٢٨ - فإذا مات الميت وجب على طائفة من الناس أن يبادروا إلى غسله، أما المادرة فقد سبق دليلها في الفصل الثالث (المسألة ١٧ الفقرة هـ)، (ص ١٣) وأما وجوب الغسل فلامره ﷺ به في غير ما حديث:
١ - اغسلوه بماء وسدر " وقد مضى لفظه بتمامه وتخريجه في المسألة المشار إليها (فقره د)، (ص ١٢ - ١٣)
٢ - قوله ﷺ في ابنته زينب ﵂: " اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا، أو أكثر من ذلك ".
الحديث ويأتي بتمامه وتخريجه في المسألة التالية.
٢٩ - ويراعي في غسله الأمور الآتية:
أولا: غسله ثلاثا فأكثر على ما يرى القائمون على غسله.
ثنايا: أن تكون الغسلات وترا.
ثالثا: أن يقرن مع بعضها سدر، أو ما يقوم مقامه في التنظيف، كالأشنان والصابون.
[ ٤٧ ]
رابعا: أن يخلط مع آخر غسلة منها شئ من الطيب، والكافور أولى.
خامسا: نقض الضفائر وغسلها جيدا.
سادسا: تسريح شعره.
سابعا: بجعله ثلاث ضفائر للمرأة وإلقاؤها خلفها.
ثامنا: البدء بميامنه ومواضع الوضوء منه.
تاسعا: أن يتولى غسل الذكر الرجال، والانثى النساء إلا ما استثني كما بيانه.
والدليل على هذه الامور حديث أم عطية ﵂ قالت: " دخل علينا النبي ﷺ، ونحن نغسل ابنته (زينب)، فقال: اغسلنها ثلاثا، أو خمسا (أو سبعا)، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك، (قالت: قلت: وترا؟ قال: نعم)، واجعلن في الاخرة كافورا أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذني، فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه (١) فقال: أشعرنها (٢) إياه (تعني إزاره)، (قالت: ومشطناها ثلاثة (قرون)، (وفي رواية: نقضنه ثم غسلنه) (فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث: قرنيها وناصيتها) وألقيناها)، (قالت: وقال لنا: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) ".
أخرجه البخاري (٣/ ٩٩ - ١٠٤) ومسلم (٣/ ٤٧ - ٤٨) وأبو داود (٢/ ٦٠ - ٦١)
والنسائي (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧) والترمذي (٢/ ١٣٠ - ١٣١) وابن ماجه (١/ ٤٤٥) وابن الجارود (٢٥٨، ٢٥٩) واحمد (٥/ ٨٤ - ٨٥، ٤٠٧٦ - ٤٠٨) وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم ".
والرواية الثانية للبخاري والنسائي، والزيادة الأول لمسلم، والثانية له والبخاري وأبي داود والنسائي، والثالثة للنسائي، وللشيخين معناها، والرابعة للبخاري وأبي داود
_________________
(١) أي إزاره. قال ابن الاثير: " والاصل في الحقو معقد الازار، وجمعه أحق وأحقاء، ثم سمى بها الازار للمجاورة ".
(٢) أي اجعلنه شعارها، والشعار الثوب الذي الذي يلي الجسد لانه يلي شعره.
[ ٤٨ ]
والخامسة له ولمسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد، والسادسة للشيخين وأحمد، والسابعة للبخاري وأبي داود والنسائي وأحمد، والاخيرة لجميعهم.
عاشرا: أن يغسل بخرقة أو نحوها تحت ساتر لجسمه بعد تجريده من ثيابه كلها، فانه كذلك كان العمل على عهد النبي ﷺ كما يفيده حديث عائشة ﵂: " لما أرادوا غسل البيي ﷺ قالوا: والله ما ندري، أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغلسه وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، حتى مامنهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه، وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويد لكونه بالقميص، دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه".
أخرجه أبو داود (٢/ ٦٠) وابن الجارود في " المنتقى " (٢٥٧) والحاكم (٣/ ٥٩ - ٦٠) وصححه على على شرط مسلم! والبيهقي (٣/ ٣٨٧) والطيالسي (رقم ١٥٣٠) وأحمد (٦/ ٧٢٦) بسند صحيح، وروى ابن ماجه (١/ ٤٤٦)
منه قول عائشة في آخره: " لو استقبلت .. " ورواه ابن حبان في صحيحه (٢١٥٦)
حادي عشر: ويستثني مما ذكر في (رابعا) المحرم، فإنه لا يجوز تطييبه لقوله في الحديث الذي سبقت الاشارة إليه قريبا: " لا تحنطوه، وفي رواية: ولا تطيبوه .. فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ".
