ثم " كان ﷺ يرفع صُلبه من الركوع قائلًا:
" سمع الله لمن حمده " " (١) . ﴿وأمر بذلك (المسيء صلاته)؛ فقال:
_________________
(١) هو من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة؛ يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: " سمع الله لمن حمده ". حين يرفع صُلْبَه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: " ربنا! لك الحمد ". ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس. أخرجه البخاري (٢/٢١٦ - ٢١٧) واللفظ له، ومسلم (٢/٨)، والنسائي (١/١٧٢)، والبيهقي (٢/٦٧ و٩٣ و٩٨ و١١٨ و١٢٧ و١٣٤)، وأحمد (٢/٢٥٤)؛ كلهم من طريق الليث عن عُقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: أنه سمع أبا هريرة يقول: فذكره. والزيادة عند أبي داود والبيهقي. وهي عند البخاري معلقة عن عبد الله بن صالح عن الليث، وموصولة عنده (٢/٢٣٠)، وكذا عند أبي داود (١٣٣) من طريق شعيب عن الزهري به نحوه. وكذلك أخرجه مسلم (٢/٧ و٨)، والنسائي (١/١٥٨)، وأحمد (٢/٢٧٠) من طرق أخرى عن ابن شهاب. وزاد شعيبٌ في الإسناد أبا سلمة بن عبد الرحمن؛ قرنه مع أبي بكر بن عبد الرحمن. وقد جاءت عنه ﷺ أحاديث كثيرة في الجمع بين التسميع والتحميد:
[ ٢ / ٦٧٤ ]
_________________
(١) منها: عن ابن عمر ﵁ في " الصحيحين " وغيرهما. وقد مضى في (افتتاح الصلاة) . ومنها: عن ابن عباس، وعن أبي سعيد الخدري. وسيذكران قريبًا إن شاء الله تعالى. وعن حذيفة. وقد مضى في (القراءة في صلاة الليل) . وفي هذه الأحاديث دلالة على أن السنة للإمام أن يجمع بن التسميع والتحميد؛ فيقول الأولَ حالَ ارتفاعه، والآخر إذا استوى قائمًا. وهو مذهب جمهور العلماء، وبه قال عطاء، وأبو بردة، ومحمد بن سيرين، وإسحاق، وداود - كما في " المجموع " (٣/٤١٩) -، وأحمد أيضًا - كما في " الترمذي "، ورواه عنه أبو داود في " مسائله " (٣٣)، ولعلنا نذكر نصه قريبًا (*) -، وهو قول الإمام أبي يوسف، ومحمد - كما ذكر الطحاوي (١/١٤٠ - ١٤٢) -، واختاره (١)؛ خلافًا لأبي حنيفة -، ومالك وغيرهما: أن الإمام يقتصر على التسميع فقط. واحتجوا بحديث أبي هريرة الآتي، ولا حجة فيه - كما سنبينه إن شاء الله تعالى -. ومن الحجة للأولَين الحديث المذكوُر بعد هذا؛ وهو قوله ﷺ: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". فهو نص عام، يشمل كل مُصَلٍّ؛ أن يقول ويصلي كما كان ﷺ يصلي، ولا يجوز رد حديث - لا سيما إذا - بلغ مبلغ التواتر، أو كاد؛ كحديث أبي هريرة هذا الذي نحن في صدد الكلام عليه.. لا يجوز رده لحديث آخر؛ طالما يمكن الجمع بينهما - كما في (*) سيأتي (ص ٦٩١) .
(٢) وكذا اختاره الفضلي، والشُّرُنْبُلالي، وصاحب " المنية "، وعامة المتأخرين من أصحابنا، وهو الأصح؛ الموافق لما ثبت عنه ﷺ. كذا في " عمدة الرعاية " (١٣٧) .
[ ٢ / ٦٧٥ ]
" لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يكبر ثم يركع ثم
يقول: سمع الله لمن حمده. حتى يستوي قائمًا " (١) .
