وكان ﷺ يدخل في الصلاة بما تيسر عليه من الثياب، فلم يكن يتخذ
لها ثوبًا خاصًا؛ إلا صلاة الجمعة - كما سيأتي -؛ فكان تارة " يصلي في
حُلّة حمراء " (١) (وهي (٢) ثوبان: إزار، ورداء)، وكان يأمر بهما؛ فيقول:
_________________
(١) كما قال أبو جحيفة: خرج رسول الله ﷺ في حلة حمراء مشمرًا، فصلى إلى العنَزَةِ بالناس ركعتين، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العَنَزةِ. أخرجه البخاري (١/٣٨٦ و١٠/٢١٠)، ومسلم (٢/٥٦)، وأبو داود (١/٨٦)، والنسائي (١/١٢٥) وترجم له: (الصلاة في الثياب الحُمْر)، والترمذي (١/٣٧٥) وصححه، وأحمد (٤/٣٠٨) عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه به. وفي الحديث دلالة على جواز لبس الثياب الحمراء، وهو مذهب الشافعية وغيرهم، وهو الصواب إن شاء الله تعالى، ولا يصح شيء من الأحاديث في النهي عن لباس الأحمر، وتأويل الحلة الحمراء بأنها ذات خطوط حمر - كما فعل ابن القيم في " الزاد " (١/٤٨ و١٧٢) وفي غيره - خلاف الظاهر - كما بينه الشوكاني -. على أنه قد ثبت أن النبي ﷺ رأى على الحسن والحسين قميصين أحمرين؛ فلم ينكر ذلك، وليس هذا موضع تفصيل ذلك، وإنما أردنا الإشارة إليه، فمن شاء التوسع فيه؛ فليراجع " نيل الأوطار " (٢/٨٠ - ٨٣)، وكذا " التعليقات الجياد ".
(٢) تفسير (الحلة) بذلك هو الأشهر - كما قال الحافظ في " الفتح " (١٠/٢١٣) -. وقيل: هي: ثوبان؛ أحدهما فوق الآخر. والرداء: هو الثوب أو البُرْدُ الذي يضعه الإنسان على عاتقيه، وبين كتفيه فوق ثيابه.
[ ١ / ١٤٥ ]
" إذا صلى أحدكم؛ فليأتزر وليرتَدِ " (١) .
حتى " نهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء " (٢) .
وإنما أراد به القادر على الرداء (٣)؛ كما قال ﵊:
" إذا صلى أحدكم؛ فليلبس ثوبيه؛ فإن الله أحق من يُزَّيَّنُ له، فإن لم
يكن له ثوبان؛ فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال (٤)
_________________
(١) أخرجه الطحاوي (١/٢٢١)، والبيهقي (٢/٢٣٥) من طريق عبيد الله بن معاذ قال: ثنا أبي قال: ثنا شعبة عن توبة العنبري سمع نافعًا عن ابن عمر مرفوعًا به. وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.
(٢) أخرجه أبو داود (١/١٠٣)، والطحاوي (١/٢٢٤)، والحاكم (١/٢٥٠)، وعنه البيهقي (٢/٢٣٦) عن أبي المُنيب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: نهى أن يصلي في لحاف لا يتوشح به، ونهى أن يصلي الرجل إلخ. وهذا سند حسن. وأما قول الحاكم وكذا الذهبي: إنه " صحيح على شرط الشيخين "! فمن أوهامهما؛ فإن أبا المُنِيْب - واسمه: عبيد الله بن عبد الله العَتَكي - ليس من رجالهما، وهو صدوق يخطئ - كما في " التقريب " -.
(٣) قال الطحاوي: " وهذا عندنا على الوجود معه لغيره، فإن كان لا يجد غيره؛ فلا بأس بالصلاة فيه، كما لا بأس في الثوب الصغير؛ مُتّزرًا به ". قلت: ويدل لذلك الأحاديث الآتية بعدُ.
(٤) قال الخطابي في " المعالم " (١/١٧٨):
[ ١ / ١٤٦ ]
اليهود " (١) .
_________________
(١) " اشتمال اليهود المنهي عنه هو: أن يجلل بدنه الثوب ويسبله؛ من غير أن يشيل طرفه ".
(٢) أخرجه البيهقي (٢/٢٣٥ - ٢٣٦) عن أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله - ولا يرى نافع إلا أنه عن رسول الله ﷺ - قال: فذكره. وهذا سند صحيح على شرط الستة؛ لولا التردد في رفعه. لكن أخرجه الطحاوي (٢٢١) من طريق حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره بدون تردد في رفعه. وهذا صحيح أيضًا على شرط الشيخين. وقد تابعه أيوب عن نافع به. أخرجه أبو داود (١/١٠٣): ثنا سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد عنه. وسنده صحيح أيضًا على شرطهما. وصححه النووي (٣/١٧٣) . وأخرجه البيهقي (٢٣٦) من طريق يوسف بن يعقوب القاضي: ثنا سليمان بن حرب به؛ إلا أنه تردد في رفعه. ثم أخرجه كذلك من طريق أبي الربيع: ثنا حماد بن زيد به؛ إلا أنه قال: وأكثر ظني أنه قال: قال رسول الله ﷺ. ثم قال: " ورواه الليث بن سعد عن نافع؛ هكذا بالشك ". ثم أخرجه من طريق سعيد - وهو: ابن أبي عَرُوبة - عن أيوب به مرفوعًا بدون شك بلفظ:
[ ١ / ١٤٧ ]
_________________
(١) " إذا صلى أحدكم في ثوب؛ فليشدَّه على حَقْوِهِ، ولا تشتملوا اشتمال اليهود ". وسنده صحيح. وأخرجه الطحاوي - والسياق له -، وأحمد (٢/١٤٨) عن ابن جريج: قال: أخبرني نافع: أن ابن عمر ﵄ كساه وهو غلام، فدخل المسجد، فوجده يصلي متوشحًا، فقال: أليس لك ثوبان؟ قال: بلى. قال: أرأيت لو استعنت بك وراء الدار؛ أكنت لابسهما؟ قال: نعم. قال: فالله أحق أن تَزَّيَّنَ له أم الناس؟ قال نافع: بل الله. فأخبره عن رسول الله ﷺ أو عن عمر ﵁ - قال نافع: قد استيقنت أنه عن أحدهما، وما أُراه إلا عن رسول الله ﷺ - قال: " لا يشتمل أحدكم في الصلاة اشتمال اليهود - زاد أحمد: ليتوشح -، من كان له ثوبان؛ فليتّزر، وَلْيَرْتَدِ، ومن لم يكن له ثوبان؛ فليتزر، ثم ليصلِّ ". ثم أخرجه أحمد (١/١٦) عن ابن إسحاق: ثنا نافع به نحوه موقوفًا، وفيه قال نافع: ولو قلت لك: إنه أسند ذلك إلى رسول الله ﷺ؛ لرجوت أن لا أكون كذبت. وهذا سند جيد. وبالجملة؛ فالحديث صحيح مرفوعًا وموقوفًا، ولا منافاة بينهما. والتردد الذي وقع في بعض الروايات قد زال بقول بعضهم: " وأكثر ظني أنه رفعه ". وبجزم البعض الآخر برفعه - كما سبق -. وقد جزم برفعه عن نافع توبة العنبري - كما سبق قريبًا -.
