قال الشافعي ﵁: " ولو هلك نصراني، له ابنان مسلم ونصراني إلى آخره " (١).
١٢٢٥٦ - إذا مات رجل وخلّف ابنا نصرانيًا، وابنا مسلمًا، فاختلفا، فقال النصراني: مات نصرانيًا، فلي ميراثه، وقال الئاني: بل مات مسلمًا، فلي ميراثه، فلا يخلو إما أن يكون قد عُرف دين المتوفى من قبل، أو لم يعرف له دين، فإن اشتهر بالتنصر، ثم تداعيا، فإن أقام أحدهما بينة دون الثاني، قُضي له بالبينة.
فإن لم تكن لهما بينة، وقد عُرف المتوفى بالتنصر، فالقول قول النصراني؛ لأن الأصل دوام ما كان عليه، ومن يدعي الإسلام يدّعي أمرًا جديدًا، والأصل عدمه.
ولو كانت المسألة كذلك، فأقام كل واحد منهما بينة، فبينة الابن المسلم مقدمة؛ فإن بينته ناقلةٌ مختصة بمزيد علم، وبينة التنصر مستندة إلى استصحاب ما كان عليه، وهذا فيه إذا كانت البينتان مطلقتين، فشهدت إحداهما بأنه مات مسلمًا، وشهدت الأخرى بأنه مات نصرانيًا، وتقديم البينة الناقلة على البينة المستديمة أصل ممهد في البينات.
فلو شهدت بينة بأن فلانًا أصدق امرأته هذه الدار، وشهدت بينة لابنه بأنه ورثها من أبيه، فبينة الإصداق مقدمة؛ لأنها ناقلة، وبينة الإرث لا تصادمها إلا من جهة التعرض لنفي الإصداق، وهذا لا ثباتَ له.
وكذلك إذا شهدت بينة لواحد بالشراء، وشهدت بينة للابن بالميراث من ذلك الشخص الذي شهدت البينة الأولى بالشراء منه، فبينة الشراء مقدمة. هذا إذا كانت البينتان مطلقتين.
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٦٢.
[ ١٩ / ١٣٣ ]
فأما إذا كانتا مقيدتين: مثل أن تشهد بينة الإسلام بأنه نطق بالإسلام، ومات عقيبه، وشهدت بينة التنصر أنه نطق بكلمة التنصر ومات عقيبها، فهما متناقضتان في هذه الصورة، فتخرج المسألة على قولي التهاتر (١).
فإن قلنا: إن البينتين تتهاتران، فيجعل كانهما لم تكونا، ولو لم تكن بينة، لكان الأصل بقاء التنصر، وإن قلنا باستعمال البينتين، ففي الاستعمال الأقوال الثلاثة، وهي بجملتها جارية في هذه الصورة، أما القرعة، والوقف، فلا شك في جريانهما، والقسمة جارية عند المعتبرين من الأصحاب.
وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: لا يُخرَّج قول القسمة. فإن النزاع آيل إلى الميراث، ويستحيل انقسام الميراث بين مسلم وكافر، وليس كما لو ادعى رجلان دارًا عن شراء على صاحب يد؛ فإن قول القسمة عند قيام البينتين يجري؛ فإن الانقسام في الشراء ممكن، ولا يتصور الانقسام في الميراث بين المسلم والكافر.
وهذا الذي ذكره غيرُ معتد به؛ فإن قول القسمة لا يعتمدُ إلا إمكان الشركة في الجنس المدعى، فأما الجهات، فلا نظر إليها؛ فإن القسمة إنما تجري لاستواء المتداعيين في متعلقيهما، وليس أحدهما أولى من الثاني، والتعطيل عند هذا القائل لا سبيل إليه، وليست القسمة لتخيلنا ثبوت استحقاقهما على الانقسام؛ ولم أذكر هذا الوجه لضعفه عند تمهيد الأصول.
وكل هذا فيه إذا عُرف أصل دينه. ثم جرى الخلاف كما وصفنا.
