٢- وقال آخرون:
" إذا كان الاختلاف في الدين منهيًّا عنه؛ فماذا تقولون في اختلاف
الصحابة، والأئمة من بعدهم؟ وهل ثمة فرق بين اختلافهم، واختلاف
غيرهم من المتأخرين؟ ".
فالجواب: نعم؛ هناك فرق كبير بين الاختلافين، ويظهر ذلك في شيئين:
الأول: سببه.
والآخر: أثره.
فأما اختلاف الصحابة؛ فإنما كان عن ضرورة واختلاف طبيعي منهم في
الفهم؛ لا اختيارًا منهم للخلاف، يضاف إلى ذلك أمور أخرى كانت في
زمنهم، استلزمت اختلافهم، ثم زالت من بعدهم (١)، ومثل هذا الاختلاف لا
يمكن الخلاص منه كليًّا، ولا يلحق أهلَه الذمُّ الواردُ في الآيات السابقة، وما
في معناها؛ لعدم تحقق شرط المؤاخذة، وهو القصد، أو الإصرار عليه.
وأما الاختلاف القائم بين المقلدة؛ فلا عذر لهم فيه غالبًا؛ فإن بعضهم قد
تتبين له الحجة من الكتاب والسنة، وأنها تؤيد المذهب الآخر الذي لا يتمذهب
به عادة، فيدعها لا لشيء؛ إلا لأنها خلاف مذهبه، فكأن المذهب عنده هو
الأصل، أو هو الدين الذي جاء به محمد ﷺ، والمذهب الآخر هو دين آخر منسوخ!
وآخرون منهم على النقيض من ذلك؛ فإنهم يرون هذه المذاهب - على ما
بينها من اختلاف واسع - كشرائع متعددة؛ كما صرح بذلك بعض
_________________
(١) راجع " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم، و" حجة الله البالغة " للدهلوي، أو رسالته الخاصة بهذا البحث " عِقد الجِيد في أحكام الاجتهاد والتقليد ".
[ ١ / ٤٠ ]
متأخريهم (١):
" لا حرج على المسلم أن يأخذ من أيها ما شاء، ويدع ما شاء، إذ الكل
شرع "!
وقد يحتج هؤلاء، وهؤلاء على بقائهم في الاختلاف بذلك الحديث الباطل:
" اختلافُ أمتي رحمة ". وكثيرًا ما سمعناهم يستدلون به على ذلك!
ويعلل بعضهم هذا الحديث، ويوجهونه بقولهم:
" إن الاختلاف إنما كان رحمة؛ لأن فيه توسعة على الأمة "!
ومع أن هذا التعليل مخالف لصريح الآيات المتقدمة، وفحوى كلمات
الأئمة السابقة؛ فقد جاء النص عن بعضهم برده، قال ابن القاسم:
" سمعت مالكًا والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ:
ليس كما قال ناس: " فيه توسعة "؛ ليس كذلك، إنما هو خطأ وصواب " (٢) .
وقال أشهب:
" سئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه ثقة عن أصحاب رسول الله ﷺ؛
أتراه من ذلك في سعة؟ فقال:
لا والله! حتى يصيب الحق، ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان
صوابًا جميعًا؟! ما الحق والصواب إلا واحد " (٣) .
_________________
(١) انظر: " فيض القدير " للمناوي (١/٢٠٩)، أو " سلسلة الأحاديث الضعيفة " (١/٧٦ و٧٧) .
(٢) ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " (٢/٨١ و٨٢) .
(٣) المصدر السابق (٢/٨٢ و٨٨ و٨٩) .
[ ١ / ٤١ ]
وقال المُزني صاحب الإمام الشافعي:
" وقد اختلف أصحاب رسول الله ﷺ؛ فخطَّأ بعضهم بعضًا، ونظر بعضهم
في أقاويل بعض وتعقَّبها، ولو كان قولهم كله صوابًا عندهم؛ لما فعلوا ذلك،
وغضب عمر بن الخطاب من اختلاف أُبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة
في الثوب الواحد؛ إذ قال أُبي:
إن الصلاة في الثوب الواحد حسن جميل. وقال ابن مسعود:
إنما كان ذلك والثياب قليلة. فخرج عمر مغضبًا، فقال:
اختلف رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ ممن ينظر إليه، ويؤخذ عنه!
