١٢٣٠٤ - بيّن الشافعي ﵁ فيما قدمه من الأبواب حكمَ الدعاوى في الأموال، وبين في هذا الباب حكمَ الدعاوى في الأنساب.
فإذا اشترك رجلان في طهر امرأة بوطء شبهة أو بوطء حلال ووطء شبهة، فأتت بولد يحتمل أن يكون لكل واحد منهما وادعياه، أو ادعيا لقيطًا مجهول النسب، فلا سبيل إلى إلحاقه بهما جميعًا، ولا يتصور أن يكون للمولود أبوان، ولكن نُري الولدَ القائفَ، فإن ألحقه بأحدهما، لحقه، على ما سنذكر تفصيل ذلك، إن شاء الله.
[وترتيب الباب] (١) أن نذكر الطرق التي يثبت بها الاشتراك والتساوي في الدِّعوة (٢)، ثم نذكر من هو من أهل الدِّعوة، ثم نذكر القائف وما يرعى فيه، وحقيقة القيافة، ثم نختتم الباب بما إذا لم نجد القائف.
١٢٣٠٥ - فأما الكلام في الفصل الأول، فقد قال الأئمة: إذا وطىء الرجل [جاريته] (٣) واعترف بالوطء، ثم وطئها غيره بشبهة في ذلك الطهر بعينه، فأتت بولد لزمان يمكن أن يكون من كل واحد منهما: السيد والواطىء بالشبهة، فنري الولدَ القائفَ.
١٢٣٠٦ - ولو وطىء الجاريةَ مالكُها، أو مالكُ بعضها، أو واطىءٌ بشبهة، ثم حاضت، فلما انقضت الحيضة، وطئها ثانٍ، وجاءت بولد لزمان يمكن أن يكون لكل واحد منهما من حيث الزمان، فالولد ملتحق بالثاني؛ فإنّ وطء الأول استعقب استبراءً
_________________
(١) في الأصل: " ومن هذا الباب ". والمثبت من (ت ٥).
(٢) الدِّعوة: بكسر الدال المشدّدة، وآخرها تاء مربوطة: هي ادعاء النسب خاصة. وقد سبق بيان ذلك أكثر من مرة، وإنما كررناه لطول العهد به.
(٣) في النسخين: جارية. والمثبت من تصرّف المحقق.
[ ١٩ / ١٧٨ ]
بحيضة، والولد في ملك اليمين لا يلحق بمجرد الإمكان؛ إذ السيد لو وطىء جارية نفسه، وأقر بوطئها، ثم ادعى أنه استبرأها بعد الوطء، فإذا أتت بولد، لم يلحقه ما لم يستلحقه، فالولد إذًا في المسألة التي نحن فيها ملحق بالثاني منتفٍ عن الأول، سواء ادعاه الأول أو لم يدعه.
وهذا فيه أدنى نظر، إذا كان يدعيه الأول؛ فإن السيد إذا وطىء أمته، ثم حاضت، وأتت بولد، لزمان يحتمل أن يكون العلوق به من الوطء المتقدم على الحيضة -بتقدير جريان الدم في زمن الحمل- فيجب أن يلحق الولدُ السيدَ، وإنما يؤثر طريان الحيضة في أن الولد لا يلحقه من غير استلحاق، فإذا فرضنا تخلل الحيضة بين الوطء الأول وبين الوطء من الثاني، ثم استلحق الأول وادعى، واستلحق الثاني، فلا يبعد أن يقال: نري الولدَ القائفَ، وظاهر كلام الأئمة يختص بالثاني من غير إلحاق قائف، وفي المسألة احتمال.
ولا خلاف أن من أبان امرأته، فنكحت، وأتت بعد النكاح بولد لزمان يحتمل أن يكون من الثاني، ويحتمل أن يكون من الزوج الأول، فهو ملتحق بالزوج الثاني، من غير دِعوةٍ، منتفٍ عن الأول، وإن ادعى؛ فإن الفراش الثاني قاطع لأثر الفراش الأول فيما ذكرناه.