١٢٢٥٧ - فأما إذا لم يعرف أصلُ دينه، ولكن ادعى أحد الابنين -وهو المسلم منهما- أنه كان مسلمًا ومات على الإسلام، وادعى النصراني منهما أنه كان نصرانيًا، وأقاما بينتين، فهما متناقضتان، والتفصيل فيه كما قدمنا في التهاتر والاستعمال.
ولو لم تكن معهما بينة، ولم يسبق في المتوفى دين يستصحب، فليس أحدهما أولى من الثاني؛ إذ لو أقاما بينتين موافقتين لدعوييهما، لما ترجحت إحدى البينتين على الأخرى، فإذا كانت لا تترجّح بينة على بينة، فلا تترجح دعوى على دعوى،
_________________
(١) أي قولي التهاتر والاستعمال.
[ ١٩ / ١٣٤ ]
والنسب ثابت من المتوفى، فسبيلهما في التركة كسبيل متداعيين في دار هي في أيديهما، وقد مضى التفصيل فيه، ويخرج منه أن التركة في أيديهما.
وقد ذكر القاضي أنا ننظر إلى اليد: فإن كانت التركة في يد أحدهما، فالقول قوله مع يمينه، وهذا وهم وزلل من الناقل عنه؛ فمانهما إذا اعترفا بأن المال الذي فيه النزاع تركة، فلا حكم لصورة اليد، وما كان تركة فسبيله مع الإشكال تساوي الاثنين فيه.
ومما يجب التنبه له أن أحد الابنين إذا كان مسلمًا وقال: لم يزل أبي مسلمًا، ومات على ما كان عليه، فمن ضرورة هذا أن ينسب أخاه إلى الردة، فإن ولد المسلم مسلم، ولكن قوله مردود على أخيه فيما يتعلق بدينه.
وأبعد بعض أصحابنا، فقوّى بينة الإسلام بقوة الدار، وصدق مدعي الإسلام مع يمينه لهذا المعنى، وهذا هوسٌ لا أصل له؛ فإن الدار إنما تؤثر في طفل يُلفَى في دار الإسلام بلا أب.
١٢٢٥٨ - ومما نُلحقه بهذا أنه إذا قامت بينتان في الإسلام والكفر ولم تترجح إحداهما، وجرى القضاء بالتهاتر أو الاستعمال، فالشخص المتوفى يغسل ويصلى عليه، نصّ عليه الشافعي، وشبّهه في هذا الحكم بمسلمين اختلطوا بمشركين، وأردنا الصلاة، فإنا نصلي على المسلمين بالنية (١)؛ وهذا الاستشهاد إيناسٌ لا حاجة إليه، والمعتمد في الصلاة استناد الإسلام إلى [بيّنة] (٢) وليس في الصلاة نزاع، ولا يموت ميت فيقطع له بالإيمان في الموافاة، ولست أنكر ترددًا من طريق الاحتمال، سيّما إذا كان الرجل معروفًا بالتنصر، وقد تعارضت بينتان في الكلمة التي بها الاختتام. ولكن النص هذا، ولم أر في الطرق ما يخالفه.
ومن لطيف ما يجب التنبه له أن المتوفى إذا كان معروفًا بالتنصر، والبينتان مطلقتان، فقد ذكرنا أن بينة الإسلام مقدمة؛ لأنها ناقلة، ولو لم نَفرِض بينتين، فالقول قول المتنصر، فنُرجِّحُ بينةَ من لا نصدقه لو لم تكن بينة، وذلك لفقه واضح،
_________________
(١) عبارة الشافعي في المختصر: " وإنما صُلي عليه بالإشكال، كما يصلى عليه لو اختلط بمسلمين موتى ".
(٢) في الأصل: " نيته " والمثبت من (ت ٥).
