ثم يقرأ ﴿الفَاتِحَة﴾، ويُقطعها آية آية (١): ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾،
[ثم يقف، ثم يقول:] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، [ثم يقف، ثم يقول:]
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، [ثم يقف، ثم يقول:] ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهكذا
_________________
(١) روى ذلك أم سلمة ﵂ (١): أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ؟ فقالت: كان يقطع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. الرَّحَمْنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ". أخرجه الإمام أحمد؛ فقال (٦/٣٠٢): ثنا يحيى بن سعيد الأموي قال: ثنا ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عنها. وكذلك أخرجه أبو داود (٢/١٦٩) - وعنه البيهقي (٢/٤٤) -، والترمذي (٢/١٥٢ - طبع بولاق) وفي " الشمائل " (٢/١٣٩)، والدارقطني (١١٨)، والحاكم (٢/٢٣١ و٢٣٢)، ﴿وأبو عمرو الداني في " المكتفى " (٥/٢) = [ص ١١٦]﴾ من طرق عن يحيى به. ﴿والسهمي (٦٤ - ٦٥)﴾ [من طريق عمر بن هارون عن ابن جريج به] . وقال الدارقطني: " إسناده صحيح، وكلهم ثقات ". وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وكذا صححه ابن خزيمة؛ فأخرجه في " صحيحه " - كما في " تفسير ابن كثير " (١/١٧) -، وصححه النووي في " المجموع " (٣/٣٣٣)، وهو كما قالوا؛ لولا عنعنة ابن جريج، لكنه قد توبع كما يأتي. ﴿وقال أبو عمرو الداني:
(٢) ﴿وهو مخرج في " الإرواء " (٣٤٣)﴾ .
[ ١ / ٢٩٣ ]
_________________
(١) " ولهذا الحديث طرق كثيرة، وهو أصل في هذا الباب ". ثم قال: " وكان جماعة من الأئمة السالفين والقراء الماضين يستحبون القطع على الآيات، وإن تعلق بعضهن ببعض ". قلت: وهذه سنة أعرض عنها جمهور القراء في هذه الأزمان؛ فضلًا عن غيرهم﴾ . وأخرجه الطحاوي (١/١١٧)، والحاكم أيضًا (١/٢٣٢) من طريق حفص بن غِيَاث قال: ثنا ابن جريج به بلفظ: كان يصلي في بيتها فيقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ . واللفظ للطحاوي. وسنده صحيح. وفي رواية الترمذي بلفظ: وكان يقرؤها: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . وأعله بالانقطاع فقال: " هذا حديث غريب، وبه يقول أبو عُبيِد، ويختاره. هكذا روى يحيى بن سعيد الأموي وغيره عن ابن جريج عن ابن أبي مُلَيكة عن أم سلمة. وليس إسناده بمتصل؛ لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث عن ابن أبي مُلَيكة عن يعلى بن مَمْلَك عن أم سلمة؛ أنها وصفت قراءة النبي ﷺ مفسرة حرفًا حرفًا. وحديث الليث أصح ". كذا قال! وحديث الليث أخرجه ﴿ابن المبارك في " الزهد " [٣٨/١١٦] (١٦٢/١) من " الكواكب " (٥٧٥)﴾، والبخاري في " أفعال العباد " (٧٥)، وأبو داود (١/٢٣١)، والنسائي (١/١٥٨ و٢٤٢)، والطحاوي (١/١١٨)، وابن نصر (٥٢)، والحاكم (١/٣١٠)، وأحمد (٦/٢٩٤) من طرق عنه به. وقال الحاكم:
[ ١ / ٢٩٤ ]