[ ١ / ١٤٨ ]
وتارة " في جُبَّةٍ شاميةٍ ضيقةِ الكُمَّين " (١)، حتى إنه " لما أراد الوضوء؛
ذهب يخرج يده من كُمِّها ليتوضأ؛ فضاقتْ عليه، فأخرج يده من
أسفلها " (٢) . وكان تحت الجبة قميص أو إزار.
_________________
(١) قال ابن القيم في " الزاد " (١/٤٩): " وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج؛ فلم يلبسها هو، ولا أحد من أصحابه ألبتة، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر؛ فإنها من جنس الخُيَلاء ". قال الشوكاني (٢/٩٠): " وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء؛ فيُرى أحدهم وقد جعل لقميصه كمين، يَصْلُحُ كل واحد منهما أن يكون جبة أو قميصًا لصغير من أولاده أو يتيم، وليس في ذلك شيء من الفوائد الدنيوية إلا العبث، وتثقيل المؤنة على النفس، ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع، وتعريضه لسرعة التمزق، وتشويه الهيئة، ولا الدينية إلا مخالفة السنة، والإسبال، والخيلاء ". اهـ.
(٢) أخرجه البخاري (١/٣٧٧)، ومسلم (١/١٥٨)، ومالك (١/٥٧)، وأبو داود (١/٢٤)، والنسائي (١/٣١ و٥/٢٦ و٣٢)، والبيهقي (٢/٤١٢)، وأحمد (٤/٢٤٧ و٢٥٠ و٢٥١) من طرق عن المغيرة بن شعبة قال: خرج رسول الله ﷺ ليقضي حاجته، فلما رجع؛ تلقيته بالإداوة، فصببت عليه، فغسل يديه، ثم غسل وجهه، ثم ذهب ليغسل ذراعيه؛ فضاقت الجبة؛ فأخرجهما من تحت الجبة، فغسلهما، ومسح رأسه، ومسح على خفيه، ثم صلى بنا. واللفظ لمسلم. وفي رواية له: وعليه جبة شامية ضيقة الكمين. زاد في أخرى: من صوف. وهي عند أبي داود، وزاد
[ ١ / ١٤٩ ]
_________________
(١) من جِبَاب الروم. وزاد مسلم في رواية (١/١٥٩): فأخرج يده من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه. قال الشيخ علي القاري في " المرقاة " (١/٣٦١): " فيه دليل على أنه كان تحته إزار أو قميص، وإلا؛ لظهرت العورة ". قال البيهقي: " والجبة الشامية في عصر النبي ﷺ من نسج المشركين، وقد توضأ وهي عليه، وصلى ". ثم روى عن الحسن قال: " لا بأس بالصلاة في رداء اليهود والنصارى ". وفي الحديث فوائد كثيرة ذكرها الحافظ في " الفتح " (١/٢٤٦) منها: " جواز الانتفاع بثياب الكفار حتى يتحقق نجاستها؛ لأنه ﷺ لبس الجبة الرومية، ولم يستفصل ". انتهى. فإن قيل: قد تقرر في الشرع النهي عن لبسة الكفار؛ كما قال عبد الله بن عمرو: رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: " إن هذه من ثياب الكفار؛ فلا تلبسها ". أخرجه مسلم (٦/١٤٤) وغيره؛ فكيف لبس ﷺ لباس الروم وهم من الكفار، وقد نهى عن لباسهم؟! والجواب: إن الألبسة نوعان: نوع منها مشترك بين جميع الأمم والأديان، ليس شعارًا لبعضهم دون بعض. فهذا مباح للمسلم لبسها مهما كان شكلها ومصدرها، لا ضير على المسلم في ذلك، وقد جاء في " الدر المختار ":
[ ١ / ١٥٠ ]
_________________
(١) " إن التشبه بأهل الكتاب لا يكره في كل شيء. وذكروا على ذلك عن هشام قال: رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفين بمسامير، فقلت: أترى بهذا بأسًا؟ قال: لا. قلت: سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك؛ لأن فيه تشبهًا بالرهبان. فقال: كان رسول الله ﷺ يلبس النعال التي لها شعر، وإنها من لباس الرهبان ". اهـ. ومن هذا النوع كانت جبة النبي ﷺ الرومية فيما يظهر لنا. وأما النوع الآخر؛ فهو ما كان شعارًا لبعض الأمم الكافرة؛ يتميزون به عن غيرهم من الأمم. فلا يجوز حينئذٍ لمسلم أن يقلدهم، وأن يتشبه بهم في ذلك؛ لما في ذلك من تضعيف شوكة المسلمين؛ بتقليل عددهم في الظاهر، وتقوية أعدائهم عليهم بذلك، وقد تقرر في علم النفس - كما كنت قرأت في بعض الكتب والمجلات العصرية -: أن للظاهر تأثيرًا في الباطن. وذلك مشهود في بعض المظاهر، وقد أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ بقوله حينما كان يسوي الصفوف: " لا تختلفوا؛ فتختلفَ قلوبكم ". رواه أبو داود (١/١٠٧)، والنسائي (١/١٣٠)، وابن خزيمة في " صحيحه ". وسنده صحيح عن البراء به. وعن النعمان بن بشير مرفوعًا: " عباد الله! لَتُسَوُّنَّ صفوفكم؛ أو ليخالفن الله بين وجوهكم ". أخرجه الشيخان، وأصحاب " السنن " وغيرهم. فجعل ﷺ اختلاف الظواهر سببًا لاختلاف البواطن والقلوب، وعلى هذا النوع من اللباس يُنَزَّل حديث ابن عمرو المذكور سابقًا، ومثله قوله ﷺ: " من تشبه بقوم؛ فهو منهم ". أخرجه أبو داود (٢/١٧٢ - ١٧٣)، وأحمد (٢/٥٠) من طريق عبد الرحمن بن ثابت
[ ١ / ١٥١ ]
وكان أحيانًا " يصلي في بُرْدٍ له حضرميٍّ متَوَشِّحَه، ليس عليه غيره " (١) .
