قال الشافعي: " ولد المكاتبة موقوت إلى آخره " (١).
١٢٥٦٥ - نجمع في هذا الفصل تفصيلَ القول في ولد المكاتبة، وولد المكاتب.
فأما ولد المكاتبة، فنبدأ به، ونقول: إذا أتت المكاتبة بولد من زنًا أو نكاح، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه قِنٌّ للسيد لا تسري إليه الكتابة. والقول الثاني - إن الكتابة تسري إليه، على ما سنفصله في التفريع.
والقولان في ولد المكاتبة، كالقولين في ولد المدبَرَّة، غيرَ أن حكم ولد المكاتبة يخالف حكم ولد المدبرة وولدَ أم الولد، فإن موت الأم في الكتابة يوجب رقَّ الولد؛ لأنه كان لحقها في حق عقد، [وإذا ماتت، ارتفع العقد وماتت قنًا] (٢)، وموت المدبَّرةِ وأمِّ الولد لا يوجب بطلانَ الحق في الولد.
وولدُ المكاتبة يخالف ولدَ المدبرةِ وولدَ أم الولد في شيء آخر، وهو أن عتق المكاتبة يوجب عتقَ الولد، وإذا أعتق السيد المدبرة، أو أم الولد، لم يعتِق الولدُ، بل لا يعتقان إلا بإعتاق السيد إياهما أو بموته، والسبب في ذلك أن إعتاق المكاتبة يُحَصِّل عتقَها على حكم (٣) الكتابة، وهذا قد يتجه مثله في المستولدة، ولكن الأمر على ما وصفناه.
فنعود إلى التفريع على القولين:
فإن قلنا: الكتابة لا تسري إلى ولد المكاتبة، فهو رقيق قِنٌّ للسيد، كسائر مماليكه، لا يتبع الأم في العتق. وإن قلنا: الكتابة تسري إلى الولد، فلسنا نعني به
_________________
(١) ر. المختصر: ٥/ ٢٧٨.
(٢) في الأصل: " وإذا مات ارتفع العقد، ومات قنًا ". والمثبت من (ت ٥).
(٣) ت ٥: " على حسب الكتابة ".
[ ١٩ / ٤٢٠ ]
أنه مكاتب في نفسه مطالَبٌ بالنجوم، ولكن المَعْنِيّ به أن الأم إذا عَتَقَتْ على حكم الكتابة، عَتَق ولدها.
ثم على هذا القول حق الملك في الولد قبل اتفاق العَتاقة لمن؟ فعلى قولين آخرين: أحدهما - أن حق الملك فيه للسيد، وإن كان قد يعتق بعتق الأم، والقول الثاني - إن حق الملك فيه للأم.
١٢٥٦٦ - وأهم ما نذكر في التفريع على هذين القولين الأخيرين ثلاثة أشياء: أحدها - حكم كسب الولد. والثاني - حكم النفقة. والثالث - حكم إعتاقه إنشاءً.
فأما الكسب، فنقول: إن قلنا: حق الملك فيه للسيد، فالصحيح على هذا أن الكسب لا يصرف إلى السيد، ولا يصرف إلى المكاتبة، ولكن يوقف كسب الولد؛ فإن عتقت الأم وعتق الولد تبعًا، تبعه كسبُه، فيصرف الكسب إذ ذاك إلى الولد. وإن رق الولد، لمّا رقت الأم، فيصرف الكسب إلى السيد حينئذ.
ووجه هذا، أنا وإن جعلنا حق الملك في الولد للسيد، فليس للسيد أن يتصرف في الولد بالبيع وغيره، بل يتوقف فيه إلى أن يتبين أنه يعتِق أو يرِق، فليكن كسبه بمثابة نفسه.
وذكر العراقيون قولًا آخر بعيدًا أن كسبه يصرف إلى السيد عاجلًا من غير توقف، وهذا ضعيف جدًا حكَوْه وزيّفوه، والقياس تنزيل كسبه منزلَة رقبته، فإذا لم ينفذ تصرف المولى في رقبته، لم ينفذ تصرفه في كسبه، هذا كله إذا فرعنا على أن حق الملك في الولد للمولى.
وإن قلنا: إن حق الملك فيه للأم المكاتبة، فعلى هذا القول يصرف كسبه إلى المكاتبة يومًا يومًا من غير توقف؛ لتستعين به في الكتابة، وتتصرف فيه بما تتصرف في سائر مالها، وهذا اتفاق على هذا القول.
ولو عتقت وعتق الولد وفي يده بعض كسبه، فهو للأم، وليس للولد أصلًا، وكسب ولدها بمثابة كسب عبيدها.
