١٢٦٣٩ - منها - مسألة نقول في مقدمتها: من قطع طرف رجل، فطلب المجني عليه الأرش، ففيه اختلاف النصوص، والأقوال، وطرق الأصحاب.
ولو طلب القصاص، فالمذهب أن له ذلك.
وحكى الشيخ أن من أصحابنا من جعل في القصاص قولين، وهذا بعيد، لا أعرف له وجهًا.
ومما نذكره في المقدمة: أن الرجل لو قطع يدي رجل، فمات المظلومُ، ثم قطع وليُّه يدي الجاني، فاندمل، فأرادوا طلب المال في النفس، فليس لهم ذلك؛ فإنهم قد استَوْفَوْا ما يقابل ديةَ النفس، وهذا معلوم في أصول المذهب.
[ ١٩ / ٤٨٣ ]
ولو قطعت امرأة يدي رجل، فمات المظلوم، فقطع الولي يديها، ثم أراد المطالبة بمال، قال: في المسألة وجهان: أحدهما - لا يجب شيء من المال؛ فإن يديها في مقابلة نفسها، ولو ماتت، لكان نفسها بنفسه، فكذلك يداها تقعان في مقابلة دية الرجل، فلا مطالبة بالمال بعد قطع يديها.
والوجه الثاني - أنه يجب عليها نصفُ دية الرجل؛ فإن الولي استوفى ما يقابل نصف دية الرجل، فتبقى الطلبة في نصف الدية.
رجعنا بعد ذلك إلى مسألة ابن الحداد، قال: لو قطع رجل يدي رجل، فاندملت الجراحة ظاهرًا، فقطع المجني عليه إحدى يدي الظالم قصاصًا، وأخذ أرشَ الأخرى، ثم انتقضت جراحة المظلوم، وسرت إلى نفسه، والظالم باقٍ، فليس لورثة المظلوم طلبةٌ على الجاني في قصاص ولا دية، أما سقوط القصاص في النفس، فسببه أن في إتلاف النفس إتلاف الطرف، وقد عفا عنه؛ إذ أخذ الأرش، ولا دية أيضًا؛ فإنه قد استوفى ما يقابل ديةً كاملة. وهو القصاص في يدٍ والأرش في الأخرى.
١٢٦٤٠ - ثم ذكر ابن الحداد صورة أخرى، فقال: لو قطع يدي رجل ظلمًا، فاندملت جراحةُ المظلوم حقيقةً، ثم إنه قطع إحدى يدي الظالم قصاصًا، وأخذ أرش اليد الأخرى، ثم سرت يد الظالم إلى نفسه ومات، قال: لا يسترد ورثة الظالم من المظلوم أرش اليد الذي أخذه أصلًا.
قال الشيخ: هذا يخرّج على قولين مبنيين على أن الطرف إذا فات بسراية القصاص، فالسراية في الأطراف هل يقع بها القصاص؟ فعلى قولين سبق ذكرهما في الأصول: أحدهما - أن السراية في الأطراف لا يقع بها القصاص، كما لا يجب بها [الدية] (١) والثاني - يقع بها القصاص.
فإن قلنا: لا يقع بها القصاص، فالجواب ما قاله ابن الحداد؛ فإن المظلوم اقتص عن يد واحدة، ثم سرى القصاص إلى النفس، وفي موت النفس ضياع الطرف، ولا مبالاة به. وإن قلنا: السراية في الطرف يقع بها القصاص، فنقول: قد استوفى
_________________
(١) في الأصل: " القصاص ".
[ ١٩ / ٤٨٤ ]
طرفًا وسرى إلى الطرف الآخر، فإنه لما مات، فقد فات ذلك الطرف، فوقع القصاص في الطرفين قطعًا وسراية، فعليه حينئذ أن يرد ما أخذه من الأرش. والصحيح من القولين ما فرعّ عليه ابن الحداد (١).
مسألة أخرى من الجراح
١٢٦٤١ - إذا قطع عبد يد عبد، واستوجب القصاص، ثم إن المظلوم عَتَق، وسرت الجراحة إلى نفسه، فعلى العبد الظالم القصاص في النفس والطرف، وحق القصاص في الطرف يثبت للسيد؛ فإنّ قطعَ اليد اتفق في ملكه، وحقُّ القصاص في النفس يثبت لورثته الأحرار؛ فإنه هلك حرًا. فلو أن السيد استوفى القصاص من طرف العبد الظالم، فمات الظالم منه، فقد وقع النفس بالنفس؛ فإن الظالم مات بعد موت المظلوم بالقصاص. وهذا حسن.
وقد يخطر للفقيه فيه إشكال؛ من جهة أن السيد المقتص من الطرف لا حقَّ له في قصاص النفس، ومن له الحق في النفس، لم يستوف القصاص في الطرف. ولكن لا وجه إلا ما ذكرناه؛ فإن النفس فاتت بطريق القصاص، وكأن السيد وإن لم يملك القصاص في النفس، ملك ما هو استيفاء للنفس، ونحن قد نصرف إليه من دية هذا الذي مات حرًا جزءًا، وإن كان مالك الرق لا يستحق بدل الحرية، وهذا حسن بالغ، لا وجه غيره.
ولو أن ورثته الأحرار عفَوْا عن القصاص في النفس، قبل أن يستوفي السيد القصاص في الطرف، قال الشيخ: سألت القفال عنه. فقال: ينبغي أن يسقط القصاص في الطرف أيضًا؛ فإن ورثته الأحرار، ثبت لهم إتلافُ الأطراف باستيفاء النفس، فلهم من هذا الوجه شركة في الطرف، فإذا عَفَوْا عن النفس، وجب أن يسقط القصاص في الطرف.
قال الشيخ: القياس عندي أن السيد له حق الاقتصاص في الطرف؛ فإن ذلك ثبت
_________________
(١) إلى هنا انتهى السقط الأخير من نسخة (ت ٥).
[ ١٩ / ٤٨٥ ]
له مقصودًا، ولا خلاف أنه لو أراد استيفاء الطرف، لم يحتج إلى استئمار ورثته الأحرار، ولو كانت لهم شركة معتبرة، لوجب استئذانهم.
مسألة من الحدود
١٢٦٤٢ - قال ﵁: العبرة في الحدود وصفتُها ومبالغُها بوقت الوجوب، وبيانه أن الحر [الذمي] (١) إذا زنى، ورضي بحكمنا، فحكمنا عليه بالرجم؛ إذ كان محصنًا، فلو أفلت، ونقض العهد، ولحق بدار الحرب، ووقع في الأسر، وأَرَقَّه الإمام، فإنا نرجمه رقيقًا بالزنا السابق، وهذا على أن الحد لا يسقط بالهرب؛ فمانَّ نقض العهد زائد على الهرب.
ولو قذف ذمِّيٌّ مسلمًا محصنًا، واستوجب بقذفه ثمانين جلدة، ثم نقض العهد، واستُرِق؛ فإنا نحده ثمانين جلدة، وإن كان حدُّ الرقيق أربعين جلدة.