[ ١٩ / ١٣٥ ]
وهو أن النقل دعوى، والاستصحابُ مقام المدعى عليه. ثم إذا أقاما بينتين، فبينة الناقل تشتمل على مزيد علم، لا تصادمها بينة المستصحِب إلا بالنفي، والشهادة على النفي مردودة.
فصل
قال: " ولو كانت دار في يد أخوين مسلمين إلى آخره " (١).
١٢٢٥٩ - صورة المسألة: مسلم له ابنان مسلم ونصراني، فمات، فلا يخفى أن الميراث للمسلم، فإن أسلم النصراني قبل موت الأب، فالميراث بينهما، فلو اختلفا، فقال الابن المسلمُ: أسلمتَ بعد موت الأب؛ فلا حظّ لك في الميراث.
وقال هو: بل أسلمتُ قبل موته، فالاختلاف بينهما على هذا الوجه بمثابة اختلاف الزوجين في الرجعة وانقضاء العدة.
ونحن نسوق الترتيب هاهنا في عرض المسألة، فنقول: لا يخلو إما أن يتفقا على وقت الإسلام، وهما مختلفان في وقت الموت، أو يختلفان في وقت الإسلام، ويتفقان على وقت الموت.
فإن اتفقا على وقت الإسلام، واختلفا في وقت الموت، بأن يحصل الوفاق على أنه أسلم في رمضان، وقال الابن المسلم: مات أبونا في شعبان، فأسلمتَ بعد موته، فلا شيء لك من التركة، وقال الآخر: بل مات أبي في شوال، فإن كان لأحدهما بينة، وقع الحكم ببينته، وإن لم يكن لأحدهما بينة، فالقول قول الابن الذي كان نصرانيًا؛ لأنه أنكر الموت في شعبان واستصحب الحياة، والأصل بقاؤها.
فإن أقام كل واحد منهما بينة على وَفْق دعواه، فقد قال القاضي والأصحاب: بينة المسلم أولى؛ لأن معها زيادةَ علم تنقل من دوام الحياة، والميت في شعبان ميت في شوال.
وهذا فيه كلام؛ فإن الذي كان نصرانيًا يثبت الحياة في شعبان، والحياة صفة ثابتة
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٦٣.
[ ١٩ / ١٣٦ ]
ترتبط الشهادة بها على استيقان كالممات، فلئن تعرضت بينةٌ لثبوت الموت في وقتٍ ناقضته البينة الأخرى بوصفٍ ثابت لا يرجع إلى نفي إلا من جهة رجوع الأخرى إلى النفي، فبينة الحياة تنفي الموتَ من جهة اعتقاب الضدين واقتضاء ثبوت أحدهما نفي الثاني، وهذا يشمل الجانبين، فلست أدري لترجيح بينة على بينة وجهًا.
وليس كما قدمناه في ابنين أحدهما مستقر على التنصر، والثاني مسلم، وكان أبوهما مشهورًا بالتنصر، فلو أقام النصراني بينة على أنه مات نصرانيًا، وأقام المسلم بينة على أنه مات مسلمًا، فبينة الإسلام ناقلة؛ من جهة أن بينة التنصر يتجه حملها على استصحابها حكم الدين الذي كان المتوفى مشهورًا به، وأما الشهادة على الحياة، فلا يسوغ حملها على أن الشهود اعتمدوا استصحاب الحال، وشهدوا بالحياة، بل محملها أنهم عاينوه حيًا، فشهدوا.
١٢٢٦٠ - ولو اتفقا على وقت الموت، واختلفا في وقت الإسلام، بأن اتفقا على أنه مات في رمضان، وقال المسلم منهما لصاحبه: أسلمتَ في شوال، فلا شيء لك، وقال ذلك المخاطَب: بل أسلمت أنا في شعبان، فالميراث بيننا، فإن كان لأحدهما بينة، حكم ببينته، وإن لم يكن لهما بينة، فالقول قول الابن المسلم، إذ الأصل بقاء الكفر. وإن أقام كل واحد منهما بينة على وفق دعواه، فبينة النصراني أولى، لأنها ناقلة، ولها زيادة علم. وهذا متجه؛ فإن بينة المسلم قد تبنى على دوام كفر الآخر، فالبينة الناقلة أولى من المستندة إلى الدوام.
