١٢٦٣٢ - إحداها - إذا مات رجل وخلّف ابني عم، أحدهما أخ لأم؛ فالمذهب المشهور للشافعي أنا نفرض سدس المال للذي هو أخ لأم، والباقي نقسم بينهم للعصوبة.
وقال عمرُ، وابنُ مسعود (٢): يدفع تمام المال إلى الذي هو أخ لأم، ويقوى تعصيبه بزيادة القرابة، قياسًا على الأخ من الأب والأم مع الأخ من الأب.
قال الشيخ ﵁: من أصحابنا من خرج للشافعي قولًا مثل مذهب عمر
_________________
(١) بدأ سقط آخر من (ت ٥) وهو نحو ثلاث ورقات من قياس النسخة ذاتها.
(٢) مذهب عمر وابن مسعود رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي (ر. مصنف عبد الرزاق ١٠/ ٢٤٩، ٢٨٧، ٢٨٨، مصنف ابن أبي شيبة: ٢/ ١٨٠، ١٨١، السنن الكبرى: ٦/ ٢٥٥، موسوعة فقه عمر: ص ٤٦، موسوعة فقه ابن مسعود: ص ٧٠).
[ ١٩ / ٤٧٧ ]
وابن مسعود، وهذا غريب غيرُ معتد به.
ولو كان للمعتِق ابنا عم أحدهما أخ لأم، فللشافعي قولان - هكذا قال الشيخ: أحدهما - أن أخوة الأم تَسقُط، ولا يبقى لها أثر، وإذا سقطت بقي ابنا عم المعتق، فالميراث نصفان بينهما. والقول الثاني - أن ابن العم الذي هو أخ من الأم أولى بالميراث ويسقط الآخر. وهذا القول مذكور في عصبات الولاء.
قال ابن الحداد: لو خلف المتوفى بنتًا وابني عم، أحدهما أخ لأم: فللبنت النصف. وباقي المال للذي هو أخ لأم. قال: وليس هذا تفريعًا على مذهب ابن مسعود. وهذا جواب ابن الحداد.
وقد اختلف أصحابنا في ذلك. فقال قائلون: للبنت النصف والباقي بين ابني العم، لأن أخوة الأم صارت محجوبةً بالبنت، وصارت كأنها لم تكن، فقُسم باقي المال بينهما، ومن أصحابنا من قال: الصحيح ما قاله ابن الحداد؛ فإن أخوة الأم لم يمكن التوريث بها مع البنت، فلما تعذر استعمالها في التوريث بها وحدها، أعملناها في الترجيح، وتقوية العصوبة.
وهذا الخلاف بعينه هو الذي ذكرناه في ابني عم المعتق إذا كان أحدهما أخًا لأم.
والجامع أن الأخوة محققة في المسألتين، وامتنع إعمالها في الولاء وحدها لاستحالة التوريث [بها] (١)، والبنت في المسألة التي كنا فيها حجبت أخوة الأم، فأنتظم قولان في الصورتين.
مسألة:
١٢٦٣٣ - إذا اجتمع في الشخص قرابتان، يحل في الإسلام التسبب المؤدي إلى جمعهما، فيجوز التوريث بهما جميعًا، وذلك مثل أن يكون ابن العم أخًا من أم.
فأما إذا اجتمع في الشخص قرابتان لا يحل التسبب المفضي إليهما في الإسلام، وإنما يجتمعان بسبب شبهة وغلط في الإسلام، ويتصور اجتماعهما على خلاف الملة، كما يقدّر بين المجوسيين؛ فإذا اجتمعت قرابتان كذلك، فيقع التوريث عند
_________________
(١) في الأصل: " بهما ".
[ ١٩ / ٤٧٨ ]
الشافعي ﵁ بأقربهما، ويسقط أضعفهما، ولا يقع التوريث بهما جميعًا.
وذهب ابن سريج إلى التوريث بالقرابتين في بعض الصور، على ما سنصفه في أثناء الكلام.
