فروع في البيع:
١٢٦٢٤ - منها - إذا اشترى جاريةً مزوّجة، وشرط أن تكون بكرًا، فلو خرجت ثيبًا، ففي ثبوت الخيار له وجهان: أحدهما - أنه لا خيار له؛ فإن بُضع الجارية مستحَقٌّ للزوج، لا حظ للمشتري فيه، فلا يتخلف عنه بالثيابة غرض، والوجه الثاني - أنه يثبت له الخيار؛ فإن الثيابة نقصٌ بالإضافة إلى البكارة، وقد يتوقع موت الزوج أو تطليقه إياها قبل الافتضاض.
فرع:
١٢٦٢٥ - إذا اشترى الرجل جاريةً، وكانت وضعت قبل البيع ولدًا، ووضعت بعد البيع ولدًا، لأقل من ستة أشهر من انفصال الولد الأول، فنعلم أنهما حمل واحد، فظاهر نص الشافعي أن الولد من البائع، وهذا خلاف القياس؛ فإن الجارية وإن ولدت في يد البائع أحد التوأمين، فالثاني مجتن حالة البيع متصل، فينبغي أن يتناولَه العقدُ، ولا أثر في هذا المقام لكونهما توأمين.
قال الشيخ أبو علي: كان الشيخ الخِضري يحكي قولين في المسألة، أحدهما - ما
_________________
(١) في الأصل: " من مولداتها شتاتًا " والمثبت من المحقق، فقد سبق للإمام أن عقد فصلًا بعنوان مسائل من مولدات ابن الحداد.
[ ١٩ / ٤٧٣ ]
نسبناه إلى النص. والثاني - ما رأيناه الصواب الذي لا يسوغ غيره، ثم إذا حكمنا بأن الحمل للبائع، فيجب أن نحكم بفساد البيع في الأم على ظاهر المذهب، كما لو باع جارية حاملًا بولد [منه و] (١) كما لو باع جاريةً حاملًا فاستثنى.
فرع:
١٢٦٢٦ - إذا اشترى الرجل جارية، فأتت الجارية بولد فقال المشتري: ولدت هذا الولد بعد الشراء، وقال البائع: بل ولدته قبل البيع، فهذه المسألة كتبها الحليمي إلى الشيخ أبي زبد يستفتيه فيها، فأجاب بأن القول قول البائع؛ فإن الأصل ثبوت ملكه في الحمل، والأصل عدم البيع في وقت الولادة، هكذا حكاه الشيخ أبو علي، ولم يزد عليه.
فرع:
١٢٦٢٧ - إذا باع رجل عبدًا بثوب، ثم إن من أخذ الثوب فصّله وقطعه، فوجد الثاني بالعبد عيبًا قديمًا، فله ردُّه بالعيب، ثم إذا ردّه، فقد حكى الشيخ وجهين: أحدهما - أنه يسترد الثوب مقطوعًا، ويسترد أرش النقص، وهذا هو القياس؛ فإن الثوب لو تلف في يد آخذه، ثم رد عليه [عبده] (٢) بالعيب، لكان يغرم تمام القيمة عند تلف الثوب، فكذلك يجب أن يغرم أرش النقص مع رد الثوب، وليس هذا كما لو تعيّب المبيع في يد البائع؛ فإنا نقول للمشتري: إما أن تفسخ البيع، أو ترضى به معيبًا، وليس لك طلب الأرش، وذلك لأن المبيع غير مضمون على البائع بالقيمة. ولو تلف المبيع قبل القبض، لم يغرم قيمته؛ فلما لم يكن المبيع مضمونًا عليه بالقيمة لو تلف، لم يكن بعضه مضمونًا عليه بالأرش.
والوجه الثاني - أنه إذا رد العبدَ، وصادف الثوب مقطوعًا معيبًا، فهو بالخيار: إن شاء رضي بالثوب معيبًا، واسترده من غير أرش، وإن شاء ترك الثوبَ، ورجع بقيمته غيرَ معيب؛ فإن اختار الثوب، فلا أرش له.
