قال: " من ادعى مالًا فأقام عليه شاهدًا إلى آخره " (١).
١٢٠٨٦ - مقصود الباب القول في تغليظ الأيمان بالمكان والزمان والألفاظ، فكل ما يعظم قدره كالدماء وما يلتحق بها مما لا يثبت بالشاهد واليمين، فالتغليظ في اليمين مشروع فيه، وما يثبت بالشاهد والمرأتين ينقسم إلى المال وحقوقه، وإلى عيوب النساء، فأما الأول، فينقسم إلى المال الكثير وإلى القليل، فأما القليل، فلا تغليظ فيه بالجهات الثلاث. وأما الكثير، فالتغليظ مشروع فيه. والكثير الذي يجري التغليظ فيه، عشرون دينارًا أو مائتا درهم، وما دون ذلك لا تغليظ فيه، والرجوع فيما ذكرناه إلى الآثار.
روي عن عبد الرحمن بن عوف أنه مرّ برجل يحلَّف بين الركن والمقام، فقال: " أعلى دمٍ؟ فقالوا: لا، فقال: أعلى عُظْم من المال؟ قالوا: لا، قال: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا البيت " (٢) وروي- أن يَبْهأ (٣) الناس بهذا البيت.
ومعناه: التهاون أيضًا.
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٥٤.
(٢) أثر عبد الرحمن بن عوف رواه البيهقي في السنن الكبرى: ١٠/ ١٧٦، وفي معرفة السنن والآثار: ٧/ ٤١٤ رقم ٥٩٣١.
(٣) يبهأ: بَهَأ به، يَبْهَأ بَهْأً، أَنِس به (المعجم). ومعنى الأنس به أي الاعتياد، والإلف الذي يُذهب المهابة ويؤدي إلى التهاون. وقد فسر البيهقي هذا اللفظ (يبهأ) قائلًا: "يبهأ الناس يعنى يأنسوا به، فتذهب هيبته من قلوبهم. قال أبو عبيد: يقال: بهأت بالشيء إذا أنست به"، وقد جاء هذا التفسير في (اللسان) مستشهدًا بحديث عبد الرحمن بن عوف هذا.
[ ١٨ / ٦٤٨ ]
فروى (١): العظيم من المال عشرون دينارًا، ولا يظن بأصحاب رسول الله ﷺ تقدير من غير تثبت عندهم.
فأما عيوب النساء، فأمرها خطير يلتحق بالنكاح وما في مرتبته، وإن كان يثبت بالشاهد والمرأتين؛ فإن سبب ذلك الضرورة الداعية إلى قبول شهادة النسوة المتجردات. ثم ترتب عليه إقامة رجل مقام امرأتين.
ومما نذكره أن الوكالة في التصرف في مقدار نزرٍ من المال قياسها تغليظ اليمين فيها، لأنها لا تثبت برجل وامرأتين تعظيمًا للولاية، وملك التصرف.
وفي النفس من هذا شيء؛ فإن الوكالة في الدرهم خسيسة، وهي أخس من ملك الدرهم، فإن تصرف المالك أقوى من تصرف الوكلاء، وشرطُنا شاهدين في الوكالة لا يحمل على شرف الوكالة، وإنما يحمل على اتباع التعبدات في مراتب الشهادات، والتغليظ يتلقى من عظم قدر ما فيه الخصومة، فإذا كنا نغلظ ما يتعلق ببواطن النساء مع ثبوته بالشاهد والمرأتين، لم يبعد أن نخفف ما يتعلق بالوكالة، وإن كانت لا تثبت إلا بشاهدين.
هذا قولنا فيما يجري التغليظ فيه.
١٢٠٨٧ - ثم كيفية التغليظ بالمكان والزمان مضى ذكرهما في كتاب اللعان، والذي نذكره ههنا أن التغليظ بالمكان هل يُستحَق؟ فيه قولان لا يخفى توجيههما تعلقًا بالوجود من وجه، وحملًا على الاحتياط من وجه، ووجه التعلق بالوجود أنه لو لم يجب، لما جاز لما أشار إليه عبد الرحمن بن عوف من خشية التهاون.