١٢٣٠٧ - ولو وطىء رجل امرأةً حرة بشبهة، من غير نكاح صحيح ولا فاسد، ولكن غلط إليها، وهي خلية عن الزوج، فحاضت، ثم وطئها رجل آخر بالشبهة بعد حيضة، فوقع الوطء الثاني في طهرٍ ثانٍ، وأتت بولد لزمانٍ يحتمل أن يكون من كل واحد منهما جميعًا، قال الأصحاب: هو ملتحق بالثاني منتفٍ عن الأول، كما ذكرناه في ملك اليمين سواء؛ فإنّ وطء الغلط من غير نكاح في الحرة بمثابة وطء المملوكة فيما قدمناه في ملك اليمين. هكذا ذكر شيخنا، وادعى الوفاق فيه. وليس ما ذكره خاليًا عن احتمال؛ فإن وطء الشبهة في اقتضاء العدة التامة -والموطوءة حرة- بمثابة الوطء الحلال في النكاح، والله أعلم.
١٢٣٠٨ - ولو كانت المرأة في حبالة زوجية صحيحة، فوطئها الزوج، وحاضت، ثم وطئها واطىء بشبهة، أو لم يثبت من الزوج حقيقة وطء، بل وجد إمكان وطء،
[ ١٩ / ١٧٩ ]
ففي هذه الصورة إذا أتت بولد -يمكن أن يكون من كل واحد منهما- فنُري الولدَ القائفَ وفاقًا. ولا معتبر بما تخلل من الاستبراء بالحيضة؛ لأنا نعتبر في إلحاق النسب بالزوج في النكاح مجردَ الإمكان، والحيضة لا تقطع الإمكان أصلًا. فلا أثر لها في حق الزوج.
ولو وطىء الزوجة واطىء بشبهة أولًا، وحاضت بعد وطئه إياها، ثم أتت بولد لزمان يحتمل أن يكون منهما، فيكون ملحقًا بالزوج منفيًا عن الواطىء بالشبهة، إن صح ما قدمناه من تأثير الحيض في وطء الشبهة، فإنا إن اقتصرنا على الإمكان في حق الزوج، فلسنا نقتصر على الطريقة التي مهدناها في حق الواطىء بالشبهة.
١٢٣٠٩ - ولو نكح الرجل امرأةً نكاحًا فاسدًا، فوطئها، وحاضت، ووطئها آخر بشبهة غالطًا، والزمان محتمل، ذكر الإمام (١) في هذه المسألة وجهين: أحدهما - أن حكم النكاح الفاسد حكم النكاح الصحيح، والولد ملحق فيه بالإمكان، [كما يلحق في النكاح الصحيح] (٢)؛ فعلى هذا لو تخللت حيضة، وأتت بولد، فنريه القائفَ بينهما. ولو لم نتحقق من الناكح وطئًا، فنكتفي بإمكان الوطءِ في جانبه. ولو أنكر الناكح على الفساد الوطءَ، فلا أثر لإنكاره على هذا الوجه.
والوجه الثاني - أن نكاح الشبهة في حق الناكح لا يُثبت نسبًا بالإمكان المجرد؛ فعلى هذا سبيل الناكح كسبيل الواطىء بالشبهة غلطًا، ولا بد من تصوير الوطء، والتفصيل في تخلل الحيض كالتفصيل في وطأة الغالط.
١٢٣١٠ - فانتظم من مجموع ما ذكرناه ثلاثُ مراتب: إحداها - وطأة الغالط. وقد ألحقها شيخي وطائفة من الأئمة بالوطء في ملك اليمين، وأثبتوا لتخلل الحيض أثرًا، ولا شك أن الاعتراف بالوطء لا بد منه.
وأما المرتبة الثانية - فالنكاح الصحيحُ، والإمكانُ المجرد كافٍ في حق الزوج، ولا أثر في حقه لتخلل الحيضة.
_________________
(١) الإمام: يعني والده الشيخ أبا محمد.
(٢) في الأصل: " كما لا يلحق في النكاح الصحيح "، والعبارة صحيحة في (ت ٥).
[ ١٩ / ١٨٠ ]
وأما إذا جرى نكاح على الفساد (١)، ففيه الخلاف. من أصحابنا من ألحقه في النسب (٢) وأمرِه بالنكاح الصحيح، ومنهم من شرط فيه جريان الوطء، ثم رده في الترتيب إلى وطأة الغالط.
