مسيئًا فلعله أن يستعتب» (١).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يتمنينَّ أحدكم الموت ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا» (٢).
وعن أم الفضل ﵂: أن رسول الله - ﷺ - دخل عليهم، وعباس عم رسول الله - ﷺ - يشتكي فتمنى عباس الموت، فقال له رسول الله - ﷺ -: «يا عمّ! لا تتمنَّ الموت، فإنك إن كنت محسنًا فأن تؤخَّر تزدد إحسانًا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئًا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمنى الموت» (٣).
وفي حديث عمار - ﵁ - يرفعه وفيه: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي » (٤).
١٢ - لا بأس أن يتداوى المريض؛ لحديث جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لكل داءٍ دواءٌ فإذا أُصيب دواءُ الداء برأ بإذن الله تعالى» (٥)؛
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧٣، ومسلم، كتاب صفات المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى، برقم ٢٨١٦، واللفظ للبخاري إلا ما بين المعقوفات فلمسلم.
(٢) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨٢.
(٣) أحمد، ٦/ ٣٣٩، وأبو يعلى، برقم ٧٠٧٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٣٣٩، والبيهقي، ٣/ ٣٧٧، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص١٢.
(٤) النسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر، برقم ١٣٠٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٨٠، ٢٨١.
(٥) مسلم، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم ٢٢٠٤.
[ ١١٦ ]
ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً» (١)؛
ولحديث أسامة بن شريك، قال: قالت الأعراب يا رسول الله: ألا نتداوى؟ قال: «نعم يا عباد الله تداووا؛ فإن الله - ﷿ - لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داءٍ واحدٍ» قالوا: يا رسول الله! وما هو؟ قال: «الهرم»، وفي لفظ لأحمد: «تداووا عباد الله؛ فإن الله - ﷿ - لم ينزل داء إلا أنزل معه شفاء إلا الموت والهرم». وفي لفظ لأحمد أيضًا: «تداووا؛ فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، عَلِمَه من عَلِمَه، وجَهِلَهُ من جهله».وفي لفظ لابن ماجه قالوا: يا رسول الله! ما خير ما أعطي العبد؟ قال: «خلق حسن» (٢).
وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - يرفعه: «ما أنزل داءً إلا قد أنزل له شفاء، عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ» (٣).
ولا شك أن الأدوية من قدر الله تعالى (٤)، وقد قال أبو عبيدة بن الجراح لعمر حينما لم يدخل بالجيش الشام بسبب وجود الطاعون بها:
_________________
(١) البخاري، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٥٦٧٨.
(٢) أحمد، ٤/ ٢٧٨، والترمذي، كتاب الطب عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في الدواء والحث عليه، برقم ٢٠٣٨، وأبو داود، كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، برقم ٣٨٥٥، وابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، وغيره، ٢/ ٤٦١.
(٣) أحمد، برقم ٣٥٧٨، ٣٩٢٢، ٤٢٣٦، ٤٢٦٧، ٤٣٣٤، وقال أحمد شاكر في شرحه للمسند، ٥/ ٢٠٠: «إسناده صحيح». وأخرجه ابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٨.
(٤) انظر: مسند الإمام أحمد، برقم ١٥٤٧٢، ١٥٤٧٣، ١٥٤٧٤، وزاد المعاد ٤/ ١٤.
[ ١١٧ ]
«أفرارًا من قدر الله؟» فقال عمر - ﵁ -: «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة – وكان عمر يكره خلافه، نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله » (١).
قال الإمام ابن القيم – ﵀ –: «فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله - ﷺ -: «لكل داء دواء» على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن الطبيب أن يبرئها، ويكون الله - ﷿ - قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلًاًً؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علّمهم الله، وهذا أحسن المحملين في الحديث » (٢).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز – ﵀ – يقول: «هذه الأحاديث تدل على شرعية التداوي بالطرق المباحة، وهو خير مِنْ تَرْك الدواء؛ لأن الدواء يعينه على الطاعة، والمرض قد يعوقه عن الطاعات» (٣)، وقال ﵀: «الله قدر الداء وقدَّر الدواء، فكلٌّ من قدر الله» (٤)، وسمعته أيضًا يقول: «ترك الأسباب عجز، والتوكل هو الاعتماد على الله والعمل بالأسباب» (٥)، وقال: «وتعطيل الأسباب فيه
_________________
(١) متفق عليه في قصة طويلة: البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، برقم ٥٧٢٩، ومسلم، كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، برقم ٢٢١٩.
(٢) زاد المعاد، ٤/ ١٤.
(٣) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٣.
(٤) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٤.
(٥) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٥.
[ ١١٨ ]
فساد الدين والدنيا، أما حديث السبعين [ألف] الذين يدخلون الجنة بغير حساب فهو من باب الأفضلية، وإذا احتاج إلى الاسترقاء، أو الكي فلا حرج» (١).
وكنت أسمعه يرجح أن التداوي يكون مستحبًّا فقط، ولا يكون واجبًا على الصحيح.
وذكر العلامة ابن عثيمين – رحمه الله تعالى – خلاف العلماء:
القول الأول: منهم من قال: يجب التداوي.
القول الثاني: منهم من قال: يستحب ولا يجب.
القول الثالث: منهم من قال: ترك التداوي أفضل، ولا ينبغي أن يتداوى الإنسان.
القول الرابع: قال بعض العلماء: إذا كان الدواء مما عُلِمَ أو غَلَبَ على الظن نفعه بحسب التجارب فهو أفضل، وإن كان من باب المخاطرة فتركه أفضل.
قال: والصحيح أنه يجب إذا كان في تركه هلاك، مثل: السرطان الموضعي، والسرطان الموضعي بإذن الله إذا قُطِع الموضع الذي فيه السرطان، فإنه ينجو منه، لكن إذا تُرِك انتشر في البدن، وكانت النتيجة هي الهلاك، فهذا يكون دواء معلوم النفع؛ لأنه موضعي يُقطع ويزول، وقد خرق الخضر السفينة، لإنجاء جميعها، فكذلك البدن إذا قطع بعضه من أجل نجاة باقيه كان ذلك واجبًا، وعلى ذلك فالأقرب أن يقال ما يلي:
_________________
(١) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٦.
[ ١١٩ ]