أخرجه الشيخان وغيرهما كما تقدم ص ١٢ - ١٣
ثاني عشر: ويستثنى أيضا مما ورد في (تاسعا) الزوجان فإنه يجوز لكل منهما أن يتولى غسل الاخر، إذ لا دليل يمنع منه، والاصل الجواز، ولا سيما وهو مؤيد بحديثين:
١ - عن عائشة ﵂ قالت:
[ ٤٩ ]
" لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ غير نسائه " (١) أخرجه ابن ماجه، ورواه أبو داود وغيره في آخر حديثها المتقدم قريبا في غسل النبي ﷺ.
٢ - عنها أيضا قالت: " رجع إلي رسول الله ﷺ من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعا في رأسي، وأقول: وارأساه فقال: بل انا وارأساه ما ضرك لومت قبلي فغسلتك، وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك ".
أخرجه أحمد (٦/ ٢٢٨) والدارمي (١/ ٣٧ - ٣٨) وابن ماجه (١/ ٤٤٨) وابن هشام في " السيرة " (٢/ ٣٦٦) - بولاق) والدارقطني (١٩٢) والبيهقي (٣/ ٣٩٦)، وفيه عندهم جميعا محمد بن اسحاق وقد عنعنه، إلا في رواية ابن هشام فقد صرح بالتحديث فثبت الحديث، والحمد لله.
على أن الحافظ ابن حجر قد ذكر في " التلخيص " (٥/ ١٢٥) الطبعة المنيرية) انه تابعه عليه صالح بن كيسان عند أحمد والنسائي.
قلت: هو عند أحمد (٦/ ١٤ ٤) لكن ليس فيه التصريح بالغسل، فتراجع رواية النسائي فلعله فيها، فإني لم أر الحديث في سننه الصغرى، فلعله في الكبرى له.
ثالث عشر: أن يتولى غسله من كان أعرف بسنة الغسل، لاسيما إذا كان من أهله وأقاربه، لان الذين تولوا غسله ﷺ كانوا كما ذكرنا، فقد قال علي ﵁: " غسلت رسول الله صلى عليه وسلم، فجعلت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا، ﷺ ".
أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٤٧) والحاكم (١/ ٣٦٢) والبيهقي (٣/ ٣٨٨) وإسناده صحيح كما قال في " الزوائد " (ق ٩٢/ ١) وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ".
وتعقبه الذهبي بقوله: " قلت: فيه انقطاع ".
قلت: وهذا مما لاوجه له، فإن الحديث من رواية معمر عن الزهري عن سعيد بن
_________________
(١) قال البيهقي: " فتلهفت على ذلك، ولا يتلهف: إلا على ما يجوز ". قلت: والجواز هو قول الامام أحمد كما رواه أبو داود في " مسائله " ص ١٤٩.
[ ٥٠ ]
المسيب عن علي. وهذا سند متصل معروف رواية بعضهم عن بعض، أما معمر عن الزهري، والزهري عن سعيد فأشهر من أن يذكر، وأما رواية سعيد عن علي فموصولة أيضا كما أشار إلى ذلك الحافظ في " التهذيب ".
بل ذهب إلى أنه سمع من عمر أيضا (١) وفي مرسل الشعبي أنه غسل النبي ﷺ مع علي ﵁ الفضل، يعني ابن العباس وأسامة بن زيد.
أخرجه أبو داود (٢/ ٦٩) وسنده صحيح مرسل.
وله شاهد من حديث ابن عباس.
أخرجه أحمد (٣ ٣٥٨) بسند ضعيف.
٣٠ - ولمن تولى غسله أجر عظيم بشرطين اثنين: الأول: أن يستر عليه، ولا يحدث بما قد يرى من المكروه، لقوله ﷺ: " من غسل مسلما فكتم عليه غفر له الله أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس واستبرق الجنة ".
أحرجه الحاكم (١/ ٣٥٤، ٣٦٢) والبيهقي (٣/ ٣٩٥) من حديث أبي رافع ﵁، وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ".
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وقد رواه الطبراني في " الكبير " بلفظ: " أربعين كبيرة ".
وقال المنذري (٤/ ١٧١) وتبعه الهيثمي (٣/ ٢١): " رواته محتج بهم في الصحيح ".
وقال الحافظ ابن حجر في " الدراية " (١ ٤٠): " إسناده قوي ".
_________________
(١) قلت: وفيما ذكره في عمر نظر، لا يتسع المجال الان لبيانه، وأما سماعه من علي فهو صحيح، وذلك أن وفاة علي ﵁ كانت سنة أربعين، وكان لسعيد يومئذ من العمر ثمان وعشرون سنة فأين الانقطاع.!
