وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس شيء من الإنسان إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذَّنب، ومنه يُركَّبُ الخلق يوم القيامة» (١).
٣ – قصر الأمل والاستعداد للموت بالأعمال الصالحة، قال الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «ارتحلت الدنيا مدبرةً، وارتحلت الآخرة مقبلةً، ولكل واحدةٍ منها بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل» (٣).
وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: خطَّ النبي - ﷺ - خطًّا مربعًا، وخطَّ خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخطَّ خُطَطًا صغارًا إلى الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: «هذا الإنسان وهذا أجَلُهُ محيطٌ به – أو قد أحاط به – وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخُطَطُ الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (٤).
وعن أنس - ﵁ - قال: خطَّ النبي - ﷺ - خطوطًا فقال: «هذا الأمل وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب» (٥).
_________________
(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، برقم ٤٢٦٦، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٢١، وغيره.
(٢) سورة الحجر، الآية: ٣.
(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله، قبل الحديث رقم ٦٤١٧، وذكر الحافظ في فتح الباري ١١/ ٢٣٦: زيادة في أوله عند ابن أبي شيبة وابن المبارك في الزهد: «قال علي: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة » الحديث كالذي في الأصل سواء.
(٤) البخاري، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله، برقم ٦٤١٧، ومعنى نهشه: أصابه.
(٥) البخاري، كتاب الرقاق، باب الأمل وطوله، برقم ٦٤١٨.
[ ١٧ ]
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».
وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» (١).
وقال بعض السلف:
سبيلك في الدنيا سبيل مسافرٍ ولابد من زادٍ لكل مسافر
ولابد للإنسان من حملِ عُدَّةٍ ولاسيما إن خاف صولة قاهرِ (٢)
وقال الألبيري – رحمه الله تعالى –:
فليست هذه الدنيا بشيء تسؤك حِقبة وتسرُّك وقتَا
وغايتُها إذا فكرت فيها كفيِّك أو كحلمك إذا حلمتا
سُجنت بها وأنت لها محبُّ فكيف تُحبُّ ما فيه سُجنتا
وتُطعمكَ الطعام وعن قريبٍ ستطعم منك ما فيها طعِمتا
وتشفق للمصرِّ على المعاصي وترحمه ونفسك ما رحمتا (٣)
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يزال قلب الكبير شابًّا في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل» (٤).
وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يَكْبرُ ابنُ آدم ويكبَرُ معه
_________________
(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ - «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، برقم ٦٤١٦.
(٢) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٨٢.
(٣) تائية الشاعر الزاهد إبراهيم بن مسعود الغرناطي الألبيري، وهي مطبوعة في الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، ص٦٣٣.
(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، برقم ٦٤٢٠ واللفظ له، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، برقم ١٠٤٦.
[ ١٨ ]
اثنتان: حب المال وطول العمر» ولفظ مسلم: «يهرمُ ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال والحرص على العمر» (١). ومعناه أن قلب الشيخ كامل الحب للمال متحكم في ذلك كاحتكام قوة الشاب في شبابه، وسماه شابًّا إشارة إلى استحكام حبه للمال أو هو من باب المشاكلة والمطابقة (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز – ﵀ – يقول: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان» أي يقوى معه اثنان، هذه طبيعة الإنسان: حب الدنيا وطول الأمل إلا من رحم الله، فالواجب على المؤمن أن يحذر، وأن يعتبر هذه الدار مزرعة، فيجتهد في الزرع للآخرة، حتى يحصد يوم القيامة ما ينفعه» (٣).
وما أحسن قول بعض السلف الصالح:
إنّا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يومٍ مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدًا فإن الربح والخسران في العمل (٤)
وقال آخر:
تزوّد للذي لابد منه فإن الموت ميقات العباد
أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد
وقال آخر:
تزود من التقى فإنك لا تدري إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، برقم ٦٤٢١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، برقم ١٠٤٧.
(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ٢٤٠، ٢٤١.
(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٤٢١.
(٤) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٨٧.
[ ١٩ ]
فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ وكم من عليل عاش حينًا من الدهر
وقال أبو العتاهية:
وما أدري وإن أمَّلت عُمرًا لعلي حين أصبح لست أُمسي
ألم تر أن كلَّ صباح يوم وعمرك فيه أقصر منه أمسِ (١)
وقال آخر:
يا من بدنياه اشتغل وغرَّه طولُ الأمل
الموت يأتي فجأةً والقبر صندوقُ العمل
عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالصَّرمة بالنار» (٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة أو الخوصة» (٣).
وتقارب الزمان بقلّة البركة فيه، قال الحافظ ابن حجر – ﵀ –: «قد وُجد في زماننا هذا من سرعة الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا» (٤). وقيل: سرعة الزمان بسبب وسائل الاتصالات السريعة.
_________________
(١) ذكره ابن رجب في المرجع السابق، ٢/ ٣٨٦، وهو في ديوان أبي العتاهية ص١١١.
(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في تقارب الزمان وقصر الأمل، برقم ٢٣٣٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٣٧.
(٣) ابن حبان في صحيحه، برقم ٤٨٤٢، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط الصحيح».
(٤) فتح الباري لابن حجر، ١٣/ ٨١، وانظر هناك: الحديث رقم ٧١٢١.
[ ٢٠ ]