وبعد هذا التجوال في هذه الأسفار، وتتبع جُلّ النصوص الواردة في الاضطباع والرمل في الطواف، والوقوف على ما قاله طائفة من العلماء الفضلاء، والأئمة النجباء، من حِكَم وأحكام استنبطوها من ظواهر تلك النصوص وإشاراتها، يمكن إبراز أهم ما توصلت إليه من نتائج فيما يلي:
الاضطباع والرمل في الطواف فعلان مترابطان، يُشرعان معًا، وأحكامهما وأدلتهما متقاربة، ولذا فإن كثيرًا من العلماء يُصرِّحون بهذا التلازم والترابط بينهما.
الاضطباع في الطواف: هو أن يُجعل وسط الرداء من تحت الإبط الأيمن، يُغطَى به العاتق الأيسر. ويكون المنكب الأيمن مكشوفًا. سُمِّي به لإبداء أحد الضَّبْعَيْن.
الرَّمَل في الطواف: هو الإسراع في المشي مع تقارب الْخُطى، من غير وثب، ولا عدوٍ، ويهز الكتفين في مشيه، كالمبارز الذي يتبختر بين الصفين. وهو الْخَبَب.
لا تعارض بين من أطلق المشي، أو أغفل ذِكْرَه في تعريف الرمل، إذ مراد الجميع أن يكون مشيًا فيه سرعة.
لا تعارض بين وَصْف الرمل بأنه هرولة، أو دونها، إذ الجميع متفقون على أن الرمل ليس عدوًا سريعًا، أو سعيًا شديدًا.
التحذير مما يفعله بعض العوام من الجري في طواف القدوم. فإن الرمل المسنون، أن يهزّ منكبيه، وأن يُسرع في مشيه، دون الجري.
دلّ على مشروعية الاضطباع والرمل في الطواف أحاديث كثيرة، جاء ذكرها في ثنايا البحث.
[ ٣٠٩ ]
الأصل في مشروعية الاضطباع والرمل، أن المشركين قالوا: قبل دخول النبي ﷺ وأصحابه ﵃ مكة في عمرة القضية سنة سبع: إنه يقدم عليكم غدًا قوم وَهَنَتْهُم الْحُمَّى..
إن العبادة قد تُشرع أولًا لسبب، ثم يزول ذلك السبب، وتبقى عبادة وقُرْبة، كما هو الحال في: الاضطباع والرمل.
إن من حكمة بقاء مشروعية الاضطباع والرمل بعد زوال العلة، تَذَكُّر ما أنعم الله به على عباده المؤمنين من العِزَّ والكثرة، بعد الضعف والقلة.
إن الاضطباع والرمل سنتان باقيتان، وشعيرتان ثابتتان، وإن زال سببهما، وذهب وقت الحاجة إليهما.
يرى المالكية مشروعية الرمل لكل مُحْرِم، سواء أحرم من المواقيت أم من دونها، كالتنعيم. إلا أن مشروعية الرمل لهما مختلفة. فمن أحرم من المواقيت، فيُسن له الرمل. وأما من أحرم من دونهما فيُندب له الرمل.
وَهِمَ ابن رشد - في بداية المجتهد - في عزو القول بوجوب الدم بترك الرمل للجمهور.
الصحيح أنه ليس على من ترك الاضطباع أو الرمل شيء.
الاضطباع والرمل من أعمال الطواف، فيكون فعلهما، وقت ابتداء الشروع في الطواف. ولا بأس من الاستعداد بالاضطباع، قبل الشروع فيه بوقت يسير.
إن الرمل إنما يُشرع ويُسن في الأشواط الثلاثة الأُوَل من الطواف، وأن السنة في الأربعة الأُخر، إنما هو المشي المعتاد.
نبّه ابن القيم في زاد المعاد على وَهْمٍ فاحش لابن حزم، حيث زعم أنه ﷺ رمل في السعي ثلاثة أشواط ومشى أربعة.