١٢٥٦٧ - ومما فرّعه الأئمة أن قالوا: إذا قلنا كسب الولد موقوف -تفريعًا على أن
[ ١٩ / ٤٢١ ]
حق الملك للمولى- فإن عتق، صرف إلى الولد، كما مضى. فعلى هذا لو فرض الرق في الأم، فلا يخلو: إما أن تُعجِّز نفسها، (١ وتُبطلَ الكتابةَ من غير عجز، وإما أن تَعْجِز، ويضيقَ كسبها. فإن أرقت نفسها ١)، وفسخت الكتابة من غير عجز، فتعود رقيقةً، ويعود ولدها رقيقًا للسيد، والكسبُ الموقوف للسيد.
ولو قال الولد عند ذلك: قد أبطلت أمي حقَّها، ولستُ أبطل أنا حقي فأؤدي نجومَ أمي من كسبي لتعتِق، حتى إذا عَتَقتْ عَتَقتُ، فليس للولد ذلك؛ إذ لا اختيار له في العتق، وتأديةِ النجوم، وإنما هو تابع لعتق الأم ورقها، والاختيار في الإرقاق لها؛ فلا يُلتفت إلى قول الابن: " أؤدي عنها "؛ فإن النجوم ليست مضروبة عليه، وما وظفت النجوم عليه، فكيف يتصور أن يؤدي إذا أَرَقَّت الأم نفسَها اختيارًا مع القدرة.
فأما إذا عَجَزَتْ عن أداء النجوم، وللولد كسبٌ موقوف، فهل لها على هذا القول أن تأخذ من كسب ولدها الموقوف وتستعينَ به على أداء النجوم؟ فعلى قولين: ذكرهما العراقيون: أحدهما - ليس لها ذلك؛ إذ لا حق لها في الكسب على هذا القول، وإنما هو للسيد، أو حق الولد لو عتق.
والقول الثاني - لها أن تأخذه قهرًا إذا عجزت؛ فإن الأولى للولد ذلك، إذ لو عجزت لرَقّت ورَقّ الولد، وصار كسبه للسيد، ولو استعانت بالكسب، لعتقت وعتق، وربما يبقى له فضل كسب.
[والأصح] (٢) أنه ليس لها أن تستعين بكسب الولد؛ فإن ما نذكره تفريع على أن حق الملك للمولى، فإذا كان الكسب موقوفًا عن المولى، وجب أن يكون موقوفًا عن الأم. هذا كله كلام في الكسب.
١٢٥٦٨ - فأما النفقة: فالترتيب المستحسن فيه للعراقيين. قالوا: إن قلنا: إن كسب الولد للأم، فهو مصروف إليها من غير توقف، فالنفقة على الأم وإن لم يكن
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من (ت ٥).
(٢) في الأصل: " فالأصح ".
[ ١٩ / ٤٢٢ ]
كسب، ولو كان كسبٌ فالخِيَرةُ إليها: إن شاءت، أنفقت من كسبه، وإن شاءت، أنفقت من سائر مالها.
وإن قلنا: إن الكسب مصروف إلى السيد في الحال من غير توقف فيه -وهو القول الضعيف الذي حكيناه- فالنفقة على السيد على كل حال، سواء كان للولد كسب أو لم يكن.
وإن قلنا: إن كسبه يوقف، فإن كان له كسب، فهو مصروف إلى نفقته على قدر الحاجة قولًا واحدًا، فما فضل عن نفقته، فيوقف حينئذ، وهذا متفق عليه، على هذا القول، لا يسوغ فرض خلاف فيه، ولو لم يكن له كسب أصلًا، أو كان كسبه لا يفي بنفقته، فنفقته في هذه الصورة إذا لم يكن كسب، أو الزائد على الكسب على من؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنها على السيد؛ فإنا إنما نقف كسبه على قولنا: إن حق الملك فيه للسيد، فعليه النفقة؛ إذ حق الملك له.
والوجه الثاني - أن النفقة لا تكون على السيد؛ إذ من الإجحاف [به] (١) ألا يُصرفَ إليه الكسبُ عاجلًا لو كان كسبٌ، وتلزمه النفقة، فعلى هذا تكون النفقة في بيت المال، وهذا ضعيف جدًا، وقد نجز القول في النفقة متعلقًا بالكسب مفرعًا عليه.