ثم قال الأصحاب: في تغليظ الأيمان على الكفار، نحلّفهم في كنائسهم وبيعهم، ولا نحلّف المجوسي في بيت النيران؛ فإنها ليست محترمة، وهذا وإن صار إليه الأصحاب مشكل، وقد قال صاحب التقريب: نحلفهم في بيوت النيران. ووجه ما قاله الأصحاب أن البيع والكنائس محترمة، فنسخت حرمتها، فلا يبعد الاستمساك بما كان، ولم يثبت احترام بيوت النيران في ملة من الملل.
_________________
(١) فروى: أي الشافعي (ر. المختصر: ٥/ ٢٥٤).
[ ١٨ / ٦٤٩ ]
فأما التغليظ بالزمان، ففيه طريقان: منهم من لم يوجبه، قولًا واحدًا. ومنهم من أجرى القولين فيه.
وأما التغليظ باللفظ، فينقسم إلى تغليظٍ بالعدد كما ذكرنا في أيمان القسامة واللعان، وهذا مستحَق حيث يثبت، وتغليظ لا يرجع إلى العدد، قول الحالف " بالله الذي لا إله إلا هو " وهذا مرتب على الزمان، وهو أبعد الأركان الثلاثة عن الاستحقاق.
وإذا جمعنا المكان والزمان واللفظ، انتظم فيها أقوال:
أحدها - الاستحقاق في الكل.
والثاني - الاحتياط في الكل.
والثالث - الاستحقاق في المكان فحسب.
والرابع - الاستحقاق في الزمان والمكان دون اللفظ.
فرع:
١٢٠٨٨ - إذا رأينا التغليظ بالمكان، واقتضى ذلك إحضار المرأة المسجد وتحليفها، فلو كانت مخدرة، قال العراقيون: لا يعصمها التخدير، ويجب عليها حضور المسجد وقطعوا بها، وقد قدمنا في التخدير كلامًا يوجب تطرق الاحتمال إلى ما ذكرناه الآن.
فرع:
١٢٠٨٩ - كل تغليظ رآه القاضي مستحَقًا، فيجب اتباع رأيه فيه؛ فإن المسائل مجتَهَد فيها، والامتناع عما رآه غير سائغ، والممتنع مجبَر على الطاعة، فإذا قال القاضي: قل " بالله "، فقال " بالرحمن "، كان هذا نكولًا؛ فإنَّ حَلِفه مربوطٌ بتحليف القاضي، والقاضي لم يحلّفه بالرحمن، فكان مبتدئًا فيه، هكذا وجدت الطرق.
ولو قال: " قل بالله الذي لا إله إلا هو "، فقال: " بالله "، واقتصر، فهل يكون ناكلًا أم لا؟ فعلى وجهين ذكرهما الأصحاب. والوجه عندي أن نقول: إذا رأى القاضي التغليظ باللفظ مستحقًا، فالممتنع عنه ناكل، وإن لم ير القاضي التغليظ مستحقًا، فمخالفة القاضي فيما يراه احتياطًا هل يكون نكولًا؟ فعلى وجهين.
[ ١٨ / ٦٥٠ ]
هذا مقصود الباب، وقد تركت مسائل فلم أُعدها، لأني ذكرتها في كتاب اللعان، والغرض الأخص بالباب نجمعه في فصلٍ.
فصل
١٢٠٩٠ - الخصومة الدائرة بين شخصين قد تكون مغلظة في أحد الشقين مخففة في الشق الثاني، وتصوير ذلك أن العبد إذا ادعى على مولاه إعتاقه إياه، فانكر المولى، فالقول قوله مع يمينه. فإذا رغب في اليمين نظرنا إلى قيمة العبد، فإن كانت قيمته عشرين دينارًا غُلّظت اليمين عليه. والتفريع على التغليظ.
وإن كانت القيمة أقلَّ من عشرين دينارًا، لم تغلّظ، وإن نكل عن اليمين، رددنا اليمين على العبد، واليمينُ مغلظة عليه، قلّت قيمته أو كثرت، فإنه يبغي إثبات العتق وخطرُه عظيم، وكذلك إذا ادعى على مولاه الكتابة، والمولى ينكرها، فننظر إلى مقدار القيمة في جانب السيد، وإذا [رددنا] (١) اليمين على العبد غلّظناها، لأنه يبغي بإثبات الكتابة الاستقلال المنافي لحجر الرق المُفضي إلى العَتاقة.
وذكر صاحب التقريب في هذا الفن وجهًا بعيدًا، أنا إذا غلظنا اليمين من جانب، غلظناها من الجانب الثاني، حتى يتحد القياس في ترتيب الخصومة.
