قال: " وإذا أوصى به لرجل وعَجَز قبل الموت إلى آخره " (١).
١٢٦١٨ - إذا أوصى برقبة المكاتب لإنسان، وأطلق الوصية، ولم يقيدها بعجز المكاتب وانقلابه إلى الرق، فالوصية باطلة، حتى لو عجز المكاتب ورَقَّ قبل موت الموصي، فلا ننفذها عند موته، كما لو أوصى بعبد إنسان، ولم يعلق الوصية بدخولها في ملكه؛ فإن الوصية تبطل.
ولو قال: إن ملكت هذا العبدَ، فقد أوصيت به لفلان، أو قال: إن عجز مكاتبي هذا، فقد أوصيت به لفلان، فحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه: أقيسها - بطلان الوصية اعتبارًا بحالة التعليق، وقياسًا على ما لو قال إن ملكت هذا العبد، فهو حر، وإن نكحت هذه المرأة، فهي طالق. والوجه الثاني - أن الوصية تصح؛ فإنها تقبل ما لا يقبل غيرُها، ووقت نفوذها وقت زوال ملك الموصي، يعني أنها تنفذ عند موت الموصي، وهو وقت انقطاع الملك.
والوجه الثالث - أن الوصية تصح في المكاتب، إذا تقيدت بعجزه وَرِقِّه؛ من جهة أنها تعتمد في الحال ملكًا، ولا تصح الوصيةُ المضافة إلى ملك الغير، وإن تقيدت بتقدير ملك الموصي؛ فإنها لم تعتمد ملكًا في الحال. ولا فقه في هذا الوجه.
وكل هذا مما أجرينا ذكره في تعليق الطلاق قبل الملك، ولم يخل كتاب الوصايا عنه أيضًا.
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٨٥.
[ ١٩ / ٤٦٨ ]
فصل
قال: " ولو قال: ضعوا عنه أكثر ما بقي عليه إلى آخره " (١).
١٢٦١٩ - الوصية بنجوم الكتابة جائزة إذا خرجت من الثلث، فإذا صحت الوصية، وأداها إلى الموصى له عَتَق. وإن خرج بعضها من الثلث أدى ذلك القدر إلى الموصى له، وأدى الزيادة إلى الورثة، ويعتِق.
فإن عجز، فقال الموصى له: أُنظره حتى يجدَ، وقال الوارث أعجّزه، ثم في تعجيزه رده إلى الرق، وسقوط جميع النجوم، فللوارث أن يعجزه، وإن أدى تعجيزه إياه إلى بطلان الوصية، وتعليل ذلك بيّنٌ، وليس إلى الموصى له تعجيزه في هذا المقام إذا لم يعجِّزه الوارث.
ولو كان أوصى برقبة المكاتب على تقدير عجزه، وصححنا الوصية، ثم إنه عجز بعد موت السيد، فقال الوارث: أُنظره، لم يكن له ذلك، بل يُعجَّز وتُسلّم رقبته إلى الموصى له، وإنما يتعاطى ذلك القاضي إذا تحققت الواقعة في مجلسه.
ولو قال: ضعوا عن هذا المكاتب أكثرَ ما بقي عليه، ووفى الثلثُ واتسع، فالورثة يضعون عنه أكثر من نصف النجوم، ولو بزيادة حبة؛ فإن هذا أكثر ما عليه.
والمسألة فيه إذا لم يكن أدى شيئًا، وعلة ما ذكرناه أن الوصايا تنزل على أقل موجب اللفظ، والنصف وأدنى زيادة ينطلق عليه اسم الأكثر، وإن زاد الورثة على ما ذكرناه وبلّغوا الزيادة دراهم فصاعدًا، فقد قال الصيدلاني: كل ما يضعونه محمول على الوصية. ولا يكون ذلك منهم ابتداءَ تبرع؛ فإن اسم الأكثر، كما يمكن تنزيله على النصف وأدنى زيادة، فهو محتمل لما يزيد على هذا المبلغ، فإلى الورثة أن يحملوا اللفظ على محتملاته، ولهم تنزيلُه على أقل معانيه.
وهذا الذي ذكره مأخوذ عليه؛ فما يزيد على الأقل المجزىء، فهو تفضل من الورثة على الابتداء، إذ لو اقتصروا على الأقل المجزىء، لقيل: لم ينقصوا من
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٨٥.
