ثم كان ﷺ إذا فرغ من القراءة؛ سكت سكتةً (١)، ثم رفع يديه (٢)؛ على
الوجوه المتقدمة في (تكبيرة الافتتاح) وكَبَّر، وركع.
_________________
(١) يدل على ذلك ما سبق من هديه ﷺ في قراءة القرآن، وأنه كان يقف عند كل آية. ﴿وهذه السكتة قدرها ابن القيم وغيره بقدر ما يتراد إليه نَفَسُهُ﴾ . وقد جاء في ذلك حديث صريح من رواية سَمُرة بن جُنْدُب: أنه ﷺ كان له سكتتان: سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من القراءة عند الركوع. ولكنه ليس على شرطنا - كما سبق بيانه في (القراءة) -، فتركناه، واستغنينا عنه بما ذكرنا من هديه ﷺ في القراءة. وقد أتفق الشافعية على استحباب هذه السكتة - كما في " المجموع " (٣/٣٩٥) -، واحتجوا على ذلك بحديث سَمُرة هذا. قال الترمذي (٢/٣١): " وبه يقول أحمد، وإسحاق، وأصحابنا. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن السكتتين " إلخ. ثم قال النووي: " قال الشيخ أبو محمد في " التبصرة ": رُوي أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال في الصلاة. وفسَّروه على وجهين: أحدهما: وصل القراءة بتكبيرة الركوع، يكره ذلك، بل يفصل بينهما. والثاني: ترك الطمأنينة في الركوع والاعتدال، والسجود والاعتدال؛ فيحرم أن يصل الانتقال بالانتقال، بل يسكن للطمأنينة " انتهى. والحديث المذكور غريب، أورده الغزالي في " الإحياء " وقال مخرجه العراقي (١/١٣٩): " عزاه رَزِين إلى الترمذي، ولم أجده عنده ".
(٢) اعلم أنه قد تواتر هذا الرفع عنه ﷺ، وكذا الرفع عند الاعتدال من الركوع؛
[ ٢ / ٦٠١ ]
_________________
(١) رواه جمع من الصحابة، فنسوق أحاديث من صحت الأسانيد إليهم، ثم نذكر مذاهب العلماء في ذلك: أولًا: عبد الله بن عمر ﵁. وله عنه طرق: الأول: عن الزهري عن سالم بن عبد الله عنه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع؛ رفعهما كذلك الحديث. وقد مضى بنحوه في (الرفع عند تكبيرة الإحرام) [ص ١٩٣] . أخرجه البخاري (٢/١٧٤ و١٧٥ و١٧٦) من " صحيحه " وفي " جزء رفع اليدين " (ص ٥ و٧ و١٦ و٢٠)، ومسلم (٢/٦ - ٧)، وأبو داود (١/١١٤ - ١١٥)، والنسائي (١/١٤٠ و١٥٨ و١٦١ و١٦٢ و١٦٥)، والترمذي (٢/٣٥) - وقال: " حسن صحيح " -، والدارمي (٢/٢٨٥)، وابن ماجه (١/٢٨١)، ومالك (١/٩٧)، وعنه محمد (٨٧)، والدارقطني (١٠٧ - ١٠٨)، والطحاوي (١/١٣١)، والبيهقي (٢/٢٣ و٢٦ و٦٩ و٨٣)، وأحمد (٢/٨ و١٨ و٤٧ و٦٢ و١٤٧)، والطبراني في " الصغير " (ص ٢٤٠) من طرق عنه. وقد تابعه جابر الجُعْفي: عند الطحاوي، وأحمد (٢/٤٥) قال: سمعت سالم بن عبد الله به مختصرًا. وزاد أحمد (٢/١٣٣ - ١٣٤)، وأبو داود، والدارقطني في رواية عن الزهري: ويرفعهما في كل ركعةٍ وتكبيرةٍ كبَّرها قبل الركوع، حتى تنقضي صلاته. وإسنادها صحيح على شرط الشيخين. الطريق الثاني: عن عبيد الله عن نافع:
[ ٢ / ٦٠٢ ]
_________________
(١) أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة؛ كبر، ورفع يديه، وإذا ركع؛ رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده؛ رفع يديه، وإذا قام من الركعتين؛ رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله ﷺ أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢/١٧٦) وفي " رفع اليدين " (١٦)، وأبو داود (١/١١٨)، والبيهقي (٢/١٣٦) . وقد تابعه عبد الله - وهو المُكَبَّر - العمري عن نافع. أخرجه البخاري (٢٠) . وتابعه أيوب عن أبي تَمِيمةَ. أخرجه البخاري (١٧)، والبيهقي (٢/٢٤ و٧٠)، وأحمد (٢/١٠٠) من طريق حماد بن سلمة عنه به. وعلقه في " الصحيح "، دون قوله: وإذا قام من الركعتين. وكذلك رواه موسى بن عُقبة: عند البيهقي (٢/٧٠ - ٧١)، وعلقه البخاري. وصالح بن كيسان: عند أحمد (٢/١٣٢)، وقد مضى لفظه [ص ١٩٣] . الطريق الثالث: عن محمد بن جعفر: ثنا شعبة عن الحكم قال: رأيت طاوسًا حين يفتتح الصلاة يرفع يديه، وحين يركع، وحين يرفع رأسه من الركوع. فحدثني رجل من أصحابه؛ أنه يحدثه عن ابن عمر عن النبي ﷺ أخرجه أحمد (٢/٤٤) . ورجاله رجال الشيخين؛ غير شيخ الحكم؛ فلم يسم. ورواه البيهقي (٢/٧٤) من طريق آدم بن أبي إياس: ثنا شعبة به. لكنه قال: عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ
[ ٢ / ٦٠٣ ]
_________________
(١) ثم قال البخاري في " جزئه ": " وزاد وكيع عن العُمَري عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ: أنه كان يرفع يديه إذا ركع، وإذا سجد ". قال البخاري: " والمحفوظ ما روى عبيد الله، وأيوب، ومالك، وابن جريج، وعِدَّة من أهل الحجاز وأهل العراق عن نافع عن ابن عمر ﵁ في رفع الأيدي عند الركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع. ولو صح حديث العُمَري عن نافع عن ابن عمر؛ لم يكن مخالفًا للأول، فلو ثبت؛ لاستعملنا كليهما، وليس هذا من الخلاف الذي يخالف بعضهم بعضًا؛ لأن هذه زيادة في الفعل، والزيادة مقبولة؛ إذا ثَبَتَ ". قلت: وهذه الزيادة صحيحة ثابتة من غير طريق العمري هذا، وهو ضعيف؛ لسوء حفظه. وسيأتي ذكر طرقها في موضعها إن شاء الله تعالى. ثانيًا: عن مالك بن الحُوَيرث. وله عنه طريقان: الأول: عن أبي قِلابة عنه. بنحو حديث ابن عمر في رواية حماد. أخرجه البخاري (٢/١٧٥)، ومسلم، وغيرهما. وقد مضى لفظه في (رفع اليدين عند الإحرام) . الطريق الثاني: عن نَصْر بن عاصم عنه. أخرجه مسلم وغيره، ومضى أيضًا. وقد أخرجه الطيالسي أيضًا (١٧٦) . ثالثًا: عن وائل بن حُجْر. أخرجه مسلم وغيره، وقد مر لفظه هناك، وذكرنا له طرقًا.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
