وقد أجرى الشيخ أبو علي في إثباتها فوائد، فنستعين بالله في جميع ما نأتي ونذر.
فرع:
١٢٣٩١ - عبد مشترك بين شريكين، قيمته عشرون دينارًا، فجاء أجنبي يملك عشرة دنانير لا غير، فقال لأحد الشريكين: أعتق نصيبك عني بعشرة، فأعتقه عنه، وقع العتق عن المستدعي، وهل يسري العتق إلى النصيب الثاني؟ نُظر: فإن التمس العتق بعين الدنانير ووقع العتقُ عنه، لم يسر؛ لأنه ببذل الدنانير صار معسرًا.
ولو قال: أعتق نصيبك عني بعشرة، والتزمها في ذمته، ولم يعيّن دنانيره، ففي سراية العتق وجهان مبنيان على أن الدين هل ينافي اليسار المعتبر في سريان العتق؟
وقد قدمت الاختلاف في ذلك، وبنيته على أن الدين هل يمنع تعلق الزكاة بالعين؟ وإذا وضح الغرض، اكتفينا.
فرع:
١٢٣٩٢ - ذكر الشيخ في مقدمة مسألةٍ لابن الحداد أصولًا تَمَسُّ الحاجةُ إليها، وإن أنا فرقتها فيما تقدم، فَجَمْعُها الآن مستفاد، فنقول: إذا مات، وخلف عبدًا، وورثةً، ودينا مستغرِقًا للتركة، فإذا أعتق الوارث العبد قبل قضاء الدين؛ قال الشيخ: إن قلنا: الدين يمنع الميراث، لم ينفذ العتق، وهذا على ضعفه مشهور، وكأنا نقول: لا يملك الوارث التركة ما بقي من الدين شيء، ثم لا يتجه لنا أن نقول: التركة ملكٌ لا مالك لها، بل نقول على هذا: هي مُقَرَّة على ملك الميت، ولا مطمع في إضافة الملك فيها إلى مستحِق الدين.
وإن فرعنا على أن التركة ملك الوارث وإن استغرقها الدين، فإذا أعتق الوارث عبدًا في التركة، قال: إن كان معسرًا لا يمكنه أن يؤديَ الدينَ من ماله، فلا ينفذُ عتقُه قولًا واحدًا، هكذا قال، واعتلّ بأن فيه إسقاطَ متعلَّق الدين، وكان شيخي يجعل عتق الوارث بمثابة عتق الراهن، وفيه قول أن عتقه ينفذ، وإن كان معسرًا، والأوجه
[ ١٩ / ٢٥٢ ]
ما ذكره الشيخ؛ فإن حق الوثيقة طرأ على ملكٍ تام للراهن، ثم دام الملك له، والوارث يتلقى الملك بالخلافة، وهي مشروطة بتقديم حق الميت. وعن هذا تخيل بعض الفقهاء أن الدين يمنع الإرث.
ولو كان الوارث المعتق موسرًا، فهل ينفذ عتقه؟ فعلى قولين، ذكرهما: أحدهما أنه ينفذ ويلزم. والثاني - أن العتق موقوف، فإن وصل الدين إلى مستحقه، بأن أن العتق نفذ مع لفظ الإعتاق، وإلا فالرق باقٍ، فإن أدى الوارثُ الدينَ، فالأمر على ما ذكرناه، وإلا بِيع العبد في الدين.
١٢٣٩٣ - ثم من كلامه أنا إذا نفذنا العتق، نقلنا الدين بالغا ما بلغ إلى ذمة الوارث، إذا كانت التركة ثمن العبد، ولستُ أرى الأمر كذلك، فالدين لا يتحول إلى ذمة الوارث قطّ، بل هو بالإعتاق متلفٌ للعبد، فلا يلتزم إلا أقلَّ الأمرين من الدين وقيمةِ العبد.
١٢٣٩٤ - ثم قال: لو باع الوارث التركة، وفيها دين: إن كان البائع معسرًا، لم ينفذ بيعه ألبتة، وإن كان موسرًا، ففي المسألة ثلاثة أوجه - نسوقها على وجهها: أحدها - أن البيع باطل إلا أن يعقده ابتداءً برضا الغريم، فيصح حينئذ. والوجه الثاني - أن البيع صحيح، ويلزم، ولا سبيل إلى نقضه، وفي التفريع على هذا كلام نذكره.
والوجه الثالث - أن البيع منعقد. ولزومه موقوف، فإن أدى الدين، لزم البيع. وإن لم يؤد الدين، فللغريم فسخ البيع. هذا ما ذكره.
وفيه بحث من أوجه: منها، أن شيخي كان يقول: التركة مع الدين كرقبة العبد الجاني مع الأرش، ثم في بيع السيد العبد الجاني قولان، أحدهما - أنه لا يصح، والثاني - أنه يصح. وهو عرضة الفسخ، كما قررناه في موضعه، ثم لا فصل بين أن يكون البائع موسرًا أو معسرًا، فيخرج على هذا القياس قول في نفوذ بيع المعسر.
وأنا أقول: تنزيل التركة منزلَة العبد الجاني بعيد؛ لما حققته الآن من الفرق بين المرهون والتركة، ولكن لتنفيذ بيع المعسر خروج حسن إذا قلنا: لا يلزم، وهو كبيع
[ ١٩ / ٢٥٣ ]
المفلس المحجور عليه مالَه، وقد أجرينا في بيعه قولًا على الوقف، فلا مانع من خروجه هاهنا.
١٢٣٩٥ - ومما نذكره أن الشيخ قال - مفرعًا على أن بيع الوارث ينفذ ويلزم: يجب صرف الثمن إلى الغرماء، ثم قال: إذا سلّم المشتري الثمنَ إلى الوارث، وتلف في يده، فللغرماء أن يطالبوا المشتري بالثمن؛ فإن كان من حقه أن يسلمه إليهم، فإذا لم يفعل، توجهت الطلبة عليه، وفي كلامه ما يدل على أنهم يطالبون الوارث بالثمن، فإن تعذر، رجعوا على المشتري.
والوجه عندي القطع بأنهم لا يطالبون المشتري، فإنا إذا ألزمنا بيع الوارث، فبيعه بمثابة إعتاقه، فإذا أعتق، فلا عوض للعتق، ولا مستدرك له إذا نفذ، فالوجه إن صح لزوم البيع - تنزيلُه منزلة العتق، ولكن جاء الخلل من ضعف قول من قال: " يلزمُ بيعُ الوارث ".
وهذا لا وجه له؛ فإنا لم نُلزم بيعَ المولى في العبد الجاني مع ضعف تعلق الأرش بالرقبة، فكيف نُلزم البيع هاهنا؟
ثم يدخل على الشيخ فقهٌ لطيف، وهو أن الثَّمن إذا كان مستحقًا للغرماء، فما وجه الفرق بين أن يكون الوارث معسرًا أو موسرًا، فإن صح هذا، اتجه في تنفيذ بيع المعسر احتمال بيّن لا يتوجه مثله، في إعتاقه؛ فإنه لا عوض في الإعتاق.
١٢٣٩٦ - عاد بنا الكلام إلى [فروع] (١) ابن الحداد. قال: لو زوّج الرجل أمته من عبدٍ لإنسان، وقبض مهرها، وأتلفه، ومات، والزوج لم يدخل بعدُ بها، فلما مات سيدها، أعتقها الوارث، قال ابن الحداد: نفذ عتقه فيها.
وهل يثبت لها الخيار في فسخ النكاح؟ لا يخلو: إما أن يكون الوارث معسرًا أو موسرًا، فإن كان معسرًا، فلا خيار لها؛ فمانا لو خيّرناها، وفسخت قبل الدخول، لوجب ردّ مهرها، وذلك دَيْن، وإذا تحقق الدين، لم ينفذ عتق الوارث المعسر، وإذا رَقَّت، فلا خيار لها، ففي إثبات الخيار ردُّه.
_________________
(١) في النسختين: " فرع ". ولعل ما أثبتناه أوفق للسياق.
[ ١٩ / ٢٥٤ ]
وإن كان المعِتق موسرًا، قال: إن قلنا: ينفذ عتقه مع الدين، فإذا أعتقها، نفذ، ولها الخيار، وإذا فسخت، رجع مهرها دَيْنًا، ثم يطالَب به المعتِق، إن كانت القيمة مثل المهر أو أكثر، فيطالب بالمهر، وإن كان مهرها أكثر، فإنما تتوجه الطَّلِبةُ بقدر قيمة الجارية. وهذا هو الذي لا يجوز غيره؛ لأنه لم [يفوّت] (١) إلا رقبتها.
وإن لم ينفذ العتق، لم يخف الحكم.
فرع:
١٢٣٩٧ - إذا مات رجل وخلف ابنًا وثلاثة من العبيد، قيمة كل واحد مائة، فقال الابن قد أعتق أبي هذا العبدَ في مرضه، وأشار إلى واحد منهم، ثم أشار إلى الأول وإلى عبد آخر من الثلاثة وقال: أعتق أبي هذين معًا، أو هذا وهذا معًا، ثم أشار إلى الثلاثة وقال: أعتق أبي هؤلاء بكلمة واحدة، أو معًا ولا وارث سواه.
فإن الأول يعتق على بهل حال، فإنه قدّمه ذكرًا في الإقرار، وقد سبق أصل ذلك في كتاب الدعوى.
ثم نقرع بين الأول والثاني، فإن خرجت القرعة للأول، فهو الحر بعدُ لا غير، وإن خرجت القرعة على الثاني عَتَق، وعتَقَ العبد الأول معه، فإن موجب إقراره للثاني أن الثاني يستحق أن يُقْرَعَ بينه وبين الأول.
ثم نقرع بين الأول والثاني والثالث، فإن خرجت القرعة على الثالث عَتَق، ولو خرجت القرعة على الثاني، وثانيًا على الثالث عَتَقوا كلهم، وإن خرجت القرعتان جميعًا على الأول لم يعتق غيرُه، وإن خرجت قرعة على الثاني وخرجت القرعة الثانية على الأول عتق الأول والثاني، ورَقّ الثالث، وإن خرجت القرعة الأولى على الأول، والثانية على الثالث، عتق الأول والثالث، ورق الثاني.
ولو تَفاوتت قِيَمُ العبيد والمسألة بحالها، فكانت قيمة الذي أقر بعتقه أولًا مائة، وقيمة الثاني مائتان، وقيمة الثالث ثلاثمائة، فأما الأول، فحر بكل حال، وهو أقل من الثلث، ثم يُقْرع بين الأول والثاني، فإن خرجت القرعة على الثاني عَتَق كله؛ لأنه في نفسه لا يزيد على الثلث، وقد أقر بعتق الأول، فعتق للسبق بالإقرار، وإن خرجت
_________________
(١) في الأصل: " يفرق ". والمثبت من (ت ٥).