فلو وطىء المجوسي ابنته، فولدت بنتًا، فهذه البنت الصغرى بنت الكبرى وأختها من أبيها، فإنها ولد أبيها. فلو ماتت الكبرى، ولم تخلّف سوى بنتها التي هي أختها من أبيها، فقد اجتمع فيها البنوة والأخوة، فمذهب الشافعي أنها ترث بالبنوة، ولا ترث بالأخوة أصلًا. فلها نصف الميراث بالبنوة.
وقال ابن سريج -في هذه الصورة- إنها ترث بالقرابتين، فلها النصف بكونها بنتًا، والباقي لها بكونها أختا (١).
وحقيقة أصله: أنه إذا اجتمع قرابتان، كل واحدة منهما لو انفردت، لاقتضت فرضًا مقدرًا، فإذا اجتمعتا، لم يقع التوريث إلا بإحداهما، وهي أقواهما، ولا سبيل إلى الجمع بين فرضين. وإن كانت إحدى القرابتين بحيث تقتضي فرضًا والأخرى تعصيبًا، فيثبت التوريث بالفرض والتعصيب جميعًا، فعلى هذا لو ماتت الصغرى في الصورة التي قدمناها، ولم تخلف إلا أمها وهي أختها من الأب أيضًا، فلا نورثها إلا بكونها أمًا؛ فإن الأمومة أقوى، ولا ترث بالأخوة؛ لأنها لو ورثت بها، لاجتمع لها فرضان.
١٢٦٣٤ - فإذا تمهد ما ذكرناه، فنذكر صورًا لابن الحداد في ذلك:
فإذا وطىء المجوسي بنته، فولدت بنتًا، ثم هو بعينه وطىء البنت الصغرى، فولدت ابنًا، فماتت البنت الصغرى أم الغلام، ثم مات الابن، فنقول: لما ماتت البنت، فقد خلفت أبوين وابنًا، فللأبوين السدسان، والباقي للابن. فلما مات الابن، فقد خلف أبًا وجدة: هي أم الأم، وهي أيضًا بعينها أخت الابن المتوفى،
_________________
(١) استحقت بالأخوة -على مذهب ابن سريج- باعتبار الأخت عصبة مع البنت، وهذا أصل ابن سريج الذي سيأتي بيانه الآن، وأنه يجوز الجمع بين الفرض والتعصيب، ولا يجوّز الجمع بين فرضين.
[ ١٩ / ٤٧٩ ]
فللجدة السدس، والباقي للأب، ولا ترث الجدة بكونها أختًا؛ فإن الأب يسقط الأخت، فورثت بالجدودة المحضة.
ولو كانت الصورة كما ذكرناها، ولكن مات الأب أولًا، ثم مات الابن، وبقيت البنتان: فأما الأب لما مات، فقد خلف ابنًا وبنتين، فالمال بينهم: للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا توريث إلا بهذه الجهة. فلما مات الابن، فقد خلف أما هي أخت -وهي الصغرى- وجدة -وهي أخت أيضًا- وهي الكبرى؛ فأما الأم، فترث بالأمومة الثلث، ولا ترث بالأخوة، وأما الجدة، فلا ترث بالجدودة؛ فإن الأم تُسقط أمَّ الأم، ولكنها ترث بالأخوة، فللأم الثلث، وللجدة بالأخوة النصف، والباقي لبيت المال، هذا جواب ابن الحداد، وافقه الأئمة فيه.
وبمثله، لو مات الأب أولًا، ثم ماتت البنت الصغرى -أم الغلام- ثم مات الغلام، فنذكر ميراث الغلام -فهو المقصود- ونقول: قد خلّف الغلام جدة، هي أخت من الأب، قال الشيخ: ذكر ابن اللبان (١) في هذه المسألة وجهين: أحدهما - أنا نورثها بالأخوة، فتأخذ نصف الميراث؛ فإن نصيبها بالأخوة أكثر. والثاني - أنا نورثها بالجدودة سدسًا، وهو الصحيح، لأن الجدودة أقوى بدليل أن الجدة أم الأم لا يحجبها الأب، ولا أحد من الأولاد، والأخ يسقطه هؤلاء، فلا نعتبر الكثرة، وإنما نعتبر القوة.
