قدمنا أن الطلاق حق يملكه الزوج، وكل من ملك حقا كان له أن يباشره بنفسه وأن ينيب عنه غيره في مباشرته، فإذا أناب الزوج عنه غيره في تطليق زوجته كان هذا توكيلا. وإذا أناب عنه زوجته في تطليق نفسها منه كان هذا تفويضا.
فالتفويض هو تمليك الزوج زوجته أن تطلق نفسها منه سواء أكان هذا التمليك حين عقد الزواج أي: مقترنا بإيجابه وقبوله أم بعده أي: في أثناء قيام الزوجية.
وهذا التفويض ليس تمليكا من كل وجه، ولا توكيلا من كل وجه، بل يخالف التمليك في بعض أحكامه ويخالف التوكيل في بعض أحكامه.
فهو يخالف التمليك في أن التفويض لا يسلب المفوض حق التصرف فيما فوض فيه، فللزوج أن يطلق زوجته بعد أن يفوض إليها تطليق نفسها مع أن المملك بعد التمليك لا يملك التصرف فيما يملكه غيره لانتهاء حقه فيه. كالبائع والواهب لا يملك واحد منهما التصرف فيما باعه أو وهبه.
ويخالفه في أن التفويض يتم من جانب الزوج وحده ولا يتوقف تمامه على قبول الزوجة، مع أن التمليك لا يتم إلا بالإيجاب والقبول من المملك والمملك، فلو رجع الموجب عن إيجابه قبل قبول الآخر
صح رجوعه؛ لأنه لما يتم العقد.
[ ١٥٤ ]
ويخالفه في أنه يبقى إلى ما بعد مجلس الإيجاب إذا كانت الزوجة غائبة مع أنه في التمليكات لا بد من القبول في مجلس الإيجاب حتى إذا كان الإيجاب والقبول ليسا في مجلس واحد يتم عقد التمليك١.
ويخالف التوكيل في أن المفوض ليس له الرجوع عن التفويض، ولا عزل زوجته عنه، مع أن الموكل له الرجوع عن الوكالة وعزل الوكيل.
وفي أن التوكيل لو صدر بصيغة مطلقة لا يتقيد الوكيل بالتصرف فيما وكل فيه بمجلس التوكيل، مع أن المفوض إليها بصيغة مطلقة تتقيد بالمجلس.
فإعطاء الزوج زوجته الحق في أن تطلق نفسها هو تمليك خاص يشبه التوكيل من بعض الوجوه.
صيغة التفويض:
سواء كان التفويض حين عقد الزواج أو بعده في أثناء الزوجية فإن صيغته تكون بعبارة من ثلاث، أن يجعل لها اختيار نفسها، بأن يقول لها: لك أن تختاري نفسك، أو يجعل أمرها بيدها بأن يقول لها: جعلت أمرك بيدك أو يجعل لها أن تطلق نفسها بأن يقول لها: لك أن تطلقي نفسك. ولا بد من مراعاة أمرين: الأول أنه إذا كان التفويض بعبارة من هذه الثلاث في حين عقد الزواج أي: مقترنا بالإيجاب والقبول، فلا يصح إلا إذا كان البادئ بالإيجاب المقترن بشرط التفويض هو الزوجة، كأن تقول امرأة لرجل زوجت نفسي منك على أن يكون أمري بيدي أطلق نفسي كلما أريد فيقول لها: قبلت. فبهذا القبول يتم الزواج ويصح التفويض ويكون لها الحق في أن تطلق نفسها كما أرادت؛ لأن قبوله ينصرف إلى الزواج، ثم إلى التفويض.
أما إذا كان البادئ بالإيجاب المقترن بالتفويض هو الزوج كأن يقول رجل لامرأة: تزوجتك على أن تكون عصمتك بيدك تطلقين نفسك كلما أردت فتقول:
_________________
(١) ١ نص الفقهاء على أن التمليك إذا كان لغائب فملجس الإيجاب هو مجلس وصول الكتاب به أو الرسول إلى الغائب، وعلى هذا تملك المفوض إليها إيقاع الطلاق فيه؛ لأنه هو في الحقيقة مجلس التفويض. فمجلس التفويض هو مجلس صدور الإيجاب للحاضرة ومجلس العلم للغائبة.