وهذه المراتب مسبوقة بما ذكرناه في الوطء في ملك اليمين مع تصور الغلط، ولا خلاف في إلحاق الولد بالزوج الثاني، وقَطْعه عن الأول إذا أمكن أن يكون من الثاني، وإن احتمل أن يكون من الأول، سواء ادعاه الأول، أو لم يدعه، وليت شعري ماذا نقول إذا نفاه الثاني باللعان، واستلحقه الأول؟ فقد انقطع في ظاهر الأمر حكم اللحوق في النكاح الثاني، والاحتمال قائم في حق الأول، فالذي يقتضيه الرأي عندي أنه لا يلتحق بالأول، وإن كان يدعيه؛ لأن الملاعن لو استلحق المنتفي بعد اللعان، لحقه، وفي إلحاقنا إياه بالأول قطعُ هذا المعنى، وهذا فيه إذا كان الأول يستلحقه بحكم الإمكان السابق المستند إلى النكاح الأول.
فأما إذا كان يدعي وطء شبهة، فيظهر من هذا أصل آخر، وهو أن من ادعى وطء شبهة في النكاح، وصاحب النكاح ينكره، وأخذ مدعي الوطء في الدِّعوة وإسنادها إلى وطٍ يدعيه، فكيف السبيل فيه؟ إن قلنا: الرجوع إلى قول صاحب الدِّعوة، فهذا يخرم نسب الفراش، ويجر خبالًا عظيمًا على الأنساب، وإن لم نقل ذلك، أَحْوجنا الواطىءَ إلى إثبات الوطء بالبينة؛ فإنّ اعتراف الزوج به لا يؤثر (٣) فيما نراه، ولا أثر لاعترافها بالوطء. والمرعيّ حق الولد. وهذا أمر مشتبه. فليتأمله الناظر.
وعندي أن الذي أجراه الأصحاب من غير تعرض لما ذكرناه في وطء ثبت بطريق ثبوته، وشهدت البينة عليه، وإنعام النظر في هذه المسألة موكول إلى الفقيه الموثوق بنظره.
ولو تداعى رجلان نسب لقيطٍ مجهولِ النسب، فهذا من صور القيافة، والغالب الذي لا يُتمارى فيه في تصرف القائف هذا.
_________________
(١) هذه هي المرتبة الثالثة.
(٢) ت ٥: " بالنسب ".
(٣) ت ٥: " لائق فيما نراه ".
[ ١٩ / ١٨١ ]
وقد نجز مقدار مرادنا في هذا الفصل، ولا شك أني ذكرت في كتاب اللعان أطرافًا من هذا، ولا مَعاب في الإعادة إذا دعت إليها حاجة.
١٢٣١١ - فأما القول فيمن هو من أهل الاستلحاق والدِّعوة - وقد مضى ذلك في كتاب اللعان، فالمسلم والكافر سيّان في الاستلحاق، والمتبع في الباب الإمكانُ في المنبوذ المجهول. وإن وقع الفرض في وطء الشبهة، فلا فرق بين الكافر والمسلم.
وأما المعتَق وعليه الولاء إذا استلحق مولودًا، والعبد الرقيق إذا استلحق، فالذي تحصل لنا من قول أئمة المذهب (١) ثلاثةُ أوجه: أحدها - أنه لا دِعوة لواحد منهما؛ لأن في إلحاق النسب قطع الإرث بالولاء، فلا يقبل، والحالة هذه.
والثاني -وهو القياس- أن النسب يلحق (٢) بهما إذا استلحقاه.
والوجه الثالث - الفرق بين المعتَق والرقيق، فالمعتَق لا يلحقه؛ لأنه يهجم بالاستلحاق على الولاء الكائن، والولاء موهوم في الرقيق، والأصل اطراد الرق، فكان الرقيق أولى بالاستلحاق -على هذا الترتيب في الوجه الثالث- من المعتَق.
وهذا (٣) الذي ذكرناه في الدِّعوة المجردة.
فأما إذا فرض نكاح من معتَق أو رقيق، فالنسب يلحقهما بإجماع الأمة، كما يلحق الحر.
وإذا صح منهما وطء شبهة، فيجب أن يلحقهما النسب على القياس المقدم في وطأة الغالط الحر.