_________________
(١) وقد أخرجه البخاري في " جزئه " (٦ و٩ و١٠ و١١ و١٩) . رابعًا: عن أبي حُميد الساعدي. في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ، منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ. قالوا: فلم؟ فوالله! ما كنت بأكثرنا له تبعًا، ولا أقدمنا له صحبة! قال: بلى. قالوا: فاعرض. قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة؛ يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقرّ كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر، فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع، ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل؛ فلا يَصُبُّ رأسه ولا يُقْنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: " سمع الله لمن حمده ". ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما مِنْكَبَيْهِ معتدلًا، ثم يقول: " الله أكبر ". ثم يهوي إلى الأرض؛ فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد، ثم يقول: " الله أكبر ". ويرفع، ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك. ثم إذا قام من الركعتين؛ كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما مِنْكَبَيْه؛ كما كبر عند افتتاح الصلاة. ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم؛ أَخَّرَ رجله اليسرى، وقعد متوركًا على شقه الأيسر. قالوا: صدقت؛ هكذا كان يصلي ﷺ. أخرجه البخاري في " جزئه " (٥)، وأبو داود واللفظ له، وغيرهما - كما سبق قبيل (وضع اليمنى على اليسرى) -.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
_________________
(١) وسنده صحيح على شرط مسلم - كما قال النووي (٣/٤٠٧ و٤٤٣) -. وضعفه الطحاوي (١/١٣٤) بأمرين: الأول: ضعف عبد الحميد هذا (*) . والثاني: أن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمعه من أبي حميد؛ بينهما رجل مجهول. وهدا ليس بشيء: أما أولًا؛ فإن عبد الحميد هذا قد وثقه جمهور الأئمة؛ كأحمد، وابن معين وغيرهما، ومن ضعفه - كيحيى بن سعيد -؛ لم يأتِ بحجة، بل ظاهر ما نقل عنه من التضعيف أنه لكونه كان يرى القدر. وهذا ليس بعلة قادحة - كما لا يخفى -. ومثله قول ابن حبان: " ربما أخطأ ". فمن ذا الذي لا يخطئ ولو قليلًا؟! ولذا أخرج له مسلم، وكفى به توثيقًا. وأما ثانيًا؛ فإن محمد بن عمرو قد صرح بسماعه من أبي حميد - كما سبق -؛ فلا يُلتفت بعد ذلك إلى القول بأنه لم يسمعه منه، واحتجاج الطحاوي بما أخرجه (١/١٥٣) من طريق عَطَّاف بن خالد قال: ثني محمد بن عمرو بن عطاء قال: ثني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبي ﷺ جلوسًا فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء. لا يفيده شيئًا؛ لأن عَطَّاف بن خالد فيه كلام، ولم يحتج به أحد " الصحيحين ". وقد قال ابن حبان: " يروي عن الثقات ما لا يشبه حديثهم. لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما يوافق فيه الثقات ". وفي " التقريب ": " صدوق يخطئ ". (*) يعني: الراوي عن محمد بن عمرو بن عطاء. انظر (ص ٨٣٠) .
[ ٢ / ٦٠٦ ]
_________________
(١) وقد خالفه من هو أوثق منه؛ منهم: عبد الحميد هذا، ومنهم: محمد بن عمرو بن حَلْحَلة عند البخاري (٢/٢٤٣) وغيره. وسيأتي لفظه إن شاء الله تعالى. نعم؛ أخرجه أبو داود (١/١١٧)، وكذا الطحاوي (١/١٥٣ و٢/٤٠٥) من طريق الحسن بن الحُرِّ: ثني عيسى بن عبد الله بن مالك عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عباس - أو: عياش - بن سهل الساعدي: أنه كان في مجلس فيه أبوه - وكان من أصحاب النبي ﷺ -، وفي المجلس أبو هريرة، وأبو حُميد الساعدي، وأبو أُسَيد بهذا الخبر، يزيد وينقص. فقد تابع عَطَّافًا عيسى بنُ عبد الله هذا، وزاد عليه أن سَمَّى الرجل المبهم، ولكن عيسى بن عبد الله: قال ابن المديني: " مجهول ". ولذا قال في " التقريب ": " مقبول ". فثبت بذلك أنه لم تصح الرواية عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عباس ابن سهل؛ وعليه فلا يصح أن تكون رواية عيسى عن محمد هذا من (المزيد في متصل الأسانيد) - كما ذهب إليه الحافظ (٢/٢٤٤) -؛ لعدم ثبوت عدالة عيسى هذا. نعم؛ لرواية عباس بن سهل أصل، لكن من غير طريق محمد المذكور. فقد أخرجه البخاري في " جزئه " (٥ - ٦)، وأبو داود، وابن ماجه (٢٨٣)، والطحاوي من طريق فُلَيح بن سليمان: ثني عباس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أُسَيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ، فقال أبو حميد: الحديث بنحوه. وقد أخرج الترمذي (٢/٤٥ - ٤٦) قطعة منه - كما يأتي في (صفة الركوع) -، وصححه. وهذا سند صحيح على شرطهما. وفُليح إنما يُخشى من سوء حفظه.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
