ثم " كان ﷺ يكبر، ويهوي ساجدًا " (١)، ﴿وأمر بذلك (المسيء
صلاته)؛ فقال له:
" لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يقول: (سمع الله لمن حمده) .
حتى يستوي قائمًا؛ ثم يقول: الله أكبر. ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله " (٢)
و" كان إذا أراد أن يسجد؛ كبَّر، [ويجافي يديه عن جنبيه]، ثم
يسجد " (٣)﴾ .
و" كان أحيانًا يرفع يديه إذا سجد " (٤) .
_________________
(١) (*) هذا العنوان زيادة على الأصل، وجدنا الشيخ ﵀ يعزو إليه - كموضوع - في مواضع من كتابه هذا؛ فجعلناه عنوانًا. انظر (ص ٦١٠ و٧٩٩) وغيرها.
(٢) سبق هذا في حديث أبي هريرة المذكور في (قيامه من الركوع) [ص ٦٧٤] .
(٣) ﴿[رواه] أبو داود، والحاكم وصححه. ووافقه الذهبي، [وسبق تخريجه (ص ١٨٩)]﴾ .
(٤) ﴿رواه أبو يعلى في " مسنده " (ق ٢٨٤/٢) بسندٍ جيد، وابن خزيمة (١/٧٩/٢) بسندٍ آخر صحيح﴾ .
(٥) روى هذا الرفع عنه ﷺ عشرة من الصحابة ﵃، وقد سقت أحاديثهم وتكلمت عليها، وخرجتها في " التعليقات الجياد على زاد المعاد " حديثًا حديثًا، وبينت ما يصح إسناده منها، وما لا يصح، ولكنه يقوى في الشواهد؛ بحيث إن الواقف على هذه الأحاديث كلها يجزم جزمًا قاطعًا بثبوته عن النبي ﷺ، بل وبتواتره عنه. وها نحن نسوق منها في هذا التعليق ما صح سنده ولا مطعن فيه:
[ ٢ / ٧٠٦ ]
_________________
(١) حديث مالك بن الحويرث: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود؛ حتى يحاذي بهما فروع أذنيه. أخرجه النسائي (١/١٦٥)، وأبو عوانة (٢/٩٤)، وعنه ابن حزم في " المحلى " (٤/٩٢)، وأحمد في " المسند " (٣/٤٣٦ و٤٣٧ و٥/٥٣) عن قتادة عن نصر بن عاصم عنه. وهذا سند صحيح على شرط مسلم. قال الحافظ في " الفتح " (٢/١٧٧): " وهو أصح ما وقفت عليه من الأحاديث في الرفع في السجود ". قلت: وقد ترجم له النسائي ببابين؛ أحدهما: (باب رفع اليدين للسجود) . والآخر: (باب رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى) .
(٢) عن وائل بن حجر. قال حصين بن عبد الرحمن: دخلنا على إبراهيم، فحدثه عَمْرو بن مُرَّة قال: صلينا في مسجد الحضرمييِّن، فحدثني علقمةُ بن وائل عن أبيه: أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا سجد. وهذا سند صحيح على شرط مسلم. أخرجه الدارقطني (١٠٩) . وله طريق ثانٍ: قال شعبة: أخبرني عمرو بن مُرّة قال: سمعت أبا البَخْتَري يحدث عن عبد الرحمن اليَحْصَبي عن وائل الحضرمي: أنه صلى مع النبى ﷺ؛ فكان يكبّر إذا خفض، وإذا رفع، ويرفع يديه عند التكبير. وهذا سند حسن. رجاله رجال الستة؛ غير عبد الرحمن بن اليَحْصَبي، وقد روى عنه ثقتان، ووثقه ابن حبان. أخرجه الدارمي (١/٢٨٥)، والطيالسي (١٣٧)، وأحمد (٤/٣١٦) .
[ ٢ / ٧٠٧ ]
_________________
(١) وهو يفيد الرفع مع كل تكبيرة. وقد صرح بذلك في رواية لأحمد (٤/٣١٧) من طريق ثالث عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه. ورجاله موثقون. لكنه منقطع. وقد وصله أبو داود بسند صحيح، لكن ليس فيه التصريح بالرفع عند السجود؛ بل فيه التصريح بالرفع عند الرفع منه. وسيأتي هناك إن شاء الله تعالى.