١٢٣١٢ - وإذا ادعت امرأة مولودًا مجهولًا، وهي خلية، ففي الولادة بالدّعوة خلافٌ، قدمته في اللعان. من أصحابنا من لم يثبت لها دِعوة، لأن الولادة مما يمكن إثباتُه بالبينة، وإنما يلحق النسب الرجل بالدِّعوة المجردة لامتناع إقامة البينة على سبب النسب في حقه.
_________________
(١) ت ٥: " الأئمة المذهبيين ".
(٢) ت ٥: "يلحقهما".
(٣) ت ٥: " وهو الذي ".
[ ١٩ / ١٨٢ ]
ومن أصحابنا من أثبت للمرأة الدِّعوة، ولا خلاف أنها إذا كانت ذات زوج، فادعت ولادةَ مولود، وأنكر الزوج ولادتها، وقال: هذا استعرتيه أو لقطتيه، وما ولدتيه (١)، فالقول قول الزوج. وهذا الأصل معروف مذكور في اللعان، ولكن إذا أنكر الزوج الولادة، ولم تُقم المرأة بينة، فهل يلحقها الولد؟ فيه خلاف مرتب على الخلية.
وينتظم من الخلية وذات الزوج ثلاثة أوجه:
أحدها - أن الولد لا يلحقها إذا كانت ذات زوج، ويلحقها إذا كانت خلية (٢)، وقد انتهى القول في ذلك.
١٢٣١٣ - فأما الكلام في القائف، فهذا مشهور من بني مدلج وحديث مُجَزِّز (٣) المُدْلجي في أسامة وزيد معروف (٤).
ثم قال العراقيون: ليست القيافة محكومًا بها على كل من ينتسب إلى هذه القبيلة، بل يجوز أن يخلوَ مُدلجي عن القيافة؛ فإن ذلك إن كان علمًا يُتلقف، فيختص به حملتُه، وإن كان أمرًا مستفادًا من إلهام، فلا يجب إثباته على العموم، وإذا قال المدلجي: أنا عارف بالقيافة، فلا سبيل إلى تصديقه.
١٢٣١٤ - ولا وجه إلا ما ذكره الشيخ أبو حامد، فإنه قال: لا يقبل قول القائف إلا بعد أن يجرّب ويختبر، وسبيله أن نريَه ولدًا بين نسوة، ليست واحدة منهن أمه، فإذا لم يلحق الولد بواحدة أريناه مع نسوة فيهن أم المولود، فإذا ألحقه بأمه، عرفنا به معرفتَه. ثم قال الشيخ أبو حامد: لا نكتفي أن نجرّبه مرة واحدة، بل نجرّب ثلاث
_________________
(١) سبق بيان أن إثبات الياء في هذه الصورة صحيحٌ فصيحٌ وعليه شواهد من الحديث النبوي الشريف.
(٢) لم يذكر الوجهان الأول والثاني، لأنهما مفهومان من الكلام.
(٣) في النسختين محرز بالحاء المهملة مع تأكيد الإهمال بعلامته المعروفة في كليهما.
(٤) حديث مجزز المدلجي في القيافة متفق عليه من حديث عائشة (ر. البخاري: المناقب، باب صفة النبي ﷺ، ح ٣٥٥٥، مسلم: الرضاع، باب العمل بإلحاق القائف الولد، ح ١٤٥٩).
[ ١٩ / ١٨٣ ]
مرات، ورأى ذلك حتمًا، ولم يجعله احتياطًا.
ولو أريناه المولود بين نسوة ليس فيهن أمه، فلم يلحق، فأريناه في نسوة ليس فيهن أمه أيضًا فلم يُلحق، وكررنا هذا النوع عليه، [فاستدّ] (١) في عدم الإلحاق، ثم ألحق بالأم، فلست أدري أن ما تقدم من درك [استداده] (٢) هل يكتفى به، أم لا بد من تكرر الإلحاق منه (٣)؟
والذي يجب أن يكون عقَد المذهب ومعتبرَه أن يَظهرَ حذقُه وتهدّيه، ويبعد حمل ما صدر منه على وفاق، ويجب أن نتناهى في الاحتياط؛ حتى لا يكون القائف مطّلعًا من قبل بعِيان أو تسامع.
