١٩ - ويجب على أقارب الميت يبلغهم خبرو وفاته أمران:
الأول: الصبر والرضا بالقدر لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال: " مر رسول الله ﷺ بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني، فانك لم تصب بمصيبتي! قال: ولم تعرفه! فقيل لها: هو رسول الله ﷺ! فأخذها مثل الموت، فأتت باب رسول الله ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: أخرجه البخاري (٣/ ١١٥ - ١١٦) ومسلم (٣/ ٤٠ - ٤١) والبيهقي (٤/ ٦٥) والسياق له.
والصبر على وفاة الأولاد له أجر عظيم، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة أذكر بعضها:
أولا: " لا يموت لاحد من المسلمين ثلاثة من تالولد فتمسه النار إلا تحلة القسم ".
[ ٢٢ ]
أخرجه الشيخان والبيهقي (٦٧/ ٤) عن أبي هريرة.
ثانيا: " مامن مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وأبويهم الجنة بفضل رحمته، قال: ويكونون على باب من أبواب الجنة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يجئ أبوانا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وأبوا كم بفضل رحمة الله ".
أخرجه النسائي (١/ ٢٦٥) والبيهقي (٤/ ٦٨) وغيرهما عنه، وسنده صحيح على شرط الشيخين.
ثالثا: " أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا حجابا من النار، قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان ".
أخرجه البخاري (٣/ ٩٤) ومسلم والبيهقي (٤/ ٦٧) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
رابعا: " إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الارض فصبر واحتسب بثواب دون الجنة ".
أخرجه النسائي (١/ ٢٦٤) عن عبد الله بن عمرو بسند حسن.
الامر الثاني: مما يجب على الاقارب: الاسترجاع، وهو أن يقول: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) كما جاء في الآية المتقدمة، ويزيد عليه قوله: " اللهم اجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها " لحديث أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من مسلم تصبه مصيبة فيقول ما أمره الله (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اللهم اجرني في معيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها.
قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ قالت: أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتا وأنا غيور، فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب با الغيرة ".
أخرجه مسلم (٣/ ٣٧) والبيهقي (٤/ ٦٥) وأحمد (٦/ ٣٠٩).
[ ٢٣ ]
٢٠ - ولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلها، حدادا على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام، إلا على زوجها، فتحد أربعة أشهر وعشرا، لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: " دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر (أن) تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " ثم دخلت على زينب بنت جحش - حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست، ثم قالت: مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول .. " فذكرت الحديث.
أخرجه البخاري (٣/ ١١٤، ٩ ٤٠٠/ ٤٠٠ - ٤٠١).
٢١ - ولكنها إذا لم تحد على غير زوجها، إرضاء للزوج وقضاء لوطره منها، فهو أفضل لها، ويرجى لهما من وراء ذلك خير كثير كما وقع لام سليم وزوجها أبي طلحة الانصاري ﵄، ولا بأس من أن أسوق هنا قصتهما في ذلك - على طولهما - لما فيها من الفوائد والعظات والعبر، فقال أنس ﵁: " قال مالك أبو أنس لامرأته أم سليم - وهي أم أنس -: إن هذا الرجل - يعني النبي ﷺ يحرم الخمر - فانطلق حتى أتى الشام فهلك هناك فجاء أبو طلحة، فخطب أم سليم، في كلمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة! ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة لا يصلح لى أن أتزوجك! فقال: ما ذاك دهرك، قالت: وما دهري قال: الصفراء والبيضاء! قالت: فإني لا أربد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الاسلام، (فإن تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره)، قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله ﷺ، فانطلق أبو طلحة يريد النبي ﷺ ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، فلما رآه قال: جاءكم أبو طلحة غرة الاسلام بين عينيه، فأخبر رسول الله ﷺ بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذالك، قال ثابت (وهو البناني أحد رواة القصة عن أنس) فما بلغنا أن مهرا كان أعظم منه أنها رضيت الاسلام مهرا، فتزوجها وكانت امرأة مليحة العينين، فيها صغر، فكانت معه حتى ولد له بني، وكان يحبه أبو طلحة حبا شديدا.