[ ١٩ / ٢٥٥ ]
القرعة على الأول، عَتَق، وعَتَق من الثاني نصفُه؛ فإن الثلث إنما يكمل بذلك؛ إذ ثلث جميع المال مائتان.
ثم يقرع بينهما وبين الثالث، فإن خرجت القرعة على الثاني، فلا يعتق الثالث، ولا يعتق من الثاني إلا ما عَتَق قبلُ؛ فإنه ليس في موجَب إقراره تغييرُ العتق في الثاني بقرعتين، وسنوضح ذلك في أثناء المسألة.
إن خرجت القرعة على العبد الثالث، عَتَقَ منه ثلثاه، وهذا موجَبُ إقراره مع القرعة، وإن خرجت القرعة على العبد الأول، فنعيد بين الثاني والثالث، فإن الثلث لم يصر مستوعبًا بالأول. فإن خرجت القرعة في الكرّة الثانية على الثاني، فيرق العبد الثالث لا محالة، ولا يحدث بهذه القرعة في العبد الثاني شيء، فإنه قد أخذ حظه من القرعة، فإن عتق كلُّه بالقرعة الأولى، فذاك، وإن عتق نصفه مع الأول، وكمل الثلث، فلا مزيد في إعتاقه أصلًا، ولا تُغيَّر قضيةُ تلك القرعة؛ فإن إقراره لا يتضمن تغييرَه لحكم العِتق في الثاني بقرعة أخرى، وإن أعدنا القرعةَ بين الثاني والثالث مرةً أخرى، فخرجت على الثالث، فيعتِق منه الثلث، فإن ثلثه إذا ضُمّ إلى الأول، كَمُلَ به الثلث، فثلث الثالث مثلُ نصف الثاني.
١٢٣٩٨ - وفي هذه المسألة بحث من وجهين: أحدهما - أنا قلنا: إذا عتق من الثاني نصفه لمَّا أقرعنا بينه وبين الأول، فذلك عند خروج القرعة على الأول، وتكميلُنا الثلث من الثاني بالقرعة لم يفده شيئًا، وهو بحكم الإقرار يستحق الاندراج تحت قرعتين الأولى مع الأول، والثانية معهم، فلئن خاب في القرعة الأولى، ولم ينله العتق بكماله، وإنما عتق نصفه بحق التكميل، فينبغي ألا يبعد أن يكمل العتق فيه بسبب القرعة الثانية، والدليل عليه شيئان:
أحدهما - لما قال أَعتقكم جميعًا، فقد أقر له إقرارًا موجبه أنه لا يبعد عتق الثاني بكماله بحكم القرعة، ثم أثبت له حقَّ القرعة مرتين، فلئن خاب في واحدة، فليدخل في الأخرى.
والثاني: أن قيمة العبيد إذا كانت متساوية، فأقرعنا بين الأول والثاني وخاب
[ ١٩ / ٢٥٦ ]
الثاني، فلا يبعد أن يخيب في الأولى ويصيبَ العتقَ في الثانية، فكذلك إذا اختلفت القيم، وهذا متجه لا إشكال فيه.
وفي المسألة بحث لمزيد بيان، فنقول: إذا أقرعنا بين المائة والمائتين، فخرجت القرعة على الأول، فحكمه أن يعتق الأول بالإقرار، ويعتِقَ نصفُ الثاني بالتكميل، فإذا أقرعنا مرة ثانية بين الثلاثة، فخرجت القرعة على الأول أيضًا، فكيف السبيل والثلث لا يكمل بالأول؟
فإن قيل: ما هذا وقد كملتم الثلثَ؟ قلنا: لم نُثبت في حق الثالث شيئًا والقرعة تثبت للثالث حقَّ تكميل الثلث منه إذا خرجت القرعة على الأول، فكيف السبيل؟
الوجه ما قدمناه من إعادة القرعة بين الثالث لنكون وفينا حق الثالث، فإن خرجت القرعة على الثالث، أعتقنا منه ثُلثَه، وإن خرجت القرعة على الثاني، فهذا موضع النظر.
أما ما حكيناه عن الأصحاب، فهو أنه لا يَعتِقُ من الثاني إلا ما عَتَق. وهذا مستقيم لا خلاف فيه؛ لأن الثاني لا يستحق إلا قرعتين، وقد عتق نصفه بحق التكميل في القرعة الأولى، وأدرجناه عند إقراعنا بين الثلاثة، فاستوفى التعرض للخطر بين قرعتين فلا يستحق بحكم الإقرار موجبَ قرعة ثالثة، ولكن القرعة بين الثاني والثالث لرجاء أن يعتق شيء من الثالث، فإن لم يعِتق، فقد نفذ الحكم، وتم، ولا مزيد على الثلث، والموضع الذي أبدينا الخلاف فيه إذا خرجت القرعة الثانية المضروبة بين الثلاثة على الثاني، فالذي ذكروه أنه لا يزاد له شيء، وهذا غير سديد؛ فإنه يستحق بالقرعة الثانية تعرضَ جميعه للعتق بحكم القرعة، إذ قد أقر له الوارث بقرعتين، كما ذكرناه في المسألة الأولى إذا استوت القيم.
١٢٣٩٩ - ثم ذكر ابن الحداد صورة أغمضَ مما تقدم، فقال: لو مات وخلّف ثلاثة من البنين وثلاثة من العبيد قِيَمُهم متساوية، فقال واحد من البنين: أعتق أبي هذا العبدَ. وقال الابن الثاني: أعتق العبد الذي عينّه أخي، وأعتق معه هذا الآخر في كلمة واحدة. وقال الابن الثالث: أعتقهما وأعتق الثالث معهما في كلمة واحدة.
فأما الثلث من العبد الأول، فعتيق بكل حال، فإن الابن الأول أقر بعتقه ولم
[ ١٩ / ٢٥٧ ]
يشرّكه مع غيره، فإقراره مقبول في ثلث ذلك العبد، فعَتَق ثلثُه من غير إقراع، ثم نقرع بين العبد الأول والثاني، لإقرار الابن الثاني، فإن خرجت القرعة على العبد الأول، عتق منه ثلثٌ آخر؛ فإن هذا الابن يزعم أن جميعه حر بقضية القرعة والإقرار، فقبل قوله في حصته، وإنما حصته الثلث، وإن خرجت القرعة على العبد الثاني، عَتَق ثلثه وهو قدر حصة هذا الابن منه.
ثم نقرع بين العبيد الثلاثة لإقرار الابن الثالث، فمن خرجت عليه القرعة من العبيد يعتق منه ثلث، فإن خرج على الأول عتق ثلثه، وكذلك إن خرج على الثاني، أو على الثالث.
وحاصل القول أنه إن خرجت القرعتان فيها جميعًا على الأول، كمل فيه العتق، ورَقَّ العبدان، وإن خرجتا جميعًا على العبد الثاني، عتَقَ ثلثاه، وثلثُ العبد الأول، ورَقَّ ثلثا الأول، وثلثُ الثاني، وتمام الثالث، وإن خرجت قرعة على الثاني وأخرى على الثالث، عتق من كل عبد ثُلُثه. وهذا إذا كانت قيمهم متساوية.
١٢٤٠٠ - فأما إذا تفاوتت والمسألة بحالها في الأقارير، لكن كان قيمة العبد الأول، مائة، وقيمة العبد الثاني مائتان وقيمة الثالث ثلاثمائة، فيعتِق من الأول ثلُثُه، كما قدمناه، ثم نُقرع بين الأول والثاني بسبب إقرار الابن الثاني، فإن خرجت القرعة على الثاني، عتق ثُلثُه؛ فإن قيمته مائتان، وهو ثلث المال، وهذا الابن يزعم أن جميعه حر، فقُبل قوله في حصته، وهو الثلث، وإن خرجت القرعة على العبد الأول، عتق منه ثلث آخر، وعَتَق من الثاني سدسه، وإنما ذاك لأنه يزعم أن الأول بكماله أعتق بهذه القرعة، ونصفٌ من العبد الثاني تكملة الثلث، فعتق من تمام الأول ثلثه، وعتق من نصف الثاني ثلث النصف وهو السدس.
والغرض ينكشف بسؤال وجواب عندنا، فإن قيل: الابن الثاني يُقر بأن العبد الأول بحكم القرعة حر بكماله، والنصف حرٌّ من الثاني، فلينفذ إقراره في مقدار ملكه من الثاني، ويُردّ في الزائد.
وموجب هذا أن يعتق ثلث الثاني. فإن إقرار المرء في مقدار ملكه مقبول.
[ ١٩ / ٢٥٨ ]
قلنا: أقر بالعتق في النصف شائعًا في الحصص، فالنصف المقرّ به يستحيل أن يُحصَر ثلثاه في ملكه بل يشاع، وحصته منه ثلثه، وثلث النصف السدس، فإن قيل: هلا خرج هذا على الخلاف فيه إذا أقر أحد الشريكين في الدار بنصفها لإنسان، فإن من الأصحاب من قال: الإقرار ينحصر على ما كان قبل الإقرار؟ فهلا، قلتم على هذا: الابن الثاني مؤاخذ بموجب إقراره فيما هو ملكه؟
قلنا: لم يتعرض الابن الثاني إلاّ لما يوجب القرعة على التركة والميراث، وحقه الشيوع، فيجب الوفاء بالإشاعة، فهذا منتهى البيان.
والرأي بعده مشترك بين الفقهاء.
ثم نقرع بين العبيد الثلاثة بسبب إقرار الابن الثالث، فإن خرجت القرعة على الثالث، عَتَقَ منه تُسعاه، فإنه يزعم أنه عتق منه على الشيوع ثلثاه وهو مائتان. وهذا مقدار الثلث، فقُبل قولُه مع القرعة في حصته، وحصتُه من ثلثه تسعاه، وإن خرجت القرعة على الثاني عَتَق منه ثلثه؛ فإنه يزعم أن جميعه حر، فقُبل قوله في حصته وإن خرجت القرعة على الأول عَتَق منه ثلثه، ثم تُعاد القرعة مرة أخرى بين الثاني والثالث لتعتق حصتُه من تمام الثلث، فإن خرجت على الثاني عتق منه سدسه، وإن خرجت على الثالث عَتَق منه تُسعه؛ فإنه يزعم أن لابد من إعتَاق قدر مائة أخرى مع الأول، فيعتق من مائة ثلثها، وهو حصته منها.
هذا كلام الأصحاب مع البحث الممكن فيه.