و" في ثوب واحد؛ مخالفًا بين طرفيه، يجعلهما على منكبيه (٢) " (٣) .
_________________
(١) ابن ثوبان: ثنا حسان بن عطية عن أبي منيب الجُرَشي عن ابن عمر مرفوعًا به. وهذا إسناد حسن - كما قال الحافظ في " الفتح " (١٠/٢٢٢) -، وصححه شيخه العراقي في " تخريج الإحياء " (١/٢٤٢)، وسبقه إلى ذلك ابن حبان - كما في " بلوغ المرام " (٤/٢٣٩ - سبل السلام) -. قلت: وقد أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (١/٨٨) من طريق الوليد بن مسلم: ثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية به. وهذا سند صحيح إذا كان الأوزاعي سمعه من حسان؛ فإن الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية؛ لا سيما عن الأوزاعي. وفي الباب أحاديث أخرى كثيرة في النهي عن التشبه بالكفار، ليس هذا موضع روايتها؛ فليراجع لذلك كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم " لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه خير كتاب وقفنا عليه في هذا الموضوع.
(٢) أحمد (١/٢٦٥)، والطحاوي.
(٣) قال الباجي: " يريد أنه أخذ طرف ثوبه تحت يده اليمنى، ووضعه على كتفه اليسرى، وأخذ الطرف الآخر تحت يده اليسرى، فوضعه على كتفه اليمنى. وهذا نوع من الاشتمال يسمى: التوشيح. ويسمى: الاضطباع. وهو مباح في الصلاة وغيرها؛ لأنه يمكنه إخراج يده للسجود وغيره دون كشف عورته ". كذا في " تنوير الحوالك ".
(٤) قد جاء ذلك من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة؛ حتى صار بذلك
[ ١ / ١٥٢ ]
_________________
(١) متواترا تواترًا معنويًا، وإليك بعضًا - أو كثيرًا - من أحاديثهم:
(٢) عن عمر بن أبي سلمة قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد، مشتملًا به في بيت أم سلمة، واضعًا طرفيه على عاتقيه. أخرجه البخاري (١/٣٧٣)، ومسلم (٢/٦١ - ٦٢)، ومالك (١/١٥٨)، وأبو داود (١/١٠٢)، والنسائي (١/١٢٤)، والترمذي (٢/١٦٦) وصححه، وابن ماجه (١/٣٢٤)، والطحاوي (١/٢٢٢)، والبيهقي (٢/٢٣٧)، وأحمد (٤/٢٦ و٢٧)؛ كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه. إلا أبا داود، ورواية لمسلم، وللطحاوي، وأحمد؛ فعن أبي أمامة بن سهل؛ كلاهما عنه. واللفظ لعروة عند البخاري وغيره. وفي لفظ: متوشحًا.. بدل: مشتملًا. وقال أبو أمامة: ملتحفًا مخالفًا بين طرفيه.
(٣) عن أم هانئ: أن رسول الله ﷺ صلى في بيتها عام الفتح ثماني ركعات في ثوب قد خالف بين طرفيه. أخرجه مالك (١/١٦٦)، وعنه البخاري (١/٣٧٣ و٦/٢٠٩ و١٠/٤٥٤)، ومسلم (١/١٨٢ - ١٨٣ و٢/١٥٨)، ومحمد في " موطئه " (١١٦)، والنسائي (١/٤٦)، والطحاوي (١/٢٢٢)، وأحمد (٦/٣٤٣)؛ كلهم عن مالك عن أبي النضر مولى عمر ابن عبيد الله: أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ به. واللفظ لمسلم.
[ ١ / ١٥٣ ]
_________________
(١) وأخرجه مسلم، والطحاوي، وأحمد (٦/٣٤١ و٣٤٢)، والطيالسي (٢٢٥) من طرق أخرى عن أبي مرة به.
