ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ انه قال: (أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن الحائض) وفي لفظ لمسلم عنه قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال النبي ﷺ: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) رواه أبو داوود بلفظ: (حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت) وفي الصحيحين عن أم سلمة ﵂ قالت: شكوت إلى النبي ﷺ أني اشتكي فقال: (طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ بـ: (وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ) (الطور: ١-٢) وللنسائي عنها أنها قالت: (يا رسول الله، والله ما طفت طواف الخروج فقال: إذا أقيمت الصلاة فطوفي على بعيرك من وراء الناس) .
[ ١٥ ]
وفي صحيح البخاري عن أنس ابن مالك ﵁ أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدةً بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن صفية ﵂ حاضت بعد طواف الإفاضة فقال النبي ﷺ: (أحابستنا هي؟) قالوا: إنها قد افاضت وطافت بالبيت قال: فلتنفر إذن. وفي الموطأ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن عمر ﵁ قال: (لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن آخر النسك الطواف بالبيت) وفيه عن يحي بن سعيد أن عمر ﵁ رد رجلًا من مر الظهران لم يكن ودع البيت حتى ودع.
والخطا الذي يرتكبه بعض الحجاج هنا:
١. نزولهم من منى يوم النفر قبل رمي الجمرات فيطوفوا للوداع ثم يرجعوا إلى منى فيرموا الجمرات، ثم يسافروا إلى بلادهم من هناك وهذا لا يجوز لأنه مخالف لأمر النبي ﷺ أن يكون آخر عهد الحجاج بالبيت، فإن من رمى بعد طواف الوداع فقد جعل آخر عهده بالجمار لا بالبيت، ولأن النبي ﷺ لم يطف للوداع إلا عند خروجه حين استكمل جميع مناسك الحج، وقد قال: (خذوا عني مناسككم) (١) .
وأثر عمر بن الخطاب ﵁ صريح في أن الطواف بالبيت آخر النسك. فمن طاف للوداع ثم رمى بعده فطوافه غير مجزئ لوقوعه في غير محله، فيجب عليه إعادته بعد الرمي، فإن لم يعد كان حكمه حكم من تركه.
_________________
(١) ر واه مسلم، كتاب الحج رقم (١٢٩٧) وأبو داوود، كتاب المناسك رقم (١٩٧٠) بلفظ آخر.
[ ١٦ ]
٢. مكثهم بمكة بعد طواف الوداع فلا يكون آخر عهدهم بالبيت، وهذا خلاف ما أمر به النبي ﷺ وبينه لأمته بفعله، فإن النبي ﷺ أمر أن يكون آخر عهد الحاج بالبيت، ولم يطف للوداع إلا عند خروجه وهكذا فعل أصحابه، ولكن رخص أهل العلم في الإقامة بعد طواف الوداع للحاجة إذا كانت عارضة كبيرة كما لو أقيمت الصلاة بعد طوافه للوداع فصلاها أو حضرت جنازة فصلي عليها، أو كان له حاجة تتعلق بسفره كشراء متاع وانتظار رفقة ونحو ذلك فمن أقام بعد طواف للوداع إقامة غير مرخص فيها وجبت عليه إعادته.
٣. خروجهم من المسجد بعد طواف الوداع على أقفيتهم يزعمون بذلك تعظيم الكعبة، وهذا خلاف السنة بل هو من البدع التي حذرنا منها النبي ﷺ وقال فيها: (كل بدعة ضلالة) والبدعة كل ما احدث من عقيدة أو عبادة على خلاف ما كان عليه الرسول ﷺ وخلفاؤه الراشدون، فهل يظن هذا الراجع على قفاه تعظيمًا للكعبة على زعمه انه أشد تعظيمًا لها من رسول الله ﷺ، أو يظن أن النبي ﷺ لم يكن يعلم أن في ذلك تعظيم لها لا هو ولا خلفاؤه الراشدون؟!
٤. التفاتهم إلى الكعبة عند باب المسجد بعد انتهائهم من طواف الوداع ودعاؤهم هناك كالمودعين للكعبة، وهذا من البدع لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن خلفاؤه الراشدين، وكل ما قصد به التعبد لله تعالى وهو مما لم يرد به الشرع فهو باطل مردود على صاحبه؛ لقول النبي ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (١) . أي مردود على صاحبه.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلح رقم (٢٦٩٧) ومسلم، كتاب الأقضية رقم (١٧١٨) .
[ ١٧ ]
فالواجب على المؤمن بالله ورسوله أن يكون في عباداته متبعًا لما جاء عن رسول الله ﷺ فيها لينال بذلك محبة الله ومغفرته كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: ٣١) واتباع النبي ﷺ كما يكون في مفعولاته يكون كذلك في متروكاته، فمتي وجد مقتضي الفعل في عهده ولم يفعله كان ذلك دليلًا على أن السنة والشريعة تركه، فلا يجوز إحداثه في دين الله تعالى ولو أحبه الإنسان وهواه، قال الله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) (المؤمنون: الآية٧١) وقال النبي ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) . نسأل الله أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
تم تحريره في ١٩ شعبان ١٣٩٨هـ بقلم الفقير إلى الله تعالى: محمد الصالح العثيمين غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
[ ١٨ ]