قبل الشروع في بيان أدلة مشروعية الاضطباع والرمل، ومعرفة الحكمة من مشروعيتهما، وأحكامهما. يحسن البدء بتعريفهما، والتعرف على حقيقتهما. وسأعرض لتعريف كلٍ منهما في فرع مستقل.
* الفرع الأول: تعريف الاضطباع (١) .
الاضطباع، افتعال من الضَّبْع بإسكان الباء، وهو العَضُد. وقيل: النِّصف الأعلى من العضد. وقيل: منتصف العضد. وقيل: الإبط. قال ابن فارس: اشتقاقها من ضَبْع اليد، وهو المد. والجمع أضْبَاع، كفرخ وأفراخ. والْمَضْبَعَة: اللحمة تحت الإبط من قُدُم. وقال الجوهري: يقال للإبط: الضَّبْع، للمجاورة.
والضَّبْع والضِّبَاع: رفع اليدين في الدعاء.
والضَّبُع: بضم الباء الموحدة، وسكونها، أخبث السِّباع. ويُجمع الضَّبُع على ضِبَاع، والضَّبْع على أَضْبُع. والضَّبُع: السَّنَة الْمُجْدِبَة. ومنه قول عباس بن مرداس:
با خُرَاشَةَ أَمَّا أنت ذا نَفَرٍ أفإنَّ قَومي لم تأكُلْهُمُ الضَّبُعُ
وضَبَعَت الناقة تَضْبَع ضَبْعًا وضَبَعَةً: إذا أرادت الفحل.
قال ابن فارس: «الضاد، والباء، والعين، أصل صحيح، يدل على معان ثلاثة: أحدها: جنس الحيوان. والآخر: عضو من أعضاء الإنسان. والثالث
_________________
(١) انظر في معنى الاضطباع: معجم مقاييس اللغة ٣/٣٨٧، الصحاح ٣/١٢٤٧، القاموس المحيط ص ٩٥٦، لسان العرب ٨/٢١٦، المعرّب ص ٢٧٩، المصباح المنير ٢/٣٥٧، النهاية في غريب الحديث ٣/٧٣، تحرير ألفاظ التنبيه ص ١٥٠. مادة: ضبع.
[ ٢٢٥ ]
صفة من صفة النُّوق» (١) .
واضطبع الشيء: أدخله تحت ضَبْعَيه. ويُقال للاضطباع أيضًا: التَّأبُّط، والتَّوشُّح. ويُقال له أيضًا: اليابطة، لأنه يجعل وسط الرداء تحت الإبط، ويُبدي ضبعه الأيمن.
وأصله: اضتباع. وإنما قُلِبت التاء طاء، لمجاورة حرف الاستعلاء، كما يُقال: اضطباع، واصطياد، واضطرار، واضطهاد.
والاضطباع في الصلاة: اشتمال الصماء. وقد جاء ذلك مفسرًا في حديث أبي سعيد (: «نهى رسول الله (عن لبْستين، وعن بيعتين» الحديث. وفيه: «واللبستين: اشتمال الصماء، والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شِقيَّيْه ليس عليه ثوب..» (٢) .
والاضطباع في الطواف: أن يجعل وسط ردائه من تحت إبطه الأيمن، ويُغطي به عاتقه الأيسر. ويكون المنكب الأيمن مكشوفًا. سُمِّي به لإبداء أحد الضَّبْعَيْن.
قال الإمام الشافعي: «الاضطباع أن يشتمل بردائه على منكبه الأيسر، ومن تحت منكبه الأيمن، حتى يكون منكبه الأيمن بارزًا» (٣) . وقال في إرشاد الساري: «أي: على هيئة أرباب الشَّجَاعة، إظهارًا للجلادة في ميدان العبادة» (٤) .
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٣/٣٨٧.
(٢) أخرجه البخاري في اللباس، باب اشتمال الصماء (٢٠) ٧/٤٢. وانظر: التمهيد ٢١/ ١٦٩، ١٧٠، المبدع ١/٣٧٥.
(٣) الأم ٢/١٧٤. وانظر: مختصر المزني مع الحاوي ٤/١٣٩.
(٤) ص ٨٨. وانظر: مفيد الأنام ص ٢٣٨.
[ ٢٢٦ ]
* الفرع الثاني: تعريف الرَّمَل (١) .
