قال: " وإذا شهدوا على رجلٍ بالزنا إلى آخره " (١).
١٢١٦٩ - مقصود الفصل أن شهود الزنا لا بد وأن يتوخَّوْا بحقيقة الحال، ويذكروا إيلاجَْ الحشفة في الفرج، ولا تكفي المكاني (٢)، وقد ذكرنا هذا في الحدود.
وهل يشترط ذلك في الإقرار بالزنا؟ فيه خلاف مذكور في الحدود، ونفس ذكر الزنا من القاذف، قذفٌ صريح. فإذًا هذه ثلاث مراتب.
وإنما لم نشترط التصريح في القذف؛ لأن الجناية على العرض تحصل بالنسبة إلى الزنا، ثم سيأتي في الدعاوى فصل فيما يُبيّن ويشترطُ فيه نهاية الكشف، وفيما يكتفى فيه بإطلاق الاسم، وثَمَّ نُعيد في التقاسيم ما ذكرناه الآن.
قال: " ولو شهد أربعة، اثنان منهم إلى آخره (٣) ". وهذا مما تكرر في الحدود، فإذا شهد اثنان على أنه زنى بفلانة في بيت عيّناه، وشهد آخران أنه زنى بها في بيت آخر، فلا يثبت الزنا، والكلام في أن الشهود قذفة أم لا؟ وكل ذلك مما مضى.
ولو اختلفت الشهادات في تعيين زوايا بيت واحد، فلا يثبت الزنا عندنا خلافًا لأبي حنيفة (٤).
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٥٩.
(٢) المكاني: أي الكنايات.
(٣) ر. المختصر: الموضع السابق نفسه.
(٤) ر. فتح القدير: ٥/ ٦٣. روضة القضاة للسمناني: ٢/ ١٢٩٨.
[ ١٩ / ٥١ ]
فصل
قال: " ولو ادعى على رجل من أهل الجهالة إلى آخره " (١).
١٢١٧٠ - مقصود الفصل الكلامُ في تسبيب القاضي إلى درء الحد، قال صاحب التقريب: إذا رُفع إلى الإمام من يتهم بالسرقة أو غيرها من موجبات الحد، فللقاضي أن يعرّض بما يتضمن حملَ المرفوع إلى مجلسه على إنكار السرقة، حتى لا تثبت الحدود، وذلك ثابت في الحديث، فإنه ﵇ قال للمرفوع إليه بتهمة السرقة: " ما إخالك سرقت " وفي بعض الألفاظ " أسرقت؟ قل لا! " (٢) قال ذلك سرًا.
ثم قال صاحب التقريب: ينبغي أن يكون التعريض بما يُسقط الحد، ولا يجوز أن يكون التعريض بما يدرأ الغرم؛ فإن التعريض فيما يتعلق بالأموال غير سائغ.
وهذا إذا لم يبتدر إلى الإقرار.
فإن أقر صريحًا، فهل يعرّض بالرجوع عن الإقرار؟ الذي ذهب إليه الأكثرون أنه لا يعرّض؛ فإن الاحتيال (٣) ينبغي أن يكون في منع الثبوت، فأما في السقوط بعد الثبوت فلا.
ومن أصحابنا من قال: يجوز التعرض للرجوع عن الإقرار وتمسك بترديد رسول الله ﷺ ماعزًا بعد إقراره بالزنا في القصة المشهورة، وهذا غير صحيح؛ لأن الرسول ﵇ كان يستريب في عقله؛ إذ رآه أشعث أغبر فردّده لذلك، وليس في قصته تشبيبٌ بتلقينه الرجوع عن الإقرار.
ثم ظاهر ما ذكره الأصحاب أن المسوَّغ -قبل الثبوت وبعده على أحد الوجهين- التعريضُ، فأما التصريح فلا وجه له، وهو رفع لحجاب الهيبة، وتصريح بتعليم الكذب. فإذا كنا نُحرم التصريح بالخِطبة ونبيح التعريض بها، فليكن الأمر كذلك فيما نحن فيه.
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٥٩.
(٢) سبق هذا الحديث في السرقة.
(٣) ت ٥: " الاختيار ".
[ ١٩ / ٥٢ ]
وإن صح أن رسول الله ﷺ قال للمرفوع إلى مجلسه: (قل: لا!) فهذا يدل على جواز التصريح بالتلقين، وغالب ظني أن هذه الزيادة لم ينقلها الأثبات.
قال صاحب التقريب: التعريض المتفق عليه قبل الثبوت، كما بيّنّا، وفي التعريض بعد الإقرار الوجهان، فلو قامت بيّنة بالزنا أو السرقة، فالتعريض المتعلق بما يُسقط الحد بعد قيام البيّنة -كدعوى الشركة أو الملك- فيه وجهان مرتّبان على التعريض، وقد ثبت الحد بالإقرار، وصورة البيّنة أولى بالمنع، والفرق لائح.
والأصح -من كل ما ذكرناه- اختصاص التعريض بما قبل الثبوت.
ثم ذلك التعريض جائز أو مستحب؟ فيه تردد مأخوذ من كلام الأئمة.
فصل
قال: " ولو شهد أنه سرق من هذا البيت كبْشًا إلى آخره " (١).
١٢١٧١ - ذكر وجوهًا في اختلاف شهادة الشاهدين، وقد تقدم جميعها. منها: أنه لو شهد شاهد أنه سرق غدوة، وشهد الثاني أنه سرق بالعشي، فالشهادتان مختلفتان، كذلك إذا اختُلف في المكان، أو صفة المسروق، فقال أحدهما: سرق [كبشًا] (٢) أسود، وقال الثاني: سرق [كبشًا] (٢) أبيض، فلا تثبت السرقة.