فأما الفصل (٢) الثالث وهو إعتاق الولد
١٢٥٦٩ - فهذا رتّبه العراقيون على ما قدمناه في الكسب. فقالوا: إن قلنا: الكسب يصرف إلى السيد من الوقت من غير توقف، فإذا أعتقه، نفذ عتقه فيه؛ فإن حق الملك له في رقبته وكسبه جميعًا. وإن قلنا: إن كسبه مصروف إلى الأم، فلا ينفذ عتق السيد فيه؛ فإنا إنما نصرف الكسب إلى الأم إذا جعلنا حق الملك للأم، فالولد بمثابة سائر أكسابها.
وإن قلنا: كسب الولد موقوف، وقلنا لو عجزت الأم، لم تستعن به أصلًا، فينفذ
_________________
(١) في الأصل: " فيه ". والمثبت من (ت ٥).
(٢) لم يعنون الإمام لهذه القضايا الثلاث من قبل بالفصول، وإنما قال: نتكلم في ثلاثة أشياء: ١ - كسب الولد ٢ - نفقته ٣ - إعتاقه.
[ ١٩ / ٤٢٣ ]
عتق السيد في الولد؛ فإنا على وقف الكسب نجعل حق الملك في الولد للسيد، ولا حقّ للأم في رقبته، ولا في كسبه.
وإن قلنا: إن الكسب يوقف، ولكن لو عجزت الأم، فلها الاستعانة به، ففي المسألة وجهان: أظهرهما - وهو ما قطع به العراقيون أنه لا ينفذ عتق السيد في الولد؛ فإن للأم حقًا في كسبه على الجملة؛ وفي تنفيذ عتقه قطعُ حقها من كسبه، عند تقدير العجز.
والوجه الثاني - أن عتق المولى ينفذ؛ فإنا نفرعّ على أن حق الملك في الولد للمولى.
١٢٥٧٠ - فإذا تمهدت هذه الفصول الثلاثة - الكسب والنفقة والإعتاق، فمما نفرعه بعدها على القولين، الكلام في أروش الجناية على الولد، فإذا جنى جانٍ عليه، لم يخل: إما أن يجني على طرفه، أو يقتله، فإن كانت الجناية على الطرف، لم تنته إلى القتل، فتفصيل المذهب في أرش الجناية كتفصيل المذهب في كسبه حرفًا حرفًا، وقد سبق.
وإن قتله الجاني، فلا يتأتى في هذه الصورة وقفُ قيمته؛ فإنا إنما نقف كسبه، وأروش أطرافه لتوقع عتقه في ثاني حاله، فإذا قُتل لم يتحقق هذا، ولكن في قيمته قولان: أحدهما - إنها للسيد. فيصرف إليه من غير وقف. والثاني - أنها للمكاتبة، فيصرف إليها، لتتصرف فيها بما تتصرف به في سائر مالها.
وذكر الصيدلاني وجهًا أنه إذا قُتل ولدها، فالقيمة مصروفة إلى السيد قولًا واحدًا؛ لأن القتل والهلاك قطع أثر الكتابة في الولد، فعاد التفريع إلى قولنا: إن ولدها رقيق قن للسيد.
وهذا غير سديد، والصحيح إجراء القولين؛ فإن ولدها في قولٍ بمثابة عبد اشترته، غير أنها [لا تبيعه] (١). فلا وجه لقطع القول بصرف القيمة إلى السيد.
وقد نجز منتهى غرضنا في ولد المكاتبة.
_________________
(١) في الأصل: " لا تتبعه ". والمثبت من (ت ٥).
[ ١٩ / ٤٢٤ ]
١٢٥٧١ - فأما المكاتب إذا استولد جارية، فأتت منه بولد، فلا خلاف أن الولد يتبعه، يعتِق بعتقه، ويرِق برقه، ولا يُخَرَّج فيه قولٌ أنه رقيق للسيد، وليس كولد المكاتبة، والفرق أن هذا الولد ولدته أمتُه المحكوم بأنها ملكُ المكاتب، فيقدَّر كأنها أتت به من نكاح أو سفاح، فيكون حقُّ الملك للمكاتب، وولد [المكاتبة] (١) من نفسها، وهي ما ملكت نفسها، ولو ملكت نفسها، لعَتَقَت.
