١٥ – يُشرع له أن يوصي بالثلث فأقل لغير وارث، ويُشهد على ذلك؛ ولاشك أن الصدقة في حال الصحة أعظم أجرًا؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: «أن تَصدَّقَ وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» (١).
وعن أبي حبيبة الطائي قال: أوصى إليَّ أخي بطائفة من ماله، فلقيت أبا الدرداء فقلت: إن أخي أوصى إلي بطائفة من ماله فأين ترى لي وضعه: في الفقراء، أو في المساكين، أو المجاهدين في سبيل الله؟ فقال: أما أنا فلو كنت لم أعدل بالمجاهدين، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يهدي إذا شبع»، ولفظ النسائي: «مثل الذي يعتق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعدما يشبع» (٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم» (٣).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح الصحيح، برقم ١٤١٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، برقم ١٠٣٢.
(٢) الترمذي، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت، برقم ٢١٢٣، والنسائي، كتاب الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية، برقم ٣٦٤٤، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، قال عبد القادر الأرنؤوط في تخريجه لجامع الأصول، ١١/ ٦٢٨: «وهو كما قال»، أي كما قال الترمذي، وقال: «ورواه أحمد والدارمي وغيرهما»، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، ص٢٠٦ وفي ضعيف سنن النسائي، ص١١٥.
(٣) ابن ماجه، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٢٧٠٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٦٥، وفي إرواء الغليل، برقم ١٦٤١، وذكر له شواهد كثيرة.
[ ١٣٠ ]
ولا يزيد في الوصية على الثلث؛ لحديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: عادني رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، قلت: يا رسول الله بلغ بي ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلث مالي؟ قال: «لا»، قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: «لا»، ثم قال: «الثلث والثلث كبير»، أو كثير «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفَّفون الناس، وإنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك» (١). قال: قلت: يا رسول الله أُخلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: «إنك لن تُخلَّف فتعمل عملًا صالحًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ثم لعلك تخلّف حتى ينتفع بك أقوام ويضرُّ بك آخرون وفي لفظ لمسلم: «عادني النبي - ﷺ - فقلت: أوصي بمالي كله؟ فقال: «لا»، قلت: فالنصف؟ فقال: «لا»، قلت: أبالثلث؟ فقال: «نعم، والثلث كثير».
والأفضل أن يوصي بأقل من الثلث والثلث جائز؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: لو غضَّ الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال: «الثلث والثلث كثير» (٢).
ولا وصية لوارث؛ لحديث أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي - ﷺ - سعد بن خولة، برقم ١٢٩٥، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٨.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٢٧٤٣، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٩.
[ ١٣١ ]
يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (١).
أما الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون الموصي فهي منسوخة بآية الميراث، فعن ابن عباس ﵄: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميراث» (٢).
قال العلامة السعدي – ﵀ –: «واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة ردَّها الله تعالى إلى العرف الجاري، ثم أن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث بعد أن كان مجملًا، وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما، ممن حجب بشخص أو وصف، فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء، وهم أحق الناس ببره، وهذا القول تتفق عليه الأمة، ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين؛ لأن كلًاّ من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظًا واختلف المورد،
_________________
(١) الترمذي، كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، برقم ٢١٢٠، وابن ماجه، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، برقم ٢٧١٣، وأبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث، برقم ٢٨٧٠، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٠٧: «حسن صحيح». وأخرجه النسائي في كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث، من حديث عمرو بن خارجة، برقم ٣٦٤٣، ٣٦٤٤، ٣٦٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥٤.
(٢) أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في نسخ الوصية للوالدين والأقربين، برقم ٢٨٦٩، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٠٧: «حسن صحيح».
[ ١٣٢ ]