الاعتماد على اليدين في النُّهوض إلى الركعة
ثم " كان ﷺ ينهض - معتمدًا على الأرض - إلى الركعة الثانية " (*) .
﴿و" كان يعجن في الصلاة: يعتمد على يديه إذا قام " (١)﴾ .
و" كان ﷺ إذا نهض في الركعة الثانية؛ استفتح القراءة بـ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ العَالَمِينَ﴾، ولم يسكت " (٢) .
_________________
(١) (*) سبق تخريجه من حديث مالك بن الحويرث (ص ٨١٦ - ٨١٧) .
(٢) ﴿[رواه] أبو إسحاق الحربي بسندٍ صالح. ومعناه عند البيهقي بسند صحيح. وأما حديث: " كان يقوم كأنه السهم لا يعتمد على يديه ". فموضوع. وكل ما في معناه ضعيف لا يصح، وقد بينت ذلك في " الضعيفة " (٥٦٢ و٩٢٩ و٩٦٨) . وقد أشكل على أحد الفضلاء تقويتي لإسناد الحربي؛ فأوضحت ذلك في كتابي " تمام المنة في التعليق على فقه السنة "؛ فراجعه؛ فإنّه مهم﴾ .
(٣) هو من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه مسلم (٢/٩٩)، وأبو عوانة (٢/٩٩)، والحاكم (١/٢١٥ - ٢١٦)، والبيهقي (٢/١٩٦) من طريق عبد الواحد بن زياد: ثنا عُمارة بن القعقاع: ثنا أبو زرعة بن عمرو ابن جرير: ثنا أبو هريرة به. واللفظ لمسلم وأبي عوانة. وقال الآخران: استفتح بـ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ . وصححه الحاكم والذهبي، وكذا البيهقي وقال: " وفيه دلالة على أنه لا سكتة في الركعة الثانية قبل القراءة، وهو حديث صحيح.
[ ٣ / ٨٢٤ ]
_________________
(١) ويحتمل أنه أراد به أنه لا يسكت في الثانية، كسكوته في الأولى للاستفتاح ". قلت: وهذا الاحتمال هو الظاهر من الحديث عندنا إذا قابلناه بحديث أبي هريرة الآخر بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة؛ سكت هنية الحديث؛ وفيه: أنه ﷺ كان يقرأ في هذه السكتة: اللهم! باعد بيني وبين خطاياي الحديث. وقد مضى [ص ٢٣٨] . فهذه السكتة - والله أعلم - هي المنفية في هذا الحديث. وقد أشار إلى هذا الإمام مسلم في " صحيحه "؛ حيث ساق أولًا الحديث المشار إليه، ثم ساق بعده هذا الحديث. وإسناد الحديثين واحد، فكأن أحدهما متمم للآخر؛ فالحديث نص في نفي مشروعية دعاء الاستفتاح، ولكنه لا ينفي مشروعية الاستعاذة. وقد اختلف الفقهاء: هل هذا موضع استعاذة أم لا - بعد اتفاقهم على أنه ليس موضع استفتاح -؟ وفي ذلك قولان، هما روايتان عن أحمد، وقد بناهما بعض أصحابه على أن قراءة الصلاة: هل هي قراءة واحدة؛ فيكفي فيها استعاذة واحدة، أو قراءة كل ركعة مستقلة برأسها؟ قال ابن القيم في " الزاد " (١/٨٦): " والاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر؛ للحديث الصحيح عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان إذا نهض من الركعة الثانية؛ استفتح القراءة ولم يسكت. وإنما يكفي استفتاح واحد؛ لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت، بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمدُ اللهِ، أو تسبيح، أو تهليل، أو صلاة على
[ ٣ / ٨٢٥ ]
_________________
(١) النبي ﷺ ونحو ذلك ". كذا قال! والظاهر خلاف ما استظهر، وأنه لا يكفي استعاذة واحدة؛ بل لابد من الاستعاذة في كل ركعة؛ قال الشيخ العلامة محمد حامد الفقي السلفي رئيس (جماعة أنصار السنة) في تعليقه على " المنتقى من أخبار المصطفى " (١/٤٣٤): " والظاهر أنهما قراءتان؛ لطول الفصل بالركوع والسجود، وهي حركات كثيرة؛ فلكل ركعة تعوذ. وحديث أبي هريرة لا ينفي هذا؛ لأنه إنما نفى السكتة المعهودة عنده، وهي التي فيها الاستفتاح. أما سكتة التعوذ والبسملة؛ فلطيفة جدًا لا يحس بها المأموم؛ لاشتغاله بحركة النهوض للركعة. وأيضًا: فإن كل ركعة معتبرة صلاة؛ ولذلك أوجبوا قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ لكل ركعة، فأولى أن تعتبر كذلك للتعوذ، وهذا الذي رجحه ابن حزم في " المحلى "، وهو الصواب ". قلت: واحتج ابن حزم (٣/٢٤٧) بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، وهو احتجاج صحيح لا شائبة فيه؛ قال الحافظ في " التلخيص " (٣/٣٠٦): " وعموم هذه الآية يقتضي الاستعاذة في أول كل ركعة. وهو الذي استظهره الرافعي في " الشرح الكبير "؛ قال: وبه قال القاضي أبو الطيب الطبري، وإمام الحرمين، والرُّوياني وغيرهم ". قال النووي في " المجموع " (٣/٣٢٤): " وهو المذهب ". وقال في موضع آخر (٣/٣٢٦): " وهو الأصح في مذهبنا ". قلت: وهو قول في مذهب علمائنا الحنفية تخريجًا؛ فقد قال أبو الحسنات اللكنوي
[ ٣ / ٨٢٦ ]
وكان يصنع في هذه الركعة مثل ما يصنع في الأولى (١)؛ إلا أنه كان
يجعلها أقصر من الأولى - كما سبق (*) -.
_________________
(١) في حاشيته على " شرح الوقاية " (١/١٣٨): " وفي " حَلْبة المجلّي " لابن أمير حاج: ينبغي على قول أبي يوسف ومحمد أن يتعوذ في الثانية أيضًا؛ فإنه إنما شرع للقراءة، والقراءة تتجدد في كل ركعة ". انتهى.
(٢) فيه حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ. ومضى في (الركوع) [ص ٦٠٥] . وحديث أبي هريرة. ومر في (الرفع من الركوع) [ص ٦٧٤] . وحديث أبي مسعود البدري. وسبق في (الركوع) [ص ٦٣٤] . (*) في (القراءة في صلاة الظهر) (ص ٤٥٧) . * * *
[ ٣ / ٨٢٧ ]