لا يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يظلم مثقال ذرة، قال - ﷾ -: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١).
فينبغي للمسلم أن يعقد قلبه على هذا الأصل معتمدًا على الأدلة من الكتاب والسنة، ولا يخوض فيما لا علم له به، ويحث الناس على النشاط والقوة، والاستعانة بالله وتفويض المقادير إلى الله - ﷿ - وأن يتركوا العجز والكسل (٢)، قال النبي - ﷺ -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» (٣)، ولهذه العقيدة السليمة قال الله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤).
٤ – الابتعاد والحذر كل الحذر من الاغترار بالأعمال: إن من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يعتني بها ويوجه الناس إلى الحذر منها: الاغترار بالأعمال؛ ولهذا عندما قتل الرجل نفسه أعظم الصحابة - ﵃ - ذلك؛ لأنهم نظروا إلى شجاعته، وقتاله العظيم، ولم يعرفوا الباطن، ولا المآل فأعلم الله
_________________
(١) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧، ٨.
(٢) انظر: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، للإمام ابن بطة، «كتاب الإيمان»، ١/ ٢١٨ - ٢٢٠، و«كتاب القدر» ١/ ٢٦٧، ٢٧٣، ٣٢٣، و٢/ ٣٠٧، وأصول السنة لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الأندلسي، الشهير بابن أبي زمنين، ١٩٧ - ٢٠٦.
(٣) أخرجه مسلم، ٤/ ٢٠٥٢، كتاب العلم، باب الإيمان بالقدر والإذعان له، برقم ٢٦٦٤.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٥١.
[ ١٠٣ ]
الخبيرُ العليمُ النبيَّ - ﷺ - بعاقبة هذا الرجل؛ لسوء مقصده وخبث نيته (١)، قال الإمام القرطبي – ﵀ – في فوائد هذا الحديث: « فيه التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزة والجلال» (٢).
وقال الإمام النووي – ﵀ –: «فيه التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها، ولا يركن إليها، مخافة انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يُقنِّطه من رحمة الله» (٣)؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «سدِّدوا وقارِبوا، وأبشِروا، فإنه لن يُدخلَ الجنةَ أحدًا عملُهُ» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدَّنيَ الله منه برحمة. واعلموا أن أحبَّ العمل إلى الله أدومُه وإن قلَّ» (٤).
وقد مدح الله الخائفين على أعمالهم الصالحة يخشون أن لا تقبل منهم، فقال - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٥)، قالت عائشة ﵂ للنبي - ﷺ -: أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر [أو يا بنت الصِّدِّيق]، ولكنه الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، ويخاف أن لا يتقبل منه» (٦).
_________________
(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ١/ ٣١٨.
(٢) المرجع السابق، ١/ ٣١٨.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٤٨٦.
(٤) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، ٧/ ٢٣٣، برقم ٦٤٦٤، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل الجنة أحد بعمله بل برحمة الله، ٤/ ٢١٧١، برقم ٢٨١٨.
(٥) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.
(٦) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوقي في العمل، ٢/ ١٤٠٤، برقم ٤١٩٨، والترمذي كتاب تفسير القرآن، باب «ومن سورة المؤمنون»، ٥/ ٣٢٧، برقم ٣١٧٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦٢، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٠٩، وصحيح سنن الترمذي، ٣/ ٨٠.
[ ١٠٤ ]
فينبغي للمسلم أن يعلم أن الاعتماد على الله - ﷿ - في كل شيء، والطمع في رحمته مع إحسان العمل وإخلاصه لله - ﷿ - وعدم الغرور والإعجاب بالأعمال. والله المستعان.