١٢٢٦١ - ولو مات وخلف زوجةً مسلمة، وأخًا مسلمًا، وابنين كافرين، فتنازعوا، فإن عُرف أصلُ دين المتوفى، فالقول قول من يبقِّي الأصل، وإن لم يعرف أصل دينه، فإن أقام أحدهما بينةً، حُكم بالبينة. وإن أقام الفريقان بينتين، فهما متعارضتان، وإن لم يكن لهما بينة، فالتركة بين الفريقين.
قال القاضي: إن كانت في أيديهم، فالاشتراك. وإن كان في يد أحد الفريقين، فاليد له.
وهذا عندنا غير صحيح، مع الاعتراف بأنه تركة، كما قدمنا تقريره.
[ ١٩ / ١٣٧ ]
ثم إذا انتهى التفريع إلى القسمة، فالنصف للابنين والنصف للزوجة والأخ؛ فإن الفريقين مختلفان، فإن ورث الابنان لم يرث الفريق الآخر، وإن ورثت الزوجة والأخ لم يرث الابنان، ثم ما يسلم إلى الزوجة والأخ المسلمين، فالربع للزوجة، والباقي للأخ؛ فإن الابن الكافر لا يحجب المسلم كما لا يرث.
١٢٢٦٢ - ولو مات وخلف ابنين مسلمين، وأبوين كافرين، فقال الابنان: مات مسلمًا، وقال الأبوان: بل كافرًا -ولا بينة- فقد ذكر القاضي وجهين، وقرّبهما من تقابل الأصلين: أحدهما - القول قول الابنين لظاهر الدار، والوجه الثاني - القول قول الأبوين؛ لأنهما إذا كانا كافرين، فالأصل أن الابن المتوفى مثلهما؛ فإن الأصل يستتبع الفرع؛ وهذا فيه إذا كان أصل دين المتوفى متنازعًا فيه.
وفي هذا أدنى نظر وتأنّق، فليقع فرض المسألة فيه إذا لم يسلّم الابنان المسلمان كون الأبوين كافرين أصليين، فإن ذلك لو ثبت، فلا شك في كفر الابن أولًا في الأصل، وإنما يثبت إسلامه طارئًا [بنسب] (١) أو إنشاء إسلام، وإذا كان كذلك، فمستصحِب أصل الكفر أولى، إذا لم تكن بينة، وهذا واضح.
فصل
قال: "ولو أقام رجل بينة أن أباه هلك، وترك هذه الدارَ ميراثًا إلى آخره" (٢).
١٢٢٦٣ - مضمون هذا الفصل صرفُ التركة إلى من ثبت كونه وارثًا، مع التثبت في أنه لا وارث للمتوفى غير من أثبت الوراثة، ثم إذا تمهد هذا الأصلُ، ذكرنا ما يليق به من الدعوى.
فإذا أقام رجلٌ بيّنةً أن أباه مات، وخلَّفه وارثًا، وقال الشهود: لم نعلم له وارثًا سواه، نُظر: فإن كانوا من أهل الخبرة الباطنة بحاله، بحيث علموا سفره وحضره،
_________________
(١) في النسختين: " بسبب " والمثبت تقديرٌ من المحقق، رعاية للسياق والمعنى.
(٢) ر. المختصر: ٥/ ٢٦٣.
[ ١٩ / ١٣٨ ]
ومغيبه، ومشهده، واطّلعوا على بواطن أمره، وشُعبِ نسبه وتزوجه، ففي مثل هذه الحالة يسلِّم القاضي ميراثه أجمع إلى الابن الذي فرضنا كلامنا فيه، ولا يطالبه بكفيل -مع قيام البينة- إجماعًا، ثم اتفق الأصحاب على أنه يكفي في ذلك شاهدان عدلان من أهل الخبرة الباطنة.
