فبهذا الجمع يحصل الاتفاق والجمع بين الآيات، فإن أمكن الجمع كان أحسن من ادّعاء النسخ الذي لم يدلَّ عليه دليل صحيح» (١).
ويَشهد على وصيته رجلان عدلان من المسلمين، فإن لم يوجدا فرجلان من غير المسلمين، على أن يستوثق منهما عند الشك بشهادتهما حسبما جاء بيانه في قول الله ﵎: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِالله إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِالله لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا الله وَاسْمَعُواْ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢).
١٦ – يحرم عليه الإضرار في الوصية؛ لقول الله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا ضرر ولا ضرار، من ضارَّ ضارَّه الله، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه» (٤).
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٦٨.
(٢) سورة المائدة، الآيات: ١٠٦ - ١٠٨.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٢.
(٤) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ٥٧ - ٥٨، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦، وانظر: إرواء الغليل، رقم ٨٩٦.
[ ١٣٣ ]
«والإضرار في الوصية من الكبائر» (١)، قال الإمام الشوكاني: «ثبت عن ابن عباس ﵄ (٢) وقد جاء الوعيد لمن ضارّ في الوصية (٣)، قال ابن الأثير – رحمه الله تعالى –: «المضارّة: إيصال الضرر إلى شخص، ومعنى المضارة في الوصية: أن لا يمضيها، أو ينقص منها، أو يوصي لغير أهلها ونحو ذلك» (٤).
ومن الإضرار بالوصية: الوصية بالمال كله؛ لحديث عمران بن حصين ﵄ أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - ﷺ -، فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين» (٥).
وفي لفظ: «فقال له قولًا شديدًا» (٦).
_________________
(١) قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٤/ ٦١: «رواه سعيد بن منصور موقوفًا ورواه النسائي مرفوعًا، ورجاله ثقات».
(٢) نيل الأوطار، ٤/ ٦١.
(٣) رُوي مرفوعًا عن أبي هريرة وفيه شهر بن حوشب: «إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار، ثم قرأ أبو هريرة: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ [حتى بلغ] ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أبو داود في الوصايا، برقم ٢٨٦٧، والترمذي، برقم ٢١١٨، وابن ماجه، برقم ٢٧٠٤ وأحمد، برقم ٧٧٤٢ ولكن فيه: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة»، ولكن الحديث ضعفه الألباني وغيره، وقد حسنه الترمذي، وقال عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول، ١١/ ٦٢٦: «ولكن له شاهد بمعناه من حديث ابن عباس «الإضرار في الوصية من الكبائر».رواه سعيد بن منصور موقوفًا بإسناد صحيح، والنسائي مرفوعًا ورجاله ثقات».انتهى كلام الشيخ عبد القادر.
(٤) جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٦٢٦.
(٥) لفظ مسلم، كتاب الأيمان، باب من أعتق شركًا في عبد، برقم ١٦٦٨.
(٦) لفظ أبي داود، برقم ٣٩٥٨، وقال الألباني: صحيح الإسناد، وهو لفظ الترمذي أيضًا، برقم ١٣٦٤.
[ ١٣٤ ]