(٢) عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله يصلي في ثوب واحد متوشحًا به. أخرجه البخاري (١/٣٧٢)، ومسلم (١/٦٢)، والطحاوي (١/٢٢٣)، والبيهقي (٢/٢٣٧)، والطيالسي (٢٣٨)، وأحمد (٣/٢٩٤ و٣١٢ و٣٢٦ و٣٤٣ و٣٥١ و٣٥٢ و٣٥٦ و٣٥٧ و٣٨٦ و٣٨٧ و٣٩١) من طرق عنه به. واللفظ لمسلم. وقال الطيالسي، والبيهقي، وأحمد: مخالفًا بين طرفيه على عاتقه. وفي رواية للطحاوي (١/٢٢٢) من طريق القعقاع بن حكيم قال: دخلنا على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد، وقميصه ورداؤه في المشجب، فلما انصرف؛ قال: أما والله! ما صنعت هذا إلا من أجلكم، إن النبي ﷺ سئل عن الصلاة في ثوب واحد؟ فقال: " نعم؛ ومتى يكون لأحدكم ثوبان؟! ". وسنده صحيح.
(٣) عن أبي سعيد الخدري مثله. أخرجه مسلم، وابن ماجه، والبيهقي، وأحمد (٣/١٠ و٥٩) من طريق أبي سفيان عن جابر عنه. وله في " المسند " (٣/٣٧٩) طريق آخر.
[ ١ / ١٥٤ ]
_________________
(١) عن عبد الرحمن بن كيسان عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ يصلي الظهر والعصر في ثوب واحد مُتَلَيِّبًَا به. أخرجه ابن ماجه، وأحمد (٣/٤١٧) . وسنده محتمل للتحسين، وجزم بحسنه البوصيري في " الزوائد ". وفي الباب عن جمع غير هؤلاء من الصحابة، وقد أخرج أحاديثهم الهيثمي في " المجمع " (٢/٤٨ - ٥١)، فمن شاء؛ فليراجعها هناك. وفي الباب عن أنس، ويأتي حديثه قريبًا، وهو المذكور بعد هذا. واعلم أن الالتحاف والتوشح بمعنى واحد، وهو: المخالف بين طرفيه على عاتقيه. وهو الاشتمال على منكبيه - كما ذكره البخاري عن الزهري -. وذكر نحوه النووي في " شرح مسلم ". وأما المُتَلَبِّبُ بالثوب: فهو أن يجمعه عند صدره، يقال: (تَلَبّبَ بثوبه): إذا جمعه عليه. قال النووي: " وفي هذه الأحاديث جواز الصلاة في الثوب الواحد، ولا خلاف في ذلك؛ إلا ما حكي عن ابن مسعود ﵁ فيه. ولا أعلم صحته ". قلت: كأنه يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لا تُصَلِّيَنَّ في ثوب واحد؛ وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض. سكت عليه في " الفتح ". ولعل قول ابن مسعود هذا محمول على ما إذا كان عنده ثوب آخر؛ بدليل حديثه الآخر: وهو ما أخرجه عبد الله بن أحمد في " زوائده " (٥/١٤١) من طريقين عن أبي مسعود
[ ١ / ١٥٥ ]
_________________
(١) الجريري عن أبي نضرة بن بقية قال: قال أُبي بن كعب: الصلاة في الثوب الواحد سنة؛ كنا نفعله مع رسول الله ﷺ، ولا يعاب علينا. فقال ابن مسعود: إنما كان ذاك؛ إذ كان في الثياب قلة، فأما إذ وسع الله؛ فالصلاة في الثوبين أزكى. ورجاله ثقات رجال مسلم؛ لكن قال في " مجمع الزوائد " (٢/٤٩): " وأبو نضرة: لم يسمع من أُبيٍّ، ولا من ابن مسعود ". قلت: قد وصله البيهقي (٢/٢٣٨) من طريق يزيد بن هارون: أبنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في ثوب واحد الحديث بنحوه. وهذا سند صحيح. قال البيهقي: " وهذا يدل على أن الذي أمر به ابن مسعود في الصلاة في ثوبين استحباب لا إيجاب ". اهـ. ويدل لما قاله ابن مسعود ﵁ - من أن الاقتصار على الثوب الواحد إنما كان وفي الثياب قلة - حديث جابر المتقدم عند الطحاوي، ومثله حديث أبي هريرة الآتي: "أَوَلكلكم ثوبان؟ ". وما سنذكره من قول عمر في ذلك. وكون الصلاة في الثوبين أزكى وأفضل - كما قال ابن مسعود -؛ مجمع عليه - كما حكاه النووي في " شرح مسلم " -، ويدل لذلك الأمر بالارتداء والاتزار - كما في الحديث السابق -.
[ ١ / ١٥٦ ]
و" آخر صلاة صلاها في ثوب قِطْرِيٍّ (١) متوشحًا به " (٢) . وقال:
_________________
(١) هو ضرب من البرود؛ فيه حمرة، ولها أعلام فيها بعض الخشونة. وقيل: هي حُلل جِيَاد، وتحمل من قبل البحرين. وقال الأزهري: في أعراض البحرين قرية يقال لها: قَطَر، وأحسب الثياب القِطْرِيَّةَ نسبت إليها، فكسروا القاف للنسبة، وخففوا. كذا في " النهاية ". وقال العسقلاني: " ثياب من غلِيظ القطن ونحوه ". نقله القاري في " شرح الشمائل ".
(٢) هو من حديث أنس: أن رسول الله ﷺ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد بُرْدٍ مخالفًا بين طرفيه، فكانت آخر صلاة صلاها. أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عن حميد عن ثابت عنه. وأخرجه الترمذي وغيره. وقد تقدم في صلاته ﷺ قاعدًا [ص ٨٣ - ٨٤] . ورواه الترمذي في " الشمائل " (١/١٣٦ - ١٣٨)، وأحمد (٣/٢٦٢) من طريقين عن حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد عن الحسن عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ خرج وهو متكئ على أسامة بن زيد، عليه ثوب قِطْري قد توشح به، فصلَّى بهم. وهذا إسناد على شرط مسلم. ثم أخرجه أحمد (٣/٢٥٧ و٢٨١) قال: ثنا عفان: ثنا حماد بن سلمة قال: ثنا حميد عن الحسن وعن أنس - فيما يحسب حماد -: أن رسول الله خرج يتوكأ على أسامة بن زيد، وهو متوشح بثوب قطن قد خالف بين طرفيه، فصلى بالناس.