فرع:
١٢٤٠١ - قال ابن الحداد: إذا قال أحد الشريكين في العبد: إن دخلتَ الدار، فنصيبي منك حر، وقال الثاني بعد أيام: إن دخلتَ تلك الدار -وعَيَّنَ الدارَ التي عينها الأول- فنصيبي منك حر، فدخل الدارَ - عَتَقَ نصيبُ كل واحد منهما على مالكه، ولا سراية؛ فإن العتق في النصيبين وقعا معًا، ولا معتبر لتباين التعليقين.
ثم قال الشيخ في أثناء كلامه: قال ابن سريج: لو قال لعبده سالم: مهما (١) أعتقتُ غانمًا، فأنت حر مع عتقه، ثم أعتق غانمًا في مرض موته، وهو ثلث ماله،
_________________
(١) مهما: بمعنى: " إذا ".
[ ١٩ / ٢٥٩ ]
فيكون عِتقُ غانم مبدّأ (١) على عتق سالم عند ضيق الثلث، وإن كان قد قال لسالم: فأنت حر مع عتقه؛ وذلك لأنه جعل عتق غانم شرطًا في عتق سالم، والمشروط لا يقع إلا بعد الشرط، وقد يقع العتق مرتبًا، فيقدم الأول منهما.
وقد ذكر الأصحاب عن صاحب التقريب: أنه إذا أعتق نصيَبه، لم يسر عتقُه، وعَتَقَ نصيبُ الثاني (٢) بتعليقه السابق، وقد خالفه الأصحاب في هذا. فقالوا: عِتْقُ الشريك يسري، ولا يقع العتق المعلّق، فانتظم وجهان في مسألة الشريكين: أحدهما - اعتبار قول المعلِّق في الاجتماع، وذلك ينافي السراية. والثاني - أن العتق يترتب في المعنى، فهو كما لو قال: مهما أعتقتَ نصيبَك، فنصيبي حر، وهذا التردد يوجب اختلافًا في مسألة سالم وغانم، حتى يقال: يحتمل أن نحكم بوقوع العتق فيهما ظاهرًا معًا، ويكون كما لو أعتقهما في مرضه، فيقرع بينهما.
وفي المسألة غائلة وبكشفها نكشف الغرض، فنقول: إذا أعتق الرجل في مرضه عبيدًا لا مال له غيرهم، فعتقه في المرض وصيةٌ محسوبة من الثلث، والوصية الزائدة إذا ردّت، ففيها قولان: أحدهما - أنها ثبتت، ثم ردت، والثاني - أنها إذا خُصرت، تبين أنها (٣) لم ينفذ غيرُ ما بان.
ومما يجب التنبه له أن من علّق عتقًا على عتقٍ، فمذهب الشافعي أن العتق الذي هو صفة، لا يقنع فيه باللفظ، بل لابد من عتق صحيح، وكذلك القول في البيع وغيره من العقود، وقد قررنا هذا في كتاب الأيمان.
فإذا تبين هذا، رجعنا إلى الغرض.
فإن اعتقدنا الجمع تمسكًا باللغة (٤)، وهو مقتضى الصيغة، فلا نعول على الشرط والمشروط؛ فإن التعليقات تحتمل تقديم المشروط على الشرط؛ فإن الرجل إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالق قبل دخولك بشهر، ثم مضت أشهر،
_________________
(١) مبدّأ: أي مُقدّم ومُفَضَّل (المعجم).
(٢) في النسختين: " شريك الثاني ".
(٣) كذا. وضمير الحال والشأن يعود على الوصية. والله أعلم.
(٤) يعني قوله: " مع عتقه ".
[ ١٩ / ٢٦٠ ]
ودخلت، وقع الطلاق قبل الدخول بشهر، ولكن النظر فيما نبهنا عليه.
فإن قلنا: " العتق ينفذ في الجميع ثم يرد "، صحت المسألة، ونجعل كأنه أعتق العبدين، فإن خرجت القرعة على سالم، عتق، إذ قد كان عَتَقَ غانم، فتحققت الصفة (١) ثم رُدّ.
وإن قلنا: " ما (٢) يرد تبين أنه لم ينفذ "، فتعضل المسألة: بأن القرعة لو خرجت على سالم، وعتقه مشروط بعتق غانم، ونحن تبيّنا أن غانمًا لم يعتِق، فكيف يعتق سالم، وعتقه معلّق غير منجّز؟ وهذا يوجب الدور، فيرتد -لو صح هذا القياس- عتقُ غانم؛ لأن القرعة لم تخرج عليه، ويرتد عتق سالم للدور، وهذا يجز خبلًا عظيمًا، وهو أن يعتق الرجل عبدين، فتجري حالة في القرعة تقضي ارتداد العتق فيهما.
وفي المسألة خبط آخر، وهو أن القرعة لو خرجت على غانم، نفذ العتق فيه، ولو خرجت على سالم، دارت المسألة، فالظن بالأئمة أنهم ما قدّموا العتق في غانم مع التصريح بالجمع إلا لهذا؛ فإن العتق في سالم يوجب القرعة، والقرعة تدير المسألة، وتُبطل العتقين، والعتق في غانم يصحح العتق في الثلث، فذكروا تعيّن غانم لهذا المعنى.
وقياس الدور مع الوفاء بالجمع أن يقال: لو خرجت القرعة على غانم عتق، ولو خرجت على سالم، لم يعتق غانم ولا سالم. وهذا نهاية النظر في المسألة.
فرع:
١٢٤٠٢ - إذا كان بين رجلين عبد مشترك لكل واحد منهما نصفه، فطار طائر، فقال أحدهما: إن كان غرابًا، فنصيبي حر، وقال الآخر: إن كان حمامًا، فنصيبي حر، ثم أشكل الطير، فلا يعتق نصيب واحد منهما؛ فإن الطائر قد لا يكون غرابًا ولا حمامًا.
ولو قال أحدهما: إن كان غرابًا فنصيبي حر، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا،
_________________
(١) تحققت الصفة: أي العتق المعلّق عليه، وهو عتق غانم.
(٢) (ما) اسم موصول.
[ ١٩ / ٢٦١ ]
فنصيبي حر، فلا يحكم بعتق واحد منهما في ظاهر الحكم إذا كانا معسرين؛ فإن نصيبهما كعبدين، ولا سريان، ولكن نعلم باطنًا أنه قد عَتَقَ نصيبُ أحدهما.
ولكن لو اشترى أحدهما نصيب صاحبه فنحكم الآن بأن نصف العبد حر، ولكن لا سريان والفرضُ في المعسر.
ولو جاء ثالث، واشترى النصيبين جميعًا، فيصح الشراء، ولكن إذا اجتمع النصيبان في يده حكم بعتق النصف، وتعليل ذلك بيّن.
ثم قال القفال: لا يرد ما اشتراه عليهما ولا على واحد منهما؛ فإن كل واحد منهما يزعم أن نصيبه مملوك، والمشتري يزعم أن النصف منه حر.
وحكى الشيخ عن بعض الأصحاب أن المشتري إذا لم يعلم ما جرى لهما من التعليق، واشترى نصيبهما، ثم تبين له ذلك، فله الرد عليهما جميعًا، ويجعل الاطلاع على ذلك سببًا مثبتًا للخيار.
وهذا هَوَسٌ. ولا ينبغي أن يعدّ مثله من المذهب؛ لأنا لو جوّزنا له الرد، لعاد كل واحد من الشريكين إلى نصيبه، وزال العتق المحكوم به. هذا كله إذا كانا معسرين.
فأما إذا كانا موسرين والمسألة كما صورناها في النفي والإثبات، فنحكم بعتق جميع العبد؛ تفريعًا على قول تعجيل السراية، فإن كل واحد منهما يُقرّ بأنه قد عتق نصيبُه، إما بإنشائه، وإما بسراية العتق من نصيب صاحبه إلى نصيبه. فإن ادعى كل واحد على صاحبه قيمةَ نصيبه وتحالفا، فلا يستحق في ظاهر الحكم واحد على صاحبه شيئًا.
وإن فرعنا على أن السراية لا تتعجل، لم نحكم بعتق نصيب واحد منهما.
فرع:
١٢٤٠٣ - إذا خلف ثلاثة من البنين، وكان في أيديهم جاريةٌ وولدُها، فادعى أحدهم أن هذه الجارية أمُّ ولد أبينا والولد ولدها منه، وهو أخونا، وزعم الثاني أن الجارية أمُّ ولدي، وهذا ولدي منها، وادعى الثالث أن الجارية مملوكةٌ لي وولدها رقيقي وعبدي، وأيديهم ثابتة عليها.
[ ١٩ / ٢٦٢ ]
فنقول (١): أما نسب المولود، فيثبت ممن ادعى أنه ولده؛ تفريعًا على أن نسب الرقيق يستلحق إذا كان مجهول الحال والنسب، ومن قال منهم: إنه أخونا، فلا نقبل قوله؛ فإنه يقر بالنسب على أبيه، فلا يلتحق النسب، ما لم يُجْمع الورثةُ عليه، كما مضى في الأقارير.
فإن قيل: من يدعي ملكَ الولد ويقول: هو رقيقي واليد ثابتة له على ثلث الولد، فينبغي أن يثبت ملكُه فيه، فيكون مدعي النسب من نفسه مستلحقًا نسب مملوك.
قلنا: قد نبهنا على هذا، فإن فرعنا على أن المملوك يُستلحق، فأمر النسب على ما ذكرنا، وإن قلنا: نسب المملوك لا يستلحق، ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - أنه لا يلحق لمكان الرق في البعض. والثاني - يلحق لأن الرق لم يعمه، والنسب لا يتبعض. وهو إلى الثبوت أقرب، وهذا القائل يقول: لو كان بعض الشخص رقيقًا وبعضه حرًا، واستلحق مستلحقٌ نسبَه، لحقه، وهذا ليس بشيء، والقياس رد الدِّعوة ببعض الرق إذا فرعنا على ردها عند تمام الرق (٢).
١٢٤٠٤ - ثم نتكلم بعد ذلك في الجارية وحكم الولد، ونذكر حكم التحالف فيه، ثم حكم الغرامة.
