فالرضا به من تمام الرضا به ربًّا، وإلهًا، ومالكًا، ومدبرًا، فبهذا التفصيل يتبيّن الصواب، ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس (١) (٢).
قال شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز –﵀–: «عند المصيبة ثلاثة أمور: الصبر وهو واجب، والرِّضى سُنّة، والشكر أفضل» (٣).
٧ – لا يُنسب الشرُّ إلى الله - ﷿ -؛ لقول النبي - ﷺ - في دعاء الاستفتاح في صلاة الليل: «وجهت وجي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت،
_________________
(١) شفاء العليل، لابن القيم، ٢/ ٧٦٢ - ٧٦٣.
(٢) قال العلامة ابن عثيمين – ﵀ –: «الرضى بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله واجب مطلقًا؛ لأنه من تمام الرضا بالله ربًّا. وأما القضاء الذي هو المقضي فالرضا به مُختلفٌ: فإن كان المقضي دينيًّا وجب الرضا به مطلقًا. وإن كان كونيًّا فإما أن يكون نعمًا أو نقمًا أو طاعات، أو معاصي: فالنعم يجب الرضا بها؛ لأنه من تمام شكرها، وشكرها واجب. وأما النقم: كالفقر والمرض، ونحوهما، فالرضا بها مستحب عند الجمهور وقيل: بوجوبه. أما الطاعات فالرضا بها طاعة واجبة إن كانت الطاعة واجبة ومستحبة إن كانت مستحبة. وأما المعاصي فالرضى بها معصية، والمكروهات الرضا بها مكروه، والمباحات مباح والله أعلم، المنتقى من فرائد الفوائد، ص١٠٩.
(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٤١٣.
[ ١١٠ ]
لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» (١).
فقوله - ﷺ -: «والشر ليس إليك» يبيّن أن الله - ﷿ - منزَّه عن الشر، وكل ما نسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرًّا، لانقطاع نسبته إليه، فلو أضيف إليه لم يكن شرًّا.
وهو - ﷾ - خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله. وخلقه وفعله، وقضاؤه خير كله، فالقدر من حيث نسبته إلى الله لا شر فيه بوجه من الوجوه؛ لأنه علم الله، وكتابته، ومشيئته، وخلقه وذلك خير محض وكمال من كل وجه، فالشر ليس إلى الرب بوجه من الوجوه: لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وإنما الشر يدخل في بعض مخلوقاته فالشر في المقضي لا في القضاء (٢).
فالإيمان بالقدر خيره وشره يراد به المقدور خيره وشره.
وقد يكون المقدور خيرًا بالنسبة إلى محل، وشرًّا بالنسبة إلى محل آخر، وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس، مثال ذلك القصاص؛ وإقامة الحدود؛ فإن ذلك شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم؛ لما فيه من مصلحة الزجر، وكذلك الأمراض وإن كانت شرورًا من وجه فهي خير من وجوهٍ عديدة (٣).
_________________
(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ٧٧١.
(٢) انظر: شفاء العليل، لابن القيم، ٢/ ٥٠٩ - ٥٣٦، والإيمان بالقضاء والقدر، لمحمد بن إبراهيم الحمد، ص١٠٥ - ١٠٨.
(٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين، ص٥٤٢، ومنهاج السنة لابن تيمية، ٣/ ١٤٢ - ١٤٤، والتفسير القيم لابن القيم، ص٥٥٠ - ٥٥٦، ومدارج السالكين، ١/ ٤٠٩ - ٤١٢، وبدائع الفوائد، ٢/ ٢١٤ - ٢١٥، وطريق الهجرتين، ص١٧٢ - ١٨١، والروضة الندية لابن فياض، ص٣٥٤ - ٣٦٠، ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للشيخ العلامة محمد أمين الشنقيطي، ص٢٨٦ - ٢٨٧، والحكمة والتعليل في أفعال الله. د. محمد بن ربيع المدخلي، ص١٩٩ - ٢٠٤، وفتاوى ابن تيمية، ١٤/ ٢٤٥ - ٤٢٥.
[ ١١١ ]