وذكر بعض المصنفين (١) أنه لا بد من ثلاثة يشهدون، وذكر هذا الوجهَ أيضًا في إثبات الإعسار، واعتلَّ بأن الشهادة في البابين مستندُها النفيُ، فبعدت الإحاطة بالمقصود. وهذا الذي ذكره لا أصل له، ولم يصر إليه أحد من الأصحاب، لا هاهنا ولا في الإعسار، فإن ذكر هذا اشتراطًا، فخطأٌ صريح، وإن ذكره احتياطًا، فالأمر أقرب.
ثم اشترط الأصحابُ كونَ الشهود من أهل الخبرة الباطنة، وهو صحيح، ولكن إذا ذَكَر عدلان أنهما خبرا باطنَه، اعتمد القاضي شهادتهما في ذكر الخبرة، كما يعتمد شهادتهما في أصل الواقعة، ثم إذا لم يذكرا كونهما خبيرين، نُظر: فإن عرف القاضي أنهما مخالطان للمتوفى سفرًا وحضرًا، لم يستبْحث، وإن لم يعلم ذلك، راجعهما، وأبان لهما أن الشهادة في الباب تعتمد الخبرة، وتستند إليها لا غير، فإذا ذكرا أنهما خبيران بالباطن، قُبل حينئذ شهادتهما، ثم إذا قالا مع إظهار الخبرة: لا نعرف له وارثًا غير هذا، كفى. وإن قالا: لا وارث له غيره، قُبل ذلك، مع ما فيه من المجازفة، وحُمل على الممكن في الباب من الاحتياط.
١٢٢٦٤ - ولو مات الرجل، وخلّف زوجة، وثبتت زوجيتُه عند القاضي، وأشكل هل له زوجة سواها؟ فقد قال الأئمة: يدفع إليها في الحال من غير تربص المقدارَ المستيقن لها، وهو ربع الثُّمن عائلًا بأقصى ما يتصور من العول، وهو بيّن في الفرائض؛ فإنه لا سبيل إلى منع المستيقَن، ولا مزيد عليه في الحال، مع اطراد الإشكال، والمسألة مفروضة فيه (٢)، ثم إذا بأن الورثة واحتجنا إلى أن نزيدها، زدناها.
_________________
(١) بعض المصنفين: سبق مرارًا القول إنه يقصد به (أبا القاسم الفوارني).
(٢) فيه: أي في الإشكال.
[ ١٩ / ١٣٩ ]
ولو ثبت للمتوفى ابنٌ وارث، ولكن لم تقم بينة على أنه لا وارث سواه، فلا يصرف القاضي إليه شيئًا من الميراث، حتى يبحث عن حقيقة الحال، ويبعث إلى المواضع التي توهَّم (١) مصيرَه إليها، ويأمر من ينادي في كل قطر انتشر إليه، بأن فلانًا مات، فهل تعرفون له وارثًا؛ فإنا على قسمة ميراثه، [فما لم يَخْبُر ولم يبحث] (٢) -والبحث ليس خارجًا عن الإمكان ولكن قد يتمادى فيه زمان- فلا يصرف إلى الابن شيئًا، فإنه ليس له [نصيب] (٣) مقدر، وليس للممكن بين عدد المزاحمين ضبط، بخلاف الزوجة وكل صاحب فرض.
ولو خلّف المتوفى أمّا، فيدفع إليها السدس عائلًا على أقصى الإمكان في تصوير الإعالة، وللزوج أيضًا الربع العائل، وهذا مطرد في كل صاحب فرض يتصور ضبط أقل نصيبه، وكان ممن يرث لا محالة، ولا يحجب عن أصل الاستحقاق.