قال الشيخ ﵁: اشتهر من كلام الأصحاب أن المتبايعين إذا تحالفا،
_________________
(١) كلمة " منه " مكان كلمة غير مقروءة بالأصل. و" الواو " زيادة من المحقق. (انظر صورة عبارة الأصل).
(٢) في الأصل: " عَرْضه ".
[ ١٩ / ٤٧٤ ]
وكان عاب المعقود عليه في يد أحدهما، فإنهما يترادان، ويُرجَع على من نقص العوض في يده بأرش النقص عند التفاسخ، ولا فرق بين هذه المسألة وبين مسألة العبد والثوب. فإن طرد صاحبُ الوجه الثاني مذهبَه في مسألة التحالف، كان ذلك قُرْبًا من خرق الإجماع، وإن سلّمه، بطل هذا الوجه في المعيب أيضًا، وشبب الشيخ أبو علي بإجراء الخلاف في مسألة التحالف.
فروع في الوكالة
١٢٦٢٨ - أحدها - إذا وكّل إنسانًا ببيع متاعه مطلقًا، فباعه وشرط الخيارَ للمشتري وحده، أو لنفسه، وللمشتري، فالبيع باطل؛ فإن الوكيل المطلق لا يبيع عندنا بأجلٍ؛ لما فيه من تأخر الطلب، والخيار شرّ من الأجل؛ فإنه يمنع الملكَ، أو لزومَ الملك.
ولو باع وشرط الخيار لنفسه، ففي صحة البيع وجهان: أحدهما - يصح؛ فإن الخيار للبائع مزيدُ حق، وليس يقتضي جوازًا في جانب المشتري. والوجه الثاني - أنه لا يصح؛ لأن الوكيل أثبت مزيدًا لا يقتضيه مطلقُ البيع، ولو صح الشرط، لثبت للوكيل الخيار، وهذا حق أثبته لنفسه من غير إذن موكله.
ولو وكّله بشراء عبد، فاشتراه بثمن مثله مؤجلًا، وكان ذلك المبلغ بحيث لو قدر نقدًا، لما كان المشتري مغبونًا؛ ففي صحة الشراء عن الموكِّل خلاف، والأصح الصحة؛ فإن الأجل في هذه الصورة زيادةٌ محضة. ومن منع انصراف الشراء إلى الموكل، احتج بأن التوكيل المطلق بالبيع والشراء يجب تنزيله على ما ينزل العقد عليه إذا كان مطلقًا، والعقد المطلق لا يقتضي أجلًا.
فرع:
١٢٦٢٩ - إذا وكل رجلًا ببيع شيء، ولم يصرح بتوكيله بقبض الثمن، فهل له قبضُ الثمن بمطلق الوكالة؟ فعلى وجهين مشهورين، وليس للوكيل تسليم المبيع قبل قبض الثمن، فلو سلم المشتري الثمنَ إلى الموكل، فالوكيل يسلم المبيعَ لا محالة، ولفظ التسليم مستعار في هذه الصورة؛ فإن المشتري إذا وفر الثمن، فله الاستقلال بأخذ المبيع من غير تسليمٍ من البائع.
[ ١٩ / ٤٧٥ ]
فرع (١):
١٢٦٣٠ - إذا قال لرجل: وكِّل فلانًا بأن يبيع ثوبي، فهذا المخاطَب موكّل بالتوكيل، وليس له أن يبيع؛ فإنه لم يفوِّض إليه البيعَ، فإذا وكل المأمورُ وكيلًا، فالوكيل بالبيع وكيل الموكِّل الأول، وليس وكيلًا للوكيل؛ حتى لو أراد عزله، لم يملكه، وإنما يعزله الموكِّل الأول، والسبب فيه أنه وكّل الأول بأن يوكل، وقد وكل، وتم ما فُوِّض إليه وانقضى تصرفه. [فمآله العزل] (٢).