ومرض الصبي (مرضا شديدا)، وتواضع أبو طلحة لمرضه أو تضعضع له،
[ ٢٤ ]
(فكان أبو طلحة يقوم صلاة الغداة يتوضأ، ويأتي النبي ﷺ فيصلى معه، ويكون معه إلى قريب من نصف النهار، ويجئ يقيل ويأكل، فإذا صلى الظهر تهيأ وذهب، فلم يجئ إلى صلاة العتمة) فانطلق أبو طلحة عشية إلى النبي ﷺ (وفي رواية: إلى المسجد) ومات الصبي فقالت أم سليم: لا يتعين إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي أنعاه له، فهيأت الصبي (فسجت عليه)، ووضعته (في جانب البيت)، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله ﷺ حتى دخل عليها (ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه) فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة ماكان منذ اشتكى أسكن منه الساعة (وأرجو أن يكون قد استراح!) فأتته بعشائه (فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم)، (قال فقال إلى فراشه فوضع رأسه)، ثم قامت فتطيبت، (وتصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك)، (ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب كان منه ما يكون من الرجل إلي أهله)، (فلما كان آخر الليل) قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا قوما علية لهم، فسألو هم إياها أكان لهم أن يمنعو هم؟ فقال: لا، قالت فإن الله عزوجل كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر! فغضب ثم قال: تركتني حتى إذا وقعت بما وقعت بما وقعت به نعيت إلي ابني! (فاسترجع، وحمد الله)، (فلما أصبح اغتسل)، ثم غدا إلى رسول الله ﷺ (فصلى معه) فأخبره، فقال رسول الله ﷺ، بارك الله لكما في غابر ليلتكما، فثقلت منت ذلك الحمل، وكانت أم سليم تسافر مع النبي ﷺ، تخرج إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل، وقال رسول الله ﷺ إذا ولدت فأتوني بالصبي، (قال: فكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه، وكان رسول الله ﷺ إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، واحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله ﷺ، فقال أبو طلحة: يا رب إنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، دقد احتبست بما ترى، قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أد فانطلقا قال: وضربها المخاض حين قدموا)، فولدت غلاما، وقالت لابنها أنس: (يا أنس! لا يطعم شيئا حتى تغدوا به إلى رسول الله ﷺ، (وبعثت معه بتمرات)، قال: فبات يبكي، وبت مجنحا (١) عليه، أكالئه حتى أصبحت، فغدوت إلى رسول الله ﷺ)، (وعليه بردة)، وهو يسم إبلاء أو غنما (قدمت عليه)، فلما نظر إليه، قال لانس: أولدت
_________________
(١) أي: مائلًا
[ ٢٥ ]
بنت ملحان؟ قال: نعم، (فقال: رويدك أفرغ لك)، قال: فألقى ما في يده، فتناول الصبي وقال: (أمعه شئ؟ قالوا: نعم، تمرات)، فأخذ النبي ﷺ (بعض) التمر (فمضغهن، ثم جمع يزاقه)، (ثم فغز فاه، وأوجره إياه)، فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يتلمظ: (يمص بعض حلاوة التمر وريق رسول الله ﷺ، فكان أول من فتح أمعاء ذلك الصبي على (١) ريق رسول اللله ﷺ فقال: انظروا إلى حب الانصار التمر، (قال: قلت: يارسول الله سمه، قال:) (فمسح وجهه) وسماه عبد الله، (فما كان في الانصار شاب أفضل منه)، قال: فحرج مننه رجل (٢) كثير، واستشهد عبد الله بفارس) ".
أخرجه الطيالسي (رقم ٢٠٥٦) والسياق له، ومن طريقه البيهقي (٤/ ٦٥ - ٦٦ - وابن حبان (٧٢٥) وأحمد (٣/ ١٠٥ - ١٠٦، ١٨١، ١٩٦، ٢٨٧، ٢٩٠) والزيادات كلها له كما سيأتي، ورواه البخاري (٣/ ١٣٢ - ١٣٣) ومسلم (٦/ ١٧٤ - ١٧٥) مختصرا مقتصرا على قصة وفاة الصبي، وروى النسائي (٢/ ٨٧) قسما من أوله، والزيادة الأولى له، والسادسة والثامنة والخامسة عشر والسادسة عشر للبخاري، والتاسعة عشر والثانية والعشرون لمسلم، وسائرها لاحمد كما سبق.
وقد عنيت عناية خاصة بجمع روايات هذه القصة وألفاظها، لما فيها من روعة وجلالة، وليأخذ القارئ عنها فكرة جامعة صادقة، وذلك تتم العبرة والفائدة.
_________________
(١) كذا الاصل، ولعل حرف (على) مقحم من بعض النساخ.
(٢) جمع راجل، وهو ضد الفارس.
[ ٢٦ ]