_________________
(١) وقد تابعه محمد بن إسحاق: عند البخاري، وابن خزيمة، وصرح هذا بسماع ابن إسحاق من عباس - كما في " الفتح " -. خامسًا: عن علي بن أبي طالب ﵁ بنحو حديث ابن عمر من الطريق الثاني. أخرجه البخاري (٣ و٦) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد عن موسى بن عُقبة عن عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج عن عُبيد الله بن أبي رافع عنه. وهذا سند حسن. وقد أخرجه أبو داود وغيره، وسبق تخريجه في (الرفع)، وصححه أحمد - كما تقدم هناك -. سادسًا: عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع. أخرجه ابن ماجه (١/٢٨٤)، والبخاري (٦)، والدارقطني (١٠٨)، والمقدسي في " الأحاديث المختارة " من طريق عبد الوهاب الثَّقَفي: ثنا حُميد عنه. زاد الدارقطني والمقدسي: - وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد. قال في " الزوائد ": " إسناده صحيح. رجاله رجال " الصحيحين ". إلا أن الدارقطني أعلّه بالوقف، وقال: لم يروه عن حميد مرفوعًا غير عبد الوهاب، والصواب من فعل أنس. وقد رواه ابن خزيمة، وابن حبان في " صحيحيهما " ". قلت: وكذلك صَوَّبَ الطحاوي (١/١٣٤) أنه موقوف. سابعًا: عن جابر مثله. دون قوله: وإذا سجد.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١/٢٨٤) من طريق إبراهيم بن طَهْمان عن أبي الزُّبير عنه. قال في " الزوائد ": " رجاله ثقات ". وكذا قال الحافظ في " الدراية " (٨٦) . قلت: وهم من رجال " الصحيح " قال في " نصب الراية " (١/٤١٤ - ٤١٥): " وأخرجه البيهقي في " الخلافيات " عن سفيان الثوري عن أبي الزُّبير به. ثم أخرجه عن إبراهيم بن طَهْمان به. قال: هكذا رواه ابن طَهْمان، وتابعه زياد بن سُوْقَة. وهو حديث صحيح، رواته عن آخرهم ثقات ". اهـ. قلت: لكن أبا الزُّبير مدلس، وقد عنعن، ولعله لذلك اقتصر الحافظ على قوله: " ورجاله ثقات " - كما سبق - ولم يصححه؛ إلا أن يكون صرح بالتحديث في بعض الطرق عند البيهقي. والله أعلم. ثامنًا: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: هل أُريكم صلاة رسول الله ﷺ؟ فكبر، ورفع يديه، ثم كبر، ورفع يديه للركوع، ثم قال: " سمع الله لمن حمده ". ثم رفع يديه. ثم قال: هكذا فاصنعوا، ولا يرفع بين السجدتين. أخرجه الدارقطني (١٠٩) من طريق النَّضْر بن شُمَيل، وزيد بن الحُبَاب عن حماد ابن سَلَمة عن الأزرق بن قيس عن حِطَّان بن عبد الله عنه. قلت: وهذا سند صحيح. وهكذا رواه النَّضْر وزيد عن حماد مرفوعًا. وخالفهما ابن المبارك؛ فرواه عن حماد به موقوفًا على أبي موسى. أخرجه البيهقي - كما في " نصب الراية " (١/٤١٥) -.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
_________________
(١) تاسعًا: عن أبي هريرة. وقد تقدم في (تكبيرة الإحرام) [ص ١٩٣] . وسنده ضعيف، لكن له طرق تقويه، وقد ذكرتها في (الرفع عند الهوي إلى السجود) . فراجعها. عاشرًا: عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: صليت خلف رسول الله ﷺ، فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. أخرجه البيهقي (٢/٧٣)، وقال: " رواته ثقات ". وأقره ابن التركماني في " المنتقى ". فهؤلاء عشرة من الصحابة. يُضاف عليهم عشرة - أو تسعة - آخرون؛ وهم الذين جاء ذكرهم في حديث أبي حميد الرابع، وقد وافقهم جمع آخر من الصحابة، أعرضنا عن تخريج أحاديثهم؛ لأنها لا تخلو من مقال. ولم يصح ما يخالف هذه الأحاديث، إلا ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ؟ قال علقمة: فصلى؛ فلم يرفع يديه إلا أول مرة. أخرجه أحمد (١/٣٨٨)، وكذا أبو داود (١/١٢٠)، والترمذي (٢/٤٠)، والنسائي (١/١٥٨)، والطحاوي (١/١٣٢)، والبيهقي (٢/٧٨)، وابن حزم في " المحلى " (٤/٨٧) من طرق عن وكيع: ثنا سفيان عن عاصم بن كُلَيب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عنه.
[ ٢ / ٦١٠ ]
_________________
(١) وهذا سند صحيح. رجاله رجال مسلم. وقد حسنه الترمذي، وصححه ابن حزم، وخالفهم آخرون فضعفوه؛ كابن المبارك، والدارقطني، وابن حبان وغيرهم. والحق أنه صحيح ثابت، لا مطعن في إسناده، وإن كان يستغرب من ابن مسعود ﵁ أن تخفى عليه هذه السنة مع قِدَمِ صحبته للنبي ﷺ! ومع ذلك؛ فليست هي أول سنة عملية خفيت عليه، بل لها أمثلة أخرى: منها: سنة الأخذ بالركب في الركوع؛ فكان ﵁ ينكرها، ويذهب إلى التطبيق، مع ثبوت أنه منسوخ - كما يأتي بيانه قريبًا -؛ ولذلك أجمع العلماء على رد ما رواه من التطبيق. واختلفوا في العمل بحديثه هذا؛ فذهب جمهور علماء الإسلام؛ فقهاؤهم ومحدثوهم في سائر الأقطار والأمصار إلى ترك العمل به، والأخذ بالأحاديث المذكورة المُثْبِتَةِ للرفع في هذين الموضعين عند الركوع والرفع منه، وهو مذهب مالك في آخر قوله، ﴿وهو الذي مات عليه ﵀ - كما رواه ابن عساكر (١٥/٧٨/٢) -﴾، والشافعي، وأحمد وغيرهم. وخالفهم أكثر علماء الكوفة، ومنهم الإمام أبو حنيفة وأصحابه؛ فأعرضوا عن هذه الأحاديث، وأخذوا بحديث ابن مسعود هذا. وجرى بسبب هذا الخلافِ بين الفريقين نزاعٌ طويل بين أتباعهم ومقلديهم؛ كل ينتصر لإمامه، وما ذهب إليه. والأمر عندي أهون من ذلك؛ فقد ثبت الرفع عنه ﷺ بالتواتر - كما رأيت -، حتى قال ابن القيم في رسالة " الصلاة " (٢٠٩): " إنه صح ذلك عنه ﷺ؛ كما صح التكبير للركوع، بل الذين رووا عنه رفع اليدين هنا أكثر من الذين رووا عنه التكبير ". اهـ.