وكان إذا رفع رأسه استوى؛ حتى يعود كل فَقارٍ مكانه (٢)﴾ .
ثم " كان يقول وهو قائم:
" ربنا [و] لك الحمد " " (٣) . وأمر بذلك كلَّ مُصَلٍّ؛ مُؤتمًا أو غيره؛ فقال:
" صلوا كما رأيتموني أُصلي " (٤) . وكان يقول:
" إنما جُعل الإمام ليؤتم به وإذا قال: (سمع الله لمن حمده)؛ فقولوا:
([اللهم] ربنا ولك الحمد) " (٥) - زاد في حديث آخر: -
_________________
(١) الأصول قد تقرر -.
(٢) ﴿[أخرجه] أبو داود، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. [وانظر (ص ١٨٩ - ١٩٠)]﴾ .
(٣) ﴿[أخرجه] البخاري، وأبو داود. " صحيح أبي داود " (١٧٢) . و(الفَقَار) - بالفتح -: ما انتَضَد مِنْ عِظام الصُّلب مِنْ لَدُنِ الكاهِل إلى العَجْبِ - كما في " القاموس " -. وانظر " فتح الباري " (٢/٣٠٨)﴾ .
(٤) انظر الحاشية رقم (١) (ص ٦٨٣) .
(٥) مضى هذا الحديث في عدة مواضع؛ منها (ص ١٤) .
(٦) هو من حديث أبي هريرة ﵁. وقد مضى في أوائل الكتاب في (الصلاة قاعدًا) [ص ٨٧]، وقد أخرجه مسلم (٢/١٩ - ٢٠) من طرق عنه. ومن حديث أنس أيضًا، وعائشة: عند الشيخين. وقد سبق تخريجهما هناك. وفي الباب عن أبي موسى الأشعري، وقد مضى في (التأمين) .
[ ٢ / ٦٧٦ ]
_________________
(١) وعن أبي سعيد. وتقدم في الأوائل. وكلها أحاديث صحيحة، وقد احتج بها من خَصَّ المؤتم بالتحميد دون الإمام، وهم من ذكرنا آنفًا. كما أنهم احتجوا بها على أنه ليس للمؤتم أن يقول: (سمع الله لمن حمده) . قال الحافظ في " الفتح " (٢/١٤٣): " وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله. نعم؛ مقتضاه أن المأموم يقول: (ربنا! لك الحمد) عقب قول الإمام: (سمع الله لمن حمده) . فأما منع الإمام من قول: (ربنا! ولك الحمد)؛ فليس بشيء؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ كان يجمع بينهما ". اهـ. قلت: وكذلك مَنْعُ المأموم من قول التسميع ليس بشيء أيضًا، ولعموم قوله ﷺ: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". وللحديث الذي بعده: " إنما جعل الإمام ليؤتم به ". فإن من الائتمام به أن يقول بقوله، إلا ما استثناه الدليل؛ كالقراءة وراء الإمام في الجهرية - على ما سبق بيانه في محله -. ولذلك قال الخطابي في " المعالم " (١/٢١٠): " قلت: وهذه الزيادة - يعني: التسميع - وإن لم تكن مذكورة في الحديث نصًا؛ فإنها مأمور بها الإمامُ. وقد جاء: " إنما جعل الإمام ليؤتم به ". فكان هذا في جميع أقواله وأفعاله، والإمام يجمع بينهما، وكذلك المأموم، وإنما كان القصد بما جاء في هذا الحديث مداركةَ الدعاء والمقارنة بين القولين؛ ليستوجب بها دعاء الإمام، وهو قوله: " سمع الله لمن حمده " ليس بيان كيفية الدعاء، والأمر باستيفاء جميع ما يقال في ذلك المقام؛ إذ قد وقعت الغُنْيَةُ بالبيان المتقدم ".
