اتفق العلماء ﵏ على أن الاضطباع والرمل مشروعان للرجال١.
واتفقوا أيضًا: على أنهما لا يُشرعان للنساء ٢.
وحكاه ابن المنذر، وابن عبد البر إجماعًا٣. وقال النووي: “ الاضطباع مسنون للرجال، ولا يُشرع للمرأة بلا خلاف” ٤. لأنهما شُرعا لإظهار الْجَلَد، وليس مطلوبًا منهن. بل إنما يُقصد فيهن الستر، وفي الاضطباع والرمل، تعرّض للانكشاف ٥.
_________________
(١) ١ انظر: البحر الرائق ٢/٣٨٢، إيضاح المناسك ص ٦٨، الرسالة مع تنوير المقالة ٣/٤٣٥، البيان والتحصيل ٣/٤٥٠، قوانين الأحكام الشرعية ص ١٣٩، الشرح الكبير ٢/٤١، ٤٣، أقرب المسالك ٢/٣٥٢، حلية العلماء ٣/٢٨٥، مغني المحتاج ١/٤٨٩، إعانة الطالبين ٢/٢٩٩ الكافي ١/٤٣٢، كشاف القناع ٢/٤٨٠. ٢ انظر: المراجع السابقة و: المبسوط ٤/٣٣، المحلى ٧/٩٦، بداية المجتهد ١/٣٤٠، الشرح الصغير ٢/٣٥٢، التاج والإكليل ٣/١٠٩، المجموع ٨/٢٠، شرح صحيح مسلم للنووي ٩/٧ روضة الطالبين ٣/٨٨، المقنع مع الشرح الكبير ٩/١٠٢، الفروع ٢/٤٩٩، التوضيح ٢/٥١٨. وعقد الماوردي فصلًا فيما تخالف فيه المرأة الرجل في الطواف. في الحاوي ٤/٩٤ فقال: “فأما ما تُخالفه في هيئات الطواف فثلاثة أشياء: أحدها، أن الرجل مأمور بالاضطباع فيه، والرمل. والمرأة منهية عن ذلك، بل تمشي على هيئتها، وستر جميع بدنها”. ٣ انظر: الإجماع لابن المنذر ص ٤٨، التمهيد ٢/٨٨، الاستذكار ١٢/١٣٩، الشرح الكبير ٩/١٠٢، المبدع ٣/٢١٨. ٤ المجموع ٨/٢١. ٥ انظر: البحر الرائق ٢/٣٨٢، الشرح الكبير ٩/١٠٢، المبدع ٣/٢١٨. تنبيه: نصّ الصاوي في بلغة السالك ٢/٣٥٢، والأزهري في إيضاح المناسك ص ٦ على أن الرجل لا يرمل إذا كان طوافه عن المرأة. قال الأزهري: “لا يرمل الرجل إذا أحرم عن المرأة”. وهذا محل نظر، إذ يلزم عليه: أن المرأة ترمل إذا أحرمت عن الرجل!! والصحيح أن الإحرام إنما هو بالنية، ويفعل كل واحد منهما ما يفعله لو أحرم لنفسه.
[ ٢٩٧ ]
وقال الشافعي: “ وليس على النساء رمل بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، ويمشين على هينتهن، وأحب للمشهورة بالجمال أن تطوف وتسعى ليلًا. وإن طافت بالنهار سدلت ثوبها على وجها، أو طافت في ستر”١. وقال الشيرازي: “ ولا ترمل المرأة ولا تضطبع، لأن في الرمل تبين أعضاؤها، وفي الاضطباع، ينكشف ما هو عورة منها” ٢. وقال البكري: “ لا يُسن لها الرمل، ولو ليلًا، ولو في خلوة، لأن بالرمل تتبين أعطافها، وفيه تشبه بالرجال. قال في التحفة: بل يَحْرم إن قصدت التشبه. ومثل الرمل في ذلك الاضطباع. ومثل الأنثى الخنثى” ٣.