وقد صدق أُبَيّ، ولم يَأْلُ ابن مسْعود، ولكني لا أسمع أحدًا يختلف فيه بعد
مقامي هذا؛ إلا فعلت به كذا وكذا " (١) .
وقال الإمام المُزَني أيضًا:
" يقال لمن جوَّز الاختلاف، وزعم أن العالِمَيْن إذا اجتهدا في الحادثة؛ فقال
أحدهما: حلال. والآخر: حرام. أن كل واحد منهما في اجتهاده مصيب الحق:
أَبِأَصْلٍ قلتَ هذا، أم بقياس؟ فإن قال: بأصل. قيل له:
كيف يكون أصلًا، والكتاب ينفي الاختلاف؟! وإن قلت: بقياس. قيل:
كيف تكون الأصول تنفي الخلاف، ويجوز لك أن تقيس عليها جواز
الخلاف؟! هذا ما لا يجوّزه عاقل؛ فضلًا عن عالم " (٢) .
فإن قال قائل: يخالف ما ذكرتَه عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد
_________________
(١) المصدر السابق (٢/٨٣ - ٨٤) .
(٢) المصدر نفسه (٢/٨٩) .
[ ١ / ٤٢ ]
ما جاء في كتاب " المدخل الفقهي " للأستاذ الزرقا (١/٨٩):
" ولقد هم أبو جعفر المنصور، ثم الرشيد من بعده أن يختارا مذهب الإمام مالك
وكتابه " الموطأ " قانونًا قضائيًّا للدولة العباسية، فنهاهما مالك عن ذلك وقال:
إن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل
مصيب ".
وأقول: إن هذه القصة معروفة مشهورة عن الإمام مالك ﵀، لكن
قوله في آخرها:
" وكل مصيب ". مما لا أعلم له أصلًا في شيء من الروايات، والمصادر
التي وقفت عليها (١)، اللهم! إلا رواية واحدة أخرجها أبو نُعيم في " الحلية "
(٦/٣٣٢) بإسناد فيه المقدام بن داود، وهو: ممن أوردهم الذهبي في " الضعفاء "،
ومع ذلك فإن لفظها:
" وكلّ عند نفسه مصيب ". فقوله:
" عند نفسه ". يدل على أن رواية " المدخل " مدخولة، وكيف لا تكون
كذلك؛ وهي مخالفة لما رواه الثقات عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد؛
كما سبق بيانه؟! وعلى هذا كل الأئمة من الصحابة، والتابعين، والأئمة
الأربعة المجتهدين وغيرهم.
قال ابن عبد البر (٢/٨٨):
" ولو كان الصواب في وجهين متدافعين؛ ما خطَّأ السلف بعضهم بعضًا
في اجتهادهم، وقضائهم، وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صوابًا
_________________
(١) راجع " الانتقاء " لابن عبد البر (٤١)، و" كشف المغطا في فضل الموطا " (ص ٦ - ٧) للحافظ ابن عساكر، و" تذكرة الحفاظ " للذهبي (١/١٩٥) .
[ ١ / ٤٣ ]
كله، ولقد أحسن من قال:
إثبات ضدين معًا في حال أقبح ما يأتي من المحال ".
فإن قيل: إذا ثبت أن هذه الرواية باطلة عن الإمام؛ فلماذا أبى الإمام على
المنصور أن يجمع الناس على كتابه " الموطأ "، ولم يُجِبهُ إلى ذلك؟
فأقول: أحسن ما وقفت عليه من الرواية ما ذكره الحافظ ابن كثير في
" شرح اختصار علوم الحديث " (ص ٣١)، وهو أن الإمام مالكًا قال:
" إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها ".
