الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه كعب أن رسول الله - ﷺ - قال: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (١).
أما أرواح الشهداء فهي أعظم من ذلك، فقد ثبت في الصحيح أن: «أرواحهم في جوف طير خضرٍ، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل » (٢).
فينبغي للمسلم أن يعمل بهذه الأسباب الحسنة ويبتعد عن أسباب سوء الخاتمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن لنا جميعًا الخاتمة، وأن يوفقنا لِمَا يحبه ويرضاه.
١٢ - معرفة قصر الحياة الدنيا، وأنها كيوم أو بعض يوم مهما عاش الإنسان فحياته قصيرة جدًا، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣).
وقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند، ٣/ ٤٥٥، والنسائي في كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين، ٤/ ١٠٨، برقم ٢٠٧٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، ٢/ ١٤٢٨، برقم ٤٢٧١، وموطأ الإمام مالك، كتاب الجنائز، باب جامع الجنائز، ١/ ٢٤٠، برقم ٤٩. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٧٣٠، برقم ٩٩٥، وفي صحيح سنن النسائي، ٢/ ٤٤٥.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، ٣/ ١٥٠٢، برقم ١٨٨٧، من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
(٣) سورة القصص، الآية: ٨٨.
(٤) سورة الرحمن، الآيتان: ٢٦، ٢٧.
[ ٨٠ ]
وقال - ﷿ -: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الله وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ (١)، وهذا يدل على سرعة انقضاء الدنيا، وأن الناس إذا حشروا كأنَّه ما مر عليهم نعيم ولا بؤس وهم يتعارفون بينهم كحالهم في الدنيا، ففي هذا اليوم يربح المتقون ويخسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين إلى الصراط المستقيم والدين القويم (٢).
وقال الله - ﷿ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (٣).
وقال - ﷿ -: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٤).
وقال - ﷾ -: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٦).
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٤٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للعلامة السعدي، ص٣٦٥.
(٣) سورة الشعراء، الآيات: ٢٠٥ - ٢٠٧.
(٤) سورة الحج، الآية: ٤٧.
(٥) سورة المؤمنون، الآيات: ١١٢ - ١١٥.
(٦) سورة الروم، الآية: ٥٥.
[ ٨١ ]
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَومَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُم إن لَّبِثْتُمْ إلاَّ عَشْرًا * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُم طَرِيقَةً إن لَّبِثْتُمْ إلاَّ يَوْمًا﴾ (١).
وقال - ﷿ -: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢).
وقال الله - ﷿ - في الساعة: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٣).
وقال - ﷾ -: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٤).
وقال - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٥).
وعن المستورد أخي بني فهر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما مَثَل الدنيا في الآخرة إلا مَثَل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمِّ فلينظرْ بمَ يرجع» (٦).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (٧).
_________________
(١) سورة طه، الآيات: ١٠٢ - ١٠٤.
(٢) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.
(٣) سورة النازعات، الآية: ٤٦.
(٤) سورة الإسراء، الآية: ٥٢.
(٥) سورة العنكبوت، الآية: ١٤.
(٦) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١٠٨، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله، برقم ٢٣٢٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٤٧.
(٧) مسلم، كتاب الزهد، باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، برقم ٢٩٥٦.
[ ٨٢ ]
فينبغي للعبد المسلم أن يزهد في هذه الدنيا القصيرة ويتزود بالأعمال الصالحة، ويعلم أنه مهما طال عمره فهو قصير، ولكن يغتنمه فيما يرفع منزلته عند الله - ﷿ -، ويقيه من عذابه، فإن طال عمره وهو ملتزم بطاعة الله - ﷿ - فهو خير له، فعن عبد الله بن بُسر - ﵁ - أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله! من خير الناس؟ قال: «مَن طال عمره وحسن عمله» (١).
وعن أبي بكرة - ﵁ -: أن رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: «مَن طال عمره وحسن عمله» قال: فأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء عمله» (٢).
وأعمار أمة محمد - ﷺ - قصيرة من الستين إلى السبعين لمن أطال الله عمره، وقليل من يجوز ذلك؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين سنة». وفي لفظ: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» (٣).
وهذا العمر حجة على من لم يستعمله في طاعة الله - ﷿ -، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلّغه ستين سنة» (٤).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز –﵀– يقول: «وهذا
_________________
(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في طول العمر للمؤمن، برقم ٢٣٢٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٣٦.
(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في طول العمر للمؤمن، برقم ٢٣٣٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٣٦.
(٣) الترمذي، اللفظ الأول كتاب الزهد، باب ما جاء في فناء أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، برقم ٢٣٣١، واللفظ الثاني في كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي في هذا الموضع، ٣/ ٤٦٠.
(٤) البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، برقم ٦٤١٩.
[ ٨٣ ]