[ ١ / ١٥٧ ]
" إذا صلى أحدُكم في ثوبٍ واحدٍ؛ فَلْيُخَالِفْ بين طَرفيه [على عاتِقَيْهِ] " (١) .
وفي لفظ:
" لا يصلِّي أحدُكم في الثوبِ الواحد ليس على عاتِقَيْه منه شيءٌ " (٢) .
_________________
(١) وهذا أيضًا صحيح على شرط مسلم. وقد عزاه في " المجمع " (٢/٤٩) للبزار وحده، وقال: " رجاله رجال " الصحيح " "! وهو ذهول منه عن كونه في " مسند أحمد ". وأخرجه الطيالسي (٢٨٥)، لكنه شك؛ هل هو عن أنس أو الحسن؟
(٢) أخرجه البخاري (١/٣٧٥)، وأبو داود (١/١٠٢)، والبيهقي (٢/٢٣٨)، وأحمد (٢/٢٥٥ و٤٢٧) من طرق عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعًا به. واللفظ لأحمد، والزيادة عند الجميع ما عدا البخاري، وهي في " مستخرج " الإسماعيلي، وأبي نعيم - كما في " فتح الباري " -. وله طريق آخر: رواه الطحاوي (١/٢٢٣) عن عبد الله بن عياش عن ابن هرمز عنه مرفوعًا. وأما اللفظ الآخر؛ فأخرجه البخاري (١/٣٧٤ - ٣٧٥)، ومسلم (٢/٦١)، وأبو داود، والنسائي أيضًا (١/١٢٥)، والدارمي (١/٣١٨)، والطحاوي، والبيهقي من طريق أبي الزناد عن الأعرج عنه مرفوعًا به. ولفظ الدارمي والبيهقي: " لا يصلين "؛ بزيادة نون التأكيد. وكذلك أخرجه الشافعي في " الأم " (١/٧٧) من طريق مالك عن أبي الزناد، ومن طريقه أيضًا الدارقطني في " غرائب مالك " عن عبد الوهاب بن عطاء عنه - كما في " الفتح " -.
(٣) قال الخطابي: " يريد أنه لا يتزر به في وسطه ويشد طرفيه على حَقويْه؛ ولكن يتزر به، ويرفع طرفيه؛ فيخالف بينهما، ويشده على عاتقه؛ فيكون بمنزلة الإزار والرداء ". قال الشيخ
[ ١ / ١٥٨ ]
_________________
(١) علي القاري (١/٤٧٩): " والحكمة في ذلك أن لا يخلو العاتق من شيء؛ لأنه أقرب إلى الأدب، وأنسب إلى الحياء من الرب، وأكمل في أخذ الزينة عند المطلب. والله أعلم ". وظاهر النهي في هذه الرواية يفيد التحريم؛ كما أن ظاهر الرواية الأولى يفيد الوجوب. وقد ذهب إلى ذلك جماعة من السلف، ومنهم الإمام أحمد ﵁، والمشهور عنه: أنه لو صلى مكشوف العاتق مع القدرة على السترة؛ لم تصح صلاته. فجعله شرطًا. وهو مذهب ابن حزم في " المحلى " (٤/٧٠) . وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد: أنه تصح صلاته، ولكن يأثم بتركه. وذهب الجمهور - مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وغيرهم - إلى أن النهي للتنزيه، والأمر للاستحباب؛ فلو صلى في ثوب واحد ساترًا لعورته، ليس على عاتقه منه شيء؛ صحت صلاته مع الكراهة، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا. قال النووي في " شرح مسلم ": " وحجة الجمهور قوله ﷺ: " فإن كان واسعًا؛ فالتحِفْ به، وإن كان ضيقًا؛ فاتَّزِرْ به " ". قلت: لست أدري ما وجه الاحتجاج بهذا الحديث على عدم الوجوب؛ بينما هو واضح الدلالة لمذهب أحمد وغيره، وهو التفريق بين الثوب الواسع - فيجب الالتحاف به -، وبين الضيِّق - فلا يجب -، فكما أنه أمر بالائتزار به إن كان ضيقًا - وذلك واجب -؛ فكذلك أمر بالالتحاف به إذا كان واسعًا؛ فهو واجب. فهذا المذهب - وهو وجوب المخالفة بين طرفي الثوب - هو الأقوى من حيث الدليل والبرهان، وإليه مال البخاري - كما يدل تصرفه في " صحيحه " -؛ كما قال الحافظ، قال:
[ ١ / ١٥٩ ]
وقيد ذلك بالثوب الواسع؛ فقال:
" إذا صلَّيتَ وعليك ثوبٌ واحد، فإن كان واسعًا؛ فالتحف به، وإن
كان ضيقًا؛ فاتزر به " (١) .
_________________
(١) " وهو اختيار ابن المنذر وتقي الدين السبكي من الشافعية ". قلت: وإليه ذهب الشوكاني في " نيل الأوطار " (٢/٥٩ - ٦١) . وأما بطلان الصلاة بترك ذلك؛ فالحديث لا يدل إلا على بعض القواعد؛ وبها نظر. والله أعلم. واحتج الجمهور بحجة أخرى، وهي صلاته ﷺ وبعض ثوبه على زوجه، كما يأتي ذلك قريبًا، وسنذكر هناك وجه الاستدلال بذلك، والجواب عنه إن شاء الله تعالى.
