وكان ﷺ يقول في هذه الجلسة:
١- " اللهم (وفي لفظ: رب!) اغفر لي، وارحمني، [واجبُرني]،
[وارفعني]، واهدني، [وعافني]، وارزقني ". وتارة يقول:
_________________
(١) هو من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: فذكره. أخرجه أبو داود (١/١٣٥)، والترمذي (٢/٧٦)، وابن ماجه (١/٢٩٠)، والحاكم (١/٢٦٢ و٢٧١)، والبيهقي (٢/١٢٢)، وأحمد (١/٣١٥ و٣٧١)، والضياء المقدسي في " المختارة "، والطبراني في " الكبير " من طريق كامل بن العلاء عن حَبِيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبيرعنه. واللفظ الآخر لابن ماجه، والبيهقي، وأحمد، والضياء، والطبراني. والزيادتان الأُوليان عند ابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، وأحمد. والأولى عند الترمذي. والأخيرة عند أبي داود، والحاكم في رواية له، والضياء، والطبراني. قال النووي في " المجموع " (٣/٤٩٧): " فالاحتياط والاختيار أن يجمع بين الروايات، ويأتي بجميع ألفاظها؛ وهي: سبعة " ثم ذكرها. وزاد ابن ماجه: في صلاة الليل. وهي عند البيهقي، وأحمد - مطولًا - بلفظ: قال: بِتُّ عند خالتي ميمونة - قال: -، فانتبه رسول الله ﷺ من الليل: فذكر الحديث. قال: ثم ركع. قال: فرأيته قال في ركوعه:
[ ٣ / ٨٠٩ ]
_________________
(١) " سبحان ربي العظيم ". ثم رفع رأسه، فحمد الله ما شاء أن يحمده. قال: ثم سجد. قال: فكان يقول في سجوده: " سبحان ربي الأعلى ". قال: ثم رفع رأسه. قال: فكان يقول فيما بين السجدتين: فذكره. والسياق لأحمد. والحديث؛ قال الترمذي: " غريب. وهكذا رُويَ عن علي ". وقال الحاكم: " صحيح ". ووافقه الذهبي. وقواه الحافظ في " بلوغ المرام " (١/٢٥٩ بشرح السبل)، وأما في " التلخيص " (٣/٤٨٣)؛ فقال: " وفيه كامل أبو العلاء، وهو: مختلف فيه ". وفي " التقريب ": " صدوق يخطئ ". اهـ. فالحق أن الحديث جيد - كما قال النووي في " المجموع " -. ويشهد له أثر علي الذي أشار إليه الترمذي. وقد أخرجه البيهقي بإسناده الصحيح عن سليمان التيمي قال: بلغني أن عليًا كان يقول بين السجدتين: (رب! اغفر لي، وارحمني، وارفعني، واجبُرني) . ثم قال البيهقي: " ورواه الحارث الأعور عن علي؛ إلا أنه قال: (واهدني) .. بدل: (وارفعني) ". قلت: والحارث هذا - هو ابن عبد الله الهَمْداني، بسكون الميم -: في حديثه ضعف - كما في " التقريب " -.
[ ٣ / ٨١٠ ]
٢- " رب! اغفر لي، رب! اغفر لي ".
_________________
(١) وقد رواه ابن نصر (٧٦) من طريقه؛ لكن وقع اسمه مقلوبًا - ولعله من بعض النساخ -: عبد الله بن الحارث الهمداني. ثم قال النووي: " واعلم أن هذا الدعاء مستحب باتفاق الأصحاب؛ قال الشيخ أبو حامد: لم يذكره الشافعي في هذا الموضع في شيء من كتبه، ولم ينفه. قال: وهو سنة؛ للحديث المذكور ". قلت: قد قال به الشافعي - كما ذكره الترمذي -، ومن علم حجة على من لم يعلم؛ قال - بعد أن ساق الحديث -: " وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ يرون هذا جائزًا في المكتوبة والتطوع ".
(٢) هو من حديث حذيفة ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: فذكره. أخرجه ابن ماجه (١/٢٩٠) قال: ثنا علي بن محمد: ثنا حفص بن غياث: ثنا العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن طلحة بن يزيد عن حذيفة (ح): وحدثنا علي ابن محمد: ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن سعد بن عُبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صِلَةَ بن زُفَرعن حذيفة به. وهذا الإسناد الثاني صحيح، رجاله كلهم ثقات. والإسناد الأول: رجاله ثقات أيضًا؛ لكنه منقطع؛ إلا أن شعبة وصله؛ فرواه عن عمرو عن طلحة عن رجل من عبس - شعبةُ يرى أنه صِلَةُ بن زُفَر - عن حذيفة به أتم منه. وقد مضى بتمامه في (الاستفتاح) [ص ٢٦٨]، مع ذكر من خرجه سوى ابن ماجه.