وهذا وجه مزيف لا أصل له؛ إذ ليس المصير إلى هذا أولى من المصير إلى عكسه حتى يقال: إذا خَفَّت الخصومة في شيء كالملك، فالعتق زوال لذلك الملك الخفيف، فيجب تخفيفه، فالوجه الحكم في كل شيء بما يليق به.
فرع:
١٢٠٩١ - قال العراقيون: إذا توجه على رجل يمين بمكة مثلًا، ورأى القاضي تغليظها بأن يحلّف المنكر بين الركن والمقام، فقال المدعى عليه: قد حلفت بالطلاق لا أحلف بين الركن والمقام، فنقول: إن حلف بالطلاق أنه لا يحلف يمينًا مغلظة، وقلنا إن التغليظ ليس بواجب، فعلى القاضي أن يترك التغليظ ولا يحنّثه.
_________________
(١) في الأصل: "أردنا".
[ ١٨ / ٦٥١ ]
وإن قلنا التغليظ مستحَق، فلا يبالَى بيمينه ويغلّظ عليه ويحنّثه، وإن لم يرد الحنث فلينكُل.
ولو قال: لا أحلف بين الركن والمقام، وقلنا: إن التغليظ مستحب، فلا يحنّثه بالتحليف بين الركن والمقام، وإن قلنا: التغليظ مستحق، وقد حلف لا يحلف بين الركن والمقام، فقد ذكروا في هذه الصورة قولين: أحدهما - أن القاضي يحلّفه بين الركن والمقام، ولا يُبالي بيمينه، والثاني - أن يحلّفه في جانب آخر من جوانب الكعبة؛ فإن جملة جوانبها محترمة، ويحصل التغليظ بها، ولا معنى لتحنيثه، هكذا ذكروه، ولا حاصل عندي لذكر الخلاف حيث انتَهَوْا إليه إلا على تردد في أن ما بين الركن والمقام هل يتعين في التغليظ، إذا كنا نعتبر التغليظ ونراه مستحقًا، فإن عيّنّا ذلك المكان، فالامتناع عنه امتناع عن مستحق، وإن لم نر ذلك متعينًا شرعًا، فلا معنى لتحنيثه، ويعود التفريع إلى قولنا: التغليظ مستحب غير مستحق.
فصل
قال: " ويحلف الرجل في حق نفسه فيما علمه على البتّ إلى آخره " (١).
١٢٠٩٢ - الإنسان يحلف على فعل نفسه على البتّ، نفيًا كان أو إثباتًا؛ فإن اطلاعه على ما ينفيه ويثبته في حق نفسه ممكن، فلتكن اليمين باتّة، وتصوير ذلك [هيّن] (٢).
وإذا تضمنت يمينه إثباتَ فعل الغير، فلتكن على البت أيضًا، فإن وصوله إلى العلم بثبوت فعل الغير ممكن. ولهذا يتصور منه الشهادة عليه، فكانت اليمين على البت.
فأما ما يتضمن نفيَ فعل الغير، فاليمين على [نفي] (٣) العلم، مثل أن يدعي مدعٍ على أبيه مالًا، أو استقراضًا، فالوارث يحلف بالله لا يعلم ذلك، وسيعود هذا مرتبًا في كتاب الدعاوي، إن شاء الله.
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٥٤.
(٢) في الأصل: " بيمين " والمثبت من (ق).
(٣) زيادة من المحقق. والحمد لله على توفيقه، فقد وجدناها في نسخة (ق).
[ ١٨ / ٦٥٢ ]
ولو ادُّعي على عبده جناية، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يحلف على العلم؛ من جهة أنه يبغي بيمينه نفيَ جناية عبده، وهذا غيب لا يطلع عليه، فلتكن اليمين على العلم. والثاني - أن اليمين على البت؛ فإنّ فعلَ عبده بمثابة فعله، ويغلب اطلاعه على عبده، وقد ينسى فعلَ نفسه، وبنى الأصحاب الوجهين على أن أرش الجناية يتعلق بذمة العبد أو برقبته ورقِّه.
وعلى هذا الأصل ابتنى مقدار ما يفدي به السيد عبدَه، فإن قلنا: الأرش يتعلق بذمة العبد، فهو المستقل بالالتزام، والرقبة مرتهنة، والسيد يحلف على نفي العلم، وإن قلنا: الأرش يتعلق بالرقبة، فعلى هذا العبدُ بمثابة يد السيد وأعضائه.