[ ١٩ / ٤٦٩ ]
الوصية شيئًا، وإن كان الثلث متسعًا لأضعاف الوصية، وليس إلى الورثة تكثير الوصية وتقليلها، وإنما المستحق بها ما يجوز الاقتصار عليه، وهذا الذي ذكرناه يجري في كل وصية مرسلة لا تتقدر لفظًا بمقدار.
ولو قال: ضعوا عن المكاتب أكثر مما عليه، فمقتضى هذا اللفظ أن يوضع عنه الكل وزيادة. ولفظ الزيادة لغو، فوضعنا الكل، وألغينا الزيادة.
ولو قال: ضعوا عن مكاتبي ما شاء من الكتابة، فشاء الكل؛ لم نضعه، بل نبقي شيئًا وإن قلّ، لأنه قال: " من الكتابة "، وهذا يقتضي التبعيض.
ولو قال: ضعوا عنه ما شاء، ولم يقل من الكتابة، فشاء الكل، والثلث متسع، فهل نضع الكل عنه؟ فعلى وجهين، ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنا نضع عنه؛ فإنه لا تبعيض في اللفظ. والثاني - لا بد من تبقية شيء؛ فإنه لو أراد الكل، لقال: ضعوا عنه الكل إذا شاء.
فرع:
١٢٦٢٠ - إذا حل النجم على المكاتب، فجاء متبرع وأدى النجم عن مكاتَبه، فالسيد لا يلزمه قبوله؛ قياسًا على مثل ذلك في جميع الديون، ولو قبله السيد، فهل يقع عن المكاتَب إذا كان ذلك بغير إذن المكاتب؟ ذكر صاحب التقريب في ذلك وجهين أحدهما - أنه لا يقع عن المكاتب، وليس كالرجل يتطوع بأداء دين غيره بغير إذن من عليه؛ وذلك أن الكتابة الصحيحة -وإن كانت على حكم المعاوضة، وغلبت المعاوضة فيها- فلا بد من رعاية طرف من الاختصاص، والتعلّق بحكم التعليق، ولا تعلّق للعبد بهذا الأجنبي، ولم يرتبط به أيضًا إذن من المكاتب، فلا أثر لأدائه إذا كانت الحالة هذه.
والوجه الثاني -وهو القياس- أن العتق يحصل إذا قبل السيد؛ اعتبارًا بجميع الديون. وإذا حكمنا بالعتق عند الإبراء عن النجوم -وإن كان معلقًا على أدائها- لم نبق للتعليق أثرًا أصلًا (١).
فرع:
١٢٦٢١ - إذا جُن المكاتب، وحل النجم، وعجَّزه السيدُ، وكان ينفق عليه
_________________
(١) من هنا بدأ خرم آخر في نسخة (ت ٥) بقدر ورقتين من قياس النسخة نفسها.
[ ١٩ / ٤٧٠ ]
بعد التعجيز إنفاقَه على المماليك، فأفاق المجنون، وأقام البينة على أنه كان أدى النجم، فهل يرجع بما أنفقه؟ قال العراقيون: لا يرجع بما أنفقه؛ فإنه في حكم المتبرع.
ولو ادعى أنه جهل الأداء أو نسيه، وأنفق على تقدير الرق -فالذي قاله ممكن- فهل يملك الرجوع بما أنفق -والحالة هذه-؟ فعلى وجهين، والذي قطع به أئمتنا أنه لا يرجع؛ فإن إنفاقه عليه مطلقًا فمَحْمَلُه الظاهرُ التبرعُ لا غير.
[من عقود العتاقة التي تردد فيها الأصحاب] (١)
١٢٦٢٢ - ذكر الشيخ أبو علي في [شرح] (٢) التلخيص ما يشكل من عقود العتاقة، ويتعلق به تردد الأصحاب.
فمما ذكره أن السيد إذا قال لعبده: بعتك من نفسك بألف درهم، فقال: قبلت، فالمذهب الصحيح أن العقد يصح، ويَعتِق العبدُ بالقبول، والألف يقع في ذمته، وخرّج الربيع قولًا أن ذلك لا يصح ويلغو، ولا يترتب عليه عتق، ولا حكم له أصلًا؛ [فإنه لا يعامل رقيقه بالبيع المحقق] (٣)، وهذا وإن كان له وجه في القياس، فهو مزيف مردود، غير معدود من متن المذهب.
فإذا فرعنا على الأصح -وهو الصحة- فإذا ابتاع نفسه، فالوجهُ تنزيل ذلك منزلة ما لو اشترى الإنسان من يعتِق عليه حتى يخرَّجَ الكلامُ، فإن خيار المجلس هل يثبت؟ وهل يصح فيه شرط الخيار؟ وقد ذكرنا هذا في شراء الإنسان قريبه.