(٢) هو من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، وقد جاء عنه من طرق: الطريق الأول: عن فُلَيح بن سليمان عن سعيد بن الحارث قال: دخلنا على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد ملتحفًا به، ورداؤه قريب، لو تناوله؛ بلغه، فلما سلّم؛ سألناه عن ذلك؟ فقال: إنما أفعل هذا ليراني الحمقى أمثالكم؛ فَيُفْشوا على جابر رخصةً رخصها رسول الله ﷺ. ثم قال جابر: خرجت مع رسول الله في بعض أسفاره، فجئته ليلة وهو يصلي في ثوب واحد، وعليَّ ثوب واحد، فاشتملت به، ثم قمت إلى جنبه. قال: " جابرُ! ما هذا الاشتمال؟ إذا صليت " فذكر الحديث. أخرجه البخاري (١/٣٧٥ - ٣٧٦)، والبيهقي (٢/٢٣٨)، وأحمد (٣/٣٢٨) والسياق له.
[ ١ / ١٦٠ ]
_________________
(١) وفي رواية الآخَرَين التصريح بأنه ﵊ قال له ذلك بعد الانصراف من الصلاة. الطريق الثاني: عن حاتم بن إسماعيل عن يعقوب بن مجاهد أبي حَزْرَة عن عبادة ابن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: أتينا جابر بن عبد الله في مسجده وهو يصلي فذكره بنحوه. ولفظ المرفوع: " إذا كان واسعًا؛ فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا؛ فاشدده على حَقوك ". أخرجه مسلم في حديث جابر الطويل (٨/٢٣١ - ٢٣٤)، وأبو داود (١/١٠٣)، والبيهقي (٢/٢٣٩)، وكذا الحاكم (١/٢٥٤) وقال: " صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي! فوهم في الاستدراك على مسلم. الطريق الثالث: عن شُرحبيل بن سعد أنه دخل على جابر وهو يصلي الحديث نحوه. وشرحبيل: صدوق اختلط بآخره - كما في " التقريب " -، وبقية رجاله عند أحمد رجال الشيخين. وله: طريق رابع: بلفظ مختصر عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير: قال جابر: قال رسول الله ﷺ: " من صلى في ثوب واحد؛ فلينعطف به ". ورجاله على شرط مسلم؛ لكن ابن جريج وشيخه أبو الزبير مدلسان، ولم يصرحا بالسماع. والحديث نص واضح في التفريق بين الثوب الواسع والضيق؛ فيجب الالتحاف بالأول - لظاهر الأمر -، دون الثاني؛ فيجوز الائتزار به بدون كراهة. وهو مذهب أحمد وغيره من السلف، وهو الحق إن شاء الله تعالى - كما سبق بيانه فيما تقدم قريبًا -.
[ ١ / ١٦١ ]
و" قال له رجل: أيصلي أحدنا في ثوب واحد؟ فقال:
" أَوَ كلكم يجد ثوبين؟! " " (١) .
_________________
(١) هو من حديث أبي هريرة ﵁، وقد جاء عنه من ثلاثة طرق: الطريق الأول: أخرجه مالك (١/١٢٨)، وعنه محمد في " موطئه " (١١٣)، والبخاري (١/٣٧٤)، ومسلم (٢/٦١)، وأبو داود (١/١٠٢)، والنسائي (١/١٢٤)، والطحاوي (١/٢٢١)، والبيهقي (٢/٢٣٧)؛ كلهم عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب عنه. ورواه ابن ماجه (١/٣٣٤)، وأحمد (٢/٢٧٨) من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري به. الطريق الثاني: أخرجه البخاري (١/٣٧٨)، ومسلم، والدارمي (١/٣١٨)، والطحاوي، والدارقطني (١٠٥)، والبيهقي (٢/٢٣٦)، والطيالسي (٣٢٦)، وأحمد (٢/٢٣٠ و٤٩٥ و٤٩٨ و٤٩٩)، والطبراني في " الصغير " (ص ٢٨ و٢٣١) من طرق كثيرة عن محمد بن سيرين عنه به. الطريق الثالث: أخرجه مسلم، والطحاوي، وأحمد (٢/٢٦٥ و٢٨٥ و٣٤٥) من طرق عن الزهري عن أبي سلمة عنه به. وتابعه محمد بن عمرو عن أبي سلمة. أخرجه الطحاوي، وأحمد (٢/٥٠١) . وله شاهد من حديث طلق بن علي قال: خرجنا إلى نبي الله ﷺ وفدًا حتى قدمنا عليه، فبايعناه، وصلينا معه. فجاء رجل، فقال: يا نبي الله! ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد؟ فأطلق نبي الله ﷺ إزاره، وطارق به رداءه، واشتمل بهما، وقام يصلي بنا، فلما قضى الصلاة؛ قال:
[ ١ / ١٦٢ ]
_________________
(١) " أوكلكم يجد ثوبين؟! ". أخرجه أبو داود، والطحاوي (١/٢٢٢)، والبيهقي (٢/٢٤٠)، وأحمد (٤/٢٢) من طريق ملازم بن عمرو الحنفي: ثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه به. واللفظ للبيهقي. وهذا إسناد صحيح. وتابعه محمد بن جابر بن يسار بن طارق الحنفي عن عبد الله مختصرًا. أخرجه أحمد (٤/٢٣) . ثم أخرجه هو، والطحاوي من طريق أخرى عن أبان بن يزيد قال: ثنا يحيى بن أبي كثير عن عيسى - وفي الطحاوي: عثمان! وهو تحريف - ابن خثيم عن قيس بن طلق: أن أباه شهد رسول الله ﷺ، وسأله رجل عن الصلاة في الثوب الواحد، فلم يقل له شيئًا، فلما أقيمت الصلاة؛ طارق رسول الله ﷺ بين ثوبيه، فصلى فيهما. وإسناده حسن. رجاله كلهم ثقات مشهورون، غير عيسى بن خثيم - وهو: الحنفي اليمامي -: وثقه ابن حبان؛ وقد روى عنه جماعة غير يحيى بن أبي كثير. وقد تابعه أيوب بن عتبة عن قيس. أخرج الطيالسي ذلك، وزاد البخاري والدارقطني والبيهقي في حديث محمد بن سيرين: ثم قام رجل إلى عمر، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد. وقال الدارقطني: " فلما كان عمرُ؛ قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: إذا وسع الله عليكم؛ فأوسعوا. جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقَباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل - قال: وأحسبه قال: - في تُبّان وقباء، في تبّان وقميص، في تبّان ورداء ". اهـ.