[ ٢ / ٦١١ ]
_________________
(١) فثبوت ذلك لا ينكره إِلا جاهل. وقد اعترف بذلك علماؤنا، لكنهم ذهبوا إلى أنها منسوخة، واحتجوا على ذلك بحديث ابن مسعود. ولا يخفى أن القواعد الأصولية المتفق عليها بين الحنفية ومخالفيهم تأبى القول بالنسخ؛ لأنهم قالوا: إنه لا يجوز القول بالنسخ ما أمكن الجمع بين المتعارضين. وهو ممكن هنا من وجهين: الأول: أن يقال: إنه ﷺ كان يرفع أحيانًا، أو في غالب الأوقات، ويدع أحيانًا. الثاني: أن يقال: المثبِتُ مقدم على النافي. وهي قاعدة أصولية أيضًا. وقال البخاري في " جزئه " (٧): " فإذا روى رجلان عن محدث، قال أحدهما: رأيته يفعل. وقال الآخر: لم أره. فالذي قال: رأيته فعل. فهو شاهد. والذي قال: لم يفعل. فليس هو بشاهد؛ لأنه لم يحفظ الفعل. وهكذا قال عبد الله بن الزبير لشاهدين شهدا أن لفلان على فلان ألف درهم بإقراره. وشهدا أنه لم يقر بشيء: يعمل بقول الشاهدين، ويسقط ما سواه. وكذلك قال بلال: رأيت النبي ﷺ صلى في الكعبة. وقال الفضل بن العباس: لم يصل. وأخذ الناس بقول بلال؛ لأنه شاهد، ولم يلتفتوا إلى قول من قال: لم يصل. حين لم يحفظ ". اهـ. فهكذا قول من قال من الصحابة: إنه ﷺ رفع يديه. مقدم على قول من قال: لم يرفع. لأنه لم يحفظ ما حفظوه، لا سيما وهم جمع، وذاك فرد؛ وهو ابن مسعود. واستبعاد علمائنا ﵏ أن يخفى عليه ذلك لا يُجديهم نفعًا؛ لأن للمعارض أن يعكس ذلك؛ فيقول: وأبعد من ذلك أن يكون ابن مسعود علم النسخ الذي تدّعونه، ويخفى ذلك على جمهور الصحابة، وفيهم بعض الخلفاء الراشدين، فكانوا يعملون بالمنسوخ في زعمكم، ويروونه للأمة لتعمل به؛ لا سيما ابن عمر ﵁ الذي
[ ٢ / ٦١٢ ]
_________________
(١) كان إِذا رأى رجلًا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع؛ رماه بالحصى. كما رواه البخاري (٨) بسند صحيح (١) . فلو كان رسول الله ﷺ قد ترك ذلك؛ لما فعلوا ذلك. على أن ما استبعده علماؤنا، وفروا منه قد وقعوا فيه؛ فإنهم رووا التطبيق عن ابن مسعود، ثم تركوه إلى الأخذ بالأخذ بالركب؛ لأحاديث وردت في ذلك. والغريب أن هذه الأحاديث - التي ردوا بها تطبيق ابن مسعود - لا تبلغ قوتها قوة أحاديث الرفع - المعارضة لحديث ابن مسعود الفرد في ترك الرفع -. أفلا قالوا: إنه يستبعد أن يخفى على ابن مسعود الأخذ بالركب. فتركوا ذلك؛ لتركه له، وأخذوا بما رواه من التطبيق؟! كلا؛ لم يفعلوا ذلك، وأخذوا بالأحاديث الأخرى المعارضة لحديث ابن مسعود؛ فأصابوا، فكان عليهم أن يأخذوا أيضًا بأحاديث الرفع، ويتركوا حديث ابن مسعود في تركه. وهذا إلزام قوي لا مناص لهم من الأخذ به؛ لولا غَلَبة التقليد على أكثر الناس!
(٢) ورواه عبد الله بن أحمد في " مسائل أبيه " (ص ٧٠)، والدارقطني (١٠٨)، وزاد الأول: وأمره أن يرفع يديه. وقال: " سمعت أبي يقول: يروى عن عقبة بن عامر أنه قال في رفع اليدين في الصلاة: له بكل إشارة عشر حسنات ". قلت: رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (١٧/٢٩٧/٨١٩) بلفظ: إنه يكتب في كل إشارة يشيرها الرجل بيده في الصلاة، لكل إصبع حسنة أو درجة. وإسناده حسن. وكذا قال الهيثمي (٢/١٠٣) . ثم خرجته في " الصحيحة " (٣٢٨٦) . ﴿قلت: ويشهد له الحديث القدسي: " من هَمَّ بحسنة، فعملها؛ كتبت له عشر حسنات؛ إلى سبع مئة ". رواه الشيخان. انظر " صحيح الترغيب " (١٨)﴾ .