مسألة في قسم الصدقات
١٢٦٣٥ - إذا دفع من عليه الزكاةُ شيئًا من سهم ابن السبيل إلى إنسان ليسافر، ولم تكن له أُهبة، فورث مالًا، أو اتهبه، أو أُوصي له به، فقبله قبل أن يسافر، فالذي أخذه يردُّه؛ فإنه أخذه لحاجته وقد زالت. والسفر أمر متوقّع في ثاني الحال.
ولو دَفَع إلى فقيرٍ أو مسكين شيئًا من الصدقة، فاستغنى بعد ذلك بمالٍ أصابه، فلا
_________________
(١) ابن اللبان: محمد بن عبد الله بن الحسن، الإمام أبو الحسين بن اللَّبَّان، البصري الشافعي. إمام عصره في الفرائض وقسمة التركات، توفي ببغداد سنة ٤٠٢ هـ. (طبقات السبكي: ٤/ ١٥٤، العبادي: ١٠٠، الشيرازي: ٩٩، الإسنوي: ٢/ ٣٦٢، وتاريخ بغداد: ٥/ ٤٧٢).
[ ١٩ / ٤٨٠ ]
يرد ما أخذه؛ فإنه استحقه بوصف قائمٍ متحقَّق، فزواله لا يوجب الرد، وابن السبيل استحق لاْمر سيكون منه في الثاني، ولو أخذ ليسافر، ثم بدا له، فعليه ردُّ ما أخذه مذهبًا واحدًا.
وما ذكرناه في ابن السبيل يجري في الغازي، فلو أخذ ليخرج غازيًا، فلم يخرج، ردّ ما أخذ.
قال الشيخ: لو سلمنا إلى ابن السبيل شيئًا، فخرج وعاد، وقد فضلت فضلة مما أخذه مع انقضاء وطره في سفره، فيلزمه ردُّ الفاضل، والغازي لو خرج وعاد مع فضلة، فلا يردها، هكذا قال الشيخ؛ فإن خروجه يرجع إلى مصلحة المسلمين، فكأنه كالمستأجر في خَرْجَته، وهذا لا يتحقق في ابن السبيل.
ولو دفع شيئًا إلى الغارم، فأبرأه مستحق الدين، فهل يستردُّ منه ما دفعه إليه؟ فعلى وجهين: أحدهما - يسترد كما يسترد من ابن السبيل. والثاني - لا يسترد، كما لا يسترد من الفقير إذا استغنى بعد الأخذ.
وعلى حسب ذلك اختلفوا في أنا إذا سلمنا إلى المكاتب شيئًا من سهم الرقاب، فأعتقه سيده، فهل نسترد منه ما أخذه من الصدقة؛ فعلى وجهين.
ومما ذكره الشيخ أنه لو كان الدين مؤجلًا على الغارم أو المكاتب، فهل يجوز صرف الصدقة إليهما، فعلى ثلاثة أوجه: أحدها - لا يجوز؛ فإنهما غير مطالَبَيْن.
والثاني - يجوز لثبوت الدين؛ فإن عين المطالبة لا تشترط؛ إذ الفقير لا يطالب بالدين. والثالث - أنه يصرف إلى الغارم، دون المكاتب؛ فإن المكاتب مهما شاء عجّز نفسه، وهذا الوجه الثالث بالعكس أولى، فإن ما ذكرناه يتحقق في النجم الحالّ أيضًا؛ فالوجه أن نقول: المؤجل في حق المكاتب كالحالّ؛ فإنه لو جاء بالنجم قبل حلوله لأجبر السيد على قبوله، مذهبًا واحدًا.
مسألة من النكاح
١٢٦٣٦ - إذا ادعى الرجل على أبِ بنتٍ أنه زوّج منه بنته، فلا تخلو البنت: إما أن تكون ثيبًا وقت الدعوى أو بكرًا، فإن كانت بكرًا، لم يخل إما أن تكون صغيرة أو
[ ١٩ / ٤٨١ ]
كبيرة، فإن كانت صغيرة بكرًا، فلا يخلو الأب المدعى عليه إما أن يقر بأنه زوجها أو ينكر، فإن أقر للمدّعي، فيقبل إقراره، ويثبت النكاح؛ فإنه لو أنشأ تزويجها، لنفذ، فإذا تصور منه الإنشاء، قُبل منه الإقرار.