والذي أراه (١) أنه يقتصر على نفي العلم، وإن لم يثبت للعبد ذمة.
ولو انتشرت بهيمة في زرع إنسان على وجه يقتضي ذلك وجوبَ الضمان على صاحب البهيمة، فإذا أراد أن يحلف، فالقياس الذي مهدناه مأخوذًا من التعلق بالذمة، يقتضي أن يبتّ اليمين في هذه المسألة؛ فإن مالك البهيمة لا يضمن بفعل البهيمة، وإنما يضمن لتقصيره في حفظها، وهذا يتعلق بأحواله والتعلق برقبة العبد ليس محمولًا على تقصير السيد؛ فإن مبنى الانتفاع بالعبيد على إطلاقهم بخلاف البهائم.
فصل
" ولا تقبل منه اليمين إلا بعد أن يستحلفه الحاكم إلى آخره " (٢).
١٢٠٩٣ - إذا ادعى المدعي، وذكر أنه لا بيّنة له، فلو ابتدر المدعى عليه وحلف، لا يعتد بيمينه، ولو طلب المدعي اليمين، فابتدر المدعى عليه وحلف، لم يعتد بيمينه بلا خلاف، ولو طلب المدعي وعرَض القاضي، فهذا أوان الحلف.
_________________
(١) قال الرافعي، وأقره النووي: " أصح الوجهين أنه يحلف على البت؛ لأن عبده مالهُ، وفعله كفعل نفسه، ولذلك سمعنا الدعوى عليه ". (ر. الشرح الكبير: ١٣/ ١٩٦، والروضة: ١٢/ ٣٥).
(٢) ر. المختصر: ٥/ ٢٥٥.
[ ١٨ / ٦٥٣ ]
واستدل الأئمة على ذلك بما روي: " أن ركانة طلق امرأته ألبتة، وقال في مجلس رسول الله ﷺ: والله ما أردتُ إلا واحدة، فقال ﷺ، والله ما أردتَ إلا واحدة؟ فحلف ركانة مرة أخرى " (١) فدلّ ذلك على أن اليمين التي ابتدرها قبل عرض رسول الله لم تكن معتدًا بها، ولذلك استعادها رسول الله ﷺ.
ولو قال المدعي: لا بينة لي، ولم يطلب اليمين، فإن كان ممن يجوز أن يجهل ترتيب الخصومة، فحقّ على القاضي أن يبيّن له أن حقَّه في التحليف، وذلك منوط [بخِبْرته] (٢).
وإن كان المدعي ممن لا يخفى عليه ذلك، وربما عُهد ممارسًا للخصومات، دَرِبًا بترتيبها [عليمًا] (٣) بأن اليمين تعرض إذا لم تكن للمدعي بيّنة، فالقاضي ماذا يصنع؟ أيصبر حتى يطلب المدعي تحليفَ الخصم؟ أو يقول له بعد قوله لا بينة لي: ماذا تريد؟ أو يهجُم على عرض اليمين اكتفاءً بقرينة الحال، وعلمًا بأن المدعي لا يحمل خصمَه إلى مجلس الحكم ولا بيّنة له إلا وهو يبغي عرضَ اليمين عليه، فعساه يقر؟
فنقول: أما الاستبداد بالعرض، فلا سبيل إليه، والكلام في أنه يسكت عن المدعي أم يقول له ماذا تريد؟ هذا مما تردد فيه الأئمة. والقول فيه [قريب] (٤). وهو من فنّ الأَوْلى في الأوان. وظهر اختلافُ الأصحاب في أن المدعي إذا ادعى هل تتوقف مطالبة المدعى عليه بالجواب على طلب المدعي، وفيه خلافٌ قدمناه. والسبب فيه أن العادات لا تختلف في طلب الجواب، وهي تختلف في عرض اليمين.
ومما ذكره الأصحاب متصلًا بهذا أن قالوا: العبرة في الأيمان بعقيدة القاضي، ولا عبرة بعقيدة- الحالف وهذا فيه فضل نظر.
_________________
(١) سبق هذا الحديث في الطلاق.
(٢) في الأصل: " بخيرته "، والمثبت تقدير من المحقق. والحمد لله وافقتنا فيه (ق)
(٣) في الأصل: " عليها ".