وذلك من تمام علمه وإنصافه؛ كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى.
فثبت أن الخلاف شرٌّ كلُّه، وليس رحمة، ولكن منه ما يؤاخذ عليه
الإنسان؛ كخلاف المتعصبة للمذاهب، ومنه ما لا يؤاخذ عليه؛ كخلاف
الصحابة ومن تابعهم من الأئمة؛ حشرنا الله في زمرتهم ووفقنا لاتباعهم.
فظهر أن اختلاف الصحابة هو غير اختلاف المقلدة.
وخلاصته:
إن الصحابة اختلفوا اضطرارًا، ولكنهم كانوا ينكرون الاختلاف، ويفرون
منه ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.
وأما المقلدة - فمع إمكانهم الخلاص منه، ولو في قسم كبير منه -؛ فلا
يتفقون، ولا يسعون إليه؛ بل يقرونه، فشتان إذن بين الاختلافين.
ذلك هو الفرق من جهة السبب.
وأما الفرق من جهة الأثر؛ فهو أوضح؛ وذلك أن الصحابة ﵃
- مع اختلافهم المعروف في الفروع - كانوا محافظين أشد المحافظة على مظهر
[ ١ / ٤٤ ]
الوحدة، بعيدين كل البعد عما يفرق الكلمة، ويصدع الصفوف؛ فقد كان
فيهم - مثلًا - من يرى مشروعية الجهر بالبسملة، ومن يرى عدم مشروعيته،
وكان فيهم من يرى استحباب رفع اليدين، ومن لا يراه، وفيهم من يرى نقض
الوضوء بمس المرأة، ومن لا يراه؛ ومع ذلك؛ فقد كانوا يصلون جميعًا وراء إمام
واحد، ولا يستنكف أحد منهم عن الصلاة وراء الإمام لخلافٍ مذهبي.
وأما المقلدون؛ فاختلافهم على النقيض من ذلك تمامًا؛ فقد كان من آثاره
أن تفرق المسلمون في أعظم ركن بعد الشهادتين؛ ألا وهو الصلاة، فهم يأبون
أن يصلوا جميعًا وراء إمام واحد؛ بحجة أن صلاة الإمام باطلة، أو مكروهة
على الأقل بالنسبة إلى المخالف له في مذهبه، وقد سمعنا ذلك، ورأيناه كما
رآه غيرنا (١)، كيف لا؛ وقد نصت كتب بعض المذاهب المشهورة اليوم على
الكراهة، أو البطلان؟! وكان من نتيجة ذلك أن تجد أربعة محاريب في المسجد
الجامع، يصلي فيها أئمةٌ أربعةٌ متعاقبين، وتجد أناسًا ينتظرون إمامهم بينما
الإمام الآخر قائم يصلي!
بل لقد وصل الخلاف إلى ما هو أشد من ذلك عند بعض المقلدين؛ مثاله منع
التزاوج بين الحنفي والشافعية، ثم صدرت فتوى من بعض المشهورين عند الحنفية
- وهو الملقب بـ: (مفتي الثقلين) -؛ فأجاز تزوج الحنفي بالشافعية، وعلل ذلك بقوله:
" تنزيلًا لها منزلة أهل الكتاب " (٢) ! ومفهوم ذلك - ومفاهيم الكتب معتبرة
عندهم - أنه لا يجوز العكس، وهو تزوج الشافعي بالحنفية؛ كما لا يجوز تزوج
الكتابي بالمسلمة!!
_________________
(١) راجع (الفصل الثامن) من كتاب " ما لا يجوز فيه الخلاف " (ص ٦٥ - ٧٢)؛ تجد أمثلة عديدة مما أشرنا إليه؛ وقعت بعضها من بعض علماء الأزهر!
(٢) " البحر الرائق ".