[ ٣١٠ ]
إن الرمل يكون في الأشواط الثلاثة الأول كلها. فيرمل من الْحَجَر الأسود إلى أن يعود إليه، لا يمشي في شيء من ذلك.
إن من ترك الرمل في الثلاثة الأول، لم يقضه في الأربعة الباقية، لأنها هيئة فات موضعها، فسقطت، كالجهر في الركعتين الأوليين، ولأن السنة في الأشواط الأربعة الأخيرة المشي، فإذا قضى الرمل في الأربعة الأخيرة، أخلّ بالسنة في جميع الطواف. وكان تاركًا للسنّتين، فإخلاله بسنة، أيسر من إخلاله بسنّتين.
الأقرب في تأويل فعل ابن الزبير ﵁ من أنه كان يرمل في طوافه كله: ما جاء من أنه كان يُسْرِع المشي في الطواف. فكان الناظر إليه يحسبه يرمل الأشواط كلها.
إن الاضطباع يكون في الطواف الذي يُرمل فيه، وأنه سنة في جميع الطواف.
إن الاضطباع خاص بالطواف، فلا يُستحب استدامته في ركعتي الطواف. بل إن الصلاة على هذه الهيئة مكروهة، فإذا فرغ من طوافه ستر عاتقيه.
الاتفاق على أن الاضطباع والرمل يُشرعان في طواف القادم إلى مكة معتمرًا، أو حاجًا، إذا سعى بعده.
إن الاضطباع والرمل لا يُشرعان إلا في طواف القدوم، أو طواف العمرة، سواء سعى بعده أم لا، لأن الاضطباع والرمل إنما يكونان في الطواف الأول حين يقدم إلى مكة.
لا يُشرع الاضطباع والرمل في غير ملابس الإحرام، إذ لم يثبت عن النبي ﷺ أنه اضطبع أو رمل وهو غير محرم، أو أنه أمر أحدًا بذلك.
إن الاضباع بغير ملابس الإحرام، ليس فيه اقتداء واتباع، بل فيه
[ ٣١١ ]
إحداث وابتداع.
الاتفاق على أن القُرْب من البيت مع الرمل أولى، لما فيه من الجمع بين الفضيلتين.
الاتفاق على أن البُعْد من البيت مع الرمل، أولى من القُرْب منه مع عدم الرمل، لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة، أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها أو زمانها.
القول: بأن من يتمكن من الرمل، أو القرب من البيت بتأخير الطواف دون تضرر به، أو برفقته، فهو أولى. لم يخل من تعقب.
إن كان الطائف لا يتمكن من الرمل مع البُعد، أو كان في حاشية المطاف نساء، ويخشى أن يتضرر هو، أو يتضررن من ذلك، كان القُرب من البيت أولى.
من لم يتمكن من الرمل على الصفة المشروعة، رمل حسب قدرته وطاقته، فإن تعذّر عليه ذلك، مشى مشيًا معتادًا على سجيّته.
من ترك الاضطباع في بعض الأشواط لعذر أو غيره، فإنه يُشرع له تداركه فيما بقي من الأشواط.
عدم مشروعية قضاء الاضطباع والرمل إذا تُركا في الطواف المشروع لهما.
الاتفاق على أن الاضطباع والرمل مشروعان للرجال.
الاتفاق على أن الاضطباع والرمل لا يُشرعان للنساء، وحكاه بعضهم إجماعًا.
مشروعية الاضطباع والرمل للصبي، لأنه ملحق بالرجل في أحكامه، ومنها ملابس الإحرام، إذ يُحرم في إزار ورداء. فيكون ملحقًا به في هيئة أفعاله من اضطباع ورمل.
[ ٣١٢ ]
لا يُشرع الاضطباع والرمل إلا للآفاقي، الذي يأتي إلى مكة من خارجها. أما أهل مكة، ومن أحرم منها من غير أهلها، فلا يُشرع لهم الاضطباع.
لا يُشرع للراكب، ولا للمحمول الاضطباع ولا الرمل.
هذا ما يسر الله تقييده، والحمد لله آخرًا كما بدأ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ٣١٣ ]