(٤) في الأصل: " مرتب ". والمثبت من (ق).
[ ١٨ / ٦٥٤ ]
١٢٠٩٤ - قد قدمنا أن القاضي متبوع في قضائه، وأوضحنا [تعليله] (١)، وذكرنا أن الولايات لا تستمر (٢) إلا بهذا مع اختلاف المذاهب. وقد ذكر صاحب التقريب أمرًا بديعًا لم أره لغيره، وذلك أنه قال: القضاء ينفذ ظاهرًا على العوام، وإن اختلفت مذاهبهم، فإن كان المقضي عليه مجتهدًا، [وقد] (٣) خالف مذهبه مذصبَ القاضي، فهل ينفذ قضاء القاضي عليه ظاهرًا على خلافِ عقده؟ ذكر في ذلك وجهين: أحدهما - أنه ينفذ. وهو الذي قطع به الأصحاب.
والثاني - أنه لا ينفذ؛ لأن المجتهد مستقل بنفسه في نظره، فليس له أن يتبع غيره، وليس للغير أن يستتبعه.
وهذا عندي في حكم الهفوة التي لا يعتدّ بها، لأن القول به يؤدي إلى خرم منصب القضاة؛ على أنه مراغمة لما مضى عليه الأولون؛ فإن أقضية الخلفاء ومن بعدهم تنفذ على أئمة الدين؛ فلا وجه لهذا. وإنما الخلاف في الباطن كما ذكرناه.
١٢٠٩٥ - ونعود بعد ذلك إلى إتمام المراد بما يليق، إذا ادّعى حنفي على شافعي شفعةَ الجوار، وكان القاضي يرى إثباتها، فإذا أنكر الشافعي الشفعة، لم يكن له أن يحلف بناء على اعتقاد نفسه لما مهدناه من أنه يجب اتباع القاضي؛ فلا يكون بارًا في يمينه بالله لا يلزمه، بل هو كاذب فيها.
وفي تعليق معتمدٍ عن القاضي أنه لو حلف مؤوِّلًا بانيًا على عَقْد نفسه، حنث في الظاهر (٤)، وهذا كلام خليٌّ عن التحصيل، والوجه أن نورِّك (٥) الذنب فيه على المعلِّق؛ فإن لزوم الكفارة ليس مما يختلف فيه الظاهر والباطن (٦). وكذلك إذا حلف
_________________
(١) في الأصل: " بعلله ".
(٢) كذا، وأكاد أجزم أن صوابها: " لا تستدّ ". أي لا تستقيم، فهذا اللفظ (تستدّ) يدور على لسان الإمام كثيرًا.
(٣) في الأصل: " فقد ".
(٤) أي لا يحنث باطنًا، فلا تجب الكفارة عليه، كما سيظهر واضحًا في الأسطر الآتية.
(٥) ورّك الذنب عليه أي حمّله إياه، وحمله عليه. (القاموس المحيط).
(٦) يريد الإمام -لأدبه العالي، وخلقه الجم- أن يقول: إن هذه الهفوة المنسوبة إلى القاضي=
[ ١٨ / ٦٥٥ ]
الرجل يمينًا فاجرة، وعقبها بالاستثناء بحيث يُسمع نفسه، فلا حكم للاستثناء أصلًا ظاهرًا وباطنًا، وهذا مما اتفق الأصحاب عليه، ولولاه لما انتظم [مقصود] (١) في تحليف؛ فإن أحدًا لا يعجز عن هذا.
وقال القاضي: لا ينفعه الاستثناء في الظاهر، وينفعه فيما بينه وبين الله في وجوب الكفارة، وهذا كلام سخيف لما ذكرته، ومحل السؤال منه أنه لو أسمع القاضي الاستثناء، فلا خلاف أنه لا يعتدّ بيمينه، بل تُعاد، وقد يقول الفطن: لو كان الاستثناء في مفصل القضاء لا يُبطل اليمين، لما كان إظهاره مبطلًا، وهذا خيال ووهم؛ فإن القاضي طلب منه يمينًا جازمة، والذي جاء به ليست اليمين المطلوبة؛ فإعادة اليمين لهذا، وأيضًا فإن ما يقوله المرء في نفسه من غير أن يظهره لأهل المجلس، فهو الذي لا يبالَى به، ولا يقضى بأنه يغيّر أمرًا في الظاهر والباطن، والعلم عند الله تعالى.
