ثبت عن النبي ﷺ أنه أبتدأ الطواف من الحجر الأسود في الركن اليماني الشرقي من البيت، وأنه طاف بجميع البيت من وراء الحجر. وأنه رمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط في الطواف أول ما قدم مكة.
[ ٤ ]
وانه كان في طوافه يستلم الحجر الأسود ويقبله واستلمه بيده وقبلها، واستلمه بمحجن كان معه وقبّل المحجن وهو راكب على بعيره وطاف على بعيره فجعل يشير إلى الركن يعني الحجر كلما مر به. وثبت عنه أنه كان يستلم الركن اليماني.
واختلاف الصفات في استلام الحجر إنما كان - والله أعلم - حسب السهولة، فما سهل عليه منها فعله، وكل ما فعله من الاستلام والتقبيل والإشارة إنما هو تعبد لله تعالى وتعظيم له لا اعتقاد أن الحجر ينفع أو يضر، وفي الصحيحين عن عمر ﵁ أنه كان يقبل الحجر ويقول: (إني لأعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك) .
والأخطاء التي تقع من بعض الحجاج:
١. ابتداء الطواف من قبل الحجر أي من بينه وبين الركن اليماني، وهذا من الغلو في الدين الذي نهى عنه النبي ﷺ، وهو يشبه من بعض الوجوه تقدم رمضان بيوم أو يومين، وقد ثبت النهي عنه. وادعاء بعض الحجاج أنه يفعل ذلك احتياطًا غير مقبول منه، فالاحتياط الحقيقي النافع هو اتباع الشريعة وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله.
٢. طوافهم عند الزحام بالجزء المسقوف من الكعبة فقط بحيث يدخل من باب الحجر إلى الباب المقابل ويدع بقية الحجر عن يمينه، وهذا خطأ عظيم لا يصح الطواف بفعله، لأن الحقيقة انه لم يطف بالبيت وإنما طاف ببعضه.
٣. الرمل في جميع الأشواط السبعة.
[ ٥ ]
٤. المزاحمة الشديدة للوصول إلى الحجر لتقبيله حتى إنه يؤدي في بعض الأحيان إلى المقاتلة والمشاتمة، فيحصل من التضارب والأقوال المنكرة ما لا يليق بهذا العمل ولا بهذا المكان في مسجد الله الحرام وتحت ظل بيته، فينقص بذلك الطواف بل النسك كله، لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة: الآية١٩٧) . وهذه المزاحمة تذهب الخشوع وتنسي ذكر الله تعالى، وهما من أعظم المقصود في الطواف.
٥. اعتقادهم أن الحجر نافع بذاته، ولذلك تجدهم إذا استلموه مسحوا بأيديهم على بقية أجسامهم أو مسحوا بها على أطفالهم الذين معهم، وكل هذا جهل وضلال، فالنفع والضرر من الله وحده، وقد سبق قول أمير المؤمنين عمر: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك) .
٦. استلامهم - أعني بعض الحجاج - لجميع أركان الكعبة وربما استلموا جميع جدران الكعبة وتمسحوا بها، وهذا جهل وضلال، فإن الاستلام عبادة وتعظيم لله ﷿ فيجب الوقوف فيها على ما ورد عن النبي ﷺ، ولم يستلم النبي ﷺ من البيت سوى الركنين اليمانيين (الحجر الأسود وهو في الركن اليماني الشرقي من الكعبة، والركن اليماني الغربي)، وفي مسند الإمام أحمد عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أنه طاف مع معاوية ﵁ فجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله ﷺ يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورا. فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. فقال معاوية: صدقت.