أركان كل عقد هي أجزاؤه التي يتركب منها، ويتحقق بها وجوده وانعقاده وهي العاقدان، والمعقود عليه، وصيغة العقد المكونة من الإيجاب والقبول. ولما كان وجود الصيغة يستلزم وجود العاقدين والمعقود عليه اقتصر أكثر الفقهاء في بيان أركان الزواج على قولهم: أركان الزواج الإيجاب والقبول.
فالإيجاب هو ما صدر أولا من أحد العاقدين تعبيرا عن إرادته في إيجاد الارتباط وإنشائه. والقبول هو ما صدر ثانيا من الآخر للدلالة على موافقته ورضاه بما أوجبه الأول، وقد يكون الموجب أي: البادئ هو الزوج أو وكيله أو وليه. والقابل هي الزوجة أو وكيلها أو وليها، وقد يكون العكس. وقد يتولى صيغة العقد اثنان وهو الكثير الغالب. وقد يتولاها واحد قائم مقام اثنين كأن يكون وليا على الزوجين١ أو وكيلا عنهما٢ أو أصيلا من جانب ووليا أو وكيلا من الجانب الآخر٣، فعبارة هذا الواحد بمنزلة عبارتين، وهو تارة ذو صفة واحدة، وتارة ذو صفتين مختلفتين.
ولا بد في الإيجاب والقبول من تحقق أمرين: أحدهما من حيث صورتهما اللفظية. والثاني من حيث مادتهما واشتقاقهما.
فأما من حيث صورتهما فلا بد أن يكونا بلفظين على صورة الفعل الماضي مثل زوجتك موكلتي، قبلت. أو وهبت لك نفسي، قبلت؛ لأن الغرض من
_________________
(١) ١ كرجل يزوج بنت أخيه الصغيرة من صغير هو ابن أخيه الآخر والصغيران في ولايته. ٢ كرجل يزوج موكلته من موكله. ٣ كرجل يزوج نفسه من بنت عمه الصغيرة المشمولة بولايته، أو يزوج نفسه ممن وكلته بأن يزوجها نفسه.
[ ٢١ ]
الصيغة التعبير عن حصول رضا من الطرفين وتوافق بين إرادتيهما، والذي يدل على حصول هذا فعلا وقت التعاقد هو ما كان على صيغة الماضي، وأما ما كان على صيغة الحال أو المستقبل فلا يدل قطعا على حصول الرضا فعلا، فلو قال أحدهما تزوجني موكلتك، فقال الآخر: أقبل. لا تتكون بهذين اللفظين صيغة عقد الزواج؛ لأنهما ما دلا قطعا على حصول رضا وقت التكلم؛ لأنه يحتمل أن يراد باللفظ الأول الاستيعاد وبالثاني الوعد. والوعد بالزواج مستقبلا ليس عقدا له في الحال، فما دامت الصيغة تحتمل معنى غير العقد لا ينعقد بها الزواج.
لهذا استعمل الشارع لإنشاء العقود الصيغة التي تدل على تحقق الرضا ووجوده فعلا وهي صيغة الماضي؛ لأنها قطعية في الدلالة على حصول الرضا من العاقدين بالارتباط ولا تحتمل معنى آخر.
ولو قال الخاطب لمخطوبته: زوجيني نفسك، فقالت: زوجتك نفسي انعقد الزواج، مع أن إحدى العبارتين على صيغة المستقبل لا الماضي، ولكن ليس في هذا مخالفة لما تقدم؛ لأن الحقيقة هي أن قوله: زوجيني نفسك ليس هو الإيجاب، وإنما هو توكيل لها في أن تزوجه نفسها، فقولها: زوجتك نفسي عبارة قائمة مقام العبارتين وهي تولت طرفي العقد بالإصالة من جانبها والوكالة عنه وعبارتها على صيغة الماضي. وهذا توجيه قول الفقهاء، وينعقد بإيجاب وقبول وضعا للمضي أو وضع أحدهما للمضي والآخر للاستقبال.
وأما من حيث مادتهما واشتقاقهما فالقبول لا يشترط اشتقاق لفظه من مادة خاصة بل يتحقق بأي لفظ يدل على الموافقة والرضا من أي مادة كانت، مثل: قبلت، رضيت، وافقت، أجزت، نفذت، أمضيت. وأما الايجاب فلا بد أن يكون بلفظ مشتق من الزواج أو النكاح، أو مشتق مما يدل على تمليك العين في الحال مثل: الهبة والتمليك والبيع، وما يرادف ذلك من أي لغة، أما ما لا يدل على التمليك أصلا كالإباحة والإحلال والإيداع، وما يدل على تمليك المنفعة لا العين كالإجارة والإعارة، وما يدل على تمليك العين لكن لا في الحال كالوصية فلا يتحقق
[ ٢٢ ]
الايجاب بلفظ منها؛ لأن معانيها تنافي معنى الزواج الشرعي المقصود به ملك المتعة في الحال على سبيل التأييد والدوام.
وإذا كان العاقدان حاضرين تكو الصيغة منهما بالعبارة؛ لأنها أدل طرق الدلالة فحيث أمكنت لا يعدل عنها إلى غيرها، وإذا كان أحدهما غائبا عن الآخر تكون الصيغة بالكتابة لتعذر المشافهة، وإذا كان العاقد أخرس فإن كان يحسن الكتابة عقد بها، وإن كان لا يكتب عقد بإشارته المعهودة الدالة على قصده، فلا عقد بالكتابة إلا حيث تعذرت المشافهة بالعبارة. ولا عقد بالإشارة إلا حيث تعذرت الدلالة على القصد بالكتابة، وفي هذا جمع بين الاحتياط واليسر. ولذا قال في الدرر "لو كتب الحاضر على شيء لامرأة زوجيني نفسك فكتبت المرأة على ذلك الشيء عقبه زوجت نفسي منك لا ينعقد الزواج".
[ ٢٣ ]