ثم إنا نقول في ولد المكاتب من أمته: حق الملك فيه للمكاتب قطعًا، ولو اكتسب، فلا يوقف كسبه، بل يصرف إلى المكاتَب؛ ليعمل به ما يعمل بسائر أكساب نفسه وعبيده، تعجيلًا من غير وقف، وهذا واضح بعد ما وقعت الإحاطة بما ذكرناه من أن ولد المكاتب من جاريته في حق الملك كولد جاريته من نكاح أو زنًا، غير أنه لا يبيع ولدَ نفسه، فيعتق بعتقه ويرِق برقه، ولو عَتَقَ المكاتب وتبعه ولده في العتق، فصادف في يد ولده فضلَ كسب، كان قد اكتسبه في الكتابة، فهو مصروف إلى الوالد، لا حظ فيه للولد، ولو كان يُصرف إلى الولد إذا عتق، لوُقف له، وهذا لا شك فيه.
ويترتب على ما ذكرنا أن نفقة الولد على المكاتب على كل حال، والجملة أنه بمثابة سائر عبيده، غير أنه يبيع عبيدَه، ولا يبيع ولده، ولا ينفذ فيه عتقُ السيد، كما لا ينفذ عتقه في عبيد المكاتب، وهذا لا خفاء به.
١٢٥٧٢ - وقد ذكر العراقيون مسألة في الجناية، واضطربوا فيها، ونحن ننقل كلامهم على وجهه، قالوا: لو جنى الولد جناية، فتعلقت برقبته، إن كان له كسب، كان له (٢) أن يفديه من كسبه، وإن لم يكن له كسب، باعه في الجناية.
وهذا عندنا غلط ظاهر، وزلة تُفضي إلى هدم أصل المذهب.
والذي قطع به المراوزة أنه لا يملك فداء ولده، وإن كان في كسب ولده ما يفي بالفداء؛ فإن الفداء في معنى الشراء، ولم يختلف الأصحاب في أنه لو صادف ولده
_________________
(١) في الأصل: " المكاتب ". والمثبت من (ت ٥).
(٢) الضمير يعود على الأب المكاتب.
[ ١٩ / ٤٢٥ ]
رقيقًا، لم يكن له أن يشتريه؛ فإنه يبذل في شرائه مالًا يملك التصرف [فيه ولا يملك التصرف] (١) في رقبة ولده، فهذا يلتحق بتبرعه، وما ذكروه من جواز الفداء في كسب الولد لا خير فيه، فإن كسب الولد التحق بسائر أموال المكاتب، من جهة أنه يتصرف فيه تصرفه في سائر ماله.
ثم قال العراقيون: إذا جنى ولد المكاتب، ولا كسب، وأراد بيعه في الجناية، فله أن يبيع كله، وإن كانت قيمته تزيد على الأرش، ثم قالوا: يبيعه ويصرف قدر الأرش إلى المجني عليه ويأخذ الباقي، وهذا خطأ أيضًا.
والذي قطع به أئمتنا المراوزة أنه لا يباع [منه] (٢) إلا بقدر الجناية؛ إذ لولا الجناية، لما جاز بيع شيء منه، فليقع البيع على قدر الجناية، وهذا كما أن المرهون إذا جنى، فإنه يباع منه بقدر الجناية، فقد اختلف أجوبة العراقيين في الجناية من ولد المكاتب. واستدوا (٣) في كل ما قدمناه من القواعد.
وهذا نجاز الكلام في ولد المكاتبة والمكاتب.
١٢٥٧٣ - ونحن نختتم ما قدمناه بذكر تحقيقٍ. فنقول: أما ولد المكاتبة، فمأخذ اختلاف القول فيه في الأصول من اختلاف القول في ولد المدبرة؛ من جهة أن الكتابة عرضة للرفع كالتدبير، وليست هي مالكةً لنفسها، حتى يكون ولدها مستفادًا من
_________________
(١) زيادة من المحقق اقتضاها السياق، وفي (ت ٥): " فإنه يبذل في شرائه ما لا يملك بالتصرف في ولد رقبته ". هذا وقد استأنسنا في تعديل العبارة، بصياغة الغزالي في البسيط، حيث قال: " فليس له أن يفديه وإن كان للولد كسب، لأنه لا يتصرف في رقبة الولد، ويتصرف في الكسب، فيكون كشرائه" (ر. البسيط: ٦ ص ٤٤٢ مخطوطة مرقمة الصفحات). وكذلك بعبارة العزّ بن عبد السلام، فقد قال: " ولا خلاف أن المكاتب والمكاتبة لا يشتريان ولدهما، فإنه إبدال ما يجوز التصرف فيه بما لا يقبل التصرف، فإذا جنى ولد المكاتب، لم يملك فداءه، لأن فداءه كشرائه " (الغاية في اختصار النهاية: ٥/ورقة: ٤٥٤ ش).
(٢) في الأصل: " فيه "، والمثبت من (ت ٥).