[ ١ / ٤٥ ]
هذان مثالان من أمثلة كثيرة، توضح للعاقل الأثر السيِّئ الذي كان نتيجة
اختلاف المتأخرين وإصرارهم عليه؛ بخلاف السلف، فلم يكن له أي أثر سيِّئ
في الأمة؛ ولذلك فَهُمْ في منجاة من أن تشملهم آيات النهي عن التفرق في
الدين؛ بخلاف المتأخرين. هدانا الله جميعًا إلى صراطه المستقيم.
وليت أن اختلافهم المذكور انحصر ضرره فيما بينهم، ولم يتعده إلى
غيرهم من أمة الدعوة، إذن؛ لهان الخطب بعض الشيء، ولكنه - ويا للأسف! -
تجاوزهم إلى غيرهم من الكفار في كثير من البلاد والأقطار، فصدوهم بسبب
اختلافهم عن الدخول في دين الله أفواجًا! جاء في كتاب " ظلام من الغرب "
للأستاذ الفاضل محمد الغزالي (ص ٢٠٠) ما نصه:
" حدث في المؤتمر الذي عقد في جامعة " برينستون " بأمريكا أن أثار أحد
المتحدثين سؤالًا - كثيرًا ما يثار في أوساط المستشرقين، والمهتمين بالنواحي
الإسلامية -؛ قال:
بأي التعاليم يتقدم المسلمون إلى العالم؛ ليحددوا الإسلام الذي يدعون
إليه؟
أبتعاليم الإسلام كما يفهمها السنيون؟ أم بالتعاليم التي يفهمها الشيعة
من إمامية، أو زيدية؟
ثم إن كلًا من هؤلاء وأولئك مختلفون فيما بينهم.
وقد يفكر فريق منهم في مسألة ما تفكيرًا تقدميًا محدودًا، بينما يفكر
آخرون تفكيرًا قديمًا متزمتًا.
والخلاصة؛ أن الداعين إلى الإسلام يتركون المدعوين إليه في حيرة؛
[ ١ / ٤٦ ]
لأنهم هم أنفسهم في حيرة " (١) .
وفي مقدمة رسالة " هدية السلطان إلى مسلمي بلاد جابان " للعلامة
محمد سلطان المعصومي رحمه الله تعالى:
" إنه كان ورد عليّ سؤال من مسلمي بلاد جابان - يعني: اليابان - من
بلدة (طوكيو) و(أوصاكا) في الشرق الأقصى، حاصله:
_________________
(١) وأقول الآن: لقد كشفت كتابات الغزالي الكثيرة في أيامه الأخيرة - مثل كتابه الذي صدر أخيرًا بعنوان: " السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث " - أنه هو نفسه من أولئك الدعاة الذين " هم أنفسهم في حيرة "! ولقد كنا نلمس منه قبل ذلك من بعض أحاديثه ومناقشاتنا له في بعض المسائل الفقهية ومن بعض كتاباته في بعض مؤلفاته ما ينم عن مثل هذه الحيرة، وعن انحرافه عن السنة، وتحكيمه لعقله في تصحيح الأحاديث وتضعيفها؛ فهو في ذلك لا يرجع إلى علم الحديث وقواعده، ولا إلى العارفين به، والمتخصصين فيه؛ بل ما أعجبه منه؛ صححه، ولو كان ضعيفًا! وما لم يعجبه منه؛ ضعفه، ولو كان صحيحًا متفقًا عليه! وقد قام كثير من أهل العلم والفضل جزاهم الله خيرًا بالرد عليه، وفصلوا القول في حيرته وانحرافه. ومن أحسن ما وقفت عليه رد صاحبنا الدكتور ربيع بن هادي المدخلي في مجلة (المجاهد) الأفغانية (العدد ٩ - ١١)، ورسالة الأخ الفاضل صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، المسمى: " المعيار لعلم الغزالي " (*) . (*) انظر التعليق كاملًا في " صفة الصلاة " (طبعة المعارف /ص ٦٦ - ٦٨)، وراجع إن شئت " السلسلة الصحيحة " (٧/٨٣٣) .
[ ١ / ٤٧ ]