وقد دلّ على منع الاضطباع والرمل للنساء آثار عن الصحابة ﵃ ٤،
_________________
(١) ١ الأم ٢/٢١١. ٢ المهذب مع المجموع ٨/٤٠. وقال النووي في شرحه ٨/٤٥: “اتفقت نصوص الشافعي، والأصحاب على أن المرأة لا ترمل ولا تضطبع، قال الدارمي، وأبو علي البندنيجي وغيرهما: ولو ركبت دابة، أو حُمِلت في الطواف لمرض ونحوه، لم تضطبع، ولا يرمل حاملها. قال البندنيجي: سواء في هذا الصغيرة والكبيرة، والصحيحة والمريضة. قال القاضي أبو الفتح، وصاحب البيان: والخنثى في هذا كالمرأة. والله أعلم”. ٣ إعانة الطالبين ٢/٢٩٩. ٤ قال البيهقي في السنن الكبرى ٥/٤٨: “ورويناه عن فقهاء التابعين من أهل المدينة”، وروى سعيد بن منصور عن سليمان بن يسار:» أن السنة عندهم، أنه ليس على المرأة هرولة بالبيت، ولا سعي بين الصفا والمروة «. وروى عن مكحول:» ليس على النساء رمل بالبيت، ولا سعي بين الصفا والمروة «، انظر: القِرى ص ٢٩٩. وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه ٣/١٥١ آثارًا أخرى عن بعض التابعين، كعطاء، والحسن، وإبراهيم. وأخرج أثر إبراهيم، أبو يوسف في كتاب الآثار ١/٩٥، ١١٦.
[ ٢٩٨ ]
فمن ذلك:
عن ابن عمر ﵁ أنه قال: “ليس على النساء رمل بالبيت، ولا بين الصفا والمروة”١.
وعنه ﵁ أنه قال: “ليس على النساء سعي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة”٢.
وعن عائشة ﵂ أنها سئلت: على النساء رمل؟ فقالت: “أليس لَكُّنَّ بنا أسوة! ليس عليكن رمل بالبيت، ولا بين الصفا والمروة”٣.
وعن ابن عباس ﵁ قال: “ليس على النساء رمل” ٤.
واختلف العلماء ﵏ في مشروعية الاضطباع والرمل للصبي، وفي مشروعيتهما لأهل مكة، وللراكب والمحمول. وسأعرض لذلك في الفروع التالية:
الفرع الأول: الاضطباع والرمل للصبي.
اختلف العلماء ﵏ في مشروعية الاضطباع والرمل للصبي
_________________
(١) ١ أخرجه الدارقطني ٢/٢٩٥، وابن أبي شيبة ٣/١٥١، وأبو نعيم في الحلية ٩/٣٦. ٢ أخرجه الدارقطني ٢/٢٩٥، والبيهقي ٥/٤٨، ٨٤. وقال النووي في المجموع ٨/٤٥: “استدل الشافعي ثم البيهقي بما روياه في الصحيح عن ابن عمر - ثم ذكره”. ٣ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنّفه ٣/١٥١ من طريق ليث عن مجاهد. والبيهقي ٥/٨٤ بنحوه من طريق هشام بن عروة عن أبيه. ٤ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣/١٥١. من طريق ابن أبي ليلى عن عطاء.
[ ٢٩٩ ]
على قولين:
القول الأول: يُشرع للصبي الاضطباع والرمل، كالرجل.
وإلى هذا القول ذهب: جمهور العلماء القائلين بمشروعيتهما، من الحنفية، والمالكية في المشهور، والحنابلة، والأصح عند الشافعية ١.
القول الثاني: لا يُشرع له الاضطباع، ولا الرمل، لأنه ليس من أهل الجلد.
وإلى هذا القول ذهب: الشافعية في وجه ٢. وأطلق خليل الخلاف فيه. فقال: “ وفي الرمل بالمريض والصبي، خلاف” ٣.