(٣) كذا في النسختين " استدّوا " أي استقاموا، والمعنى أنهم استدوا في كل ما تقدم من القواعد غير هذه.
[ ١٩ / ٤٢٦ ]
ملكها. وولد المكاتب من جاريته في حكم أكساب المكاتب، وإلا فلا وجه لإتباعه إياه في العتق والرق؛ فإن صفة الولد في الرق والحرية تُتَلَقَّى من صفة الأم، والأم رقيقة، فكان ولدها في معناها، غير أن المكاتَب لا يقدر على بيعه.
وقد خرج مما ذكرناه أن الولد لا يكون مكاتبًا على التحقيق؛ إذ لا يتعلق به طَلِبةٌ في النجم، وخرج مما مهدناه أن المكاتب لا يشتري ولده (١)، وكذلك المكاتبة لا تشتري ولدَها، لِما أشرنا إليه من أن هذا بذل مال، هو عرضة التصرف في مقابلة ما لا يتأتى التصرف فيه. نعم، لو قبلا الوصيةَ بالولد، أو هبةَ الولد، صح ذلك، ثم يمتنع بيعُه، ولكنهما ينتفعان بكسبه وبأروش الجناية عليه، وسيأتي في هذا فضل بيان عند خوضنا في تبرعات المكاتب.
وخرج مما ذكرناه أن قول العلماء ولد المكاتَب مكاتبٌ عليه محمولٌ على أنه يعتق بعتقه ويرِق برقه، فأما أن تثبت له حقيقة الكتابة فلا.
١٢٥٧٤ - ومما نختتم به الفصل - القولُ في أمية الولد، فنقول: المكاتب إذا أحبل جارية من جواريه بإذن السيد، أو من غير إذنه، فحكم الولد ما قدمناه، فأما الأم، فهل تصير أمّ ولدٍ له؟ فعلى قولين: أحدهما - أنها لا تصير أم ولد؛ لأن الاستيلاد إنما يثبت إذا علقت الأمةُ بولد حر، وهذه علقت بولد رقيق، فهي كسائر الجواري، يتصرف فيها بالبيع، وغيره من الجهات المُنَفَّذة، ئم إذا لم يثبت الاستيلاد في الحال، فلو عَتَق المكاتب، وتلك الجارية في يده، فلا تصير الآن أم ولد أيضًا؛ فإنها علقت برقيق، فصار كما لو نكح الحر أمة، فولدت منه ولدًا رقيقًا، ثم اشتراه الزوج، فلا تصير أم ولد له.
والقول الثاني - أنها تصير أم ولد، فيثبت لها في الحال من الحرمة ما يثبت للولد، فلا يبيعها، ولو عَتَق المكاتب، استقر الاستيلاد فيها، ولو رق وعجز، رقَّت أم الولد، وحرمتها لا تزيد على حرمة الولد.
_________________
(١) ت ٥: " لا يسري أم ولده ".
[ ١٩ / ٤٢٧ ]
فرع:
١٢٥٧٥ - إذا استولد المكاتب جارية من جواريه، وقلنا: لا تصير الجارية أم ولد، فلو عتق المكاتب، وولدت الجارية ولدًا آخر بعد العتق بزمانٍ يحتمل أن يكون العلوق به بعد العتق، ويحتمل أن يكون في حال الكتابة؛ فإن أقر بوطءٍ بعد العتق يمكن ترتيبُ العلوق عليه، تثبت أميةُ الولد على الاستقرار، وإن لم يوجد من المكاتب إقرار بوطء بعد العتق، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنها لا تصير أمَّ ولد؛ فإن الولادة التي سبقت في الكتابة، لم يثبت لها حكم أصلًا، وقد ارتفعت الكتابة بالعتق، ولم يثبت إقرار جديد بالوطء بعد تغير الحكم بالعتق.
والثاني - تصيرُ أمَّ ولدٍ له؛ فإن الولد يَلحق المكاتَب، وهذه وإن لم تصر أمَّ الولد بما جرى في الكتابة، فقد صارت فراشًا له، فإذا أتت بولد بعد العتق، وقد صارت مفترشة حقيقة وحسًّا بما مضى، فيلحقه الولد، وتصير أم ولد بعد العتق.
وقد ذكرنا نظائر لذلك في كتاب العِدد، إذا اشترى الحر زوجته الأمة، وأتت بولد بعد ارتفاع النكاح لزمان يحتمل أن يكون العلوق به في ملك اليمين، ولم يوجد منه إقرار بالوطء في ملك اليمين.
***
[ ١٩ / ٤٢٨ ]