[ ١٥٥ ]
قبلت، فبهذا يتم الزواج ولا يصح التفويض، ولا يكون للزوجة أن تطلق نفسها. والفرق أنه في الصورة الأولى قَبِلَ الزوج التفويض بعد تمام العقد فيكون قد ملك التطليق بعد أن ملكه بتمام عقد الزواج، وأما في الثانية فإنه ملك التطليق قبل أن يملكه؛ لأنه ملكه قبل تمام عقد الزواج إذ لم يصدر إلا الإيجاب وحده.
"الأمر الثاني" أن العبارتين الأوليين مع عبارات التفويض الثلاث وهما جعله لها أن تختار نفسها وجعله أمرها بيدها هما من كنايات الطلاق فلا يثبت التفويض بهما، إلا إذا نوى تفويض الطلاق. والعبارة الثالثة وهي جعله لها أن تطلق نفسها هي من الصريح لا يتوقف ثبوت التفويض بها على النية.
وسواء أكان التفويض إليها بالصريح أم بالكناية فإنها إذا طلقت نفسها بمقتضى هذا التفويض أولى الطلقات أو الثانية وكانت مدخولا بها حقيقة تقع عليها طلقة رجعية، وإن كان غير مدخول بها حقيقة تقع عليها طلقة بائنة؛ لأن المفوض لو طلق زوجته بعد الدخول بها بلفظ صريح أو كناية طلاقا مجردا عن العوض يقع طلاق رجعي، ولو طلق قبل الدخول يقع طلاق بائن تملك بالتفويض ما يملكه هو؛ لأنها تستمد الحق منه.
أحوال صيغة التفويض:
وكل عبارة من عبارات التفويض الثلاث سواء كانت حين العقد أو بعده قد تكون مقرونة بما يدل على التعميم، وعدم تقييد التفويض بوقت كأن يجعل لها أن تختار نفسها متى شاءت، أو يجعل أمرها بيدها تطلق نفسها كلما أرادت. وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في أي وقت سواء أكانت حاضرة حين التفويض لها أم غائبة؛ لأنه ملكها هذا الحق تمليكا عاما فتملكه ملكا عاما في أي وقت شاءت بمقتضى قيد التعميم الذي قرنه بصيغة التفويض.
وقد تكون العبارة مقرونة بما يدل على توقيت التفويض بوقت معين كأن يجعل لها أمرها بيدها مدة سنة معينة، أو يجعل لها أن تطلق نفسها ما دام مسافرا. وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في الوقت المعين فقط، وأما بعد مضيه
[ ١٥٦ ]
فلا حق لها في التطليق، حتى لو كانت غائبة حين التفويض ولم تعلم به إلا بعد فوات وقته المعين، ليس لها أن تطلق نفسها؛ لأن مالك الحق ملكه إياها على وجه خاص فلا تملكه في غيره.
وقد تكون عبارة التفويض مطلقة عن قيد يدل على التعميم وعن التوقيت بزمن معين، كأن يجعل لها أمرها بيدها أو أن تختار نفسها أو تطلق نفسها ولم يزد على الصيغة شيئا، وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في مجلس التفويض فقط إن كانت حاضرة فيه، وإن كانت غائبة عنه، كان لها ذلك الحق في مجلس علمها به فقط حتى لو انتهى أو تغير مجلس التفويض، أو مجلس العلم ولم تطلق نفسها لم يكن لها هذا الحق بعد ذلك؛ لأن الصيغة مطلقة فتنصرف إلى المجلس فإذا فات فلا تمليك١.
_________________
(١) ١ صدر من بعض المحاكم الشرعية المصرية الجزئية حكم بني على أن التفويض إذا كان في حين عقد الزواج وبصيغة مطلقة لا يتقيد بالمجلس، وللزوجة أن تطلق نفسها متى شاءت وإلا خلا التفويض من الفائدة، وأيد هذا الحكم استئنافيا. وهذا الحكم ظاهره مخالف لما ذكر من أن صيغة التفويض المطلقة تفيد التمليك في المجلس فقط، إلا أن يقال إن التفويض إذا كان في حين عقد الزواج فهو مقترن بقرينة حالية تدل على التعميم، إذ لا يعقل أن يقصد المفوض تمليكها تطليق نفسها في نفس مجلس زواجها، فالصيغة بدلالة الحال تفيد التعميم، وهم لم يشترطوا أن يدل على تعميم التفويض دليل لفظي فيشمل دلالة الحال ودلالة اللفظ، فتكون الصيغة المطلقة حين العقد في معنى صيغة التفويض المقرونة بما يفيد التعميم فهي مطلقة لفظا فقط، ولكنها تفيد التعميم بقرينة الحال.
[ ١٥٧ ]