الرَّمَل، بفتح الراء والميم، سُرْعة المشي. قال ابن الأثير: «يُقال: رَمَل يَرْمُل - بضم الميم - رَمَلًا ورَمَلانًا، إذا أسرع في المشي وهزَّ منكبيه» (٢) .
ورَمَل الحصير يَرْمُلُه رَمْلًا، ورَمَّلَه، وأَرْمَلَه، إذا سَخَّف نَسْجَه. والرُّمَال ما رُمِل. أي: نُسِج. قال الزمخشري: «ونظيره الْحُطَام، والرُّكَام، لما حُطِم ورُكِم» (٣) .
والرَّمَل: القليل الضعيف من المطر، وجمعه أرمال. وترمَّل القتيل بدمه، إذا تلطَّخ.
والرَّمَل من الشَّعْر، كل شَعْر مهزول غير مؤْتَلِف البناء.
والمُرْمِل: الذي لا زاد معه، سُمِّي بذلك لأحد شيئين: إما لرِقَّة حاله، وإمِّا لِلُصوقه بالرَّمْل من فقره. كما يُقال: للفقير: التَّرِب. وأرمَل القوم، نَفِد زادهم.
وأَرْمَلَت المرأة: إذا مات زوجها. فهي أرْمَلَة. سُمِّيت بذلك لذهاب زادها، وفقد كاسبها.
ورجل أرمل، وامرأة أرْمَلَة: محتاجة. والأرامل يقع على الذكور
_________________
(١) انظر في معنى الرمل: معجم مقاييس اللغة ٢/٤٤٢، الصحاح ٤/١٧١٣، لسان العرب ١١/٢٩٤، المعرّب ص ١٩٨، غريب الحديث لأبي عبيد ٤/٤١٥، الفائق ٢/٨٣، النهاية في غريب الحديث ٢/٢٦٥، تحرير ألفاظ التنبيه ص ١٥٠. مادة: رمل. وانظر أيضًا: المبسوط ٤/١٠، الهداية ٢/٤٥٣، طلبة الطلبة ص٦٨، تحرير ألفظ التنبيه ص ١٥٢، التعريفات ص ١١٢، المجموع ٨/٤٠، شرح النووي على صحيح مسلم ٨/١٧٥، إيضاح المناسك ص ٦.
(٢) النهاية في غريب الحديث ٢/٢٦٥.
(٣) الفائق ٢/٨٣.
[ ٢٢٧ ]
والنساء. قال ابن منظور: ولا يُقال للمرأة التي لا زوج لها، وهي موسرة، أرملة. قال جرير:
هذي الأرامل قد قضَّيْت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
والأرْمَل من الشاء: الذي اسودَّت قوائمه كلها.
والرَّمْل: نوع من التراب. وجمعه رِمَال. قال الجوهري: «الرَّمْل واحد الرِّمَال، والرَّمْلَة أخص منه» (١) . ورمَّل الطعام: جعل فيه الرَّمْل.
وقال ابن فارس: «الراء، والميم، واللام، أصل يدل على رِقَّة في شيء يتضام بعضه إلى بعض» (٢) .
والرَّمَل في الطواف: الإسْرَاع في المشي مع تقارب الْخُطى (٣)، من غير
_________________
(١) الصحاح للجوهري ٤/١٧١٣.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٢/٤٤٢.
(٣) تنبيه: هكذا عرّف عامة العلماء الرمل: بأنه الإسراع في المشي..، وأما ابن نجيم من الحنفية فقد أورد تعريفًا آخر عزاه لصاحب الهداية، فقال: (والرمل كما في الهداية: أن يهز في مشيته الكتفين، كالمبارز يتبختر بين الصفين. وقيل: هو إسراع مع تقارب الخطى، دون الوثوب والعدو) البحر الرائق ٢/٣٥٥. وانظر: الهداية مع فتح القدير ٢/٤٥٣. وتعريف صاحب الهداية قريب من تعريف صاحب المبسوط، إذ عرّفه السرخسي بقوله: (الرمل هو: الاضطباع، وهزّ الكتفين. وهو أن يُدخل أحد جانبي ردائه تحت إبطه ويلقيه على المنكب الآخر، ويهز الكتفين في مشيه، كالمبارز الذي يتبختر بين الصفين) . المبسوط ٤/١٠. وأما قاضيخان فلم يُشر إلى المشي مطلقًا في تعريفه للرمل. فقال ١/٢٩٢: (يرمل في الثلاثة الأول. يعني: يهز كتفيه، ويُري من نفسه القوة والجلادة. ويمشي على هينته في الأربع) . والذي يظهر لي: أنه ليس بين هذه التعاريف تعارض. فمراد من أطلق المشي، أو أغفل ذكره، أن يكون مشيًا فيه سرعة. ولذلك قيّد بعض الحنفية المشي بقيود فيها معنى الإسراع. فقال ابن الهمام في فتح القدير ٢/٤٦٢: (الرمل في الطواف إنما هو مشي فيه شدّة وتصلب) . وقال في الدر المختار ٢/٤٩٨: (ورمل. أي: مشى بسرعة مع تقارب الخطى، وهز الكتفين) . ونحو ذلك في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٤٧٩. وفي الفتاوى الهندية ١/٢٢٦: (الرمل: أن يُسرع في المشي ويهز كتفيه، شبه المبارز يتبختر بين الصفين) . فاقتصار العظيم آبادي في تعريف الرمل عند الحنفية على ما ذكره صاحب الهداية، لا يخلو من قصور. انظر: عون المعبود ٥/٢٣٦.
