الأصل في مشروعية الاضطباع والرمل: أن المشركين قالوا - قبل دخول النبي (وأصحابه (مكة في عمرة القضية سنة سبع ـ: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وَهَنَتْهُم الْحُمَّى، ولقوا منها شدّة، فجلسوا مما يلي الحِجْر. وأمر النبي (أصحابه (أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جَلَدَهم. فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم. هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عباس (: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبْقَاء عليهم» (١) .
فرملوا واضطبعوا ليرى المشركون قُوَّتهم بالرمل، وصحة أبدانهم بالاضطباع. قال ابن عباس (: «إنما سعى رسول الله (ورمل بالبيت، ليُرِي المشركين قوَّته» (٢) .
وعنه (قال: قال النبي (لأصحابه حين أرادوا دخول مكة في عمرته
_________________
(١) متفق عليه من حديث ابن عباس (. أخرجه البخاري في الحج، باب كيف كان بدء الرمل (٥٥) ٢/١٦١ مختصرًا، ومسلم في الحج، باب استحباب الرمل في الطواف ٩/١٢ مع شرح النووي.
(٢) أخرجه مسلم ٩/١٣.
[ ٢٣٣ ]
بعد الحديبية: «ثم إن قومكم غدًا سيرونكم، فليروكم جُلْدًا» . فلما دخلوا المسجد استلموا الركن ثم رملوا، والنبي (معهم حتى إذا بلغوا إلى الركن اليماني مشوا إلى الركن الأسود، ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم مشى الأربع» (١) . وفي لفظ «أن النبي (اضطبع فاستلم وكبّر، ثم رمل ثلاثة أطواف، وكانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيّبوا من قريش مشوا، ثم يطلعون عليهم يرملون. تقول قريش: كأنهم الغزلان. قال ابن عباس: فكانت سنة» (٢) . قال الشوكاني: «والحكمة في فعله - أي: الاضطباع - أنه يُعين على إسراع المشي» (٣) .
ثم استمر النبي (يرمل بعد ذلك في عُمَرِه وحجته، فرمل في طوافه أول قدومه مكة في حجة الوداع من الْحَجَر إلى الْحَجَر ثلاثًا، ومشى أربعًا. فاستقرّت سُنَّة الرمل والاضطباع. فعن ابن عمر (: «أن رسول الله (كان إذا طاف في الحج أو العمرة أوّل ما يقدم، سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة» (٤) . وعنه (قال: «رمل رسول الله (من الْحَجَر إلى الْحَجَر ثلاثًا، ومشى أربعًا» (٥) . وقال عمر (: «مالنا والرمل
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/٣١٤، وابن ماجة (٢٩٥٣)، وابن حبان كما في الإحسان (٣٨١٤) كلهم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس به. قال في التعليق على المسند ٥/٥٩: إسناده قوي على شرط مسلم. رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير ابن خثيم، فمن رجال مسلم.
(٢) أخرجه أبو داود في المناسك، باب في الرمل ٢/١٧٩ (١٨٨٩) من طريق الأنباري، عن يحيى بن سليم، عن ابن خيثم. قال ابن جماعة في هداية السالك: إسناد لا بأس به ٢/٨٠٢.
(٣) نيل الأوطار ٥/١١١.
(٤) متفق عليه. أخرجه البخاري في الحج، باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة (٦٣) ٢/١٦٣، ومسلم باب استحباب الرمل ٩/٧. وأخرج البخاري نحوه في الرمل في الحج والعمرة (٥٧) ٢/١٦١ بلفظ:» سعى النبي (ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة «.
(٥) أخرجه مسلم في الحج، باب استحباب الرمل ٩/٩.
[ ٢٣٤ ]
إنما كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله؟ ثم قال: شيء صنعه النبي (فلا نُحب أن نتركه» (١) .
قال ابن تيمية: «إن العبادة قد تُشرع أولًا لسبب ثم يزول ذلك ويجعلها الله سبحانه عبادة وقربة، كما قد رُوي في: الرمل والاضطباع، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار» (٢) .
وقال بعض العلماء: إن الحكمة في بقاء مشروعيته بعد زوال العلة، تَذَكُّر ما أنعم الله تعالى به على المسلمين من العِزِّ والكثرة بعد القلة، والقوة بعد الضعف، فيكون ذلك باعثًا على الانقياد، ويحصل به تعظيم الأولين، لما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله تعالى، والمبادرة عليه، وبذل الأنفس فيه (٣) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في الحج، باب الرمل في الحج والعمرة (٥٧) ٢/١٦١.
(٢) شرح العمدة ٣/٤٢٢. وقال الخطابي في معالم السنن ١/١٩٤: (فيه دليل على أن النبي (قد يَسُن الشيء لمعنى، فيزول وتبقى السنة على حالها) . وقال المحب الطبري: (وقد يحدث شيء من أمر الدين لسبب، ثم يزول السبب ولا يزول حكمه، كالعرايا، والاغتسال للجمعة ونحو ذلك) القِرى ص ٣٠٢.
(٣) انظر: هداية السالك ٢/٨٠٣، إعانة الطالبين ٢/٢٩٩، عون المعبود ٥/٢٣٩. وقال الحافظ في فتح الباري ٣/٤٧٢: (إن عمر كان همَّ بترك الرمل في الطواف، لأنه عرف سببه، وقد انقضى، فهمّ أن يتركه، لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك، لاحتمال أن تكون له حكمة ما اطلع عليها، فرأى الاتباع أولى من طريق المعنى. وأيضًا إن فاعل ذلك إذا فعله تذكر السبب الباعث على ذلك، فيتذكر نعمة الله على إعزاز الإسلام وأهله) .
[ ٢٣٥ ]