وهو كما لو وكل رجلًا ببيع متاع، فإذا باعه، لم يكن له بعد البيع نقضُ البيع، وبمثله لو وكل رجلًا، وجوز له أن يستنيب ويوكل في البيع المفوض إليه، فإذا فعل ذلك، فالوكيل الثاني وكيل صاحب المتاع أم هو وكيل الوكيل الأول؟ فعلى وجهين، وفائدة ذلك أن الوكيل الأول -على أحد الوجهين- يعزل الوكيل الثاني، وكأنا نجعل الثاني فرعًا للأول، والفرق بين هذه الصورة والأولى؛ أن الوكيل الأول إذا كان موكلًا بالبيع، فوكل من يبيع، فسلطان الوكيل الأول باقٍ في البيع لو أراده، فما انقضى تصرفه، بخلاف المسألة الأولى.
مسألة في الإقرار بالنسب
١٢٦٣١ - قد ذكرنا من مذهب الشافعي أن من مات، فأقر بعضُ ورثته المناسبين بوارث، لم يثبت النسب، حتى يتفق الورثة. وذلك بيّن ممهّدٌ في موضعه.
فلو أقر الكافة إلا زوجًا، أو زوجة، فالمذهب الأصح أن النسب لا يثبت حتى يوافق الزوج، أو الزوجة، فإنهما من الورثة، وجملة الورثة ينزلون منزلةَ الموروث؛ فإقرار جميعهم بمثابة إقرار الموروث في حقوقه.
وحكى الشيخ وجهًا ثانيًا أن النسب يثبت وإن أنكره أحد الزوجين، لأنهما ليسا من أهل النسب، وإن كانا من جملة الورثة، والأصح الأول.
ولو مات رجل، وخلف بنتًا، فأقرت بابن لموروثها، لم يثبت نسبه؛ فإن البنت ليست مستغرقة للميراث، بل نصف الميراث لها، والباقي مصروف إلى المسلمين.
_________________
(١) من هنا عادت نسخة (ت ٥) بعد انتهاء الخرم الذي أشرنا إليه آنفًا.
(٢) في النسختين: " فما له والعزل " والمثبت من تقدير المحقق.
[ ١٩ / ٤٧٦ ]
فلو أقرت بنسب ابنٍ وساعدها على الإقرار الإمامُ، فقد ذكر الشيخ وجهين: أحدهما - أن النسب يثبت بموافقة الإمام، وهو لسان أهل الإسلام، فكأنهم أقروا مع البنت. والوجه الثاني -وهو الذي لا يجوز غيره- أن النسب لا يثبت؛ فإن الإمام في حكم النائب، وإقرار النائب في هذا المقام لا ينفع؛ فإن من خلف ولدين أحدُهما طفل، فاعترف البالغ منهما بنسب ابن ثالث، وساعده قيّم الطفل، لم يثبت النسب حتى يبلغ الطفل، فينظر: أيساعِد في الإقرار، أم يخالِف، فإذا خلف بنتًا في ظاهر الحال - فلو جاء ابن وادعى أنه للمتوفى، فإقرار البنت لا يكفي؛ لأنها ليست مستغرِقة، ولو فرضنا إنكارها، فقد قال الشيخ: إذا أنكرت، لم تحلّف؛ فإنا لو حلّفناها ونكلت، ورددنا اليمين، فلا حكم لما يجري من ذلك.
وعندنا أن يمين الرد لو جعلناها بمثابة البينة، فيتجه تحليفها رجاء أن تنكُل، فترد اليمين، ويتنزل حلف المردود عليه منزلة بينة تقوم على النسب، وهذا ضعيف؛ من قِبل أن القضاء بالنسب لا يقع على البنت، وإنما يقع على الميت، وقد ذكرنا أن يمين الرد لا تنزل منزلة البينة في حق غير المستحلف (١).