[ ١ / ١٦٣ ]
_________________
(١) قوله: (طارَقَ بينهما)؛ أي: طابق بينهما، فجعلهما كأنهما ثوب واحد، فصلى بهما. يريد ﷺ أن يبين للسائل جواز الصلاة في الثوب الواحد مع وجود الآخر، فكيف إذا لم يوجد غيره؟! وقوله: (التبان) - بضم المثناة، وتشديد الموحدة -: وهو على هيئة السراويل؛ إلا أنه ليس له رجلان. قال ابن الملك: " تضمّن هذا الحديث فائدتين: إحداهما: ورود الفعل الماضي بمعنى الأمر؛ وهو قوله: " صلى ". والمعنى: لِيُصَلّ. ومثله قولهم: " اتقى اللهَ عبدٌ ". والمعنى: لِيَتَّقِ. ثانيًا: حذف حرف العطف؛ فإن الأصل: صلى رجل في إزار ورداء، وإزار وقميص. ومثله قوله ﷺ: " تصدق امرؤ من ديناره، من درهمه، من صاع بره " ". اهـ. " الفتح ". وقال النووي: " ومعنى الحديث: أن الثوبين لا يقدر عليهما كل واحد، فلو وجبا؛ لعجز من لا يقدر عليهما عن الصلاة، وفي ذلك حرج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . وأما صلاة النبي ﷺ والصحابة ﵃ في ثوب واحد؛ ففي وقت كان لعدم ثوب آخر، وفي وقت - كان مع وجوده - لبيان الجواز؛ كما قال جابر: ليراني الجهال. وإلا؛ فالثوبان أفضل؛ لما سبق ". انتهى. وقال أبو زرعة في " طرح التثريب " (٢/٢٣٩): " واستُدل به على أن الصلاة في ثوبين أفضل لمن قدر على ذلك؛ لأنه عليه الصلاة
[ ١ / ١٦٤ ]
_________________
(١) والسلام أشار إلى أن المعنى في ذلك ضِيْقُ الحال، وعجز بعض الناس عن ثوبين؛ فدلَّ على أن الأكمل ثوبان؛ ولهذا قال عمر ﵁: إذا وسع الله عليكم؛ فأوسعوا. ولا خلاف في ذلك - كما صرح به القاضي عياض وغيره - ". (فائدة): قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على " الترمذي " (٢/ ١٦٨ - ١٦٩) - بعد ذكر هذا الحديث، وحديث جابر المتقدم -: " وقد فرَّع الفقهاء هنا فروعًا كثيرة، وتجد العلماء ينكرون على من يصلي في بعض ثيابه ويدع بعضها، وخصوصًا من يصلي مكشوف الرأس؛ يزعمون الكراهة! ولا دليل لهم على هذا. ومن البديهي أن من يصلي في ثوب واحد - يشتمل به أو يتزر -؛ لا يكون على رأسه عمامة، ولم يرد أي حديث - فيما نعلم - يدل على كراهة الصلاة مكشوف الرأس ". قلت: ذكر الشعراني في " كشف الغمة " (١/٧٠): وكان ﷺ يأمر بستر الرأس في الصلاة بالعمامة أو القلنسوة، وينهى عن كشف الرأس في الصلاة، ويقول: " إذا أتيتم المساجد؛ فأتوها معصّبين ". والعصابة هي: العمامة ". اهـ. وهذه أخبار غريبة لم نجد لها أصلًا في شيء من الكتب التي عندنا! وكتاب الشعراني هذا مليء بمثل هذه الأخبار الغريبة، وبالأحاديث الضعيفة الواهية؛ فقد جمع فيه ما صح وما لم يصح عنه ﷺ من الأقوال والأفعال في سيرته ﷺ! لكن ما ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر من نفي كراهة كشف الرأس في الصلاة، واستدلاله بجواز الصلاة في الثوب الواحد؛ غير سديد؛ وذلك لأنا قد بَيَّنَّا - فيما سبق - أن الصلاة في الثوبين أفضل لمن وجد ذلك، فمن لم يفعل وصلى في ثوب واحد؛ فقد ارتكب الكراهة، فحديث أبي هريرة يفيد جوازًا مرجوحًا بالشرط المذكور، فكذلك من
[ ١ / ١٦٥ ]
_________________
(١) صلى مكشوف الرأس وعنده ما يستره؛ فهو مكروه، ومن لا؛ فلا. هذا يقال فيما إذا كانت الأخبار الواردة في الصلاة في الثوب الواحد تشمل حتى صلاة مكشوف الرأس كما يريد الشيخ المذكور أن يفهم ذلك منها. ونحن نخالفه في ذلك، ونزعم أن تلك الأحاديث لا تتعرض لكشف الرأس مطلقًا؛ بل لستر ما دونه من البدن؛ وذلك لأن المعهود من سيرته ﷺ أنه كان يتعمم، أو يَتَقَلْنَسُ، وكذلك كان أصحابه، فلو أنه ﷺ حينما صلى في الثوب الواحد صلى مكشوف الرأس؛ لذكر ذلك من روى صلاته تلك، لا سيما وهم جمع غفير - كما سبق -، فعدم روايتهم لذلك دليل على أنه صلى صلاته المعتادة؛ إلا فيما ذكروه من اقتصاره ﷺ في الثوب الواحد لبدنه. ومثل هذا الأمر لا يقال فيه: إن الأصل العدم، فمن ادعى الثبوت؛ فعليه الإثبات! لأننا بيَّنا أن المعتاد منه ﷺ ستر الرأس؛ فالأصل هنا ثابت، فمن ادعى خلافه؛ فعليه الدليل ولو كان نافيًا، وليس مَن نفى لا يطالب بالدليل دائمًا - كما هو مقرر في موضعه -، فثبت بذلك أن هديه ﷺ الصلاةُ مستورَ الرأس (*) . وقد قال ﷺ: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". فأقل ما يستفاد من مجموع الفعل والأمر الاستحباب، وعكسه الكراهة، ويؤيد ذلك أنه ﷺ قد أمر بالصلاة في النعلين مخالفةً لليهود - كما سبق في محله -، فالقياس، وعموم النصوص الناهية عن التشبه بالكفار - لا سيما في عبادتهم -، كل ذلك يقتضي كراهة الصلاة حاسر الرأس؛ لأن ذلك من التشبّه بالنصارى حينما يقومون في عبادتهم حاسرين - كما هو مشهور عنهم -، فهل المخالفة في الأرجل أقوى، أم في الرؤوس؟! هذا ما ظهر لي في هذا المقام. والله تعالى هو الموفق. (*) وانظر " تمام المنة " (ص ١٦٤)؛ ففيه مزيد بيان.