وما ذكرناه من التجربة المحتومة مخصوصة بالنسوة؛ فإن الولاد فيهن مستيقن، ولست أدري هل يقع الاكتفاء بأن نريَه ولدًا مشهور النسب بين رجال ليس فيهم أبوه؟ والأظهر تخصيص التجربة بالنساء كما ذكرناه.
ثم إذا تبيّنا معرفته، فلا شك أن نشترط عقله وبلوغه وورعه.
والقائف الواحد كافٍ، والشاهد فيه حديث مجزِّز المدلجي، وفي اشتراط الحرية مذهبان: أصحهما - الاشتراط، وتنزيلُ القائف منزلة الحاكم، وليت شعري هل يُقبل إلحاق المرأة القائفة؟ إن لم نشترط الحرية.
١٢٣١٥ - وقد ظهر اختلاف أصحابنا في أن القيافة هل تختص ببني مدلج أو تتعداهم؟ فمنهم من زعم أنه مختص بهم، وهؤلاء اعتمدوا الاقتصار على مورد الشرع؛ فإن القيافة احتكام على أمرِ مُخطر، ومعوّلها التخمين، وكم من حاذق منهم يغلط، فالوجه ما ذكرناه.
وما زال أهل هذه القبيلة يراجَعون، وعصر الصحابة يطفح بذوي الفطن، فالوجه الاختصار عليهم.
_________________
(١) في الأصل: " فاستبد "، وفي ت ٥: " فاستدعى ". والمثبت تصرف من المحقق.
(٢) في الأصل: " استبداده "، والمثبت من (ت ٥).
(٣) ت ٥: " أم لا بد من تكرر الإلحاق به منه ".
[ ١٩ / ١٨٤ ]
ومن أصحابنا من لم يخصص ذلك بهم، واعتبر هذا المستدرك بكل ما يستدرك فيما يُعلم ويُظن، وعبّر الأئمة عن هذا فقالوا: القيافة خاصَّة فيهم، أم هي علم يتعلم ثم يُحْكَم بطول الدُّربة، كالعلوم التعليمية والتجريبية؟ ثم تصرف العراقيون، فقالوا: لا شك أنهم يعتمدون أشباهًا جلية وخفية: الجليةُ كالخلق والصور، والخفية كالشمائل التي لا تنتظم فيها عبارة، ثم قالوا: إذا كانت القيافة علمًا من العلوم مستندًا إلى أعلام، فلو ظهر للذي يُلحق بالشبه تشابه في الخلق الجلية مع شخصٍ، ومشابهة في الشمائل الخفية مع شخص، فيعتمد ظواهر الخلق، أو الشمائل الخفية؟ فعلى وجهين. [فأما] (١) من يعتمد المسلك الجلي، فتوجيهه بين، ومن يعتمد الشمائل فمعتمده أن الخلق لو كان عليها معول، لعم تشبه الولد بالوالد في الصورة، وليس كذلك، فأما الشمائل فلا بد من التشابه فيها في حق من يتفطن لها غالبًا. والله أعلم.
ولا ينبغي عندنا أن ينتهي الفقيه إلى أن يتصرف في علم القيافة.
ومما نلحقه بذلك، أنا إذا جرّبنا القائف في مولود، فأصبناه مصيبًا فيه، فلا نكرر عليه التجربة في كل مولود، وهذا كحكمنا بكون الكلب معلمًا، إذا ثبت، لم نحتج إلى إعادة التجربة كل مرة، بل هو على حكم التعليم إلى أن يتبين خلافه.
هذا منتهى ما أردناه في صفات القائف.
١٢٣١٦ - فإذا وجدنا قائفًا على الشرط، فلا مَعْدل عنه. وإن لم نجد قائفًا، أو وجدناه فتحيرّ، أو جربناه فغلط، أو كان القائف غائبًا -على ما سأصف الغيبة- فيقف الأمر، ونتوقف إلى أن يبلغ الطفل ونأمره بالانتساب.
ثم الذي فهمته من كلام الأصحاب أن هذا المولود يعتمد ميلَ نفسه وحنينها، معتقدًا أن النفوس مجبولة على الميل إلى الوالدين، وليس له أن يختار واحدًا عن وفاق، هذا ما وجدته. حتى قال شيخي: لو امتنع بعد البلوغ عن الاختيار، حبسه القاضي.