[ ٢ / ٦٧٧ ]
_________________
(١) ونحوه - وأوضح منه - قول النووي في " المجموع " (٣/٤٢٠): " إن معنى الحديث: (قولوا: " ربنا! لك الحمد " مع ما قد علمتموه من قول: " سمع الله لمن حمده ") . وإنما خص هذا بالذكر؛ لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي ﷺ بـ: " سمع الله لمن حمده ". فإن السنة فيه الجهر، ولا يسمعون قوله: " ربنا! لك الحمد "؛ لأنه يأتي به سرًا - كما سبق بيانه -. وكانوا يعلمون قوله ﷺ: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". مع قاعدة التأسي به ﷺ مطلقًا، وكانوا يوافقون في: " سمع الله لمن حمده "؛ فلم يحتج إلى الأمر به، ولا يعرفون: " ربنا! لك الحمد "؛ فأمروا به ". قال الحافظ (٢/٢٢٥): " وهذا الموضع يقرب من مسألة التأمين - كما تقدم -؛ من أنه لا يلزم من قوله: " إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ فقولوا: آمين ". أن الإمام لا يُؤَمّن بعد قوله: ﴿وَلَا الضَّالّيِنَ﴾ . وليس فيه أن الإمام يؤمن، كما أنه ليس في هذا أنه يقول: " ربنا! لك الحمد ". لكنهما مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة؛ كما تقدم في (التأمين)، وكما مضى في هذا الباب؛ أنه ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد. وأما ما احتجوا به - من حيث المعنى - من أن معنى: " سمع الله لمن حمده ": طلب التحميد؛ فيناسب حالَ الإمام، وأما المأموم؛ فتناسبه الإجابة بقوله: " ربنا! لك الحمد ". ويقويه حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم وغيره؛ ففيه: " وإذا قال: (سمع الله لمن حمده)؛ فقولوا: (ربنا! ولك الحمد) . يسمع الله لكم ". فجوابه أن يقال: لا يدل ما ذكرتم على أن الإمام لا يقول: (ربنا! لك الحمد) . إذ لا يمتنع أن يكون طالبًا ومجيبًا. وهو نظير ما تقدم في مسألة التأمين؛ من أنه لا يلزم من كون الإمام داعيًا والمأموم مُؤَمِّنًا أن لا يكون الإمام مُؤَمِّنًا ". قال: " وقضية ذلك أن الإمام يجمعهما، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، والجمهور، والأحاديث الصحيحة تشهد له ". ثم قال:
[ ٢ / ٦٧٨ ]
_________________
(١) " وأما المنفرد؛ فحكى الطحاوي، وابن عبد البر الإجماع على أنه يجمع بينهما، وجعله الطحاوي حجة؛ لكون الإمام يجمع بينهما؛ للاتفاق على اتحاد حكم الإمام والمنفرد ". لكن أشار صاحب " الهداية " إلى خلاف عندهم في المنفرد. قلت: ولكنه اختار له الجمع بينهما، وهو الصحيح؛ لعموم قوله ﷺ: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (*) . وزيادة (اللهم) وردت عند أبي داود (١/٩٩) في رواية له من حديث مصعب بن محمد عن أبي صالح عن أبي هريرة - وقد مضى الشطر الأول من الحديث في (التكبير) [ص ١٩١]، وذكرنا هناك أن سنده جيد -، وكذلك وردت عند ابن ماجه (١/٢٧٩) من طريق ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح به. ولها طريق أخرى عند الدارقطني (١٢٩) عن يزيد بن محمد بن عبد الصمد: ثنا يحيى بن عمرو بن عمارة: سمعت ابن ثابت بن ثوبان يقول: ثني عبد الله بن الفَضْل عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: " إذا قال الإمام: (سمع الله لمن حمده) . فليقل من وراءه: (اللهم ربنا! ولك الحمد) ". ويحيى بن عمرو هذا لم أجد من ذكره (**)، وبقية رجاله موثقون. (*) وقال شيخنا ﵀ في حاشيته على " صفة الصلاة " المطبوع - بعد أن ذكر كلامًا هو تلخيص لما تقدم في هذه المسألة -: " (تنبيه): وليتأمل هذا بعض الأفاضل الذين راجعونا في هذه المسألة، فلعل فيما ذكرنا ما يقنع. ومن شاء زيادة الاطلاع؛ فليراجع رسالة الحافظ السُّيُوطي في هذه المسألة " دفع التشنيع في حكم التسميع " ضمن كتابه " الحاوي للفتاوي " (١/٥٢٩) ". (**) مترجم في " الجرح والتعديل " (٩/١٧٧) دون جرح أو تعديل.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
" يسمع اللهُ لكم (١)؛ فإن الله ﵎ قال على لسان نبيه ﷺ: سمع
الله لمنَ حمده " (٢) .