أما الولد فحرّ كله، هكذا قالوا، لأن أحدهم زعم أنه أخوهم، وهذا يقتضي حريته، ويده ثابتة على ثلث الولد، فإقراره مقبول فيه، والذي زعم أنه ولده منها، فيقبل إقراره فيما هو تحت يده، ثم قد أقر هذا الشخص بأنه قد استولد هذه الجارية، فيجعل ذلك بمثابة ما لو استولد أحد الشريكين الجارية [المشتركة] (٣)، ولو تحقق ذلك، كان الولد حرًا، وليقع الفرض فيه إذا كان موسرًا، فإذا تُصور منه إنشاء الاستيلاد، ثم يترتب حكم حرية الولد، فيقبل الإقرار [منه] (٤) فيما يتصور إنشاؤه،
_________________
(١) النظر في هذه المسألة إلى عدة أحكام: ١ - نسب الولد ٢ - وحريته ٣ - وحرية الأم وثبوت أميهّ الولد ٤ - والتحالف، ٥ - والغرم. فتقرأ المسألة في ضوء هذه الشُّعب من الأحكام.
(٢) انتهى هنا الكلام على نسب المولود، وأنه بين أن يلحق الابن الثاني أو لا يلحق.
(٣) في الأصل: " المشتراة "، والمثبت من (ت ٥).
(٤) زيادة من المحقق حيث سقطت من الأصل، وفي ت ٥: (فيه) مكان (منه).
[ ١٩ / ٢٦٣ ]
وهذا ليس خاليًا عن الاحتمال؛ لأن الإقرار إنما يقبل فيما يجوز إنشاؤه، (١ لا فيما يتصور إنشاؤه ١).
ويجوز تخريج هذه المسألة على خلافٍ في أن المحجور السفيه لو أقر بإتلاف مالٍ هل يقبل إقراره أم لا (٢)؟ فيه وجهان، ذكرناهما في موضعهما (٣).
ثم يقع الكلام بعد هذا في التحالف، ثم في الغرم، والقول في التحالف ينبني على المقدار الذي تثبت يد كل واحد عليه، وقد اختلف أصحابنا فيه، فذهب أكثرهم إلى أن يد كل واحد من الثلاثة تثبت على ثلث الجارية والولد، ثم يقع الكلام بعد هذا في التحالف والغرم، ووجه هذا بيّن.
ومن أئمتنا من قال: من قال منهم: إن الجارية أمُّ ولد أبي، فلا يد له على شيء من الجارية وولدها؛ فإنه ذكر أن الجارية أم ولد أبي، وقد عَتَقَتْ بزعمه بموت أبيهم، وليس يدعي عتقًا صادرًا منه، وقوله مردود في ذلك؛ فإن أمية الولد تابعةٌ لثبوت نسب الولد، ونسب الولد لا يثبت بقوله، ولكنه مؤاخذ بإقرار نفسه؛ فإنه ليس يدعي لنفسه فيها شيئًا، فلم تبق له يدٌ لإعراضه (٤)، ولم يُقبل قوله لاستناد أمية الولد إلى النسب الذي لم يثبت.
والأصح الوجه الأول؛ فإن يده ثابتة حسًّا، وقد اعترف بالحرية فيما تثبت يده
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من (ت ٥).
(٢) عبر الغزالي في البسيط عن ذلك بعبارة، ربما كانت أكثر وضوحًا، إذ قال: " فأما أمية الولد، فتثبت بإقراره، لأنه شريك، ولو أنشأ الاستيلاد، لنفذ، وسرى، فيقبل إقرار من له أهلية الإنشاء، ويحتمل أن يقال: لا يحل له الإنشاء، ولكن يتصوّر منه، وفي قبول مثله خلاف في السفيه المحجور عليه إذا أقر بإتلاف مال الغير أنه هل يقبل ". (البسيط: جزء (٦) ص ٣٧٩ - مخطوطة مرقمة الصفحات).
(٣) إلى هنا انتهى الكلام عن حكم حرية الولد، وهو الحكم الثاني من الأحكام التي في ثنايا هذه المسألة، وقد قطع بحريّة الولد.
(٤) وجه هذا الوجه القائل بأن يده لا تثبت على شيء هو إقراره، وإعراضه، وعدم مطالبته، وليس إثبات أمية الولد، فإنها تابعة لثبوت نسب الولد من أبيه، وقد رأينا أنه لم يثبت. هذا توجيه هذا الوجه، وهو ليس الأصح كما قال الإمام، بل الأصح أن يده ثابتة حسًا على الثلث من الولد والجارية.
[ ١٩ / ٢٦٤ ]
عليه صورةً، وحقيقةُ هذا الخلاف ترجع إلى أنا إذا رَدَدْنا قولَه في النسب، فهل يقبل قوله في أمية الولد حتى يُحكم بالعتق فيه؛ فإن قبلنا قوله في الحرية، فالثلث حُكم فيه بالحرية ليده، ويبقى في يد كل واحد من الباقيين ثلثٌ، وإن لم نقبل قوله في الحرية، قبلناه في سقوط حقه ويده، فتصير الجارية في يد الباقيَيْن نصفين؛ ولم يبق للذي قال: " إنها أم ولد أبي " يدٌ ولا تعلّق. هذا ما ذكره الأئمة.
وفي القلب منه بقية، فإنا (١) إذا رددنا إقراره، فينبغي أن يبقى الثلث من الجارية على حكم يده وملكه، وإن كان لا يدعيه لنفسه، والدليل عليه أن (٢ أحد الابنين إذا أقر بابن ثالث لأبيه، ورددنا إقراره بالنسب، فلا يستحق المقر له شيئًا من ميراث الأب، ولا ٢) يقال: على المقِر منهما أن يسلم شيئًا مما في يده إلى المقر له، بل يبقى على حقيقة ملكه. وهذا القياس يقتضي لا مجالة أن يبقى ثلث الجارية في يده، وإن ادعى حريتها، فهذا ما أردنا التنبيه عليه في ذلك.
١٢٤٠٥ - ثم نرجع إلى ترتيب الكلام، فنقول: يحلف من يدعي الملك، و[من يدعي] (٣) الاستيلاد في حق نفسه، وينفي كل واحد [منهما] (٤) ما يدعيه صاحبه (٥)، على القياس الذي ذكرناه في الدعاوي. قالوا: ولا يحلف من يدعي أمية الولد لأبيه؛ فإنه ليس يدعي لنفسه شيئًا، وإنما ينفي كلُّ واحدٍ دعوى صاحبه إذا كان يدعي لنفسه شيئًا.
_________________
(١) ت ٥: " فأما ".
(٢) ما بين القوسين سقط من (ت ٥).
(٣) ما بين المعقفين زيادة من المحقق لإيضاح العبارة، والمعنى أن التحالفَ يكون بين الابن الثاني الذي يدعي أن الجارية مستولدته، وأن الولد ولده منها = والابن الثالث الذي يدعي أنها جاريته والولد رقيقه منها. أما الابن الأول الذي يقول: إنها مستولدة أبينا، فهو لا يدعي شيئًا، ولذا لا يحلف.
(٤) في الأصل: " منهم " والمثبت من (ت ٥).
(٥) فيحلف من يدعي الاستيلاد نافيًا أنها مملوكة لمن يدعي الرق، ويحلف من يدعي الملك نافيًا أنها مستولدة من يدعي الاستيلاد، فكل منهما مدَّعٍ فيما في يد صاحبه، مدعىً عليه فيما في يده.
[ ١٩ / ٢٦٥ ]
فإذا حلفا -والتفريع على ثبوت الاستيلاد عاجلًا، ونفوذِ إقراره- فيلتزم لصاحبه ثلث قيمة الجارية (١)، فإن يده تثبت على الثلث ملكًا، وتأكدت باليمين، ثم [سرَّينا] (٢) فيه استيلاد من يدعي الاستيلاد لنفسه، فيلزمه قيمةُ الثلث لصاحبه (٣).
فأما إذا قلنا: لا يدَ لمن ادعى أميةَ الولد لأبيه، والجارية نصفان بين الأخوين، فيغرم من ادعى لنفسه الاستيلاد نصفَ القيمة لصاحبه.
وإن قلنا: يعتِق الثلثُ بإقرار من ادعى أمية الولد، فلا نغرمه شيئًا؛ [فإنه لم يضف الاستيلاد إلى نفسه، وإنما أضاف إلى أبيه، فلا يلتزم هو بسبب استيلاد أبيه شيئًا] (٤)، ولا يقبل إقراره على أبيه في إلزام غرم، فهذا منتهى ما ذكره الأئمة.
فرع:
١٢٤٠٦ - إذا كان للرجل جاريةٌ حامل بغلام وجارية، فقال: إن ولدت أولًا غلامًا، فهو حر، وإن ولدت أولًا جارية فأنت أيتها الأمة حرة، فإن ولدت أولًا غلاماَّ، [عَتَقَ] (٥) الغلام، ورقّت الأمة والجاريةُ في بطنها.
وإن ولدت جارية أولًا، عَتَقَت الأمة، وعَتَقَ الغلام أيضًا؛ فإن الأم إذا عتقت، عتق الجنين في بطنها، أما الجارية التي ولدتها، فلا شك أنها لا تعتِق؛ لأنه لم يوجه
_________________
(١) يلزمه الثلث من الجارية والولد لإقراره بأنه فوت عليه نصيبه بالاستيلاد.
(٢) في الأصل: (تبرَّينا) بهذا الرسم والضبط، وفي ت ٥: غير واضحة، وأقرب ما تكون إلى ما في الأصل، ولكن بدون نقط وضبط. وأجزم صادقًا -إن شاء الله- أن هذا الخلل في نسخة الأصل جاء من أحد القراء المبتدئين، ودليلي على ذلك أن ناسخ هذه النسخة على درجة من العلم، يستحيل معها أن يقع في هذا الوهم الغليظ، وقد ظهر علمه بأكثر من دليل، أيسرها أنه يُشكل المشكل بصورة تقطع بأنه فاهم لما ينسخ، ثم إن هذه الكلمة الغريبة عن السياق والمعنى (تبرّينا) فيها أثر ريشة غير ريشة الناسخ الأصيل.
(٣) علل الأئمة ذلك بإقراره أنه فوت على صاحبه نصيبه بالاستيلاد -كما قلنا- ويلزم من هذا التعليل أنه قد سلّم لمدعي الرق بأن له نصيبًا في الجارية من ميراث أو غيره، وإلا، فلا يلزم من قوله: " مستولدتي " كونها مشتركة من قبل، فلا بد من ملاحظة هذا المعنى في تصوير المسألة. (ر. الشرح الكبير: ١٣/ ٣٧٧، والروضة: ١٢/ ١٦٢).
(٤) ما بين المعقفين سقط من الأصل. وأثبتناه من (ت ٥).
(٥) في الأصل: " فأعتق ".
[ ١٩ / ٢٦٦ ]
العتق عليها، والأم إنما تعتِق أيضًا بعد انفصالها، فلا يلحق الجاريةَ عتق على وجه التبعية.