_________________
(١) " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. وكذلك أخرجه الترمذي (٢/١٥٢)، وقال: " حسن صحيح ". كذا قال! ونحن نرى أنه غير صحيح؛ لأن يعلى بن مملك - على وزن جعفر - مجهول. قال الذهبي: " ما روى عنه سوى ابن أبي مليكة ". وفي " التقريب ": " مقبول ". ونخالفه أيضًا في قوله: إن حديث الليث هذا أصح من حديث ابن جريج. ونرى أن حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عنها - بدون ذكر: يعلى - أصح؛ لأنه قد رواه كذلك عن ابن أبي مليكة نافع بن عمر الجُمَحي، وهو ثقة ثبت - كما قال الإمام أحمد -. أخرجه في " المسند " (٦/٢٨٨)؛ قال: ثنا وكيع عن نافع بن عمر، وأبو عامر: ثنا نافع عن ابن أبي مليكة عن بعض أزواج النبي ﷺ - قال أبو عامر: قال نافع: أراها حفصة -: أنها سُئلت عن قراءة رسول الله ﷺ؟ فقالت: إنكم لا تستطيعونها. قال: فقيل لها: أخبرينا بها، قال: فقرأت قراءة تَرسَّلَتْ فيها. قال أبو عامر: قال نافع: فحكى لنا ابن أبي مليكة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، ثم قطع، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قطع، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . وهذا سند صحيح. وهو متابع قوي لرواية ابن جريج، ولا يضر أنه لم يسمع زوج النبي ﷺ، وظنه أنها حفصة - كما لا يخفى -. (تنبيه): قال الحافظ في " التلخيص " (٣/٣١٦):
[ ١ / ٢٩٥ ]
إلى آخر السورة. وكذلك كانت قراءته كلها (١)؛ يقف على رؤوس الآي،
ولا يَصِلُها بما بعدها.
_________________
(١) " وأعل الطحاوي الخبر بالانقطاع؛ فقال: لم يسمعه ابن أبي مليكة من أم سلمة، واستدل على ذلك برواية الليث المذكورة. قال: " وهذا الذي أعله به ليس بعلة؛ فقد رواه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة عن أم سلمة بلا واسطة، وصححه، ورجحه على الإسناد الذي فيه يعلى بن مملك ". قلت: وأخطأ الحافظ ﵀ في موضعين: الأول: قوله: " وصححه ". وإنما صحح حديث الليث؛ الذي فيه يعلى هذا. والآخر: قوله: " ورجحه " إلخ. وإنما رجح الترمذي حديث الليث هذا على حديث ابن جريج - كما سبق نص كلامه في ذلك -؛ فتنبه. ثم إن لابن جريج في هذا الحديث لفظًا آخر عند الإمام أحمد (٦/٣٢٣)؛ قال: ثنا عفان: قال: ثنا همام: ثنا ابن جريج به: أن قراءة النبي ﷺ كانت، فوصفت: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ حرفًا حرفًا، قراءة بطيئة. قطع عفان قراءته. وأخرجه البيهقي (٢/٥٣) من هذا الوجه، وزاد: ومد بكل حرف صوته. ورواه (٢/٤٤) من طريق أخرى عن همام نحوه.
(٢) بدليل قول راوية الحديث: كان يقطع قراءته آية آية. وهذا مطلق غير مقيد بـ: ﴿الفَاتِحَة﴾، وإنما تلتها على سبيل المثال؛ لا على طريق التحديد. قال في " الزاد " (١/١٢٥):
[ ١ / ٢٩٦ ]
وكان تارة يقرؤها: ﴿مَلِكِ (١) يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
_________________
(١) " وهذا هو الأفضل: الوقوف على رؤوس الآيات؛ وإن تعلقت بما بعدها. وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض، والمقاصد، والوقوف عند انتهائها. واتباع هدي النبي ﷺ وسنته أولى؛ وممن ذكر ذلك البيهقي في " شعب الإيمان " وغيره، ورجح الوقوف على رؤوس الآي؛ وإن تعلقت بما بعدها ". وقال الشيخ علي القاري: " أجمع القراء على أن الوقف على الفواصل وقف حسن؛ ولو تعلقت بما بعدها ".