(٢) حديث أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد. أخرجه الدارقطني، وابن حزم (٤/٩٢)، والضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة " من طريق عبد الوهّاب بن عبد المجيد الثَّقَفي عن حميد عنه. قال القاضي أحمد محمد شاكر في " تعليقه ": " هذا إسناد صحيح جدًا ". وهو كما قال؛ لولا أن الدارقطني، وكذا الطحاوي أعلاه بأنه موقوف على أنس - كما سبق في (الرفع عند الركوع) [ص ٦٠٨]-. ولعل الجواب عن ذلك ما تقرر في المصطلح: أن زيادة الثقة مقبولة. وهو هنا عبد الوهاب الثقفي، وهو ثقة إمام، احتج به الشيخان وغيرهما، وقد رفع الحديث؛ فهي زيادة منه يجب قَبولها. وقال الهيثمي في " المجمع " (٢/١٠٢) - بعد أن ساق الحديث -: " رواه أبو يعلى. ورجاله رجال " الصحيح " ". وقال الحافظ في " الدراية " (٨١): " ورجاله ثقات ". قلت: وفي لفظ عند المقدسي في " المختارة " من طريق أبي بكر بن أبي شيبة: ثنا
[ ٢ / ٧٠٨ ]
_________________
(١) عبد الوهاب به: كان يرفع يديه في الركوع والسجود. وهذا أعم من الأول؛ لتناوله الرفع عند السجود، وعند الرفع منه.
(٢) حديث عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند التكبير للركوع، وعند التكبير حين يهوي ساجدًا. قال الهيثمي: " رواه الطبراني في " الأوسط ". وإسناده صحيح ". قلت: ورواه ابن حزم (٤/٩٣) من طريق عبد الوهاب الثقفي عن عُبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، وإذا قال: (سمع الله لمن حمده)، وإذا سجد، وبين الركعتين؛ يرفعهما إلى ثدييه. وهذا سند صحيح، لا داخلة فيه - كما قال ابن حزم -، وهو موقوف؛ ولكنه في حكم المرفوع؛ لأن ابن عمر قد روى عنه ﷺ أنه كان لا يرفع في السجود - كما سبق في (التكبير) -؛ فلولا أنه ثبت عند ابن عمر من طريق غيره من الصحابة عنه ﷺ أنه كان يرفع يديه في هذه المواطن؛ لما رجع إليه ابن عمر وعمل به، وهذا واضح لا يخفى. والحمد لله. ويؤيد ذلك أن عبد الله العمري رواه عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: إذا ركع، وإذا سجد.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
_________________
(١) والعمري - وإن كان ضعيف الحفظ؛ فمتابعةُ غيره له تقويه. وقد سبقت روايته في (الرفع عند الركوع) [ص ٦٠٤] . هذا، وقد عمل بهذه الأحاديث السلف الصالح ﵃؛ خلافًا لما يظنه كثير من الناس، بل جزم بنفي ذلك بعض المتأخرين؛ وهو: الشيخ أنور الكشميري في كتابه " فيض الباري " (٢/٢٥٤)، وسبقه إلى شيء من ذلك أبو جعفر الطحاوي؛ حيث ادعى الإجماع على أن لا يرفع بين السجدتين، ورد عليه الحافظ - كما رد ذلك غيرُه أيضًا؛ على ما سيأتي هناك -. وإليك النصوصَ الواردة عن السلف في ذلك:
(٢) قال أبو سلمة الأعرج: أدركت الناس كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفع. رواه ابن عساكر كما في " التلخيص " (٣/٢٧٢)، وسكت عليه.
(٣) قال البخاري في " رفع اليدين " (٢٤): ثنا الهُذيل بن سليمان أبو عيسى قال: سألت الأوزاعي قلت: أبا عمرو! ما تقول في رفع الأيدي مع كل تكبيرة وهو قائم في الصلاة؟ قال: ذلك الأمر الأول. ثم ذكر (ص ١٨) عن عكرمة بن عمار قال: رأيت القاسم، وطاوسًا، ومكحولًا، وعبد الله بن دينار، وسالمًا يرفعون أيديهم إذا استقبل أحدهم الصلاة، وعند الركوع، وعند السجود. قال: وقال وكيع عن الربيع: قال: رأيت الحسن، ومُجاهدًا، وعطاء، وطاوسًا، وقيس بن سعد، والحسن بن مُسلِم يرفعون أيديهم إذا ركعوا، وإذا سجدوا. وقال عبد الرحمن بن مهدي: هذا من السنة.