فخرج مما ذكرناه أن الجارية لا تعتِق في حسابٍ أصلًا، والغلام يعتق كيف فرض الأمر؛ فإنه إن خرج أولًا عَتَق، وإن خرجت الجارية، عتق تبعًا للأم، والأم قد تعتق وقد لا تعتق.
فلو خرج الولدان على ترتب، وأشكل الأمر، فلم ندر كيف كان الخروج - فأما الغلام فيعتِق لا محالة، والجارية رقيقة قطعًا، وأمر الأم مشكل، فإن خرج الغلام أولًا، فهي رقيقة، وإن خرجت الجارية أولًا، فهي حرة. وقد أشكل الأمر.
قال ابن الحداد: نقرع بين الغلام وبين الأم. فإن خرجت القرعة على الأم، عَتَقَت، والغلام حرّ لا يدرأ حريتَه شيء.
وإن خرجت القرعة على الغلام، رقّت. وسبب القرعة أن الغلام إن خرج أولًا، فهي رقيقة، وإن لم يخرج أولًا، وخرجت الجارية، فالأم حرة، فعِتْق الأم يتعلق بخروج الغلام، فخرجت القرعة على هذا التقدير. وقد وافقه بعض الأصحاب فيما قال.
والذي ذهب الأكثرون إليه أن القرعة لا معنى لها في هذه الصورة؛ فإن القرعة إنما تجري إذا تردد العتق بين شخصين رُدّد العتق بينهما قصدًا وأشكل الأمر، وليس الأمر كذلك في هذه المسألة؛ فإن الغلام لم يُجعل في معارضة الجارية، فالوجه أن نقول: الجارية رقيقة والغلام حر. والجارية أشكل أمرها. فالأصل بقاء الرق فيها.
فرع:
١٢٤٠٧ - ذكره الشيخ من وقائع نيسابور قديمًا، وهو أنه إذا كان بين يدي السيد غلامان سالم وغانم، فقال: أحدكما حر، ثم غاب سالم وبقي غانم بين يديه، فوقف بجنبه غلام اسمه مبشر، فقال لغانم ومبشر: أحدكما حر، ثم مات قبل البيان، فكيف السبيل فيه؟
قال الأستاذ أبو إسحاق في جواب المسألة: نقرع في هذه المسألة بين سالم وغانم، فإن خرجت القرعة على سالم -وهو الذي غاب- فيعتِق، ثم نعيد القرعة مرة أخرى بين غانم ومبشر، فعلى أيهما خرجت القرعة، حكمنا بعتقه، فيعتِق عبدان.
[ ١٩ / ٢٦٧ ]
وإن خرجت القرعة الأولى على غانم، رقّ سالم، ولم نعد القرعة مرة أخرى؛ فإن القرعة عينت غانمًا للحرية، فلما قال له ولمبشر: أحدكما حر، فغانم هو الحر منهما، وتحقيق ذلك أن خروج القرعة بمثابة بيان المالك. ولو قال السيد: أردت غانما في الدّفعتين، لم يَعِتق غيره.
وقال أبو الحسن الماسَرْجِسِي: إذا خرجت القرعة الأولى على غانم، عتق ورق سالم، ثم نعيد القرعة مرة أخرى بين غانم ومبشر، فإن خرجت على غانم، رق مبشر، وإن خرج على مبشر عتق وغانم حر. كما تقدم ذكره، ففائدة إعادة القرعة توقُّع عتق مبشر.
والذي ذكره الماسَرْجِسِي أفقه وأغوص، وذلك أن غانمًا إن عتق، فلا يمتنع أنه أراد بقوله الثاني -لمّا أبهم العتقَ- إعتاق مبشر، فإذا كان ذلك ممكنًا، فالقرعة تجري حيث يتصور الإبهام، وكثيرًا ما تجري القرعة بين من نستبقي (١) حريته، وبين من يشكل علينا رقه، وهذا واضح من هذا الوجه.
فرع:
١٢٤٠٨ - نقدم على مسألة ذكرها ابن الحداد [تذكيرًا بأصولٍ] (٢): أحدها - أنه لو أبهم العتق بين أمتين ولم يعين بقلبه، ثم وطىء إحداهما، فهل يكون الوطء تعيينًا في الموطوءة للرق؟ فعلى وجهين، تقدم ذكرهما.
ومما تقدم أنه لو كان في ملكه أربع من الإماء، فقال: إذا وطئت واحدة منكن، فواحدة منكن حرة، فإذا وطىء واحدة، فتعتِق واحدة، ولكن هل تدخل الموطوءة في إبهام العتق؟ أم لا؟ هذا يبتني على أن الوطء هل يكون تعيينًا أم لا؛ فإن قلنا: لا يكون تعيينًا، فتدخل الموطوءة في إبهام العتق.
وإن قلنا: يكون الوطء تعيينًا للموطوءة في الملك، فأول الوطء لا يتضمن التعيين أصلًا؛ فإنه ذكر الوطء وعلق عليه العتق المبهم، وهذا في التحقيق يُخرج أول الوطء عن كونه تعيينا للملك.
_________________
(١) كذا في النسختين، ولعل الأَوْلى: " نستيقن ".
(٢) في النسختين: " تذكير أصولٍ "، والمثبت تقدير من المحقق.
[ ١٩ / ٢٦٨ ]
وقد يقول الرجل لأمته إذا وطئتك فأنت حرة، وهذا واضح، فلو وطىء وغيّب الحشفة، ثم نزع، فالموطوءة تدخل في الإبهام. ولو وطىء واستدام -والتفريع على أن الوطء يتضمن تعيينًا لو تقدم الإبهام عليه، مثل أن يقول لأمتيه إحداكما حرة، ثم وطىء واحدة منهما- فتتعين الأخرى للعتق.
فإذا قال للإماء الأربع: إذا وطئت واحدة منكن، فواحدة حرة، فوطىء واستدام، وقد وضح أن ابتداء الوطء لا ينافي العتق في هذه الصورة. فإذا استدام، فهل يتضمن الاستدامة إخراج الموطوءة عن العتق؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنها تخرج عن إبهام العتق؛ فإن الاستدامة تدل على أنه يبغي استبقاءها، والثاني - أنها لا تخرج عن إبهام العتق بالاستدامة؛ فإن استدامة الوطء حكمها حكم ابتدائه، وقد ذكرنا أن ابتداء الوطء لا يخرجها عن إبهام العتق.
وهذا يقرب من اختلافٍ ذكرناه فيما تقدم، وهو أن الرجل إذا قال لأمته: إذا وطئتك فأنت حرة، فوطئها، فلو وطىء، لم يلتزم مهرًا إذا نزع كما (١) غيّب، ولو استدام، فهل يلتزم بالاستدامة مهرها؟ فعلى وجهين. وقد ذكرنا نظير ذلك في كتاب الإيلاء، فيه إذا قال لامرأته: إذا وطئتك، فأنت طالق ثلاثًا. وهذا الاختلاف في المهر مما تمس الحاجة إليه.
١٢٤٠٩ - عدنا إلى مسألة ابن الحداد. قال: إذا كان له أربع من الإماء، فقال: كلما وطئت واحدة منكن، فواحدة منكن حرة، ثم وطىء واحدة، وثانية، وثالثة، فقوله " كلما " يتضمن تكرير العتق، وقد وطىء ثلاثًا منهن، فاقتضى ذلك تكرير العتق ثلاث مرات. فإن فرعنا على أن الوطء يتضمن التعيين للملك -وقلنا: الاستدامة تتضمن التعيين أيضًا، والمسألة مفروضة فيه إذا استدام الوطء في كل واحدة- فالجواب على هذا أنه يتعين للعتق الأولى والثانية والرابعة وترق الثالثة.
وبيانه أنه لما وطىء الأولى، فقد وقع عتق، وخرجت الأولى عن كونها معينة؛ فإنها تعينت للملك بالاستدامة، وخرجت الثانية والثالثة عن ذلك العتق أيضًا، فتعينت
_________________
(١) كما: بمعنى عندما.
[ ١٩ / ٢٦٩ ]
الرابعة وعَتَقت، ولما وطىء الثانية، وقع عتق آخر، وخرج عنه الثانية لدوام الوطء فيها وتردد العتق بين الأولى والثالثة، ولكن لما وطىء الثالثة، خرجت عن كونها معينة بذلك العتق فتعينت الأولى وعَتَقت، ولما وطىء الثالثة، وقع عتق آخر، ولم يصادف الرابعة والأولى فإنهما قد عَتَقَا من قبل، وخرجت الثالثة عن كونها معينة، فعتقت الثانية. هذا إذا قلنا الوطء تعيين واستدامة تعيين.
فأما إذا قلنا: الوطء بعد العتق تعيين، واستدامته ليست بتعيين -وعليه فَرَّع ابن الحداد- فنقول: لما وطىء الأولى، وقع عتق مبهم بين الأربع، ثم لم يعد إلى وطء الأولى، ولم يطأ الرابعة، فيخرج عن ذلك العتق بين الثانية والثالثة؛ فإنه وطئهما بعد العتق الأول. فإذًا ذلك العتق بين الأولى والرابعة، فيقرع بينهما، فإن خرجت القرعة على الرابعة، عتقت، ثم لما وطىء الثانية، وقع عتق آخر، ولا حظ فيه للرابعة؛ فإنها قد عتقت بالقرعة، ولا حظ فيه [للثالثة] (١) فإنها وطئت بعده، فهو متردد بين الأولى والثانية، فيقرع بينهما، فمن خرجت القرعة عليه منهما، عَتَقَت، ثم لما وطىء الثالثة وقع بوطئها عتق جديد، لا حظ فيه للرابعة، ولمن عَتَقَت من الأولى والثانية، فإن عتقت الأولى، أقرعنا بين الثانية والثالثة. وإن عتقت الثانية، أقرعنا الآن بين الثالثة والأولى، ولا تدخل من عتقت في القرعة؛ ما دمنا نتمكن من الإقراع بين اثنتين لم تتعين واحدة منهما للحرية؛ والسبب فيه أنه لا بد من تحصيل العتق في ثلاث منهن؛ فإن اللفظ يقتضي ذلك صريحًا، ولو أدخلنا عتيقة في [القرعة] (٢)، لم يتحصل هذا المعنى.
ولو خرجت القرعة الأولى التي ضربناها بين الأولى والرابعة على الأولى، عتقت، ولما وطىء الثانية، دار العتق بينها وبين الرابعة، والثالثة خارجة من هذا العتق، فإنها موطوءة بعد ذلك، فنقرع بين الثانية والرابعة، فإن خرجت القرعة على الثانية، عتقت، ولما وطىء الثالثة دار العتق بينها وبين الرابعة، فنقرع بينهما، فإن خرجت
_________________
(١) في الأصل: " للثانية ".