الرأي المختار:
ما ذهب إليه الجمهور من مشروعية الاضطباع والرمل للصبي، هو الرأي المختار، لأن الصبي ملحق بالرجل في أحكامه، ومنها ملابس إحرامه،
_________________
(١) ١ انظر: الشرح الكبير ٢/٤١، الشرح الصغير ٢/٣٥٢، التاج والإكليل ٣/١٠٩، كفاية الطالب ١/٦٦٧، المقنع مع الشرح الكبير ٩/١٠٢، التوضيح ٢/٥١٨، المقنع لابن البنا ٢/٦١٩، شرح الزركشي ٢/١٩٤، منتهى الإرادات ٢/١٤٣، كشاف القناع ٢/٤٤٧، حلية العلماء ٣/٢٨٥، روضة الطالبين ٣/٨٨، هداية السالك ٢/٨٠٧، مغني المحتاج ١/٤٨٩، ٤٩٠، وقال النووي في المجموع ٨/٢٠: “وفي الصبي طريقان، أصحهما - وبه قطع الجمهور - يُسن له، فيفعله بنفسه، وإلا فيفعله به وليّه، كسائر أعمال الحج. والثاني، فيه وجهان: أصحهما هذا، والثاني: لا يشرع له”. ولم أقف على نص صريح للحنفية في ذلك، لكنه ظاهر من تعليلهم في منع المرأة من ذلك. قال السرخسي في المبسوط ٤/٣٣: “ولا رمل عليها في الطواف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، لأن الرمل لإظهار التجلد والقوة، والمرأة ليست من أهل القتال، لتُظهر الجلادة من نفسها، ولا يؤمن أن يبدو شيء من عورتها..” ٢ انظر: حلية العلماء ٣/٢٨٥، المجموع ٨/٢٠، الشرح الكبير ٩/١٠٢. ٣ منسك خليل ص ٦٨.
[ ٣٠٠ ]
ومحظوراته، إذ يُحْرِم في إزار ورداء، فيكون ملحقًا به في هيئة أفعاله من اضطباع ورمل..، وقد مضى تقرير أن الاضطباع والرمل وإن شُرعا في الأصل لإظهار الجلادة، إلا أنهما سنتان ثابتتان بعد ذهاب سببهما، وليسا لإظهار القوة أو الجلادة فإن شق على الصبي فعلهما، لزحام، أو ضرر ونحو ذلك، فيكون حكمه حكم العاجز عن أدائهما. والله أعلم.
الفرع الثاني: الاضطباع والرمل لأهل مكة.
اختلف العلماء ﵏ في مشروعية الاضطباع والرمل لأهل مكة، أو لمن أحرم منها من غير أهلها. على قولين:
القول الأول: لا يُشرع الاضطباع والرمل إلا للآفاقي، الذي يأتي إلى مكة من خارجها. أما أهل مكة، ومن يُحْرِم منها من غير أهلها، فلا يُشرع لهم الاضطباع.
وإلى هذا القول ذهب: الشافعي في القديم١، والحنابلة ٢، وهو مروي عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ ٣، والحسن، وعطاء ٤. قال الترمذي: “ قال بعض أهل العلم ليس على أهل مكة رمل، ولا على من أحرم منها” ٥.
_________________
(١) ١ انظر: مصادر الشافعية في القول الثاني. ٢ انظر: المغني ٥/٢٢١، المحرر ١/٢٤٦، شرح العمدة ٤/٣٥٤، الفروع ٢/٤٩٩، شرح الزركشي ٢/١٩٤، كشاف القناع ٢/٤٤٧، المبدع ٣/٢١٨، هداية السالك ٢/٨٠٨. قال الموفق ابن قدامة: “قال أحمد: ليس على أهل مكة رمل عند البيت، ولا بين الصفا والمروة”. وقال صاحب المبدع: “وكذا أهل مكة، لا رمل عليهم في قول الأكثر، لأن إظهار الجلد معدوم في حقهم، وحكم من أحرم منها حكم أهلها، ولو كان متمتعًا”. ٣ انظر: البيهقي ٥/٨٤، المغني ٥/٢٢١، هداية السالك ٢/٨٠٨. ٤ انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٣/٣٧٤، المحلى ٧/٩٦. ٥ السنن ٣/٢١٢.
[ ٣٠١ ]
القول الثاني: يُشرع الاضطباع والرمل لأهل مكة، ومن أحرم منها، كما يُشرع لغيرهم.