[ ٢ / ٧١٠ ]
_________________
(١) وقد صرح الحافظ في " الفتح " (٢/١٧٧) بصحة ذلك - يعني: الرفع في غير المواطن الثلاثة؛ الافتتاح، والركوع، والرفع منه - عن ابن عمر، وابن عباس، وطاوس، ونافع، وعطاء - كما أخرجه عبد الرزاق وغيره عنهم بأسانيدَ قوية -. اهـ. وقد ذهب إلى ذلك غير واحد من أئمة الفقه والحديث؛ ومنهم: إمام السنة أحمد بن حنبل ﵁ في رواية عنه؛ ففي " بدائع الفوائد " لابن القيم (٣/٨٩): " ونقل عنه الأثرم (الأصل: ابن الأثرم)، وقد سئل عن رفع اليدين؟ فقال: في كل خفض ورفع. قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله يرفع يديه في الصلاة في كل خفض ورفع ". وقال الحافظ أبو زُرعة [ابن العِراقيّ] في " طرح التثريب في شرح التقريب " (٢/٢٦٢) - بعد أن ذكر الأحاديث المتقدمة وغيرها -: " وصحح ابن حزم وابن القطان حديث الرفع في كل خفض ورفع، وأعله الجمهور فتمسك الأئمة الأربعة بالروايات التي فيها نفي الرفع في السجود؛ لكونها أصح، وضعفوا ما عارضها - كما تقدم -، وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف. وأخذ آخرون بالأحاديث التي فيها الرفع في كل خفض ورفع، وصححوها، وقالوا: هي مثبِتة؛ فهي مقدمة على النفي. وبه قال ابن حزم الظاهري، وقال: إن أحاديث رفع اليدين في كل خفض ورفع متواترة؛ توجب يقين العلم. ونقل هذا المذهب عن ابن عمر، وابن عباس، والحسن البصري، وطاوس، وابنه عبد الله، ونافع مولى ابن عباس - كذا، والصواب: نافع مولى ابن عمر؛ كما في " المحلى " -،
[ ٢ / ٧١١ ]
_________________
(١) وأيوب السَّخْتِياني، وعطاء بن أبي رباح. وقال به ابن المنذر، وأبو علي الطبري من أصحابنا، وهو قول عن مالك، والشافعي. فحكى ابن خُوَيْز مَنْدَاد عن مالك رواية؛ أنه يرفع في كل خفض ورفع. وفي أواخر " البُوَيطي ": يرفع يديه في كل خفض ورفع. وروى ابن أبي شيبة الرفع بين السجدتين عن أنس، والحسن، وابن سيرين ". واعلم أن قوله عن الجمهور: " وضعفوا ما عارضها كما تقدم ": إنما يريد به غير الأحاديث التي سردناها سابقًا؛ لأنه لم يتكلم عليها بشيء في المكان الذي أشار إليه، اللهم! إلا رواية من حديث ابن عمر رواها الطحاوي، وقال: " إنها شاذة. وصححها ابن القطان ". وأما رواية الطبراني التي اعتمدنا عليها؛ فلم يضعفها، بل صححها تلميذ أبيه الحافظ الهيثمي - كما سبق -. وإذ قد صحت الأحاديث بالرفع في كل خفض ورفع؛ فوجب الأخذ بها، ولا يجوز ردها ومعارضتها بالروايات التي فيها نفي الرفع؛ هذا لما تقرر في الأصول: أن المثبت مقدم على النافي. وعلى هذا الأصل أخذ جماهير العلماء بالأحاديث المثبتة للرفع عند الركوع، والرفع منه - كما سبق بيانه هناك -، فمن قدم منهم النفي ههنا؛ فهو واقع فيما أنكره على غيره من الحنفية الذين نفوا الرفع هناك -، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ . وما أحسن كلام ابن حزم ﵀ في الجمع بين الأحاديث المختلفة الواردة في هذا
[ ٢ / ٧١٢ ]
_________________
(١) الباب! قال ﵀ (٤/٩٣): " فكان ما رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر زائدًا على ما رواه علقمة عن ابن مسعود ". يعني: نفيه للرفع إلا في الإحرام. قال: " ووجب أخذ الزيادة؛ لأن ابن عمر حكى أنه رأى ما لم يره ابن مسعود من رفع رسول الله ﷺ يديه عند الركوع والرفع منه. وكلاهما ثقة، وكلاهما حكى ما شاهد. وكان ما رواه نافع ومُحارِب بن دِثَارٍ؛ كلاهما عن ابن عمر. وما رواه أبو حُميد وأبو قتادة وثمانية من أصحاب رسول الله ﷺ من رفع اليدين عند القيام إلى (*) الركعتين زيادة على ما رواه الزُّهْري عن سالم عن ابن عمر، وكلٌّ ثقة، وكل مصدَّق فيما ذكر أنه سمعه ورآه، وأخذُ الزيادةِ واجبٌ. وكان ما رواه أنس من رفع اليدين عند السجود زيادة على ما رواه ابن عمر، والكل ثقة فيما روى وما شاهد. وكان ما رواه مالك بن الحُويرث من رفع اليدين في كل ركوع، ورفع من ركوع، وكل سجود، ورفع من سجود؛ زائدًا على كل ذلك، والكل ثقات فيما رَوَوْهُ وما سمعوه، وأخذ الزيادات فرض لا يجوز تركه؛ لأن الزيادة حكم قائم بنفسه، رواه من علمه، ولا يضره سكوت من لم يروه عن روايته؛ كسائر الأحكام كلها، ولا فرق ". وقد ذكرنا فيما سبق [ص ٦٠٤] كلام البخاري في نحو ما قاله ابن حزم، وسيأتي له كلام أوسع من ذلك في (الرفع إذا قام من الركعتين) إن شاء الله تعالى. وإنما قلت: أحيانًا؛ لأنه - والله أعلم - لو كان يرفع دائمًا؛ لرواه الذين رووا الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه. وقد ذكرنا أسماءهم هناك. (*) كذا في الأصل؛ تبعًا لابن حزم، ولعل الأصوب: (منْ)؛ لتدخل صلاة المغرب فيها، وكذلك هي نص رواية أبي حميد.
[ ٢ / ٧١٣ ]