(٢) في الأصل: " الحرية ".
[ ١٩ / ٢٧٠ ]
القرعة على الثالثة، عتقت، ورقّت الرابعة، ولا يخفى القياس بعد تمهيد الأصول، إن شاء الله.
وهذا إن قلنا: الاستدامة لا تكون تعيينًا، والوطء بعد الإبهام تعيين.
١٢٤١٠ - فأما إذا قلنا: الوطء لا يكون تعيينًا أصلًا، فقد وقع بين الإماء الأربع العتق ثلاث مرات، فعَتِق ثلاثٌ منهن، فكيف السبيل في القرعة والتمييز؟ المذهب الصحيح الذي عليه التعويل أن يقرع بينهن على ترتيب في دفعات، فنقول: لما وطىء الأولى، وقع عتق، فيقرع لذلك بين الأربع بسهم عتق وثلاثة أسهم رقّ، والوطء لا يتضمن تعيينًا. فإن خرجت القرعة على الرابعة عَتَقَت، ولا مهر، فإنها ليست موطوءة، وإن خرجت القرعة الأولى على الأولى، فقد بأن أنها عَتَقت بابتداء الوطء، فإن قلنا: استدامة الوطء يوجب المهر، فلها مهرها بسبب الاستدامة، وإن قلنا: لا مهر لها بسبب الاستدامة، فلا تستحق شيئًا.
وإن خرجت القرعة الأولى على الثانية، أو على الثالثة، فتستحق المهر؛ فإنا تبينا أنها عتقت قبل أن وطئها السيد بالعتق الواقع بوطء الأولى، والوطء بعد العتق يوجب المهر، ثم إذا عتقت واحدة من الأربعة بالقرعة الأولى، فيقرع مرة ثانية بسهم عتق وسهمي رقّ. فإن كانت الأولى قد عتقت بالقرعة الأولى، فيقرع بين الثانية والثالثة والرابعة، فإن خرجت القرعة على الرابعة، عَتَقَت ولا مهر لها؛ فإنها لم توطأ. وإن خرجت القرعة الثانية على الثالثة، عتقت، وفي استحقاق المهر وجهان مأخوذان من أن استدامة الوطء هل توجب المهر، ثم نقرع مرة أخرى بين الثالثة والرابعة بسهم عتق وسهم رق. فإن خرجت القرعة على الرابعة، فلا مهر، وإن خرجت على الثالثة، فعلى وجهين لما ذكرناه من الاستدامة.
وحقيقة هذا أن المهر يجب بالوطء بعد العتق، وفي الاستدامة وجهان، ثم تبين العتق بالقرعة، وتبين بحسبه أمر المهر على ما يقتضيه القياس. فإن عتقت الثانية بالقرعة الأولى، فقد وُطئت بعد العتق، وإن خرجت القرعة الأولى على الأولى، فيخرج وجهان في أن الاستدامة هل توجب المهر، ولا يبيّن أمرَ المهر إلا ترتيبُ القرعة على هذا الوجه الذي ذكرناه.
[ ١٩ / ٢٧١ ]
١٢٤١١ - وقال بعض أصحابنا يقرع بين الإماء دفعة واحدة بثلاثة أسهم حرية وسهم رق، فتعتق ثلاث منهن، وتَرِق واحدة، فلو خرج سهم الرق على واحدة أولًا رَقَّت، وعَتَقَت الثلاث الباقيات.
وهذا وإن كان يميز العتق، فالمصير إليه يجر لَبْسًا في المهر، فإنه إذا عتقت ثلاث منهن، فكيف ابتداء الوطء واستدامته؟ وبماذا يعلم من تستحق المهر وجهًا واحدًا، ومن تخرج المسألة فيه على وجهين من الاستدامة؟ وهذا اللبس يتحقق إذا قلنا: الاستدامة لا توجب المهر، ثم يلتبس عليه الأمر، فإن قلنا: الاستدامة توجب المهر، فتصح القرعة على هذا الوجه، ولكل موطوءة عَتَقت مهرُها، فأما إذا قلنا: الاستدامة لا توجب المهر، فلا تصح القرعة على هذا الوجه قطعًا.
١٢٤١٢ - وإنما يتم الغرض في ذلك بأن نذكر صورة أخرى، فنقول: إذا وطىء الأربع، والمسألة كما صورناها، فلا شك أنهن يعتقن جميعًا، ولا حاجة إلى القرعة لأجل العتق، ولكن أمر المهر مشكل، ولا يتبين أمره إلا بأن يُقرع بينهن بسهم عتق وثلاثة أسهم رق، فإن خرجت الحرية على الأولى، ففي استحقاق المهر وجهان؛ لمكان الاستدامة. وإن خرجت القرعة على الثانية، فلها مهرها، فإنا عرفنا أنها عَتَقَت أولًا ثم وُطئت، وهكذا القياس، والضابط فيه أنا نرتب القرعة على التفصيل المقدم، فمن بان بالقرعة أنها عَتَقت بوطئها، ففيها وجهان مأخوذان من الاستدامة، وإن عتقت، ثم جرى الوطء بعد العتق فيها، فيجب المهر وجهًا واحدًا، فإن تقدم وطء واحدة ثم أبانت القرعة العتقَ بعد وطئها، فلا مهر لها وجهًا واحدًا.
هذا ترتيب القول في أمر المهر لا ينقدح غيره.
وإن عتقن بجملتهن إذا جرى الوطء مرتبا على ما ذكرناه، فإن قيل: إذا وطىء ثلاثًا منهن كما تقدم تصويره، فهلا أقرعتم بينهن معًا، ثم تقرعون على الترتيب مرة أخرى لمكان المهر، كما فعلتم ذلك فيهن إذا عتقن جميعًا في الصورة الأخيرة؟
قلنا: أنشانا القرعة في المسألة الأخيرة لأجل المهر مرة واحدة. ولو أقرعنا فيه إذا وطىء ثلاثًا منهن دفعة واحدة من غير ترتيب بثلاثة أسهم حُرية وسهم رق، ثم عُدنا
[ ١٩ / ٢٧٢ ]
فأقرعنا على الترتيب مرة أخرى، فربما تتناقض القرعتان، فلا ينتظم الأمر أصلًا، فلا وجه إلا الترتيب أول مرة.
فإن قيل: في المسألة الأخيرة أقرعتم للمهر، وهذا لا سبيل إليه؛ فإن القرعة إنما شرعت في العتق، فأما إذا أشكل من تستحق مهرًا، فتمييز ذلك بالقرعة بعيد.
قلنا: العتق وإن حصل فيهن فالقرعة تُبيّن الترتيب في وقوع العتق، ثم يترتب عليه أمر المهر، فلم تنشأ القرعة للمهر، وإنما اعتمدنا بها ترتيب العَتاق، وإذا تطرقت القرعة إلى أصله، تطرقت إلى ترتيبه، ثم المهر يَتْبع الترتيبَ.
هذا بيان المسألة على أبلغ وجه في الإمكان.
فرع:
١٢٤١٣ - إذا قال: أعتق عبدك هذا عني، ولك علي مائةُ درهم، فإذا قال: أعتقتُه عنك، نفذ العتق عن المستدعي، ولزمه العوض المسمى، ولا يشترط في ثبوت العوض أن يعيد المعتِقُ ذكرَ العوض؛ فإن الجواب مرتب على السؤال، والسؤال كالمُعاد في الجواب، وهذا قد تمهد في المعاوضات، وغرض الفرع شيء وراء هذا.
فلو قال: أعتق عبدك (١) هذا عني بمائة، فقال: أعتقته، ولم يقل: أعتقته عنك، وقع العتق عن المستدعي، وثبت العوض، وإن لم يضفه إلى المستدعي؛ لما قررنا من حمل الجواب على الخطاب.
ومما يعرض في هذه الصورة أن المجيب لو قال: أعتقتُه، ثم زعم أنه أراد إعتاقه عن نفسه، فالذي أراه أن ذلك مقبول منه؛ فإن لفظه لا ينافي قصده في ذلك، والعبد ملكُه، فخرج من ذلك أنه إن أطلق ولم يقصد شيئًا، فهو محمول على موافقة الخطاب، وإن صرفه إلى نفسه، وجب تصديقه فيه.
ولو قال: أعتق عبدك بمائة، فإذا أعتقه، لم يقع العتقُ عن المستدعي، وفي استحقاق العوض وجهان مشهوران (٢) ذكرناهما في كتاب الظهار.
_________________
(١) ت ٥: " عبدي ". وهو سبق قلم.
(٢) أصحهما يلزم العوض.
[ ١٩ / ٢٧٣ ]
ولو قال: أعتق أم ولدك عني ولك مائة، فأعتقها، فلا شك أن العتق لا يقع عن المستدعي؛ فإن وقوع العتق يستدعي لا محالة تقديرَ نقل الملك إلى المستدعي، وهذا غير ممكن في أم الولد. ولكن المذهب أن العتق ينفذ في المستولدة، ولا يثبت العوض؛ فإنه قيّد استحقاق العوض بوقوع العتق عنه (١).
وذكر الشيخ وجهًا غريبًا أن العتق لا ينفذ؛ فإنه إنما أعتقها على استحقاق العوض، فإذا لم يَسْلم العوض، لم ينفذ العتق، وهذا خطأ غيرُ معتد به؛ فإن من أعتق عبدًا عن كفارته، وكان بحيث لا يجزىء عن الكفارة، فالعتق ينفذ، وإن لم تبرأ الذمة عن الكفارة (٢).
ولو قال: أعتق أم ولدك، ولك مائة، ولم يقل: أعتقها عني، فالذي قطع به الأئمة أنه يستحق العوض، كما ذكرناه في العبد القن إذا قال: أعتقه، ولم يقل: عني، [وكما ذكرناه أيضًا في اختلاع الأجنبي إذا قال: طلّق زوجتك وعليّ ألف، فإنه يلزم الألف.
ونقل وجهًا آخر -في أم الولد- أنه لا يلزم العوض] (٣) وهذا غريب جدًّا (٤).
_________________
(١) " وقيل يستحق العوض، ويُلْغى قولُه: عنّي، ويجعل باقي الكلام افتداء " قاله النووي في الروضة: ٨/ ٢٩٢.