[ ٢ / ٦١٣ ]
_________________
(١) وقد احتج بعض علمائنا بحجة أخرى على النسخ؛ وهو حديث جابر بن سمرة مرفوعًا: " ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ؟! اسكنوا في الصلاة ". أخرجه مسلم وغيره - كما سيأتي في آخر الكتاب [ص ١٠٣٣ - ١٠٣٤]-. والاحتجاج به من أعجب الأشياء - كما قال النووي (٣/٤٠٣) -؛ لأن الحديث لم يرد في الرفع عند الركوع والرفع منه؛ بل ورد في رفع الأيدي حالة السلام من الصلاة؛ فإنهم كانوا يشيرون بها إلى الجانبين، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك - كما سيأتي منصوصًا عليه في الحديث نفسه -. وهذا لا خلاف فيه بين أهل الحديث، ومن له أدنى اختلاط بأهل الحديث - كما قال النووي أيضًا -. وقال البخاري في " جزئه " (١٣): " فأما احتجاج من لا يعلم بهذا الحديث؛ فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام ". قال: " ولا يحتج بهذا من له حَظٌّ من العلم. هذا معروف مشهور؛ لا اختلاف فيه، ولو كان كما ذَهَبَ إليه؛ لكان رفع الأيدي في تكبيرة الافتتاح، وأيضًا تكبيرات صلاة العيد منهيًا عنها؛ لأنه لم يستثن رفعًا دون رفع ". قال: " فليحذر امرؤ أن يتقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل. قال الله ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ". اهـ. فقد تبين أن لا دليل لعلمائنا فيما ذهبوا إليه من النسخ. ومن اللطائف أن بعض المتأخرين المنصفين منهم قد عكس ذلك عليهم؛ ألا وهو أبو الحسن السندي الحنفي ﵀؛ حيث قال في " حاشيته على ابن ماجه ":
[ ٢ / ٦١٤ ]
_________________
(١) " قول من قال بالنسخ قول بلا دليل؛ بل لو فرض في الباب نسخ؛ لكان الأمر بعكس ما قالوا، فإن مالك بن الحويرث ووائل بن حُجْر - من رواة الرفع - ممن صلى مع النبي ﷺ آخر عمره؛ فروايتهما الرفعَ عند الركوع والرفع منه دليلٌ على تأخرِ الرفع، وبطلان دعوى النسخ، فإن كان هناك نسخ؛ فينبغي أن يكون المنسوخ ترك الرفع، كيف وقد روى مالك هذا جلسة الاستراحة، فحملوها على أنها كانت في آخر عمره في سن الكبر، فهي ليس مما فعلها النبي ﷺ قصدًا؛ فلا تكون سنة! وهذا يقتضي أن لا يكون الرفع الذي رواه ثابتًا لا منسوخًا؛ لكونه آخر عُمُرِه عندهم، فالقول بأنه منسوخ قريب من التناقض. وقد قال ﷺ لمالك وأصحابه: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". وبالجملة؛ فالأقربُ القول باستنان الأمرين، والرفع أقوى وأكثر ". اهـ. قلت: ولحديث ابن مسعود هذا ذهب ابن حزم إلى سُنِّيَّةِ هذا الرفع المختلف فيه، قال (٤/٨٨): " ولولاه؛ لكان فرضًا على كل مُصَلٍّ أن يصلي كما كان - ﵊ - يصلي، وكان - ﵊ - يصلي رافعًا يديه عند كل خفض ورفع، ولكن لما صح خبر ابن مسعود؛ علمنا أن رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام سنة وندب فقط ". اهـ. فجعلَ حديث ابن مسعود صارفًا للأمر في حديث مالك: " صلوا ". من الوجوب إلى السنية والاستحباب. هذا، والذي أعتقده أن أئمتنا الأولين - أبا حنيفة وغيره - لم تبلغهم تلك الأحاديث المتواترة عنه ﷺ في رفع اليدين في الموضعين المذكورين، ولو بلغتهم؛ لأخذوا بها، وتركوا حديث ابن مسعود؛ كما تركوا حديث التطبيق للأحاديث المعارضة لذلك. ويؤيد
[ ٢ / ٦١٥ ]
_________________
(١) ذلك أن أبا حنيفة ﵀ لما سأله بعض المحدثين عن سبب تركه رفع اليدين؟ قال: " لأنه لم يصح فيه حديث عن رسول الله ﷺ ". في حكاية ذكرها علماؤنا في كتبهم! فهل يعقل أن يقول عالم مثل أبي حنيفة هذا الجواب في حديث متواتر رواه عشرون من الصحابة، وعملوا به؟! كلا، ثم كلا. ولكن عذره في ذلك أنها لم تبلغه، ولم يكن عنده علم بها؛ فجاز له أن يقول: لم يصح فيه شيء. وبالتالي جاز له ترك العمل بها. لكن إذا جاز ذلك لأبي حنيفة وأمثاله. المتقدمين؛ فلن يجوز ذلك مطلقًا للمتأخرين من أتباعه الذين أطلعوا على هذه الأحاديث الكثيرة، وعلموا صحتها، وأنه لا ينهض شيء من الأخبار لمعارضتها، فهم إذا تركوها تعصبًا لأبي حنيفة، وتقليدًا له؛ فهم مع مخالفتهم للسنة الثابتة عنه ﷺ، مخالفون أيضًا لإمامهم؛ فإنه ﵁ لأمثال هؤلاء وَجَّه تلك الأقوال المأثورة عنه ﵁؛ كقوله: " إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي ". وقوله: " لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا ". فإذا كان ﵁ لا يُحِل لأحد أن يفتي بقوله في مسألة إلا إذا علم دليله فيها؛ فكيف يجيز لأحد من أتباعه أن يفتي بقوله فيها وقد علم ضعف ما استند إليه بالنسبة للأدلة الصحيحة الأخرى - كما في مسألتنا هذه، وغيرها من المسائل الماضية والآتية -؟! فنحن نحمد الله ﷾ أن وفقنا لاتباع سنة نبيه ﷺ، ونرجو منه تعالى أن يجزي خير الجزاء الإمام أبا حنيفة وغيره من الأئمة الذين وجهونا هذا الاتجاه الحسن نحو السنة؛ بأمثال هذه الأقوال الجوهرية الثمينة. فثبت بما ذكرنا أن من ترك السنة الثابتة لقول إمام؛ فهو مخالف له، وهو غير راضٍ عنه. ولذلك خالفه في هذه المسألة غير ما واحد من أتباعه المتقدمين والمتأخرين. وأقدم
[ ٢ / ٦١٦ ]
_________________
(١) من وقفنا عليه منهم هو عصام بن يوسف: أبو عِصْمة البَلْخي، تلميذ أبي يوسف رحمه الله، المتوفى سنة (٢١٥)؛ فقد أوردوه في تراجم الحنفية، وذكروا أنه كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه. وعلّق على ذلك العلامة أبو الحَسَنات اللَّكْنوي في كتابه " الفوائد البهية ": " يُعلم منه بطلان رواية مكحول عن أبي حنيفة: " أن من رفع يديه في الصلاة؛ فسدت صلاته " - التي اغتر أمير كاتب الإتقاني بها -؛ فإن عصام بن يوسف كان من ملازمي أبي يوسف، وكان يرفع، فلو كان لتلك الرواية أصل؛ لعلم بها أبو يوسف وعصام ". ثم قال: " ويُعلم أيضًا أن الحنفيَّ لو تَرَكَ في مسألةٍ مذهبَ إمامه لقوة دليل خلافه؛ لا يخرج به عن رِبْقَةِ التقليد، بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد " إلخ كلامه. وقد ذكرناه بتمامه في (المقدمة) (*) فراجعه. وأما المتأخرون؛ فهم كثيرون والحمد لله، لا سيما حنفية الهند؛ فإنهم - بارك الله فيهم - أكثر المسلمين اليوم علمًا وعملًا بالسنة، وأقلهم تعصبًا للمذهب، إلا ما وافق الحق منه. فمنهم: أبو الحسن السندي - وقد مضى كلامه في ذلك قريبًا -. ومنهم: ولي الله الدهلوي في " حجة الله البالغة " (٢ - ١٠)، وأبو الحسنات اللكنوي في " التعليق المُمَجَّد على موطأ محمد " (٨٩ - ٩١)، والشيخ محمد أنور الكشميري في كتابه " فيض الباري " (٢/٢٥٧) . ولولا خشية الإطالة؛ لنقلت كلماتهم في ذلك، فاكتفينا بالإشارة إليها، وإلى مواضعها من كتبهم. فليراجعها من شاء. وأقول أيضًا: إنه لم يَخْلُ قرن فيما مضى إلا ووجد فيه كثير من الحنفية يعملون (*) صفحة (٣٦) .