(٢) بالقصر، وهي قراءة بعض القراء، وقرأ آخرون: ﴿مَالِكِ﴾ . قال الحافظ ابن كثير (١/٢٤): " وكلاهما صحيح متواتر في السبع، ويقال: ﴿مَلِْكِ﴾ بكسر اللام وبإسكانها. ويقال: ﴿مليك﴾ أيضًا. وأشبع نافع كسرة الكاف؛ فقرأ: ﴿مَلِكِي يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقد رجح كلًا من القراءتين مرجحون من حيث المعنى - وكلاهما صحيحة حسنة -، ورجح الزمخشري: ﴿مَلِكِ﴾؛ لأنها قراءة أهل الحرمين، ولقوله: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ . قال: " وقد روى أبو بكر بن أبي داود في ذلك شيئًا غريبًا؛ حيث قال: ثنا أبو عبد الرحمن الأزدي: ثنا عبد الوهاب عن عدي بن الفضل عن أبي المُطَرِّف عن ابن شهاب أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، وابنه يزيد كانوا يقرؤون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . قال ابن شهاب: وأول من أحدث: ﴿مَلِكِ﴾ مروان. قلت: مروان عنده علم بصحة ما قرؤوه؛ لم يطلع عليه ابن شهاب. والله أعلم. وقد روي من طرق متعددة أوردها ابن مردويه: أن رسول الله ﷺ كان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . اهـ. قلت: وحديث الزهري هذا، رواه أبو داود أيضًا - كما سيأتي - بإسناد أصح من
[ ١ / ٢٩٧ ]
وتارة (*): ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١)
_________________
(١) إسناد ابنه. قلت: ومن تلك الطرق: ما أخرجه الطبراني في " الكبير " من طريق عبد الصمد بن عبد العزيز المقري. قال: قرأت القرآن على طلحة بن سليمان - أخي إسحاق بن سليمان - فقال لي طلحة: قرأت على الفَيّاض بن غزوان. وقال الفَيّاض: قرأت على طلحة بن مُصَرِّف اليامي. وقال طلحة: قرأت على يحيى بنَ وثَّاب، وقرأ يحيى بن وثاب على علقمة بن قيس، وقرأ علقمة بن قيس على عبد الله بن مسعود، وقرأ عبد الله بن مسعود على رسول الله ﷺ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ بالألف. ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ خفض. قال الطبراني: ثنا علي بن سعيد الرازي: نا محمد بن نباتة الرازي: ثنا عبد الصمد به. وهذا سند ضعيف؛ فإن محمد بن نباتة، وعبد الصمد، وطلحة بن سليمان لم أجد من ترجمهم، وبقيهَ رجاله ثقات معروفون. وقد روى ﴿تمام الرازي في " الفوائد "، وابن أبي داود في " المصاحف " (٧/٢)، وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (١/١٠٤)، و﴾ الحاكم (٢/٢٣١) قراءة: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بإسناد صحيح. ووافقه الذهبي. ﴿وهذه القراءة متواترة؛ كالأولى: ﴿مَالِكِ﴾﴾ . (*) هذا المتن بحاشيته من زوائد " الأصل " على مطبوع " الصفة ".
(٢) أخرجه أبو داود (٢/١٦٩) قال: ثنا أحمد بن حنبل: ثنا عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري - قال معمر: وربما ذكر ابن المسيب - قال: كان النبي ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان يقرؤون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . وأول من قرأها: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: مروان.
[ ١ / ٢٩٨ ]
_________________
(١) وهذا سند صحيح؛ لكنه مرسل. ثم قال أبو داود: " هذا أصح من حديث الزهري عن أنس، والزهري عن سالم عن أبيه به ". قلت: أخرجه من الوجه الأول الترمذي (٢/١٥٣ - طبع بولاق) من طريق أيوب بن سُوَيد الرملي عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس به. قال الترمذي: " هذا حديث غريب؛ لا نعرفه من حديث الزهري عن أنس، إلا من حديث أيوب هذا، وقد روى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث: أن النبي ﷺ، وأبا بكر، وعمر كانوا يقرؤون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ، وأبا بكر، وعمر كانوا يقرؤون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . اهـ. وبالجملة؛ فالصواب أن الحديث مرسل، وأيوب بن سويد هذا - الذي رواه موصولًا -: ضعيف الحفظ. ولكن الحديث يتقوى بالطرق التي أشار إليها الحافظ ابن كثير - فيما مضى قريبًا -، وبكونه أخذ به القراء السبع. * * *
[ ١ / ٢٩٩ ]