة معه فيه، واليمين في حقه في هذا المقام بمثابة البينة في حق المدعي، فإنه ليس يُدّعى عليه أمرٌ حتى يفرض نكوله ويطلبَ بعد نكوله الرد. هذا منتهى ما أورده صاحب التلخيص (١).
١٢١١٩ - وألحق الأصحاب بما ذكره أن من مات، ولم يخلّف ورثةً خاصة، وورثه المسلمون، وكان له دين على إنسان، فادعاه منصوب السلطان، فأنكره، ولا بيّنة، فيحلِّفه، فلو نكل، فلا سبيل إلى الرد. وفي الممسألة وجهان ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنه يُقضى عليه بالنكول، بخلاف قياس الباب؛ لأنا حيث لا نقضي بالنكول، نجد مَردًّا بتحقيق اليمين، وهو يمين المدعي، فلا نبرم الحكمَ دون عرضها إذا أمكن ذلك، والنكول حيث لا رد منتهى الخصومة، فلا يبعد أن يُنسب صاحبُه إلى العناد، وقصْدِ دفْع (٢) الحق والامتناع عنه.
والوجه الثاني - أنه يحبس ليحلف، أو يُقر كما قدمناه، والفرق بين هذه الصورة وبين مسألة الزكاة أنه يجري في مسألة الزكاة وجهٌ أن الاستحلاف ليس مستحقًا، واليمين في الصورة التي ذكرناها الآن مستحقة على قياس الخصومات، فلم يخرّج أصحابنا وجهًا أنه يُترك إذا نكل، ولا يُقضى بالنكول ولا يحبس؛ فإن هذا إن قيل به، فحاصله إسقاط اليمين رأسًا، وقد كان شيخي يذكر هذا الوجه في هذه المسألة، وهو أنا نخلّيه، ولا نقضي عليه، غير أنا نُعصِّيه لو عاند، وهذا لا حاصل له.
_________________
(١) بقيت مسألة أوردها صاحب التلخيص، ولم يذكرها الإمام، وهي بنصّها: " لو قال رب النخل: قد أحصيت مكيل ما أخذت، وهو كذا، وقد أخطأ الخارص، أو قال: أصابته جائحة، أو سرقة، صُدِّق، فإن اتهم حلّف، فإن نكل حكم عليه ". ا. هـ ثم قال: " قلتُه تخريجًا " ثم عقب قائلًا: وفي هذه المسائل قول آخر: أنه يحبس حتى يحلف، أو يعترف. (ر. التلخيص: ٦٤٦).
(٢) دفع الحق: أي ردّه وعدم قبوله. وليس الدفع بمعنى الأداء كما هو متبادر في لساننا الآن.
[ ١٨ / ٦٧٦ ]
نسأل الله تعالى حسن الإعانة، وتقييض منصفين ينظرون في مجموعنا هذا، وهو ولي التوفيق.
الإمام
في نهاية المطلب
[ ١٩ / ٤ ]