[ ٢ / ٦١٧ ]
_________________
(١) بالسنة وإن خالفت المذهب، ولكن موانع - يعلمها أهل العلم - منعت من وصول أخبارهم إلينا، أو تظاهرهم بها أمام أتباعهم المتعصبين. وقد كان الشيخ صالح الحِمْصي ﵀ - وهو من علماء الحنفية - يرى سنية الرفع هذا، ولكنه كان لا يفعل ذلك خوفًا من قيام المتعصبين عليه، كما صارحني بذلك ﵀. ومما يؤيد هذا الرأي أنه وُجد في القرن الثامن من الهجرة بعض الأئمة الحنفية كان يرفع يديه في كل تكبيرة وهو إمام، فجاء في فتوى شيخ الإسلام ما ملخصه (٢/٣٧٥ - ٣٨٠): مسألة في رجل حنفي؛ صلى في جماعة، ورفع يديه في كل تكبيرة، فأنكر عليه فقيه الجماعة، وقال له: هذا لا يجوز في مذهبك، وأنت مبتدع فيه، وأنت مذبذب؛ لا بإمامك اقتديت، ولا بمذهبك اهتديت. فهل ما فعله نقصٌ في صلاته، ومخالفةٌ للسنة ولإمامه، أم لا؟ فأجاب رحمه الله تعالى بعد أن أثبت سنية الرفع عند الركوع والرفع منه، ونفى سنية الرفع مع كل تكبيرة - وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم، ويأتي بيان خطئهما في ذلك في محله إن شاء الله تعالى -، قال شيخ الإسلام: " وإذا كان الرجل متبعًا لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد، ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى، فاتبعه؛ كان قد أحسن في ذلك، ولم يقدح ذلك في دينه ولا عدالته بلا نزاع؛ بل هذا أولى بالحق وأحب إلى الله ورسوله ﷺ ممن يتعصب لواحد معين غير النبي ﷺ، ويرى أن قوله هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول الإمام الذي خالفه، فمن فعل هذا؛ كان جاهلًا ضالًا، بل قد يكون كافرًا؛ فإنه متى اعتقد أنه يجب على العامة تقليد فلان وفلان؛ فهذا لا يقوله مسلم. ومن كان مواليًا للأئمة، محبًا لهم، يقلد كل واحد منهم فيما يظهر أنه موافق للسنة؛ فهو محسن في ذلك، بل هو أحسن حالًا من غيره، ولا يقال لمثل هذا: مذبذب؛ على وجه الذم، وإنما
[ ٢ / ٦١٨ ]
_________________
(١) المذبذب المذموم الذي لا يكون مع المؤمنين ولا مع الكفار؛ بل يأتي المؤمنين بوجه، ويأتي الكفار بوجه؛ كما قال تعالى في حق المنافقين: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ الآية ". قال: " ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين؛ فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين؛ كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي ﵄. فهذه طرق أهل البدع والأهواء، فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه؛ ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصب لمالك أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد أو غيرهم. ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلًا بقدره في العلم والدين، وبقدر الآخرين؛ فيكون ظالمًا جاهلًا، والله يأمر بالعدل والعلم، وينهى عن الجهل والظلم. وهذا أبو يوسف ومحمد أتبع الناس لأبي حنيفة، وأعلمهم بقوله، وهما قد خالفاه في مسائل لا تكاد تحصى؛ لَمَّا تبين لهما من السنة والحجة ما وجب عليهما اتباعه، وهما مع ذلك معظِّمان لإمامهما، لا يقال فيهما: مذبذبان! بل أبو حنيفة وغيره من الأئمة يقول القول، ثم تتبين له الحجة في خلافه؛ فيقول بها، ولا يقال له: مذبذب. - فإن الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان -؛ بل هذا مهتدٍ زاده الله هدى، وقد قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ . فالواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين، وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق، ويتبعه حيث وجده، ويعلم أن من اجتهد منهم فأصاب؛ فله أجران، ومن اجتهد منهم فأخطأ؛ فله أجر لاجتهاده، وخطؤه مغفور له. وعلى المؤمنين أن يتبعوا إمامهم إذا فعل ما يسوغ، وليس لأحد أن يتخذ قول بعض العلماء شعارًا يوجب اتباعه، وينهى عن غيره مما جاءت
[ ٢ / ٦١٩ ]
_________________
(١) به السنة ". قال: " وجمهور المتعصبين لا يعرفون من الكتاب والسنة إلا ما شاء الله؛ بل يتمسكون بأحاديث ضعيفة، أو آراء فاسدة، أو حكايات عن بعض العلماء والشيوخ، قد تكون صدقًا، وقد تكون كذبًا، وإن كانت صدقًا؛ فليس صاحبها معصومًا. يتمسكون بنقلٍ غيرِ مصدَّق عن قائل غير معصوم، ويَدَعون النقل المصدق عن القائل المعصوم، وهو ما نقله الثقات من أهل العلم، ودونوه في الكتب الصحاح عن النبي ﷺ؛ فإن الناقلين لذلك مصدَّقون باتفاق أئمة الدين، والمنقول عنه معصوم، لا ينطق عن الهوى؛ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، قد أوجب الله تعالى على جميع الخلق طاعته