[ ٢٢٨ ]
وثْبٍ ولا عَدْوٍ (١)، ويهز الكتفين في مشيه، كالمبارز الذي يتبختر بين الصفين. وهو: الْخَبَب (٢) . قال ابن عبد البر: «وأما الرَّمَل، فهو المشي خببًا، يشتد فيه، دون الهرولة (٣) .
_________________
(١) تنبيه: قال خليل في منسكه ص ٦٩: (وليحذر مما يفعله بعضهم من الجري في طواف القدوم. فإن الرمل المسنون أن يهز منكبيه، ويُسرع في مشيه دون الجري) .
(٢) الخبب: ضرب من العَدْو. قال النووي: هو الرمل. وقال الشافعي: (الرمل: هو الخبب. لا شدة السعي) انظر: مختصر المزني ٤/١٤٠.وقال: (ولا أحب أن يثب من الأرض وثبًا) الأم ٢/١٧٤. وانظر: النهاية ٢/٣، التمهيد ٢/٧٠، شرح النووي على صحيح مسلم ٩/٧.
(٣) تنبيه: وَصَف ابن عبد البر الرمل بأنه: (دون الهرولة) ومراده بالهرولة: العدو. وخالفه في ذلك آخرون، فوصفوا الرمل بالهرولة. كالجوهري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وأبو الحسن المالكي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والرمل مثل الهرولة، وهو مسارعة المشي مع تقارب الخطى) . مجموع الفتاوى ٢٦/١٢٢. وقال أبو الحسن المالكي في كفاية الطالب ١/٦٦٧: (الخبب، الرمل، وهو الهرولة. فوق المشي، ودون الجري) . وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح إلى عمر بن عبد العزيز:» أنه كان يهرول في الطواف «انظر: هداية السالك ٢/٧٩٦. وتوسط ابن دريد بين الرأيين، فقال: (هو شبيه بالهرولة، وأصله أن يُحرك الماشي منكبيه في مشيه) . انظر: شرح الزرقاني على الموطأ ٢/٤٠٣. والذي يظهر لي: أنه لا تعارض بينهم. إذ الجميع متفقون على أن الرمل ليس عدوًا سريعًا، أو سعيًا شديدًا. قال الماوردي في الحاوي ٤/١٤٠: (أما الرمل فهو: الخبب. فوق المشي، ودون السعي) . وقد نبّه الزركشي على ذلك في شرحه ٢/١٩٢. فقال: (تنبيه: الرمل. قال الجوهري: الهرولة. وقال الأزهري: الإسراع، وفسّر الأصحاب الرمل: بإسراع المشي، مع تقارب الخطى من غير وثب) .
[ ٢٢٩ ]
وهيأته أن يُحرك منكبيه لشدة الحركة في مشيه» (١) . قال صديق خان: «ومعنى الرمل: الإسراع في المشي مع تقارب الخطى. وهو دون العدو، وفوق المشي المعتاد. ولا يعدو، كما يفعل العوام» (٢) .
_________________
(١) الاستذكار ١٢/١٢٦.
(٢) رحلة الصديق ص ٩٢. وقال النووي في المجموع ٨/٤٥: (قال المتولي: تكره المبالغة في الإسراع في الرمل. بل يرمل على العادة، لحديث جابر) .
[ ٢٣٠ ]