١٢٢٦٥ - ولو توقف القاضي في أمر الابن، أو الأخ، أو غيرهما من العصبات، فبحثَ، وخبرَ، وبالغ في الاحتياط، فلم يَبِن وارثٌ سوى من ظهر، فيصرف التركة إلى من ظهر، وهل يأخذ منه كفيلًا بما أخذه؟ في المسألة قولان: أحدهما - يأخذ كفيلًا، تتمةً للاحتياط، وإن كانت هذه الكفالة لمجهولٍ بمجهول، ولكنا قد نحتمل مثلَ ذلك في منازل الاحتياط، كما ذكرناه في ضمان العهدة؛ والذي اختاره [العراقيون] (٤) أنه لا يطالب بضمين، والاحتياطُ على ما وصفناه بالبحث كافٍ؛ إذ لا خلاف أنه لو شهد شاهدان من أهل الخبرة، سُلّم المال على مقتضى شهادتهما من غير ضمين، وإنما التردد فيه إذا كان القاضي هو الذي يبحث ويخبُر.
ثم قال الأئمة: لو كانت المسألة مفروضة في الابن، فهو يرث لا محالة، ولا يحجبه شخص حجبًا كليًا، وترتيب الكلام فيه ما ذكرناه في الخبرة، والبينة
_________________
(١) أي توهّم القاضي وتوقع أنه صار إليه.
(٢) في الأصل: " فما لم يخبره لم يبحث ". وفي نسخة ت ٥: " فما لم يجر ولم يبحث " والمثبت تصرف بالجمع بين النسختين.
(٣) زيادة من المحقق.
(٤) في الأصل: " القياسون ".
[ ١٩ / ١٤٠ ]
[الخابرة] (١)، وترتيب القول في الضمان.
فأما إذا كانت المسألة مفروضة في الأخ، وكل من يتصور أن يحجب عن أصل الميراث، فإن قامت بينة ذات خبرة، وقالت: لا نعلم له وارثًا بعد الخبرة الباطنة سوى هذا الأخ، سُلّم الميراث إليه من غير ضمين، فإن لم يكن بينةٌ على هذا الوجه، واحتاج القاضي إلى الخبرة، فإذا خبر، فهل يدفع الميراث إليه؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يَدْفع؛ فإن الخبرة إذا حصلت، فهي أقصى الإمكان. وشهادة الشاهدين الخبيرين بزعمهما لا تفيد إلا غلبة الظن أيضًا، والوجه الثاني - أنه لا يسلم إليه شيئًا حتى يأتي بشاهدين خبيرين. وهذا الوجه ضعيف، والابن الذي لا يحجب عن أصل الميراث بمثابة الأخ؛ لأنه وإن كان لا يحجب، فمقدار ما يستحقه مجهول، ثم إذا كان التعويل على خبرة القاضي، فَخَبَر، وفرّعنا على الأصح، وهو أنه يسلِّم إلى الأخ بعد الخبرة، فقد قطع القاضي بأنه لا يدفع إليه إلا بضمين مذهبًا واحدًا بخلاف الابن. والفارقُ أن الأخ يُفرض حجبه عن أصل الميراث. ومن أصحابنا من أجرى القولين في استحقاق الضمين (٢) على الأخ، وهذا منقاس متجه.
١٢٢٦٦ - وإذا كان في المسألة صاحب فرض، فلا كفيل في القدر المستيقن، إذا كان لا يفرض الحجب عنه؛ فأما تسليم تمام الفرض، فموقوف على الخبرة، فإن قامت بينة خابرة، حكمنا بها، وجرينا على مقتضاها، ولا كفيل، وإن كان الأمر مردودًا إلى خبرة القاضي، والمسألة في الزوجة مثلًا، وهي بين ربع كامل وبين ربع ثُمنٍ عائل، فإذا ظهر بالخبرة أنه لا زوجة سواها، ولا ولد في الفريضة، فقد ذكر العراقيون وصاحب التقريب وجهين في توفير نصيبها عليها بعد البحث، وهذان الوجهان كالوجهين في أن الأخ هل يصرف إليه بعد البحث شيء أم يتوقف إلى أن يقيم بينةً خابرة.