ولأبي حنيفة (٣) خبط في الألوان، ونظر دقيق في السواد والبياض، والصفرة والحمرة، ولسنا للخوض فيها.
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٥٩.
(٢) في نسخة الأصل " كِيِسًا " بالياء والسين المهملة، ويبدو أنه تصحيف قديم، قال العمراني: " ومن أصحابنا من صحّف وقال: أراد الشافعي كيسًا، وهذا خطأ، بل أراد كبشًا بالشين المعجمة، لأنه قال في الأم: " كبشًا أقرن " والحكم لا يختلف بالكبش والكيس، إلا أن الغالب من قيمة الكيس أنه لا يبلغ نصابًا " (ر. البيان: ١٣/ ٨١).
(٣) ر. المبسوط: ٩/ ١٦٢، فتح القدير: ٦/ ٥٠٩.
[ ١٩ / ٥٣ ]
١٢١٧٢ - ثم قال: " ولو شهد اثنان أنه سرق ثوب كذا إلى آخره " (١).
صورة المسألة: أن يشهد اثنان أنه سرق ثوبًا وصفاه، وقيمته ربع دينار، وشهد آخران أنه سرق ذلك الئوبَ بعينه، وأن قيمته أقل من ربع دينار؛ أما القطع؛ فلا يجب؛ فإن ما جرى من اختلاف البيّنتين في أن قيمة المسروق هل بلغت نصابًا؛ من أقوى ما تُدرأ به الحدود. وأما الغُرم، فلا يثبت عندنا إلا أقل القيمتين.
وقال أبو حنيفة (٢): يثبت أكثر القيمتين. واعتل بأن المكثر عرف زيادة خصلة، غفل عنها المقلل.
قلنا: ربما عرف المقلل عيبًا يوجب نقصان القيمة، غفل عنه المكثر، وهذا أولى؛ فإن الظاهر السلامة فربما بنى المكثر على ظاهر السلامة، واستدرك المقلل صفة خافية منقصة.
ولو اتفقا على الصفات، وصرحا بأنه لم يستقل واحد منا بمعرفة صفة لم يدركها آخر، وردوا النزاع إلى القيمةِ نفسِها، فلا يجب عندنا إلا الأقل أيضًا، حملًا على براءة الذمة.
فرع:
١٢١٧٣ - ذكره صاحب التلخيص (٣): إذا ادعى الرجل ألفَ درهم على رجل، وأقام شاهدًا أن له عليه ألفًا، وشهد شاهد آخر أن عليه ألفَ درهم قد قضاه، فلا يثبت في هذه الصورة الألف أصلًا؛ فإن الشاهد الثاني لما قال: عليه ألف ثم قضاه، فقد تناقض قوله، وكيف يكون عليه ألف وقد قضاه، ولكن الشاهد الذي جزم شهادته بالألف ولم يُناقِضْ [قولَه] (٤) شهادتُه ثابتة، فلو أراد أن يحلف مع ذلك الشاهد، ويُثبت المال، جاز.
وبمثله لو شهد أحدهما أنه أقر بألف، وقال الثاني: أقر بألف، لكنه قضاه، ففي هذه المسألة وجهان ذكرهما الصيدلاني وغيره:
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٥٩.
(٢) لم نصل إلى هذه المسألة، بهذا التصوير، في كتب الأحناف التي راجعناها.
(٣) ر. التلخيص: ٦٥٢.
(٤) زيادة من (ت ٥).
[ ١٩ / ٥٤ ]
أحدهما - أنه يثبت الألف بشهادتهما، وقد يشهد شاهد واحد بالقضاء، فإن أراد الخصم أن يحلف معه ليُثبت القضاء بشاهد ويمين، جاز. هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني - أنه لا يثبت بشهادتهما شيء، فإنهما لم يجتمعا على ثبوت الألف، وليس الغرض إثبات لفظ الإقرار، وإنما المقصود إثبات معناه.
ولو شهد شاهدان أن عليه ألفًا، ثم قال أحدهما بعد يوم مثلًا، قبل أن يقضي القاضي بالبينة: قد كان المشهود عليه قضى الدين؛ فهذا رجوع منه عن شهادته، فلا يحكم الحاكم بالشهادة.
ولو شهدا أن له عليه ألف درهم، ثم قال أحدهما قبل القضاء: قد قضى الألف بعد شهادتي؛ فهل يقضي القاضي بالدين؟ فعلى وجهين: أحدهما - يقضي به، ولا حكم لقوله المجرد: قد قضى، إلا أن يحلف الخصم المشهود عليه معه.
والصورة التي تقدمت على هذه فيه إذا قال أحد الشاهدين: قد كان قضى الألف قبل لشهادتي، وتبيّنت ذلك، فيكون هذا رجوعًا كما قدمناه.
ولو قال ابتداء: أقر فلان بألف، ثم قال أحدهما بعد ذلك، وقبل القضاء: قد قضى ما أقر به بعد لشهادتنا، فهل يقضي القاضي بثبوت الدين؟ في المسألة وجهان مرتّبان على الوجهين فيه إذا شهدا على الإقرار، وقال أحدهما: قد قضى، وهذه الصورة أولى بثبوت الدين فيها من صورة الاقتران، والفرق ظاهر. والله أعلم.
***
[ ١٩ / ٥٥ ]