[ ٥١ ]
الثاني: أن يبتغي بذلك وجه الله، لا يريد به جزاء ولا شكورا ولا شيئا من أمور الدنيا، لما تقرر في الشرع أن الله ﵎ لا يقبل من العبادات إلا ماكان خالصا لوجهه الكريم، والادلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة جدا. أجتزئ هنا بذكر ستة منها:
١ - قوله تباك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، أي: لا يقصد بها غير وجه الله تعالى:
٢ - قوله أيضا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ..﴾ [البينة: ٥]
٣ - قوله ﷺ: " إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ".
أخرجه البخاري في أول " صحيحه " ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب ﵁
٤ - قوله أيضا: " بشر هذه الامة بالسناء والتمكين في البلاد والنصر والرفعة في الدين، ومن عمل منهم بعمل الاخرة للدنيا، فليس له في الاخرة نصيب ".
أخرجه أحمد وابنه في زوائد " المسند " (٥/ ١٣٤) وابن حبان في " صحيحه " (موارد) والحاكم (٤/ ٣١١) وقال: " صحيح الاسناد ".
ووافقه الذهبي، وأقره المنذري (١/ ٣١).
قلت: وإسناد عبد الله صحيح على شرط البخاري.
[ ٥٢ ]
٥ - عن أبي أمامة ﵁ قال: " جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الاجر والذكر ماله؟ فقال: لا شئ له، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله ﷺ لا شئ له، ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي وجهه ".
أخرجه النسائي (٢/ ٥٩) وإسناده جيد كما قال المنذري (١/ ٢٤).
٦ - قوله ﷺ: " قال الله ﷿: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك ".
رواه ابن ماجه في " الزهد " من حديث أبي هريرة واسناده صحيح شرط مسلم، وقد أخرجه في " صحيحه " (٨/ ٢٢٣) حوه.
٣١ - ويستحب لمن غسله يغتسل لقوله ﷺ " من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ ".
أخرجه أبو داود (٢/ ٦٢ - ٦٣) والترمذي (٢/ ١٣٢) وحسنه، وابن حبان في صحيحه (٧٥١ - موارد) والطيالسي (٢٣١٤) وأحمد (٢٨٠، ٤٣٣، ٤٥٤، ٤٧٢).
من طرق عن أبي هريرة، وبعض طرقه حسن، وبعضه صحيح على شرط مسلم، (١) وقد ساق له ابن القيم في " تهذيب السنن " إحدى عشر طريقا عنه، ثم قال: " وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ ".
قلت: وقد صححه ابن القطان، وكذا ابن حرم في " المحلى " (١/ ٢٥٠، ٢/ ٢٣ - ٢٥) والحافظ في " التلخيص " (٢/ ١٣٤ - منيرية) وقال: وظاهر الامر يفيد الوجوب، وإنما لم نقل به لحديثين: الأول قوله صلى لله عليه وسلم: " ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم ".
_________________
(١) وقد بينت ذلك بيانا شافيا في كتابي " الثمر المستطاب " - " كتاب الغسل ".
[ ٥٣ ]
أخرجه الحاكم (١/ ٣٨٦) والبيهقي (٣/ ٣٩٨) من حديث ابن عباس وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخاري " ووافقه الذهبي! وإنما هو حسن الاسناد كما قال الحافظ في " التلخيص " لان فيه عمرو بن عمرو، وفيه كلام، وقد قال الذهبي نفسه
في " الميزان " بعد أن ساق أقوال الائمة فيه: " حديثه صالح حسن ".
الثاني: قول ابن عمر ﵁ " كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل " أخرجه الدار فطني (١٩١) والخطيب في تاريخه (٥/ ٤٢٤) باسناد صحيح كما قال الحافظ، وأشار إلى ذلك الامام أحمد، فقد روى الخطيب عنه أنه حض ابنه عبد الله على كتابة هذا الحديث.
٣٢ - ولا يشرع غسل الشهيد قتيل المعركة، ولو اتفق أنه كان جنبا، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن جابر قال: قال النبي ﷺ: " ادفنوهم في دمائهم - يعني يوم أحد - ولم يغسلهم.
(وفي رواية) فقال: أنا شهيد على هؤلاء، لفوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يجرح (في الله) إلا جاء وجرحه يوم القيامة يدمي، لونه لونن الدم، وريحه ريح المسك ".
أخرجه البخاري (٣/ ١٦٥) بالرواية الأولى وأبو داود (٢/ ٦٠) والنسائي (١/ ٢٧٧ - ٢٧٨) والترمذي (٢/ ١٤٧) وصححه، وابن ماجه (١/ ٤٦١ - ٤٦٢) والبيهقي (٤/ ١٠) والرواية الاخرى له وكذا ابن سعد في " الطبقات " (ج ٣ ق ١ ص ٧) والزيادة له، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
ولها، أي الرواية الاخرى طريق أخرى في المسند (٣/ ٢٩٦) من رواية ابن جابر عن جابر مرفوعا بلفظ: " لا تغسلوهم، فإن كل جرح يفوح مسكا يوم القيامة، ولم يصل عليهم ".