ولو شهدت بينة أن هذا ابن المتوفى ووارثه، وخبرنا، فلم نجد سواه؛ صرفنا
_________________
(١) في النسختين: " الجائزة "، والمثبت من المحقق.
(٢) ت ٥: " القسمين ".
[ ١٩ / ١٤١ ]
الميراث إليه. ولو شهد شاهدان على البنوة، ولم يذكروا كونه وارثا، وبحثنا، فلم نجد له وارثًا سواه، صرفنا الميراث إليه، إذا لم يكن حاجب وصفي. ولو فرض هذا في الأخ، وسكت الشهود عن كونه وارثًا وبحثنا، ففي الصرف إليه خلافٌ ذكرناه، قال العراقيون: إذا سكت الشهود عن وراثة الأخ، لم نسلّم إليه شيئًا بعد الخبرة وجهًا واحدًا؛ فإن سكوتهم عن الوراثة يورث رَيْبًا، ويشعر بأنهم يعرفون له حاجبًا، وهذا ليس بشيء؛ فإنه حكم بتوهمٍ لا أصل له، والوجه أن يخبر القاضي، ثم يخرج الوجهان كما قدمناه. هذا منتهى المراد في ذلك.
١٢٢٦٧ - ومما ذكره الأئمة أن قالوا: لو كان لامرأةٍ زوجٌ، وابن، وأخ، فماتت المرأة، ومات الابن، وتنازع الزوج -أب الابن- والأخ- خال الابن- فقال الأخ: مات الابن أولًا، وعاد شيء من ماله إلى أمه، ثم ماتت، فالميراث بيني وبينك أيها الزوج، وقال الزوج: لا، بل ماتت الأم أولًا، فورثها ابني، وحجبك يا أخ، ثم مات الابن فالميراث كله لي -ولم يكن لواحد منهما بينة- فإن عسُر دَرْك تاريخ الموتين، وأيس من الاطلاع عليه، فهذا من عمى الموت، فلا نورث ميتًا عن ميت، ومال الابن لأبيه وهو الزوج، ومال المرأة بين الزوج والأخ، وإن كان يتوقع الاطلاع على التاريخ، توقفنا لنبحث.
ثم الكلام يتصل بأقوال العلماء في ميراث الغرقى، حيث يتفق اليأس، أو يبقى مطمع، وقد فصلنا ذلك في الفرائض.
١٢٢٦٨ - ثم ذكر الشافعي صورة في الدعوى، قال: إذا جاء مدعٍ، وادعى على صاحب يد في الدار، وقال: إن أبي مات، وخلف الدار التي في يدك، وهي لي ولأخي الغائب، وأقام بينة عادلة خابرة، حُكم ببينته، وقضي للحاضر بنصيبه من الدار، وانتزع نصيب الغائب من يد المدعى عليه، ويؤاجر له، فإذا رجع دُفع إليه نصيبه وما حصل من الكراء، ولا حاجة إلى إعادة البينة، ولا إلى دعوى من جهته.
ولو ادعى المدعي أن الدار التي هي في يد المدعى عليه له ولفلان الغائب، وقال: اشتريناها، وأقام بينة عادلة، فيقضى له بنصيبه، ولا ينزع نصيب الغائب من جهته،
[ ١٩ / ١٤٢ ]
وإذا رجع الغائب، احتاج إلى الدعوى وإقامة البينة ليُقضى له بنصيبه، والفرق أنه إذا ادعى الإرث، فحاصل دعواه إثبات الإرث للوارث، وإذا ثبت له الملك، لم ينقسم، ولم يتبعض، وأما إذا كانت الدعوى عن جهة شراء، فقد ادعى لنفسه ولصاحبه سببين، ولم يكن وكيلًا من جهة صاحبه. فكانت دعواه المتعلقة بصاحبه مردودة.
وهذا بيّن.
***
[ ١٩ / ١٤٣ ]