وإلى هذا القول ذهب: الشافعية في المذهب١، والمالكية في المشهور٢، وهو مروي عن مجاهد ٣.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول، بما يلي:
عن نافع قال: “إن عبد الله بن عمر ﵁ كان إذا أحرم من مكة، لم يطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى، وكان لا يرمل إذا طاف حول البيت إذا أحرم من مكة” ٤.
_________________
(١) ١ انظر: المجموع ٨/٤٣، هداية السالك ٢/٨٠٤، إعانة الطالبين ٢/٢٩٩، مغني المحتاج ٤/٤٩٠. وقال النووي في المجموع: “وأما المكي المنشئ حجه من مكة. فهل يرمل في طواف الإفاضة؟ فإن قلنا: بالقول الثاني، لم يرمل، إذ لا قدوم في حقه. وإن قلنا بالأول، رمل، لاستعقابه السعي. وهذا المذهب”. ٢ انظر: بداية المجتهد ١/٣٤١، الشرح الكبير ٢/٤١، ٤٣، الشرح الصغير /٣٥٢، ٣٥٥، مواهب الجليل والتاج والإكليل ٣/١٠٩، ١١٥. وقد مضى في الفرع الثالث، من المطلب الرابع التنبيه على أن المالكية يفرقون بين مشروعية الرمل للآفاقي، الذي يُحرم من المواقيت، ومن يحرم من دونها، كالتنعيم والجعرانة، فيُسن للأول، ويُندب للثاني. ٣ انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٣/٢٧٧، ٣٧٤. ويظهر أن الحنفية يذهبون إلى هذا القول، ولم أقف على تصريح لهم بذلك، إلا أنهم يوافقون المالكية والشافعية على أن الرمل يُشرع في كل طواف يعقبه سعي، بل يرون مشروعية تكراره في الحج، كما مضى تقريره في الفرع الأول، من المطلب السادس. ٤ أخرجه مالك في الموطأ، في كتاب الحج، باب الرمل في الطواف ١/٣٦٥، وابن أبي شيبة في مصنفه ٣/٣٧٤، والبيهقي ٥/٨٤.
[ ٣٠٢ ]
وسئل عطاء عن المجاور إذا أهلّ من مكة، هل يسعى الأشواط الثلاثة؟ قال: إنهم يسعون. فأما ابن عباس فإنه قال: “إنما ذلك على أهل الآفاق” ١.
إن الرمل إنما شُرع في الأصل لإظهار الْجَلَد والقوة لأهل البلد. وهذا المعنى معدوم في أهل البلد ٢.
الاضطباع سنة الرمل. فمن لا يُشرع له الرمل، لا يُشرع له الاضطباع، كالنساء٣.
واستدل أصحاب القول الثاني، بما يلي:
إن الرمل سنة ثابتة بعد زوال سببها، فيستوي فيها المكي وغيره ٤.
إنه يُشرع في كل طواف يعقبه سعي، فيستوي في ذلك المكي وغيره ٥.
الرأي المختار:
ليس في هذه المسألة نصوص من السنة يُعتمد عليها في الترجيح أو الاختيار. ولعل ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، القائلون: بعدم استحباب الاضطباع والرمل للمكي، وللمحرم منها من غير أهلها، هو أولى الرأيين
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣/٣٧٤، المحلى ٧/٩٦. ٢ انظر: المغني ٥/٢٢٢، شرح الزركشي ٢/١٩٤، كشاف القناع ٢/٤٨٠. وقال ابن البنا في شرحه ٢/٦١٩: “لأن النبي ﷺ أمر بذلك من قدم من أهل البلدان، ليعلم أهل مكة قوتهم، وجلدهم. وهذا المعنى معدوم في أهل مكة”. ٣ انظر: الشرح الكبير ٩/١٠٣، البحر الرائق ٢/٣٨٢، إعانة الطالبين ٢/٣٠٠، نيل الأوطار ٥/١١١، حاشية ابن عابدين ٢/٥٢٨. وقال الزركشي في شرحه ٢/١٩٤: “تنبيه: يُسن الاضطباع لمن يُسن له الرمل”. ٤ أرجع ابن رشد سبب الخلاف بين القولين إلى: “هل الرمل كان لعلة، أو لغير علة؟ وهل هو مختص بالمسافر أم لا؟ ”. والسبب الثاني أظهر. ٥ انظر: المجموع ٨/٤٣.