واتباعه؛ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ". اهـ. وقد تعمدت ذكر من ذهب من الحنفية إلى مشروعية الرفع، تنبيهًا للمتعصبين من مشايخنا وأتباعهم، وليعلموا أن هناك من علمائنا من يقول بذلك؛ فإن هؤلاء وأمثالهم في كل عصر كثر، لحصرهم العلم والفقه في كتب معلومة، حتى قال لي بعضهم: إن علمنا - معشرَ الحنفية - محصور في كتابين فقط لا غير: " حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح " و" حاشية ابن عابدين على الدر "! ولقلة اطلاعهم على غيرها لا تكاد تجد فيهم من يعرف غير ما فيها؛ كيف لا، وكثيرون منهم يعدون قراءة كتب الحديث ومطالعتها تضييعًا للوقت! بل صارحني بعض المشايخ بقوله: (علم الحديث صنعة المفاليس) ! فلا حول ولا قوة إلا بالله. وقد بلغ ببعضهم التعصب في المسألة إلى أن افترى على رسول الله ﷺ الكذب! فذكر أنه قال ﵊:
[ ٢ / ٦٢٠ ]
_________________
(١) " من رفع يديه في الركوع؛ فلا صلاة له "! قال الشيخ علي القاري في " موضوعاته " (٨١ و١٢٩): " موضوع. وضعه محمد بن عُكَّاشة الكِرْماني قبّحه الله ". اهـ. قلت: وفي مقابل هذا حديث: " إن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة " الحديث. أخرجه الحاكم (٢/٥٣٨)، ومن طريقه البيهقي (٢/٧٤)، وغيرهما، عن إسرائيل ابن حاتم عن مُقاتِل بن حَيّان عن الأصبغ بن نَبَاتة عن علي ﵁ مرفوعًا به. سكت الحاكم عليه! وضعفه البيهقي. وقال الذهبي: " إسرائيل: صاحب عجائب لا يعتمد عليه. وأصبغ: شيعي متروك عند النسائي ". قلت: وكذا أورده ابن الجوزي في " الموضوعات "، وقال: إنه " موضوع "؛ كما في " اللآلي " (٢/١١) للسيوطي، وقال: " وقال الحافظ ابن حجر في تخريجه: إسناده ضعيف جدًا ". قلت: ولم يقف الأمر عند هذا الحَدّ بل تجاوزه إلى تحريف معاني القرآن الكريم! فاسمع ما أورده أبو الحسنات اللكنوي في " التعليق المُمَجَّد " قال (٩٢): " قال صاحب " الكنز المدفون والفلك المشحون ": وقفت على كتاب لبعض مشايخ الحنفية، ذكر فيها مسائل خلاف، ومن عجائب ما فيه: الاستدلال على ترك رفع اليدين في الانتقالات بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ! وما زلت أحكي ذلك لأصحابنا على سبيل التعجب، إلى أن ظفرت في " تفسير الثعلبي " بما يَهُون عنده هذا العظيم؛ وذلك
[ ٢ / ٦٢١ ]
_________________
(١) أنه حكى في سورة ﴿الأَعْرَاف﴾ عن التنوخي القاضي أنه قال في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: إن المراد بالزينة رفع اليدينَ في الصلاة! فهذا في هذا الطرف، وذاك في الطرف الآخر ". اهـ. ولقد كانت هذه المسألة وأمثالها مَثَار فتن عظيمة بين الحنفية والشافعية، حتى لقد دفعَتْهم إلى وضع القاعدة المشهورة عند الفريقين: (وتكره الصلاة وراء المخالف في المذهب) ! وهي كراهة تحريم عند علمائنا، ولا تزال آثار هذه القاعدة بادية في مساجدنا! ففيها المحاريب الأربعة، وترى فيها ناسًا يصلون مع الإمام، وآخرين ينتظرون إمام مذهبهم! حتى لقد قلت مرة لبعض هؤلاء: حي على الصلاة؛ فإنها أقيمت. فكان جوابه أن قال: " إنها لم تُقَمْ لنا؛ إنها للشافعية "! وهم بذلك مخالفون لصريح قوله عليه الصلاة والسلام: " إذا أقيمت الصلاة؛ فلا صلاة إلا المكتوبة ". رواه مسلم وغيره. وفي لفظ لأحمد: " إلا التي أقيمت ". وليس يضيق على المتعصب أن يحرف معنى الحديث - كما حرف الآية السابقة الذكر -؛ فيقول: إن معنى الحديث: " إذا أقيمت الصلاة ": أي: الصلاة الكاملة. ولما كانت صلاة الشافعية ناقصة الأجر؛ لم يشملنا الحديث، وسلمنا من مخالفته. هكذا يقول بعضهم! وهم مدفوعون بالقاعدة المشار إليها آنفًا؛ ظنًا منهم أنها قاعدة متفق عليها بين الحنفية؛ لأنه قلما يرى - أو إن شئت قلت: لا يرى - خلافًا فيها. ولذلك أحببت أن أذكر بعض النقول عن بعض أئمتنا مما يخالف هذه القاعدة المزعومة؛ فقد جاء في مجلة " نور الإسلام " المجلد السادس من السنة الأولى (ج ٦ ص ٣٨٨):
[ ٢ / ٦٢٢ ]
