١٢٦١٤ - قال الأئمة: الكتابة جائزة من جانب المكاتب، مهما (١) أراد فسخها، سواء كان قادرًا على أداء النجوم أو عجز عنها.
وذكر العراقيون طريقةَ تخالف طريقةَ المراوزة، فقالوا: لا ينشىء المكاتَب فسخَ الكتابة، ولكن له الامتناع عن أداء النجوم مع القدرة، ثم إذا امتنع، فللسيد الفسخ، إذا لم تصل يده إلى النجوم، وهذا كرّروه مرارًا، وصرحوا به.
وهذا بعيد؛ فإن الامتناع عن أداء النجوم مع أنه لا يملك الفسخ كيف يسوغ؟ وما ذكروه على الحقيقة عكسُ الصواب؛ فإنهم ألزموا الكتابة في جانبه، وجوزوا له ألا يفي (٢) بها. وهذا كلام متناقض، والذي به العمل والفتوى أن المكاتب يفسخ الكتابة متى شاء، وما ذكروه يداني مذهب أبي حنيفة (٣).
فأما السيد، فالكتابة في جانبه لازمة لا يملك فسخها، إلا إذا حل النجم، وعجز المكاتب، أو امتنع، فيثبت له حقُّ الفسخ، ويتصف العقد بالجواز في هذه الحالة من الجانبين.
فلو حلّ النجم، فاستنظر المكاتبُ، لم يَلْزمه إنظارُه إلا ريثما يخرج النجم من مخزن، أو دكان، ولو كان ماله غائبًا، عجّزه المولى، ولم يَلْزمْه الإنظار.
فأما إذا كان المكاتب غائبًا بنفسه، وحل النجم، فالمذهب أن للسيد أن يعجِّزه بنفسه، ولا حاجة لرفع ذلك إلى حاكم، وذكر العراقيون هذا وصححوه، وحكَوْا وجهًا آخر - أنه يجب رفع الواقعة إلى مجلس الحاكم؛ فإنه نائب عن كل غائب، ثم
_________________
(١) مهما: بمعنى (إذا).
(٢) ت ٥: " أن يفي ".
(٣) ر. الفتاوى الهندية: ٥/ ١٧.
[ ١٩ / ٤٦٤ ]
مهما (١) رفع السيد الأمر إلى القاضي واستدعى منه أن ينشىء الفسخَ، فالقاضي لا يجيبه، ما لم يتحقق عنده الأمر من حلول النجم، وظهورِ الامتناع، أو العجزِ، ولو فسخ السيد بنفسه، لكفاه ذلك.
وليس هذا حقًا ثابتًا على الفور، فلو أخره أيامًا، ثم فسخ، جاز له الفسخ، ولو أنظره ثم بدا له، جاز له الفسخ.
١٢٦١٥ - ومما يجب التنبه له أن المكاتب لو امتنع عن أداء النجوم، وقدر السيد على رفعه واستيداء النجم منه، ولكن آثر الفسخ لما امتنع المكاتب، فكيف الوجه؟ وهذا غمرة الباب، والغرض منه يبين بذكر أصلٍ بيّن، وهو أن من عليه الدين إذا امتنع وقدر المرتهن على استيفاء الدين منه، فليس له مبادرة بيع الرهن، وإن لم يكن له رهن، فليس له أخذُ غير جنس حقه، نعم إذا تحقق التعذر، ففيه الكلام.
رجعنا إلى غرضنا، فإن ما قدمناه قد قررناه في موضعه، فنقول: لا يجب على العبد أداءُ النجم، فلا يتأتى توجيهُ الطّلبة عليه، وهذا واضح على طريق العراقيين، وهو على طريقنا بيّن؛ فإنَّ طلب الجائز (٢) حملًا على تحصيل المطلوب محال، ولهذا لا يطالَب المشتري بالثمن في زمان الخيار، وإذا كان كذلك، فلا يتوقف الفسخ على تعذر الاستيفاء، بل إذا لم يوفِّ المكاتَب، فسخَ السيد.
ولو حل النجم، فجاء المكاتَب، فأنظره المولى، وخرج المكاتبُ بإذنه، فلو أراد الفسخَ كما (٣) بدا له، لم يكن له ذلك. نعم، يُعلمه أنه ندم على ما قدم، ثم على المكاتب أن يسرع الكرة، فإن أخر بحيث يقال: قصّر، فللسيد الفسخ حينئذ. وهذا الطرف يضاهي عَوْد الشفيع على قول الفور للطلب، كما قدرناه في موضعه.