[ ٣٠٣ ]
بالاختيار. وذلك لما يلي:
مضى تقرير أن النبي ﷺ إنما رمل في طوافه الأول في حجته. وأهل مكة لم يطوفوا مع النبي ﷺ هذا الطواف، ليقتدوا به في ذلك.
مضى أيضًا تقرير أن النبي ﷺ لم يرمل في طواف الإفاضة١، ولم يثبت أنه أمر أهل مكة بالرمل فيه. وهو الطواف الذي يختص به المكي. فظاهر هذا أن أهل مكة لم يرملوا في حجهم مع النبي ﷺ مطلقًا.
إن ما استدل به أصحاب القول الأول من الرواية عن بعض الصحابة ﵁ في التفريق بين المكي وغيره، يعضد هذا القول ويقوِّيه. والله أعلم.
الفرع الثالث: الاضطباع والرمل للراكب، والمحمول ٢.
_________________
(١) ١ في الفرع الأول من المطلب السادس. ٢ تنبيه: عبّر بعض الحنابلة عن ذلك بـ: “حامل معذور”. انظر: الفروع ٢/٤٩٩، المبدع ٣/٢١٨، التوضيح ٢/٥١٧، منتهى الإرادات ٢/١٤١، شرح منتهى الإرادات ٢/٤٩، ٥٠، وأوقع هذا التعبير اختلافًا في فهمه والمراد به. فقيل: المراد به، الطائف الذي يحمل المعذور، كصغير، ومريض في ردائه. هل يُشرع له الرمل والاضطباع أو لا؟ وقيل: المراد به: من يحمل الطائف المعذور في عدم مشيه، لعجز بسبب صغر، أو هرم، أو مرض. هل يُشرع له. بأن يرمل به حامله أو لا؟ ونبّه على ذلك الجاسر في مفيد الأنام ص ٢٣٨، ٢٣٩ إذ قال: “قال في المنتهى وشرحه: ويضطبع استحبابًا غير حامل معذور بحمله بردائه. انتهى. فقوله “بحمله” متعلق بمعذور، وقوله “بردائه” متعلق بيضطبع. وقال عبد الوهاب بن فيروز على قوله في شرح الزاد “إن لم يكن حامل معذور بردائه” قوله: “إن لم يكن حامل معذور” بالإضافة. أي: بأن حمل في ردائه معذورًا. انتهى. قلت: فيما جنح إليه ابن فيروز، نظر. قال الشيخ عثمان النجدي: قوله “غير حامل معذور” وهو بالإضافة. أي: غير حامل شخصًا معذورًا، كمريض وصغير، فلا يستحب في حق الحامل الطائف به اضطباع، ولا رمل. هكذا ينبغي أن يُفهم. ويدل له قول العلامة ابن قندس عند قول الفروع: “أو حامل معذور” أي: المعذور، إذا حمله آخر، ليطوف به، لا يرمل الحامل. انتهى. فالأظهر ما قاله الشيخ عثمان: من أن حامل المعذور لا يستحب له الاضطباع مطلقًا، سواء حمل المعذور في ردائه، أو لم يحمله فيه. ويؤيد هذا قوله في الإقناع وشرحه: ويطوف سبعًا يرمل في الثلاثة منها: ماشٍ غير راكب، وغير حامل معذور، وغير نساء، وغير محرم من مكة، أو من قربها. فلا يسن هو. أي: الرمل. ومن لا يُشرع له الرمل، لا يُشرع الاضطباع. انتهى ملخصًا. ومنه يتضح عدم وجاهة ما ذهب إليه عبد الوهاب بن فيروز في حاشيته على شرح الزاد. والله أعلم”. وانظر: حاشية عثمان النجدي ٢/١٤١. وما ذهب إليه الجاسر من التنبيه، هو الصواب، إذ صورته قريبة من الراكب، ولذا كان اقترانهما في المسألة. قال أبو الفرج ابن قدامة في الشرح الكبير ٩/١٠٨: “وإذا طاف راكبًا أو محمولًا، فلا رمل فيه”. وهذا هو الموافق للمذاهب الأخرى. قال النووي في المجموع ٨/٤٤: “ولو طاف راكبًا أو محمولًا. فهل يُستحب أن يُحرك الدابة ليُسرع كإسراع الرامل، ويُسرع به حامله أم لا؟ ”.