[ ٣ / ٨١١ ]
_________________
(١) وقد روي ذلك عن علي ﵁، أنه كان يفعل ذلك. أخرجه الطحاوي في " المشكل " (١/٣٠٨) من طريق عبد الرحمن بن زياد: ثنا زهير ابن معاوية عن أبي إسحاق عن علي بذلك. ثم قال الطحاوي: " ولا نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ سواه، ولا من تابعيهم ومن بعد تابعيهم إلى يومنا هذا ذهب إلى ذلك؛ غير بعض من ينتحل الحديث؛ فإنه ذهب إلى ذلك وقال به. وهذا عندنا من قوله حسن، واستعماله إحياءٌ لسنة من سنن رسول الله ﷺ، وإليه نذهب، وإياه نستعمل، وقد وجدنا القياس يشده؛ وذلك أنا رأينا الصلاة مبنية على أقسام: منها القيام؛ وفيه ذكر - وهو الاستفتاح، وما يقرأ بعده من القرآن -، ثم الركوع؛ وفيه ذكر - وهو التسبيح -، ثم الرفع من الركوع؛ وفيه ذكر - وهو: سمع الله لمن حمده، وما سوى ذلك مما يقوله بعض الأئمة من: (ربنا! ولك الحمد) -، ثم السجود؛ وفيه ذكر - وهو التسبيح -، ثم قعدة بين السجدتين؛ وهي التي فيها الذي رويناه عن رسول الله ﷺ من سؤاله ربه ﷿ الغفران مرتين، ثم جلوس فيه ذكر؛ وهو التشهد وما بعده؛ من الصلاة على رسول الله ﷺ، والدعاء. فكانت أقسام الصلاة كلها يستعمل فيها ذكر الله غير خالية من ذلك، غير القعدة بين السجدتين التي ذكرنا؛ فكان القياس على ما وصفنا: أن يكون حكم ذلك القسم أيضًا من الصلاة كحكم غيره من أقسامها، وأن يكون فيه ذكر لله ﷿، كما كان من أقسامها. والله الموفق سبحانه ". اهـ. ببعض تلخيص. وقوله: " لا نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ سوى علي ﵁ ذهب إلى ذلك ".
[ ٣ / ٨١٢ ]
_________________
(١) إن كان يعني خصوص هذا الدعاء؛ فلا كلام. وإن كان يعني مطلق الدعاء بين السجدتين - كما يشير إلى ذلك سياق كلامه -؛ فليس كما قال؛ فقد روى ابن نصر (٧٦) عن أم سلمة ﵂: أنها كانت تقول بين الركعتين - يعني: السجدتين -: رب! اغفر وارحم، واهد السبيل الأقوم. ولكن مختصِره المقريزي اختصر إسناده؛ فلم يذكره ليُنظر فيه (*) . وهذا الدعاء ورد مرفوعًا إليه ﷺ؛ لكن مطلقًا غير مقيد بموضع: أخرجه أحمد (٦/٣٠٣ و٣١٥ - ٣١٦) من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ كان يقول: فذكره. وهذا إسناد ضعيف. وذكره في " المجمع " (١٠/١٧٤) وقال: " رواه أحمد، وأبو يعلى بإسنادين حسنين "! كذا قال، وهو غير سديد بالنسبة إلى سند أحمد؛ فإن فيه علي بن زيد - وهو ابن جُدعان -: فيه ضعف. والحسن - هو البصري، وهو -: مدلس، وقد عنعن. قال الذهبي: " كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديثه: عن فلان. ضعف الاحتجاج به، ولا سيما عمَّن قيل: إنه لم يسمع منهم - كأبي هريرة ونحوه -؛ فعدوا ما كان له عن أبي (*) وفي " مصنف عبد الرزاق " (٢٨٩٢) أنها كانت تقوله في سجودها وفي صلاتها. وفي " مصنف ابن أبي شيبة " (٢/٥٣٤)، ورجاله ثقات.
[ ٣ / ٨١٣ ]
وكان يقولهما في صلاة الليل (١) .
_________________
(١) هريرة في جملة المنقطع ". ﴿وقد اختار الدعاء بهذا الإمام أحمد، وقال إسحاق بن راهويه: " إن شاء قال ذلك ثلاثًا، وإن شاء قال: اللهم! اغفر لي.. لأن كليهما يذكران عن النبي ﷺ بين السجدتين ". كذا في " مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه " رواية إسحاق المروزي (ص ١٩)﴾ .
(٢) كذلك جاء النص عنه ﷺ، ولم أجد حديثًا في ذلك مطلقًا أو مقيدًا بالفرائض، لكن النظر يقتضي استحباب ذلك فيها أيضًا؛ لعدم وجود الفارق بين النوافل والفرائض، ولما ذكرناه عن الطحاوي قريبًا، وكذلك ذهب إلى ذلك من سبق ذكرهم من الأئمة - كما حكاه الترمذي -. * * *
[ ٣ / ٨١٤ ]