١٢٦١٦ - فلو جن المكاتب، وقلنا لا تنفسخ الكتابة على الرأي الظاهر، فإن عرف السلطان له مالًا -وقد حلّ النجم- أداه عنه.
_________________
(١) مهما: بمعنى: إذا.
(٢) ت ٥: " الجاني ".
(٣) كما: بمعنى (عندما).
[ ١٩ / ٤٦٥ ]
وهذا فيه تأمل على الفطن؛ لأنه في حكم ولاية على مملوك، ولو كان مفيقًا ربما كان يفسخ، [أو لا يؤثر الأداء] (١).
ولو لم يصادف القاضي له مالًا، فإن فسخ السيد بنفسه، فلا كلام، وإن أفاق، وأقام بينة على أنه كان قد أدى، حكمنا ببيّنته، وتبيّنا فساد التعجيز.
ولو أفاق، وعرفنا أنه كان له مال؛ إذ عجّزه السيد، نُظر: فإن كان له مال في يد السيد، فالتعجيز مردود، وإن كان له مال لا يعرفه السيد، فالتعجيز نافذ بناء على قاعدة الباب، والسر الذي كشفناه في مأخذ الكلام في التعجيز.
ولو حل النجم، وفي يد المكاتب عَرْضٌ، والنجم من نقد البلد، فإن تأتى بيع العَرْض على الفور (٢)، [لم يكن] (٣) للسيد أن يفسخ. وإن كان ذلك العرض كاسدًا، ولا يتأتى بيعه إلا بعد زمان، فظاهر ما ذكره الصيدلاني أن السيد لا يفسخ، ولست أرى الأمر كذلك، لما مهدته من أن المكاتب إذا لم يأت بالنجم، فهو المقصر، ويثبت للسيد عنده سلطان التعجيز، وقيمة العرض غائبة، فيتجه أن نجعلها كمالٍ غائب. والعلم عند الله تعالى.
فرع:
١٢٦١٧ - المولى إذا استسخر المكاتب مدةً، فموجب الواقعة أن يغرم له أجرة مثله في تلك المدة، (٤ فإذا حل النجم، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه يعجزه إن لم يكن معه وفاء؛ فإن المدة ٤) التي استخدمه فيها عَوَّضه عنها، وقيمةُ المتلفِ تخلُف المتلفَ. وهذا هو القياس. والقول الثاني - أنه يلزمه أن يُنظره في مثل تلك المدة؛ فإنه ربما كان يتفق له في مدة الاستسخار تحصيلُ النجم، ولا يمكن سد باب التعجيز، فأقصى الإمكان أن يمهل مثلَ تلك المدة؛ فإنه لم يفته إلا ظنٌّ فيعوّضه عنه فسحةً للظن، تضاهي الفسحة الأولى.
ثم إذا أمهله على هذا القول، لم يستردَّ الأجرة؛ فإن الأجرة بدلُ متلف، وهذه
_________________
(١) في الأصل: " إذ لا يؤثر الأداء "، وفي (ت ٥): " أو لا يؤثر الإباء ".
(٢) ت ٥: " الغرر ".
(٣) في الأصل: " ولم يكن ".
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ت ٥).
[ ١٩ / ٤٦٦ ]
الفسحة لمقابلة ظن بظن. وما دامت الكتابة قائمة، فليست المنافع للسيد، حتى يقال: هذا جمعُ عوضين عليه، أحدهما: الأجرة والثاني: الإمهال. والأقيس القول الأول.
وقد ذكرنا لهذا نظائر في كتاب النكاح إذا استخدم السيد العبد، وامتنع عليه الاكتسابُ للمهر والنفقة، وهذا تشابه في المأخذ.
ثم تفريع كل أصل على حسب ما يليق به.
ولو حبس غاصبٌ المكاتَبَ، وقلنا: إن حبسه المولى، لأمهله، فهل يمهله المولى؛ ذكر العراقيون على هذا القول وجهين. ومساق هذا يلزمهم أن يقولوا: لو مَرض لجرى هذا الخلاف أيضًا، وهذا بُعدٌ عظيم عن سَنَنِ المذهب، يجر خبالًا لا يرتضيه المحصل، ولكل أصل مأخذ، والفقيه من يحوّم عليه.
وقد ذكرنا مأخذَ التعجيز ومقتضاه مصرِّح ببطلان ما قالوه، وقد يلزمهم أن يقولوا: إذا كسد عملُ المكاتب، ولم يكن منه تقصير، أو لم تتفق الصدقات، فإنه يمهل وهذا خُرْقٌ لا ينتهى إلى ارتكابه فقيه. والله أعلم.
***
[ ١٩ / ٤٦٧ ]