_________________
(١) " وذهب أبو بكر الرازي من الحنفية إلى جواز الاقتداء بالمخالف في الفروع بإطلاق. فقال: يجوز للحنفي الاقتداء بمن خالف مذهبنا من المجتهدين وتقليدهم، وإن رأى ما يبطل الصلاة على رأيه ومذهبه. ونقل ابن الهُمام عن شيخه سِراج الدين الشهير بـ: (قارئ " الهداية "): أنه كان يعتقد قول الرازي حتى أنكر مرة أن يكون فساد الصلاة بذلك مرويًا عن المتقدمين. وللشيخ محمد عبد العظيم بن فَرُّوخ رسالة اعتمد فيها قول الرازي، وبنى رسالته عليه؛ حيث قال: هذا (يعني: قول الرازي) هو المنصور درايةً، وإن اعتمدوا خلافه روايةً، وهو الذي أميل إليه. وعليه يتمشى ما ذهبنا إليه في هذه الوُرَيقات ". ثم قال مُحَرِّر هذا البحث، وهو الأستاذ الفاضل محمد الخضر حسين: " وذهب أبو بكر محمد بن علي القَفَّال - من أكابر علماء الشافعية - إلى أن العبرة باعتقاد الإمام؛ فيصح اقتداء الشافعي بالحنفي أو المالكي، إذا أتى بالصلاة على الوجه الصحيح في مذهبه، وإن لم تكن صحيحة على مذهب المأموم، وتحقق المأموم ذلك ". قال الأستاذ الفاضل: " ووجه هذا المذهب: أن الأصل صحة اقتداء المسلمين بعضهم ببعض. ومن ذهب إلى عدم الصحة؛ فعليه إقامة الدليل. ولم نر للقائلين بعدم الصحة إلا دليلًا؛ هو اعتقاد المأموم أن إمامه على خطأ؛ وهذا غير كافٍ في الاستدلال؛ لأن المأموم يعتقد مع ذلك أن عمل الإمام صحيح عند الله؛ إذ كل مجتهد مطالب بأن يعمل على مقتضى اجتهاده، ومن قلده إنما يعمل على مقتضى هذا الاجتهاد، وإذا كان عمل المجتهد أو من يقلده صحيحًا عند الله تعالى؛ فما المانع من الاقتداء به؟! ثم إن السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين كانوا يختلفون في الفروع، ولم يُنقَل عن أحد منهم أنه تحرَّج من الاقتداء بمن يخالفه في اجتهاده ". اهـ.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
_________________
(١) قلت: بل جاء عن أبي يوسف ﵀ أنه صلى خلف هارون الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ؛ فصلى خلفه أبو يوسف، ولم يُعِدْ. وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرُّعاف. فقيل له: " فإن كان الإمام قد خرج منه الدم، ولم يتوضأ؛ فصلى خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك؟! ". وبالجملة؛ فهذا المذهب الذي ذهب إليه أبو بكر الرازي الحنفي، وأبو بكر القفال - خلافًا للمشهور من مذهبهما - هو الصواب، وهو مذهب مالك وأحمد؛ وذلك لأمرين: الأول: أن القول بخلافه بدعة في الدين؛ لم يقل به أحد من السلف الصالح ﵃ - كما سبق -. وقد قال ابن مسعود ﵁: " اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتم، عليكم بالأمر العتيق ". فالأمر العتيق هو هذا. الثاني: قوله ﷺ: " يصلون بكم، فإن أصابوا؛ فلكم ولهم، وإن أخطؤوا؛ فلكم وعليهم ". أخرجه البخاري (٢/١٤٩)، وأحمد (٢/٣٥٥) واللفظ له. قال ابن المنذر: " هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت؛ فسدت صلاة من خلفه ". كذا في " الفتح " (٢/١٤٩) . وقال شيخ الإسلام في " الفتاوى " (٢/٣٨١): " فقد بين ﷺ أن خطأ الإمام لا يتعدى إلى المأموم، ولأن المأموم يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ له، وأن لا إثم عليه فيما فعل؛ فإنه مجتهد، أو مقلد مجتهد، وهو يعلم أن هذا قد غفر الله له خطأه؛ فهو يعتقد صحة صلاته، وأنه لا يأثم إذا لم يُعِدْها، بل لو حكم بمثل هذا؛ لم يجُزْ له نقض حكمه؛ بل كان ينفذه.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وأمر بهما (المسيء صلاته) فقال له:
" إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء، كما أمره الله ثم
يكبر الله، ويحمده، ويمجده، ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله وأذن له
فيه، ثم يكبر، ويركع، [ويضع يديه على ركبتيه]، حتى تطمئن مفاصله
وتسترخي " الحديث (١) .
_________________
(١) وإذا كان الإمام قد فعل باجتهاده - و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ -، والمأموم قد فعل ما وجب عليه؛ كانت صلاة كل منهما صحيحة، وكان كل منهما قد أدى ما يجب عليه، وقد حصلت موافقة الإمام في الأفعال الظاهرة. وقول القائل: إن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام. خطأ منه؛ فإن المأموم يعتقد أن الإمام فعل ما وجب عليه، وأن الله قد غفر له ما أخطأ فيه، وأنه لا تبطل صلاته لأجل ذلك، ولو أخطأ الإمام والمأموم فسلم الإمام خطأً، واعتقد المأموم جواز متابعته، فسلَّم - كما سلَم المسلمون خلف النبي ﷺ لَمَّا سلم من اثنتين سهوًا، مع علمهم بأنه إنما صلى ركعتين، وكما لو صلى خمسًا سهوًا؛ فصلوا خلفه خمسًا؛ كما صلى الصحابة خلف النبي ﷺ لَمَّا صلى بهم خمسًا؛ فتابعوه، مع علمهم بأنه صلى خمسًا؛ لاعتقادهم جواز ذلك -؛ فإنه تصح صلاة المأموم في هذه الحال، فكيف إذا كان المخطئ هو الإمام وحده؟! وقد اتفقوا كلهم على أن الإمام لو سلم خطأً؛ لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه، ولو صلى خمسًا، لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه؛ فدلَّ ذلك على أن ما فعله الإمام خطأً لا يلزم فيه بطلان صلاة المأموم. والله أعلم ".
(٢) ثبت ذلك في بعض طرق الحديث من رواية رِفاعة بن رافع. وقد مضى في (التكبير) [ص ١٨١] .
[ ٢ / ٦٢٥ ]