ولو أنكر، وقال: ما زوّجتها أصلًا، فتتوجه عليه اليمين، فإن حلف، انتفى النكاح، وإن نكل ردت اليمين على المدعي، فإن حلف، ثبت النكاح.
١٢٦٣٧ - ثم فرعّ الشيخ على ذلك. وقال: لو ادعى أجنبي على الأب: أنك بعت مني هذا العبدَ من مال طفلك، فإن أقرّ به، قُبل إقراره اعتبارًا بالإنشاء، فإذا ثبت أنه يصح منه [الإنشاء، يصح منه] (١) الإقرار.
فلو أنكر البيعَ، قال الشيخ: يحلّفه المدعي، كما ذكرناه في النكاح، ويجري حكم الرد والنكول على القياس المتقدم.
ثم قال الشيخ: كان يجري بيني وبين الشيخ القفال كلام، فقال: الأب لا يحلّف في هذه الصورة إذا تعلقت الخصومة بمال الطفل، ولكن يوقف الأمر حتى يبلغ الطفل ويحلف أو ينكل؛ فإن اليمين لا تدخلها النيابة؛ وهذه اليمين متعلقة بحق الطفل، قال الشيخ: الوجه عندي القطع بأنه يحلف اعتبارًا بالإقرار، فيتخذ قبول الإقرار أصلًا في جواز التحليف عند الإنكار؛ وقياس ما ذكره القفال أن لا يحلّف الأب في التزويج أيضًا؛ إذ لا فرق. وهذا فيه بُعْد.
ولو اختلف الأب ومن اشترى منه شيئًا من مال الطفل في مقدار الثمن، تحالفا عند الشيخ، وقياس ما ذكره القفال أن لا يتحالفا.
هذا كله إذا كانت البنت صغيرة بكرًا.
١٢٦٣٨ - فأما إذا كانت بالغة بكرًا، فادعى على الأب تزويجها منه، فإن أقر بتزويجها، قبل إقراره عليها -وإن أنكرت هي- فإنه يملك إجبارها، فيملك الإقرار بها.
ولو أنكر الأب، فهل يحلّفه المدعي؟ قال الشيخ: اختلف أصحابنا في ذلك:
_________________
(١) زيادة من المحقق، اقتضاها السياق.
[ ١٩ / ٤٨٢ ]
منهم من قال: إنه يحلّف الأب، كما يحففه لو كانت صغيرة بكرًا؛ إذ الإجبار والإقرار يجريان في الصورتين، والتحليف مأخوذ من قبول الإقرار. وهذا ما أجاب به ابن الحداد.
فعلى هذا: إذا حلف الأب، لم يخفَ حكمه، ولو نكل وحلف هو يمين الرد، ثبت النكاح.
ولو حلف الأب، فله أن يدعي على البنت بعد سقوط الدعوى عن الأب بالحلف؛ فإن أقرت، قُبل إقرارها على الصحيح، وإن أنكرت، حلّفها، فإن نكلت، حلف يمين الرد، وثبت النكاح، وإن كان حلف الأب، فلا يقدح ذلك في يمينه المبنية على نكولها، ولو حلفت، سقط حقه حينئذ لاجتماع حلف الأب والبنت.
والوجه الثاني - في الأصل أنه ليس للمدعي تحليف الأب، وإن كان يُقبل إقراره؛ فإنه قادر على تحليف المرأة البالغة، فهي باليمين أولى.
هذا كله إذا كانت المرأة بكرًا.
فأما إذا كانت ثيبًا، فادعى على الأب تزويجها، فليس له تحليف الأب؛ فإنه لو أقر، لم يُقبل إقراره، إذ لو أنشأ تزويجها في صغرها ثيبًا، لم ينفذ، والإقرار معتبر بالإنشاء.