[ ٣٠٤ ]
المراد بالراكب: من طاف راكبًا على دابة، كبعير ونحوه ١. فهل يُشرع له الاضطباع والرمل، بأن تُحرَّك الدابة أثناء سيرها، أو لا يُشرع له ذلك؟ والاضطباع تبع للرمل في ذلك ٢.
والمراد بالمحمول: من طِيف به محمولًا على ظهر إنسان، أو على رأسه، لصغر، أو عجز٣.فهل يُشرع له الاضطباع والرمل. بأن يُسرِع به الحامل، كهيئة الرامل، أم لا يُشرع له ذلك؟
_________________
(١) ١ ويُلحق بهذا، الكراسي المتحركة، التي يستخدمها كبار السن، والعاجزون عن الحركة. ٢ الشرح الكبير ٩/١٠٨. ٣ طواف المحمول أصبح كثير المشاهدة وبخاصة في أيام الحج. وقد نظَّم المسؤولون عن شؤون المسجد الحرام من يقومون بإعانة العاجزين عن مباشرة أداء مناسكهم من طواف أو سعي. كما وفّرت الكراسي المتحركة، لمن يتولى بنفسه دفع قريبه. فجزى الله هذه الدولة خير الجزاء على ما تقوم به من خدمات جليلة لحجاج بيت الله الحرام.
[ ٣٠٥ ]
اختلف العلماء ﵏ في ذلك على قولين:
القول الأول: لا يُشرع للراكب ولا للمحمول، الاضطباع ولا الرمل.
وإلى هذا القول ذهب: الحنفية والحنابلة في المشهور ١، والمالكية في وجه ٢، والشافعية في قول ٣.
القول الثاني: يُشرع لهما الاضطباع والرمل. سواء أكان الراكب والمحول بالغًا، أم صبيًا، أم مريضًا.
وإلى هذا القول ذهب: المالكية في المشهور٤، والشافعية في الأصح ٥،
_________________
(١) ١ انظر: الفروع ٢/٤٩٩، المبدع ٣/٢١٨، التوضيح ٢/٥١٧، منتهى الإرادات ٢/١٤١، كشاف القناع ٢/٤٤٧، هداية السالك ٢/٨٠٥. قال ابن جماعة: “وصحح ابن قدامة: أن الراكب، والحامل لا يرملان”. أما الحنفية، فلم أقف على ما يُساعد في نسبة هذا القول لهم، إلا قول السندي في لباب المناسك ص ٩١: “فلا يطوف بلا رمل، إلا إذا تعذّر لمرض”. وهي محتملة. والله أعلم. ٢ انظر: منسك خليل ص ٦٨، وأطلق الخلاف في ذلك، فقال: “وفي الرمل بالصبي والمريض خلاف”. وقال ابن جماعة في هداية السالك ٢/٨٠: “وفي التبصرة للخمي، قال أبو محمد: يُرمل بالمريض. وعلى قول ابن القاسم، لا يرمل بالصبي إذا طيف به محمولًا. وقال أصبغ: يُرمل به. وعلى قول ابن القاسم هذا، لا يرمل بالمريض. وهو أحسن فيه، وفي الصبي”. ٣ انظر: حلية العلماء ٣/٢٨. قال الشاشي: “فإن كان محمولا، رمل به حامله. وحكى الشيخ أبو حامد، أن للشافعي – ﵀ – قولًا آخر أن المريض لا يرمل به حامله”. ٤ انظر: الشرح الكبير ٢/٤١، الشرح الصغير ٢/٣٥٢، مواهب الجليل والتاج والإكليل ٣/١٠٩، كفاية الطالب ١/٦٦٧، هداية السالك ٢/٨٠٥. قال الدردير في الشرح الكبير: “رمل رجل في الأشواط الثلاثة الأول فقط. ولو كان الطائف مريضًا وصبيًا حُملا على دابة أو غيرها، فيَرْمل الحامل، وتُحرك الدابة، كما تُحرك في بطن محسر”. ٥ انظر: روضة الطالبين ٣/٨٧، المجموع ٨/٤٤، مغني المحتاج ١/٤٩٠.