_________________
(١) في الأصل: " وأما ". والمثبت من (ت ٥).
[ ١٩ / ١٨٥ ]
ولست أرى الأمر كذلك (١)، بل هذا مناقضٌ لقولنا: لا يختار تشهيًا؛ فإن الإجبار يليق بهذا الفن من الاختيار، وهذا كحبسنا من أسلم على عشر نسوة ليختار أربعًا منهن، ولا يمكن أن نحكم على النفوس بأنها تميل إلى آبائها ميلًا جليًا (٢) لا بد منه؛ حتى لا يخلو شخص عن وجدانه ودركه من نفسه، ولست أشك أن هذا لا يعم النفوس مع الجهل والتباس الحال.
فأما إذا ألف الرجل أباه وتربّى في حجره، فذاك إلف وتقليد، وإنّا في التعويل على ما يندر من الميل على تردد، ولا متبع فيه إلا الشرع والتوقيف.
ثم إذا اختار المولود أحدهما، وقع الحكم به، وأرى له محملًا جليًا في قواعد الشريعة، وهو تقارّ المستلحِق والمستلحَق على النسب، ولو استلحق الرجل نسب بالغٍ، فلا يلحقه نسبه ما لم يوافقه، هذا من ذلك الفن، يل هو هو بعينه. وما قدمناه من النزوع إلى نوازع النفس كلام فيما يعتمده المختار، وإلا فالحكم الظاهر المنوط بالاختيار متلقى مما ذكرته.
ولو بلغ الصبي مبلغ التمييز، ولم ينته إلى مظنة التكليف فهل يختار؟ وهل لاختياره حكم؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يخيّر ليختار، إذا لم يكن قائف، كما يُخَيَّر المولودُ المميز بين أبويه في الحضانة. والوجه الثاني - أنا نصبر إلى أن يبلغ؛ فإن أمر النسب خطير، وليس كالحضانة؛ فإنها مطلوبة في الصغر، ولو أخر أمرها، فيقع الكلام بعد انقضائها؛ على أنا اعتمدنا فيها الخبر والأثر.
١٢٣١٧ - وقد أجرينا ذكر غيبة القائف، والذي يجمب الرجوع إليه عندنا في هذا أن يقال: الاختيار في حكم البدل عن القيافة، فنعتبر في غيبة القائف ما نعتبره في غيبة شهود الأصل عند استشهاد الفروع.
١٢٣١٨ - ووراء ذلك غائلة ننبه عليها الآن، ونقدم أصلًا مقصودًا، فنقول: الولد
_________________
(١) كذلك: الإشارة إلى أن الاختيار عند البلوغ يكلون عن جبلّةٍ وطبيعة، لا يخلو منها إنسان، حتى لا يمكن أن يكون اختياره عن وفاق.
(٢) كذا في النسختين، وأراها جبلِّيًا، والله أعلم.
[ ١٩ / ١٨٦ ]
الذي ألحقه فراش النكاح لا يؤثر فيه قيافةٌ، ولا انتسابٌ يخالف حكم الفراش، بل لا ينتفي ولد ألحقه الفراش إلا باللعان.
ولو صادفنا صبيًا صغيرًا في يد إنسان، وكان يستلحقه، ولا نعرف فراشًا نُسند الولدَ إليه، فالنسب يلحق بظاهر اليد مع الانتساب، حتى لو جاء إنسان واستلحقه، فلا حكم لاستلحاقه. ولو دعانا إلى الاحتكام إلى القائف، لم نجبه، وهذا رأيته متفقًا عليه بين الأصحاب.
ولو بلغ الطفل فانتفى ممن كان يستلحقه وهو تحت يده في صباه، فهل يقبل انتفاؤه عنه؟ فعلى وجهين مشهورين بناهما الأصحاب على ما إذا حكمنا لطفل بالإسلام تبعًا، فبلغ وأعرب عن نفسه بالكفر، فهو مرتد أو كافر أصلي؟ فعلى قولين، ووجه البناء لائح.
وذكرنا في ادعاء الحرية بعد البلوغ مثلَ هذا الخلاف.