فرع:
١٢٠٩٦ - إذا ادعى دينًا مؤجلًا على إنسان، ففي سماع دعواه وجهان: أحدهما - أنها لا تسمع؛ فإن الدعوى إنما تتم وتنتظم إذا اتصلت بمطالبة المدعى عليه، ولا يتصور الطلب في الدين المؤجل قبل محل الأجل. والوجه الثاني - تُسمع الدعوى، لأنه يستفيد بها إثباتَ حقه، فقد يقرّ المدعى عليه، فيسجِّل على إقراره، وإذا ثبت الدين مؤجلًا، كان مالا معتدًّا له، ولو مات من عليه الدين، حل بموته.
ومن أصحابنا من فَصَلَ بين أن يكون للمدعي بيّنة وبين ألا يكون، فقال: إن كانت له بينةٌ، سُمعت دعواه وبيّنته، ويستفيد به ثبوتَ الحق والأمنَ من ضياع البيّنة؛ فإن الشهود ربما لا يبقون إلى حلول الحق، وإذا لم يكن بينة، لم تسمع الدعوى، فحصلت ثلاثة أوجه.
وإذا ادعت الجاريةُ على مولاها الاستيلادَ، فالمذهب القطع بأن دعواها مسموعة، وكذلك إذا ادعى العبد التدبيرَ، أو ادعى تعليقَ العتق بالصِّفة.
_________________
(١) =ليست صحيحة في نسبتها، فقدر الرجل عنده أعظم من أن تكون منه هذه الزلّة، وانما الخطأ والزلل جاء من الناقل المعلّق عن القاضي، فلا يعقل عند الإمام إلا هذا.
(٢) في الأصل: " مقصوده ".
[ ١٨ / ٦٥٦ ]
وذهب بعض أصحابنا إلى تخريج هذه المسائل كلها على وجهين مأخوذين من دعوى الدَّيْن المؤجل؛ فإن غرض المملوك دعوى سبب يُفضي إلى خلاصه من الرق في ثاني الحال (١).
وهذا غير سديد؛ فإن التعليق والتدبير والاستيلاد حقوق ثابتةٌ في الحال، يجوز تعليق الدعوى بها، وهذا يظهر جدًا في الاستيلاد؛ فإنه يتنجّز به لو ثبت امتناعُ البيع والرهنِ، وفي دعوى التدبير فضل نظر، فأما إن جوّزنا الرجوع عن التدبير، فإنكار المولى يجوز أن يجعل رجوعًا، كما سيأتي، وإذا كان في تقدير الإنكار إبطال الدعوى، فلا معنى لتصبح الدعوى، وإن قلنا: لا يصح الرجوع عن التدبير، فيتجه حينئذ تصحيح الدعوى.
فرع:
١٢٠٩٧ - ذكر صاحب التقريب في تضاعيف كلامه في أثر قضاء القاضي ووجوب اتباعه حكمًا متعلقًا بالفتوى، فقال: لو نكح رجل امرأة، ثم استفتيا مفتيًا فأفتى لهما بفساد النكاح، والمسألة مجتهدٌ فيها، فهل تبين المرأة عن الرجل بفتوى المفتي؟ ذكر وجهين: أحدهما - أن المرأة لا تبين، وإن وقع الرضا بالفتوى، وإنما ينقطع النكاح بقضاء القاضي. والوجه الثاني - أن النكاح ينقطع؛ فإن اتباع الفتوى حتم على المقلِّد، وذكر وجهًا ثالثًا مفصلًا - فقال: إن صحَّحَ النكاح قاضٍ، لم يرتفع بالفتوى، وإن لم يتصل تصحيحه بقضاء قاض يرتفع بالفتوى، ولست أخوض في تفصيل ذلك، فإنه من أحكام الفتاوي، وهو من فن الأصول، وقد جمعت في الاجتهاد والفتوى كلامًا شافيًا كافيًا، فليطلبه مريده من مجموعنا فيه (٢).
_________________
(١) في ثاني الحال: أي في المستقبل وليس الآن.
(٢) ينظر في هذا كتابي الاجتهاد والفتوى في كتابه البرهان في أصول الفقه: الفقرات: ١٤٥٥ - ١٥٥١.
[ ١٨ / ٦٥٧ ]