قال النووي في المجموع: “لو طاف راكبًا أو محمولًا، فهل يستحب أن يحرك الدابة، ليسرع، كإسراع الرامل، ويسرع به الحامل أم لا؟ فيه أربع طرق: أصحها، وبه قطع البغوي، وآخرون فيهما: قولان. ومنهم من حكاهما وجهين، أصحهما – وهو الجديد – يُستحب، لأنه كحركة الراكب والمحمول. والثاني: وهو القديم، لا يستحب، لأن الرمل مستحب للطائف، لإظهار الجلد والقوة. وهذا المعنى مقصود هنا، ولأن الدابة والحامل قد يؤذيان الطائفين بالحركة ”
[ ٣٠٦ ]
ووجه عند الحنابلة ١. قال ابن جماعة: “ وإن طاف راكبًا أو محمولًا، فالأصح عندهم - أي: الشافعية - أنه يرمل الحامل، سواء أكان المحمول بالغًا، أم صبيًا. ويحرك الدابة. وفي قول قديم: لا يرمل الحامل بالمحمول، ولا يحرك الدابة”٢.
الأدلة:
احتج أصحاب القول الأول، بما يلي:
إن النبي ﷺ لم يفعله، ولا أمر به ٣.
إن الرمل بالراكب والمحمول، لا يتحقق به معنى الرمل من إظهار الجلادة والقوة ٤.
إن الدابة والحامل قد يؤذيان الطائفين بالحركة ٥.
إن من لا يُشرع له الرمل، لا يشرع له الاضطباع ٦.
_________________
(١) ١ انظر: الشرح الكبير٩/١٠٨، الفروع ٢/٤٩٩، المبدع ٣/٢١٨، كشاف القناع ٢/٤٤٧. قال أبو الفرج ابن قدامة: “يخبّ به بعيره”. وذكر الآجري: يرمل بالمحمول. ٢ هداية السالك ٢/٨٠٥،٨٠٤. ٣ انظر: الشرح الكبير ٩/١٠٨. ٤ انظر: المرجع السابق. ٥ انظر: المجموع ٨/٤٤. ٦ انظر: الشرح الكبير ٩/١٠٣، المبدع ٣/٢١٨، كشاف القناع ٢/٤٤٧.
[ ٣٠٧ ]
واحتج أصحاب القول الثاني، بما يلي:
بعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١.
وقوله ﷺ: “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم” ٢. فالراكب والمحمول يُشرع لهما الإتيان بما يستطيعانه. وهما يستطيعان الرمل بغيرهما. فيأتيان به.
إن الرمل في هيئته، كحركة الراكب والمحمول ٣.
إن الرمل سُنَّة ثابتة بعد زوال سببها، فيستوي فيها القوي وغيره ٤.
الرأي المختار:
ليس في هذه المسألة من النصوص ما يُستعان به على ترجيح أحد الرأيين واختياره. وما ذهب إليه أصحاب القول الأول، القائلون: بعدم مشروعية الاضطباع والرمل للراكب والمحمول. هو الرأي الذي أختاره، وذلك لما يلي:
إن ما استدل به أصحاب القول الثاني من العمومات، قد لا تحتمله هذه المسألة، ولا يدخل فيها. إذ أن نسبة الرمل للطائف من خلال تحريك الدابة، أو سرعة الحامل، فيه بُعْد ظاهر.
إن من طاف راكبًا أو محمولًا، فإنما فعل ذلك لعجزه، وبالعجز تسقط الواجبات، فضلا عن السنن والمندوبات. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سورة التغابن، آية: ١٦. ٢ تقدم تخريجه. ٣ انظر: المجموع ٨/٤٤. ٤ هذا نظير حجة القائلين بالرمل للمكي.
[ ٣٠٨ ]