_________________
(١) وله شاهد من حديث سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري. أخرجه ابن ماجه (١/٢٨٦) . وسنده حسن. وهو عند البيهقي، وأحمد بلفظ: " اللهم ربنا! لك الحمد ". بدون الواو. وقد مر في (التكبير) . وأخرجه الحاكم، والبيهقي من طريق أخرى عن سعيد بلفظ: " ربنا! ولك الحمد ". وسنده صحيح - كما مضى هناك -. وثبتت الزيادة أيضًا في رواية من حديث أبي موسى الأشعري - كما يأتي بعد هذا -.
(٢) أي: يستجبْ دعاءكم.
(٣) هو من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ بلفظ: " وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) . فقولوا: (اللهم ربنا! لك الحمد) . يسمع الله لكم " الحديث. وقد مضى بتمامه وتخريجه في (التأمين) [ص ٣٨٧] . وفي رواية للنسائي (١/١٦٢)، والطحاوي (١/١٤٠) بلفظ: " اللهم ربنا! ولك الحمد ". بزيادة الواو. وهو رواية في حديث أبي هريرة الآتي.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
وعَلَّلَ الأمرَ بذلك في حديث آخر بقوله:
" فإنه من وافق قوله قول الملائكة (١)؛ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه " (٢) .
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأن الملائكة تقول ما يقول المأموم. وقال ابن عبد البر: الوجه عندي في هذا - والله أعلم - تعظيم فضل الذكر، وأنه يحط الأوزار، ويغفر الذنوب، وقد أخبر الله عن الملائكة أنهم يستغفرون للذين آمنوا، فمن كان منه من القول مثل هذا بإخلاص، واجتهاد، ونية صادقة، وتوبة صحيحة؛ غفرت ذنوبه إن شاء الله تعالى. قال: ومثل هذه الأحاديث المشكلةِ المعاني البعيدةِ التأويلِ عن مخارج لفظها واجبٌ رَدُّها إلى الأصول المجتمع عليها. كذا في " التنوير ".
(٢) هو من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قال الإمام: (سمع الله لمن حمده) . فقولوا: (اللهم ربنا! لك الحمد) . فإنه " الحديث. أخرجه مالك (١/١١١)، ومن طريقه البخاري (٢/٢٢٥ - ٢٢٦)، ومسلم (٢/١٧)، و﴿أبو عوانة [٢/١٧٩]﴾، وأبو داود (١/١٣٥)، والنسائي (١/١٦٢)، والترمذي (٢/٥٥)، والطحاوي (١/١٤٠)، والبيهقي (٢/٩٦) - كلهم عن مالك - عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر عن أبي صالح السَّمَّان عنه. وأخرجه أحمد (٢/٤١٧) من طريق سُهيل عن أبيه به نحوه، وفيه: " اللهم ربنا! ولك الحمد ". بزيادة الواو. وإسناده صحيح على شرط مسلم. وله عند مسلم (٢/٢٠)، و﴿أبي عوانة [٢/١٠٩]﴾ طريق أخرى روياه عن شعبة عن يعلى بن عطاء: سمعتُ أبا علقمة: سمعت أبا هريرة به نحو حديث مالك.
[ ٢ / ٦٨١ ]