وحكى الشيخ أن الأصحاب خرّجوا عتق العبد على ما إذا اشترى الإنسان عبدًا، ثم أعتقه في زمان الخيار. وهذا ذكره ما دام في المجلس، وهو تفريع منه على أضعف
_________________
(١) هذا العنوان من وضع المحقق.
(٢) زيادة اقتضاها تصويب الجملة؛ فإن الشيخ أبا علي صاحب شرح التلخيص، وليس التلخيص.
(٣) عبارة الأصل: " فإنه لما قبل رقيقه بالبيع المحقق ". والمثبت من المحقق، رعاية للسياق، واستئناسًا بما قاله الغزالي في البسيط، والرافعي في الشرح الكبير، والنووي في الروضة. وقد حاولنا -كدأبنا- أن نؤدي المعنى بأقل تغييرٍ ممكن في اللفظ الموجود بالأصل.
[ ١٩ / ٤٧١ ]
الوجهين في شراء الرجل من يعتِق عليه، وهو منسوب إلى أبي بكر الأُودَني، فإنه أثبت خيار المجلس في شراء الرجل مَنْ يعتق عليه.
وبالجملة شراء العبد نفسه أقرب إلى مقصود العَتاقة من شراء الرجل من يعتِق [عليه] (١).
١٢٦٢٣ - ولو قال السيد لعبده: أنت حر على ألف درهم، فقال العبد: قبلته، صح ذلك، ونفذ العتق في الحال، وهو بماثبة ما لو قال الزوج لزوجته: أنت طالق على ألف، فقبلته.
فأما إذا قال لعبده: إن أعطيتني ألفًا، فأنت حر، أو إن أديت ألفًا، فأنت حر، فإذا أحضر ألفًا، فهذا -أولًا- فيه غموض؛ من جهة أنه لا يأتي بألف هو له؛ إذ لا ملك للعبد، ويقع هذا فيما إذا قال الرجل لزوجته: إن أعطيتني ألفًا، فأتت بألف مغصوب. ولكن نفرع على العتق، ونقول بعده: ما سبيل هذه المعاملة وكيف تنزيلها؟
ذكر الشيخ ثلاثه أوجه: أحدها - أن حكمه حكم الكتابة الفاسدة في التراجع: ردًا ورجوعًا إلى القيمة، ثم يتبع الكسب.
والوجه الثاني - أنه لا يتبعه الكسب والولد، ولكن نغرمه قيمتَه.
والوجه الثالث - أنه لا نغرمه قيمتَه أيضًا.
وفي وضع هذا الكلام اضطراب لا بد من كشفه، ونحن نقول: الكسب والولد الحاصلان قبل هذا التعليق لا يتبعان بلا خلاف، وإنما هذا التردد فيما حصل بعد التعليق من كسبٍ أو ولد، وكأن حاصل الكلام فيه يرجع إلى أن هذا اللفظ من السيد هل يكون كتابة فاسدة؛ فإن جعلناه كتابة فاسدة، يقع ما بعده من كسب وولد كما ذكرناه من كتابة فاسدة.
ومن الأصحاب من لم يجعله كتابة فاسدة، ثم هؤلاء اختلفوا: فقال بعضهم: تعليق محضٌ، لا يتضمن الرجوع بالقيمة أيضًا. وقال آخرون - لا بد من ثبوت
_________________
(١) زيادة اقتضاها السياق.
[ ١٩ / ٤٧٢ ]
الرجوع عليه بالقيمة، كما لو قال الزوج لزوجته: إن أعطيتني ألفًا، فأعطته مغصوبًا؛ فإنه يرجع عليها عند وقوع الطلاق، والقائل الأول يقول: كانت المرأة من أهل الالتزام لما خوطبت، بخلاف العبد القن، فحُملت المعاملة مع العبد على التعليق المحض.
وقد نجزت مسائل السواد في الكتاب. واتفق أن ابن الحداد بعد نجاز ترتيب الكتب ذكر مسائل [من مولَّداته أشتاتًا] (١)، وعطفها على الكتب من غير ترتيب، ولو أوردها في مواضعها، لكان ذلك أولى، ولكن إذا لم يتفق، فنحن نأتي بما نعلم أنه لم يَسبق له ذكرٌ أو تردُّدٌ فيه، فإن اتفقت إعادة، لم تضر، وهي أولى من الإخلال.