(٢) خالف الغزالي إمامه في ذلك فقال معقبًا على هذا بعد أن نقله عن الإمام: " وعندي أن هذا الوجه متجه، ويجري في مسألة الكفارة أيضًا؛ بناء على أن من حاول في تصرفه محالًا، يلغى أصل كلامه، والقدر المحال، كما إذا قال: اشتريته لزيد، وزيد لم يأذن له، لم يقع عن زيد، وهل يقع عن المشتري؟ وجهان. وكذلك إذا قال: أعتقت عن زيد، فلا يبعد أن يؤاخذ ببعض كلامه ويلغى الباقي، بل هو منقاس ". (ر. البسيط: ج ٦ صفحة رقم ٣٨١ مخطوطة مرقمة الصفحات). وأقول: لم يحك هذا الوجه القائل بعدم وقوع العتق -فيما رأينا- غير إمام الحرمين والغزالي في البسيط، فلم أره في (البيان) للعمراني، ولا في الروضة للنووي، ولا في الشرح الكبير للرافعي، ولا في التهذيب للبغوي، مع عرضهم للمسألة، وقطعهم بنفوذ العتق، وذكرهم أن المذهب عدم استحقاق العوض، أو الأصح عدم استحقاقه.
(٣) ما بين المعقفين زيادة لا يستقيم الكلام بدونها، حيث سقطت من النسختين، وزادها المحقق على ضوء السياق والسباق، مع الاستعانة بألفاظ وعبارات المصادر التي عرضت المسألة.
(٤) لم يذكر النووي هذا الوجه، واكتفى بقوله: "وإذا قال: أعتق مستولدتك على ألف، =
[ ١٩ / ٢٧٤ ]
ثم أشار إلى الفرق فقال: أم الولد مملوكة تضمن باليد، فلا يتحقق فيها معنى الفداء والتخليص بخلاف الزوجة؛ فإن المالية لا تتحقق فيها، وهذا ليس بشيء (١).
فرع:
١٢٤١٤ - إذا كان بين شريكين جارية مشتركة، وكانت حاملًا بولد رقيق مشترك بينهما، فقال أحد الشريكين: نصفي من الجنين حر، فأتت بولد لزمان يعلم أنه كان موجودًا يوم الإعتاق، نُظر: فإن انفصل حيًا، حكمنا بأنه حر: إعتاقًا وسراية، وعلى المعتِق قيمةُ نصفه لشريكه.
وكل ذلك تفريع على تعجيل السراية.
ثم اتفق الأصحاب على أنا نعتبر قيمةَ يوم انفصاله حيًا؛ فإن العتق وإن تقدم على هذه الحالة، فلا يمكن اعتبار حالة متقدمة على وقت الانفصال، وهذا أصل ممهد.
ولو انفصل الجنين ميتًا، نُظر: فإن انفصل من غير جناية جانٍ، فلا ضمان على المعتِق، وإن انفصل بجناية جانٍ، فعليه غرةُ عبدٍ أو أمة، كما لا يخفى تفصيل الغرة.
وإنما أوجبنا الغرة؛ لأن الجنين حر مسلم، ثم يجب على المعتِق لشريكه نصف عشر قيمة الأم؛ نظرًا إلى قيمة الجنين المملوك، وإنما يلزم المعتِق القيمةُ مع تقدير استمرار الرق والملك. وهذا واضح.
قال القفال فيما حكاه الشيخ: هذا فيه إذا كان عشر قيمة الأم مثلَ الغرة أو أقلَّ، فيلتزم نصف العشر في مقابلة نصيب صاحبه من الجنين، فأما إذا كان عشرُ القيمة أكثر
_________________
(١) = فأعتقها، نفذ العتق، وثبت الألف، وكان ذلك افتداءً من المستدعي، كاختلاع الأجنبي" (ر. الروضة: ٨/ ٢٩٢). وكذا البغوي في التهذيب ذكر المسألة عرضًا في كفارة الظهار، ولم يذكر إلا أن العوض يستحق (ر. التهذيب: ٦/ ١٧٣) وأما الغزالي فذكر هذا الوجه في البسيط ووصفه بأنه غريب -كما وصفه إمام الحرمين- ولم يذكره في الوسيط.
(٢) حقًا إن هذا الفرق ليس بشيء، فليس هناك من ناحية الافتداء والتخليص فرق بين الزوجة وأم الولد، وإنما الفرق بين الزوجة وأم الولد من جانب وبين العبد القن من جانب آخر، والمعنى أنه لو قال: أعتق عبدك ولك عليّ ألف، عتق العبدُ، ولزمه الألف، هذا هو المذهب، وفيه وجه أنه ينفذ العتق، ولا يلزم العوض، وهذا الوجه يخرج في العبد والأمة ولا يخرج في أم الولد واختلاع الزوجة، والفرق أنه يمكن شراء العبد أو الأمة وإعتاقهما، فلا تتعين هذه الطريقة لتخليصهما، بخلاف الزوجة والمستولدة، إذا احتيج إلى فدائهما وتخليصهما.
[ ١٩ / ٢٧٥ ]
من الغرة، فلا يلتزم لصاحبه إلا نصف الغرة، فإن سبب وجوب الضمان (١) الغرةُ بدليل أنه لو انفصل من غير جناية، لم يجب شيء من الضمان، فينبغي أن يُعتبر مقدارُ الغرة كما اعتبرنا أصلها.
قال الشيخ أبو علي: الوجه ألا ننظر إلى مقدار الغرة ونسبة عُشر قيمة الأم إليه، بل نقول: يلتزم نصفَ عُشر قيمةِ الأم بالغًا ما بلغ؛ فإن انفصاله مضمونًا بمثابة انفصاله حيًا، والدليل عليه أن الغرة الواجبة يستحقها وارث الجنين، وقد لا يستحق المعتق منه شيئًا، ومع هذا ألزمناه الغرم، وإنما كان يجب مراعاة المناسبة بين الغرمين لو كان الواجب بالجناية للمعتِق، فإذا كان يغرَم بعتقه وليس له من الغرة شيء، فيلتزم نصفَ عشر القيمة من غير التفات إلى المقدار والتساوي والتفاوت.
فرع:
١٢٤١٥ - إذا قال مالك عبدين: أحدكما حر على ألف درهم، فقالا جميعًا: قبلنا، معناه قبل كل واحد منا ألف درهم؛ فإنهما لو قبلا ألفًا على معنى التوزيع، لم يعتق واحد منهما؛ فإنه علّق عتق أحدهما بقبول أحدهما ألف درهم، فإذا قال كل واحد منهما: قبلت الألف، فقد تحقق متعلَّق العتق، فوجب الحكم بنفوذه على الإبهام.
ثم لو مات المولى، وقلنا: لا يقوم الوارث في البيان مقامه، أو لم يكن له وارث معين، فنُقرع بينهما. فمن خرجت عليه القرعة، ألزمناه.
وفيما نُلزمه وجهان: أصحهما - أنه نُلزمه قيمةَ رقبة نفسه، فإن القبول جرى في مقابلة إيجاب مبهم. ولا تصح المعاوضة على هذه الصفة، ولكن نفذ العتق لتحقق الصفة، فالرجوع إلى قيمة الرقبة الفائتة بالعتق.
وحكى الشيخ وجهًا آخر أن من تعيّنه القرعة، فعليه الألف المسمى، ويقبل المسمى الترديد، كما قَبِل العتقُ في نفوذه ذلك اتباعًا لعوض العتق، وهذا بعيد لا اعتداد به.
_________________
(١) سبب وجوب الضمان الغرة: المراد ضمان الشريك لشريكه، فلو لم توجد الغرة -كأن انفصل ميتًا بغير جناية- فلا ضمان على الشريك. هذا معنى كون الغرة سببًا في الضمان.
[ ١٩ / ٢٧٦ ]
فرع:
١٢٤١٦ - إذا شهد شاهدان على أن فلانًا أوصى بعتق هذا العبد، وعيّنا عبدًا، ونفذ القضاء بشهادتهما، وشهد شاهدان على أنه أوصى بعتق عبد آخر، وكل واحد منهما يعدل ثلثَ التركة، ثم رجع الشاهدان الأولان، فالقضاء لا ينقض بعد نفوذه، ويقرع بين العبدين، فإن خرجت القرعة على العبد الأول، التزم الراجعان قيمة [ثلث] (١) التركة لرجوعهما، فإن الذي جرى منهما تفويت لا يتوقع له مستدرك، فيوجب الضمان مذهبًا واحدًا.
ثم إذا اتفق ما وصفتُه، فالتركة متوفرة على الورثة من غير نقصان، وإن كانت إحدى البينتين مصرة على شهادتهما؛ فإن القرعة عينت العبد الأول واقتضى الشرع تغريم الراجعَيْن.
وإن خرجت القرعة على العبد الثاني، وشهوده مصرون، عتق ذلك العبد، ولم يغرم الراجعان شيئًا؛ فإن القرعة لم تُفض إلى عتق من شهدا عليه، وسلم الرق فيه للورثة.
فرع:
١٢٤١٧ - عبد مشترك بين ثلاثة، فشهد اثنان منهم على الثالث بأنه أعتق نصيبه، [وكان موسرًا] (٢)، فالمذهب ردُّ شهادتهما، والتفريع على تعجيل السراية، وإنما رددنا شهادتهما، لأن موجبها أن يغرَمَ الشريكُ لهما قيمةَ نصيبهما، وهما مثبتان لأنفسهما استحقاقًا.
وذكر الشيخ وجهًا بعيدًا أن عتق الثالث يثبت في نصيبه، ولكنا لا نُلزمه قيمةَ نصيب الشاهدين، فتقبل الشهادة في العتق، ونردُّها في مكان التهمة. وهذا ليس بشيء؛ فإن الشهادة إذا كان وضعها اقتضاء التهمة، فينبغي أن ترد، ثم إن رددنا شهادتهما على ظاهر المذهب، فالعتق نافذ في نصيبهما مؤاخذة بالإقرار؛ فإن الشهادة وإن ردّت على الثالث لمكان التهمة، فهما مؤاخذان بإقرارهما قطعًا.
وإن قلنا: العتق لا يتعجل سرايته قبل غرامة القيمة، فحينئذ لا يعتِق نصيبهما،
_________________
(١) زيادة اقتضاها السياق، وسقطت من النسختين.
(٢) في النسختين: " وكانا موسرين ".
[ ١٩ / ٢٧٧ ]
ولكن المذهب الظاهر أنه يمتنع عليهما التصرفُ في نصيبهما بموجب إقرارهما بناء على ما قدمناه في تفريع سريان العتق.
فرع:
١٢٤١٨ - إذا شهد شاهدان أن هذا الشريك أعتق نصيبه من العبد المشترك، وكان موسرًا، ونفذ القضاء بشهادتهما؛ فلو رجعا، فلا مردّ للقضاء، فإن فرّعنا على تعجيل السراية، فلا شك أنهما يغرمان قيمةَ نصيب من شهدا على إنشائه العتق؛ فإن هذا لا مردّ ولا استدراك له، فقطعنا بالغرم.