وإسناده صحيح إن كان ابن جابر هو عبد الرحمن، وأما إذا كان ومحمدا أخا عبد الرحمن فإنه ضعيف، ولم يترجح عندي أيهما المراد هنا.
وأما الشوكاني فقال في " نيل الاوطار " (٤/ ٢٥): " إنها رواية لا مطعن فيها ".
[ ٥٤ ]
ولها طريق ثالث، اخرجه احمد (٥/ ٤٣١ - ٤٣٢) من رواية عبد الله بن ثعلبة ابن صعير، وله رؤية، ولم يثبت له سماع فهو مرسل صحابي فهو حجة، وإسناده إليه صحيح، وقد وصله البيهقي (٤/ ١١) من حديثه عن جابر.
الثاني: عن أبي برزة أن النبي ﷺ كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لا صحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم، فلانا، وفلانا، وفلا وثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا: قال: لكني أفقد جليبيبا، فاطلبوه، فطلب في القتلى، فو جدوه إلى جنب سبعة قتلهم، ثم قتلوه! فأتي النبي ﷺ، فوقف عليه فقال: قتل سبعة ثم قتلوه! هذا مني، وأنا مني وأنا منه، (قالها مرتين أو ثلاثا)، (ثم قال بذراعيه هكذا فبسطهما)، قال: فوضعه على ساعديه، ليس له سرير إلا ساعدي النبي ﷺ قال: فحفر له ووضع في قبره، لم يذكر غسلا ".
أخرجه مسلم (٧/ ١٥٢) والسياق له، والطيالسي (٩٢٤) والزيادتان له، وأحمد (٤/ ٤٢١، ٤٢٥) والبيهقي (٤/ ٢١).
الثالث: عن أنس: " أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم (غير حمزة) ".
أخرجه أبو داود (٢/ ٥٩) والزيادة له وللحاكم ويأتي لفظه - والترمذي (٢/ ١٣٨ - ١٣٩) وحسنه وابن سعد (٣ ق ١ ص ٨) والحاكم (١/ ٣٦٥ - ٣٦٦) والبيهقي (٤/ ١٠ - ١١) وأحمد (٣/ ١٢٨) وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ".ووافقه الذهبي. وقال النووي في " المجموع " (٥/ ٢٦٥) بعدما عزاه لأبي داود وحده: " إسناده حسن أو صحيح ".
قلت: هو عندي حسن، على أنه على شرط مسلم.
الرابع: عن عبد الله بن الزبير في قصة أحد واستشهاد حنظلة بن أبي عامر، قال:
فقال رسول الله ﷺ:
[ ٥٥ ]
" إن صاحبكم تغسله الملائكة، فاسألوا صاحبته "، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة (١) فقال رسول الله ﷺ: " لذلك غسلته الملائكة ".
أخرجه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم (٣/ ٢٠٤) والبيهقي (٤/ ١٥) بإسناد جيد كما قال النووي في موضع من " المجموع " (٥/ ٢٦٠) ثم نسي ذلك فقال بعد (٥/ ٢٦٣): " وذكرنا أنه حديث ضعيف "! فجل من لا ينسى، وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم "! وأقره الذهبي! الخامس: عن ابن عباس قال: " أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب، وهما جنب، فقال رسول الله ﷺ: رأيت الملائكة تغسلهما ".
رواه الطبراني في " الكبير " (٣/ ١٤٨٩) وإسناده حسن، كما قال الهيثمي في " المجمع " (٣/ ٢٣)، ورواه الحاكم (٣/ ١٩٥) دون ذكر حنظلة، وقال: " صحيح الاسناد " وتعقبه الذهبي فأصاب، لكن له شاهد مرسل قوي أخرجه ابن سعد (ج ٣ ق ١ ص ٩) عن الحسن البصري مرفوعا مثله.
قلت: وسنده صحيح رجاله كلهم ثقات، وفيه رد على الحافظ، فإنه وصف حديث ابن عباس بالغرابة، لانه ذكر فيه حمزة مع أنه قال في سنده: إنه لا بأس به، كما حكاه الشوكاني عنه (٤/ ٢٦)، فالظاهر أن الحافظ ﵀ لم يقف على هذا الشاهد (٢).
_________________
(١) هي الصوت الذي تفزع عنه، وتخاف منه." نهاية ".
(٢) واعلم أن وجه دلالة الحديث على عدم مشروعية غسل الشهيد الجنب، هو ما ذكره الشافعية وغيرهم أنه لو كان واجبا لما سقط بغسل الملائكة، ولامر النبي ﷺ بغسله، لان المقصود منه تعبد الادمي به، انظر " المجموع "
[ ٥٦ ]