ثم ذكر الأصحاب في هذا المنتهى مسألة، فنذكرها، ثم نعود إلى ما نبهنا عليه، قالوا: إذا كان في يده صبي، وهو يدعي نسبه، ويزعم أن زوجته أتت به، والزوجة تنكر ولادته، فالنسب يلحق وإن أنكرت، فلو جاء خارجي وادعى نسبه، وزوجة الخارجي تزعم أنها ولدته على فراش الخارجي، أما الأبوة، فثابتةٌ لمن الطفل في يده. واختلف أصحابنا وراء ذلك في الأمّ: فقال قائلون: هو ابن صاحب اليد وابن زوجة الخارجي، فلا منافاة، ولعله وطئها بشبهة، وهذا إذا جعلنا للمرأة دِعْوة.
ومن أصحابنا من قال: هو ملحق بالذي في يده، وبزوجته وإن أنكرته.
ومن أصحابنا من قال: الأبوة تثبت لصاحب اليد، ولا قائف في ذلك، ونُري الولدَ القائفَ بين زوجته وزوجة الخارجي.
١٢٣١٩ - ونحن نعود بعد ذلك إلى ما أردناه، فنقول: إذا وقفنا أمرَ المولود الذي تداعاه رجلان، لما لم نجد القائف، وانتظرنا بلوغ المولود واختيارَه، فلو بلغ، فحضر قائف قبل اختياره، فالرجوع إلى اختياره أم إلى إلحاق القائف؟ أولًا - لا خلاف أنه لو لم يختر، ألحقه القائف، وإذا اختار ووافق اختيارُه إلحاقَ القائف، فلا إشكال.
[ ١٩ / ١٨٧ ]
وإن اختار أحدَهما وألحقه القائف بالثاني، فهذا موضع النظر؛ من جهة أن القيافة تليق بحالة الصغر؛ إذ لو ادعى رجل نسب بالغ، وهو ينكر، فاستشهد المدعي بقائف، فلا يجوز أن يكون قولُ القائف حجةً في هذا المقام، والمستلحَق المدعى بالغ مستقل، وادعاء الرجل نسبه كادعائه مالَه، ولكن إنما ترددنا في المسألة الأولى؛ لأن الولد في حكم النسب كابنٍ في أيديهما، وتثبت عُلقة النسب، بل حقيقة النسب من أحدهما؛ فإن هذا إذا بلغ لا بد وأن يختار أحدهما، إلا على وجه بعيد، في أن الطفل لو بلغ ونفى النسب أنه ينتفي أخذًا من الإسلام والتبعية فيه.
فإذا جرينا على الصحيح، فالنسب ثابت من أحدهما، وقد اختار، وقال القائف خلاف اختياره، وهذا محتمل جدًا، وفي أثر عن عمر ما يرشد إلى مسلك في هذه المسألة؛ فإنه أرى الولدَ القائفَ أولًا، فلم يأت القائف بما يرضيه في قصة مشهورة (١)، فأدب القائفَ، ثم قال للمولود: والِ من شئت، وأراد الانتساب.
فيمكن أن يكون ذلك بعد البلوغ. ويظهر أن يكون في الصغر. فإن ابتداء الدّعوة لو كان بعد البلوغ، فلا قائف، كما مهدته فيما تقدم - والعلم عند الله.
وقد تناهى التنبيه (٢)، وإنعام النظر موكول إلى نظر الفقيه.
ثم عقد بابًا (٣) وذكر فيه استلحاق الكافر والعبد وطرفًا من أحكام إسلام الطفل بالتبعية، أما ما يتعلق بالاستلحاق، فقد ذكرناه، وأما أمر التبعية بالإسلام فقد استقصيناه في كتاب اللقيط.
_________________
(١) أثر عمر في القيافة رواه الشافعي والبيهقي، قال الحافظ: بسندٍ صحيح إلى عروة، وعروة عن عمر منقطع (ر. السنن الكبرى: ١٠/ ٢٦٣، ومعرفة السنن والآثار: ح ٦٠٠٠، والتلخيص: ٤/ ٢٨٧ ح ٢٦٩٥).
(٢) ت ٥: " الشبه ".
(٣) يشير إلى أبواب ومسائل في المختصر، وكأنه ينبه إلى مخالفته الترتيب في إيرادها.
[ ١٩ / ١٨٨ ]