فأما قيمة نصيب الشريك، فقد وجبت بالشهادة كما ذكرنا. فإذا رجعا، فهل يغرمان تلك القيمة؟ هذا يخرج على القولين. والسبب فيه أن الشريك الذي أثبتنا السراية في نصيبه ربما يقر لشريكه، ويكذب الشاهدين، ويرد القيمة، فالاستدراك (١) موهوم (٢)، فخرجت المسألة في الغرم على قولين.
ولو شهد شاهدان على أحد الشريكين بأنه أعتق نصيبه من العبد وشهد شاهدان آخران أن الشريك الثاني أعتق نصيبه من العبد ولم يتعرض واحد لتاريخ، فيحكم الحاكم بنفوذ العتق في جميع العبد لا محالة، ولا يمكننا أن نقضي بسراية؛ إذ لا تاريخ في تقدم أو تأخر، وليس أحدهما بأن نقدره مُنشئًا ابتداء أولى من الثاني، فلو رجع الشهود بأجمعهم عن الشهادة بعد نفوذ القضاء، وهم أربعة، فيغرم كل واحد منهم ربع قيمة العبد لمن شهد عليه، وتعليله بيّن.
وحكى الشيخ وجهًا آخر أنه لا يَغرم واحدٌ منهم شيئًا لجواز أن نقدر تقدمًا في أحد العتقين وسرايته إلى الثاني، فتكون بيّنة الإعتاق شاهدة على الإعتاق بعد السريان. ولو وقع كذلك تحقيقًا، لما وجب على شهود الإعتاق بعد السريان شيء.
ثم هذا الاحتمال لا يختص بجانب، بل يجري في الجانبين جميعًا، والأصل براءة الذمة، فيجب أن ينفى الغرم.
وهذا وجه بعيد لا أصل له. فإن الراجع مؤاخذ بموجب قوله، وهو معترف
_________________
(١) ت ٥: " فالاشتراك فيه موهوم ".
(٢) موهوم: بمعنى محتمل.
[ ١٩ / ٢٧٨ ]
بالرجوع عن الشهادة على إنشاء العتق، فليلزمه الغرم على موجَب رجوعه، ولا ينبغي أن ندعي له تأويلًا هو لا يدعيه لنفسه، وأيضًا فإن فوات العبد قد تحقق قطعًا بشهاداتهم، وليس البعض أولى من البعض، فالوجه تغريمهم، كما ذهب إليه الأكثرون، لا وجه غيره.
فرع:
١٢٤١٩ - إذا شهد شاهدان أنه أعتق سالمًا في مرضه - وهو ثلث ماله، وقال الوارث: قد أعتق غانمًا -وهو ثلث ماله- ولم يتعرض لتكذيب الشاهدين، فقد ثبت العتق في سالم وغانم في ظاهر الحال، فنقرع بين العبدين، فإن خرجت القرعة على غانم الذي أقر له الوارث، عتق، وعتق سالم، فإنا لو رَدَدْنا عتق سالم، لكنا قد تسببنا إلى رد العتق المشهود عليه بسبب إقرار الوارث، ولا سبيل إلى هذا، ولو لم يكن إقرار الوارث، لعَتَق سالمٌ قطعًا، ولو خرجت القرعة على سالم، فعتقه محكوم به، ولكن يرق غانم؛ لأن الوارث اعترف بعتقه في المرض وذلك يوجب القرعة، فمقتضى إقراره تعريضُ غانمٍ للقرعة، فأما أن يعتِق لا محالة، فلا.
فرع:
١٢٤٢٠ - ذكر الشيخ في مقدمة مسألة في الغرور زوائد، نذكرها ثم نذكر المسألة قال: إذا غُر الرجل بأمة في النكاح، واعتقد حريتها، وولدت على غرور ولدًا، فهو حر، ثم يغرم المغرور لسيد الأمة قيمة الولد إذا انفصل حيًا. وهذا مشهور.
وقال الشيخ: القياس ألا يغرم شيئًا، لأن الولد خلق حرًا، فلم يثبت فيه رق ثم تسبب إلى إزالة الرق، وإنما يجب الغرم لمالك الرق إذا فرضت جناية فيما ثبت ملكه فيه.
ثم قال: وهذا فلا (١) وقع له. والإجماع بخلافه، فأوضح أن الذي ذكره ليس بتخريج، [وإنما هو إبداء قياس] (٢) واحتمالٌ غيرُ مقولٍ به.
_________________
(١) كذا في النسختين (فلا) بالفاء. ووضعُ الفاء مكان الواو معهودٌ في لسان الإمام وكل معاصريه من الأئمة والمؤلفين.
(٢) في الأصل: قلنا: " هو إيداء قياس إلخ " والمثبت من (ت ٥).
[ ١٩ / ٢٧٩ ]
ثم أجرى في أثناء المسألة أن من قال من أصحابنا: لا يغرم المغرور شيئًا، فتفريعه كذا، وهذا يوهم أن ما ذكره وجه، ولست أثق بهذا، وقد انعقد الإجماع على خلافه، وجرى به قضاء عمر ﵁ (١).
وقد ذكر الشيخ في صدر المسألة أن هذا قياسٌ غير معمول به والإجماع على خلافه.
ومما زاده أن قال: من أصحابنا من ذهب إلى أن الولد يمسّه الرق، ثم يعتِق بسبب الغرور، وهذا غريب جدًا، لم أره لغيره، فلا أعدّه من المذهب.
١٢٤٢١ - ثم نرجع إلى صورة المسألة: قال ابن الحداد: إذا غُرّ الرجل بأمة وجاء الولد على الغرور حرًا كما ذكرنا، فلو بان أن الجارية كانت لأب المغرور، فالمذهب أنه يغرم قيمةَ الولد جريًا على قياس الغرور.
ولو نكح جارية أبيه على علمٍ، لكان الولد يعتِق على الجد، وإذا جرى الغرور على جهلٍ من المغرور بأن الجارية لأبيه، فالغرم واجب.
وقد حكى الشيخ وجهًا أنه لا يجب الغرم، فإن تقدير الرق في الولد مما لا ينتفع به الأب. فإنه يعتق عليه لا محالة. فإذًا لم يفته بسبب الغرور رقٌّ ينتفع به، وهذا ينبه على أمر آخر، وهو أن الابن إذا نكح جاريةَ أبيه، فقد ذكرنا أن الرق لا يبقى في الولد، وإن كان الابن عالمًا، فظاهر كلام الأئمة أنه لو كان كذلك، لقلنا: ينعقد رقيقًا، ثم يعتِق على الجد، وهذا كما لو اشترى أو اتهب من يعتق عليه، فالملك يحصل، ثم يترتب عليه العتق. فوجود الولد من جاريته سبب في تملك الولد، فليحصل الملك فيه ثم يعتق.
وهذا فيه أدنى احتمال؛ فإن انعقاد الولد حرًا ليس بدعًا، ويستحيل شراء لا يفيد ملكًا، وكذلك الإرث وغيرهما من أسباب الملك، ولا يستحيل علوقٌ على الحرية.
_________________
(١) أثر عمر عزاه الحافظ إلى البيهقي من حديث الشافعي عن مالك (ر. التلخيص: ٤/ ٣٩١ ح ٢٧٠٦).
[ ١٩ / ٢٨٠ ]
فلو قيل: لا ينعقد الولد إلا حرًا، لم يبعد. والله أعلم.
فرع:
١٢٤٢٢ - إذا كان في ملك المريض ثلاثة آلاف درهم، فاشترى في مرض موته عبدًا قيمته ألف درهم، بألفي درهم، فقد حابى بثلث ماله، فلو أعتق ذلك العبد الذي اشتراه، فقد قال ابنُ الحداد: نُظر فيه؛ فإن لم يوفر الثمن حتى يعتق قال: نفذ العتق، وردت المحاباة، ولزم البيع في العبد بثمن المثل.
وإن وفّر الثمن، لزمت المحاباة، ورددنا العتق.
وقد جمع ابن الحداد بين غلطات فاحشة، فنذكر المذهب الحق ثم نذكر وجوه خطئه، فنقول: المحاباة لازمة؛ لأنها على مقدار الثلث والعتقُ مردود؛ فإنه وقع بعدها، ولا فرق بين أن يقع العتق بعد التوفير أو قبله؛ فإن المحاباة لا يتوقف لزومها حيث تلزم على إقباض وتسليم، وقد ثبت فيها التقدم.
وأما غلطاته، فمن وجوه: منها أنه فرق بين أن يوفر الثمن وبين أن لا يوفر، ومنها أنه ألزم البيع بمقدار ثمن المثل، وهذا ليس بشيء؛ فإن البائع لا يرضى بهذا، وهو يقول: إذا لم يسلم لي الثمن المسمى، فسخت العقد، فلا وجه لما قال أصلًا.
قال الشيخ: اتفقت له زلاّت في مسائل الكتاب، ولم تتفق زلة أفحش مما ذكرناه في هذه المسألة، إذ لا إشكال ولا خيال فيها.
فرع:
١٢٤٢٣ - جارية مشتركةٌ بين شريكين زوجاها من ابن أحدهما، قال ابن الحداد: إذا ولدت، عتق نصف الولد على الأب، ويبقى نصفه رقيقًا، ولا يسري العتق؛ فإن السريان إنما يثبت إذا كان التسبّب إلى العتق مختارًا، كما مهدنا ذلك في بابه، ولم يوجد اختيار من الأب، فوقف العتق على النصف ولم يسرِ، فالولد نصفه رقيق ونصفه حر.
قال الشيخ: رأيت لبعض من شرح الفروع شيئًا لا أصل له، وهو أنه قال: إنما لا يسري لأن نصف الولد ينعقد حرًا، ولا نقول: ينعقد الكل رقيقًا، ثم يعتِق نصفه.
والحرية الأصلية لا تسري وإنما يسري العتق الوارد على الرق في بعض الولد. وقد أشرت إلى إظهار ذلك احتمالًا فيما تقدم.
[ ١٩ / ٢٨١ ]
ثم قال الشيخ: هذا خطأ. والمقطوع به أن الولد ينعقد جميعه رقيقًا، ثم يَعْتِق نصفه على الأب، وتعليل عدم السريان بما ذكرناه من سقوط الاختيار في تحصيل الملك، ولا نظر إلى كون التزويج صادرًا عن الرضا؛ فإن وقوع الوطء وجريان العلوق بعده لا يتعلق باختيار المزوّج. والله أعلم.
***
[ ١٩ / ٢٨٢ ]