ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال (فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة) .
[ ٢ ]
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ وقّت لأهل العراق ذات عرق. ﴿رواه أبو داوود والنسائي﴾ .
وثبت في الصحيحين أيضًا في حديث عبد الله ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن) ﴿الحديث﴾ .
فهذه المواقيت التي وقتها رسول الله ﷺ حدود شرعية توقيفية موروثة عن الشارع لا يحل لأحد تغييرها أو التعدي فيها، أو تجاوزها بدون إحرام لمن أراد الحج والعمرة، فإن هذا من تعدي حدود الله وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: الآية٢٢٩) . ولأن النبي ﷺ قال في حديث ابن عمر ﵄: (يهل أهل المدينة، ويهل أهل الشام، ويهل أهل نجد) وهذا خبر بمعنى الأمر.
والإهلال: رفع الصوت بالتلبية، ولا يكون إلا بعد عقد الإحرام. فالإحرام من هذه المواقيت واجب على من أراد الحج أو العمرة إذا مر بها أو حاذاها سواء أتى من طريق البر أو البحر أو الجو.
فإن كان من طريق البر نزل فيها إن مر بها أو فيما حاذاها إن لم يمر بها، وأتى بما ينبغي أن يأتي به عند الإحرام من الاغتسال وتطييب بدنه ولبس ثياب إحرامه، ثم يحرم قبل مغادرته.
وإن كان من طريق البحر فإن كانت الباخرة تقف عند محاذات الميقات اغتسل وتطيب ولبس ثياب إحرامه حال وقوفها، ثم أحرم قبل سيرها، وإن كانت لا تقف عند محاذات الميقات اغتسل وتطيب ولبس ثياب إحرامه قبل أن تحاذيه ثم يحرم إذا حاذته.
[ ٣ ]
وإن كان من طريق الجو اغتسل عند ركوب الطائرة وتطيب ولبس ثوب إحرامه قبل محاذات الميقات، ثم أحرم قبيل محاذاته، ولا ينتظر حتى يحاذيه؛ لأن الطائرة تمر به سريعة فلا تعطي فرصة، وإن أحرم قبله احتياطا فلا بأس لأنه لا يضره.
والخطأ الذي يرتكبه بعض الناس أنهم يمرون من فوق الميقات في الطائرة أو من فوق محاذاته ثم يؤخرون الإحرام حتى ينزلوا في مطار جدة وهذا مخالف لأمر النبي ﷺ وتعدِّ لحدود الله تعالى.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله ابن عمر ﵄ قال: لما فُتح هذان المصران - يعني البصرة والكوفة - أتوا عمر ﵁ فقالوا: (يا أمير المؤمنين، إن النبي ﷺ حد لأهل نجد قرنًا وإنه جورٌ عن طريقنا، وإن أردنا أن نأتي قرنًا شق علينا قال: فانظروا إلى حذوها من طريقكم) فجعل أمير المؤمنين أحد الخلفاء الراشدين ميقات من لم يمر بالميقات إذا حاذاه، ومن حاذاه جوًا فهو كمن حاذاه برًا ولا فرق.
فإذا وقع الإنسان في هذا الخطأ فنزل جدة قبل أن يحرم فعليه أن يرجع إلى الميقات الذي حاذاه في الطائرة فيحرم منه، فإن لم يفعل وأحرم من جدة فعليه عند أكثر العلماء فدية يذبحها في مكة ويفرقها كلها على الفقراء فيها، ولا يأكل منها ولا يهدي منها لغني لأنها بمنزلة الكفارة.