١٢٣٨٨ - مسألة: إذا أعتق الحملَ في البطن، وكان ملكًا له، نفذ.
ولو كانت الأمة حائلا، فقال: كل ولد تلدينه، فهو حر، فعلقت بولد وولدته، ففي المسألة وجهان، وهذا يقرب من تعليق العبد الطلقةَ الثالثة في حالة الرق، وقد ذكرنا هذا في كتاب الطلاق.
ولو قال: أول ولد تلدينه حر، والتفريع على تصحيح التعليق فيما يتجرد العلوق به، فإذا ولدت ميتًا، ثم حيًّا، انحلت اليمين بالأول، ولم يعتِق الثاني عندنا، خلافًا لأيي حنيفة (٢)، والمسألة مشهورة معه.
١٢٣٨٩ - مسألة: إذا قال لعبده - وهو أصغر سنًا منه: " أنت ابني " إن كان بالغًا، فصدقه، ثبت النسب، وعَتَقَ، وإن كذبه، عَتَقَ، والقولُ قولُ العبد في نفي النسب.
_________________
(١) دفع النفقة: المراد ردّ وجوبها والتزامها، وليس الدفعُ بمعنى الأداء مرادًا هنا.
(٢) ر. طريقة الخلاف: ١٥٠، مسألة: ٦٣، إيثار الإنصاف: ١٨٥، الغرة المنيفة: ١٦٧.
[ ١٩ / ٢٤٩ ]
وإن كان صغيرًا مجهول النسب، عَتَق، وثبت النسب.
وإن كان مثلَه في السن أو على حدٍّ لا يُتَصوَّر أن يكون ابنَه، لغا لفظُه، ولم يعتِق، فإنه قال محالًا، خلافا لأبي حنيفة (١)، فإنه حكم بالعتق.
ولو قال لعبده - وهو معروف النسب لغيره: " أنت ابني " فالنسب لا يلحقه، وفي حصول العتق وجهان: أحدهما - لا يحصل؛ فإنه تبعُ النسب، والثاني - يحصل؛ لأن النسب ممكن، وهو مؤاخذ بإقرار نفسه في العتق، وإن رُد قوله في النسب.
ولو قال لزوجته: " أنتِ بنتي " فالقول في حصول الفراق والنسب كالقول في حصول العتق.
فصل
١٢٣٩٠ - العتق يجري فيه الصريح والكناية، فصريحه الإعتاق، والتحرير، وفي فك الرقبة وجهان: أحدهما أنه صريح لجريان ذكره في الكتاب، فإنه تعالى قال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]، وهذا الخلاف يرجع إلى أن ما جرى ذكره مرةً في الكتاب، هل يلتحق بالصريح؟ ونظيره الاختلاف في أن لفظ الإمساك هل هو صريح في الرجعة؟ ولفظ المفاداة هل هو صريح في الخُلع؟ وفيهما وجهان.
وأما الكنايات، فكل لفظ يتضمن إزالةَ الملك، ويشعر بها، فهو كناية، كقوله: لا ملك لي عليك، ولا سلطان، ولا سبيل. وكقوله: أزلت ملكي عنك، أو أزلت يدي، أو حرَّمتُك، أو طلقتك، أو لا سلطان لي عليك، أو لا سبيل، وما شاكل هذا، ولا حصر عندنا لكنايات العَتاق، كما لا حصر لكنايات الطلاق.
ولو قال لعبده: " يا مولايَ "، ونوى العتق عَتَقَ؛ إذا هو لفظ يطلق على المعتَق، فإن المعتَق يسمى المولى الأسفل، واللفظ كناية لا تعمل إلا بالنية؛ فإنه مشترَكٌ بين معان: يراد به ابن العم، والناصر، والمولى الأعلى.
وإذا قال لعبده: " يا سيدي " قال القاضي: لم يَعْتِق -وإن نوى- فإنه من السؤدد،
_________________
(١) ر. طريقة الخلاف: ١٤٦، مسألة: ٦١، إيثار الإنصاف: ١٨٤، الغرة المنيفة: ١٦٥.
[ ١٩ / ٢٥٠ ]
وليس فيه ما يقتضي العتقَ، والذي نراه أنه كناية.
فإن السيد يراد به المالك، فسيد الدار مالكها، وإذا كان كذلك فاللفظ صالح لكونه كناية، ولو قال لأمته: " يا كَدْبانو " (١) - فقد قال القاضي: لا تَعتق وإن نوى. وليس الأمر كذلك عندنا؛ فإنه في معنى لفظ السيد.
ولو سميت المرأة حُرّة -قبل جريان الرق عليها- فلما رَقَّتْ قال لها مولاها: يا حرة، وقصد نداءها باسمها قبل أن رَقَّت، فقد قطع القاضي بأن ذلك لا يقبل منه، ويحكم بالعتق؛ فإن اللفظ صريح في الإعتاق، وفيه دقيقة، وهي أنها سميت حرة، إذا كانت حرة، فكانت الحرةُ لها صفةً غالبةً عليها ملتحقة بالألقاب، والرق إذا طرأ يمحق اسمها.
وسمعت شيخي غير مّرة يقول: لا تَعتق الأمةُ إذا ناداها باسمها القديم، وعندي أن هذه المسألة منزلة على مرتبة بين المرتبتين.
وقد ذكرنا مسائل الطلاق وقلنا فيها: منها ما لا يعمل اللفظُ فيه إلا بالنية، ومنها ما يعمل اللفظ فيه من غير نية، ولو نوى ما ينافي الوقوع دُيِّن، ومنها ما لو نوى ما ينافي الوقوع قُبِل ظاهرا، وإن كان مطلقُ اللفظ يعمل، فإذا قال لهذه الأمة: يا حرة، ولم يخطر له تسميتها باسمها القديم، فتعتق لا شك فيه. وإن نوى تسميتها، فالظاهر عندنا أنه يقبل، ومن أحكم ما مهدناه في كتاب الطلاق عَرَفَ قدْر هذا الكلام.
ولو قال لعبده: " يا آزاد مَرْد " (٢) عَتَقَ، وإن قصد بذلك أمرًا غير الحرية دُيّن، ولو قال لعبد الغير: " يا آزاد مرد "، ثم ملكه يومًا، عَتَق عليه بحكم إقراره.
ولو كان اسم امرأة (طالق)، فقال لها زوجها: يا طالق - قال القاضي: طُلّقت، وهذا على قياس تسمية الأمة باسمها القديم إذا كانت تدعى حرّة، والخلاف فيه على ما تقدم.
ولو قال السيد: أنا أريد أن أسمي أمتي هذه حرة تلقيبًا، فإذا قال بعد ذلك: "يا
_________________
(١) كلمة فارسية معناها: سيدة البيت.
(٢) تعبير فارسي معناه: أيها الرجل الحر.
[ ١٩ / ٢٥١ ]
حرة"، فحصول العتق ينشأ من الأصل الذي ذكرناه الآن، ومن أصل آخر، وهو أن الرجل إذا غيرّ موجب اللغة بمواطأة ومواضعة، فهل يؤاخذ بموجب اللغة؟ فيه كلام استقصيته في مسألة السر والعلانية، وذكرت طرفًا منه في مسائل الطلاق.