[ ١ / ١٦٦ ]
وقال له آخر (١):
" إني أصيد (٢)؛ أفأصلي في القميص الواحد؟ قال:
_________________
(١) هو سلمة بن الأكوع. أخرجه عنه أبو داود (١/١٠٢)، والطحاوي (١/٢٢٢)، والحاكم (١/٢٥٠)، والبيهقي (٢/٢٤٠) من طريق عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيّ: ثنا موسى بن إبراهيم عنه. وقد تابعه عَطَّاف بن خالد المخزومي عن موسى. أخرجه النسائي (١/١٢٤)، وأحمد (٤/٤٩)، وصرح موسى بسماعه من سلمة في رواية عنده. وكذا أخرجه البخاري في " تاريخه "، وكذلك صرح في رواية الحاكم. وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان في " صَحيحَيهِما " - كما في " الفتح " و" التهذيب " -. وأخرجه الشافعي في " الأم " (١/٧٨) من الطريقين فقال: أخبرنا العطاف بن خالد وعبد العزيز بن محمد الدراوردي عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة به. وهذا سند حسن - كما قال في " المجموع " (٣/٤ و١١٠) -؛ موسى هذا: قال ابن المديني: " وسط ". وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال الحاكم: " صحيح ". ووافقه الذهبي.
(٢) إنما ذكر الصيد لأن الصائد يحتاج أن يكون خفيفًا؛ ليس عليه ما يشغله عن الإسراع في طلب الصيد. قاله ابن الأثير في شرحه لـ " المسند " [يعني: " مسند الشافعي "]- كما في " النيل " (٢/٦١) -. =
[ ١ / ١٦٧ ]
" نعم، وزُرَّهُ (١) ولو بشوكة " ".
_________________
(١) = ثم أخرجه البخاري عن إسماعيل بن أبي أُوَيْس عن أبيه عن موسى بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة. زاد في الإسناد رجلًا. قال الحافظ: " فاحتمل أن يكون من المزيد في متصل الأسانيد، أو يكون التصريح في رواية عطاف وهمًا؛ فهذا وجه النظر في إسناده - يعني الذي قاله البخاري في " صحيحه "؛ وقد ذكر الحديث معلقًا، وقال: في إسناده نظر. ثم قال: -، وأما من صححه؛ فاعتمد رواية الدراوردي، وجعل رواية عطاف شاهدة؛ لاتصالها ". اهـ.
(٢) بتقديم المعجمة على المهملة المشددة؛ من باب (نَصَرَ) والمراد: ربِّطْ جيبه؛ لئلا تظهر عورتك، ثم صلِّ فيه. " سِنْدِي ". قلت: وأما ما أخرجه الحاكم (١/٢٥٠)، وعنه البيهقي (٢/٢٤٠) من طريق الوليد ابن مسلم: ثنا زهير بن محمد التميمي: ثنا زيد بن أسلم قال: رأيت ابن عمر يصلي محلول إزارِه، فسألته عن ذلك؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. قال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا؛ لكن قال البيهقي: " تفرد به زهير بن محمد، وبلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال: سألت محمدًا - يعني: البخاري - عن حديث زهير هذا؟ فقال: أنا أتقي هذا الشيخ؛ كأن حديثه موضوع، وليس هذا عندي زهير بن محمد، وكان أحمد بن حنبل يضعف هذا الشيخ، ويقول: هذا شيخ ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه. وأشار البخاري إلى بعض هذا في " التاريخ "، وروى ذلك عن ابن عمر من أوجه دون السند ". اهـ.
[ ١ / ١٦٨ ]
_________________
(١) والحديث رواه ابن خزيمة في " صحيحه " عن الوليد بن مسلم عن زيد. كذا ذكره في " الترغيب " (١/٤٢)، وأورده في " المجمع " (١/١٧٥)، فقال: "رواه البزار، وأبو يعلى. وفي إسنادهما عمرو بن مالك، ذكره ابن حبان في " الثقات "؛ قال: يغرب ويخطئ ". اهـ. قلت: وهو الراسبي، وهو ضعيف - كما في " التقريب " -، وهو من شيوخ الترمذي؛ فهو متأخر الطبقة عن الوليد بن مسلم، وقد روى عنه؛ فلعل هذا الحديث من روايته عنه، فإن كان كذلك؛ فقد تابعه صفوان بن صالح في رواية الحاكم، وهو ثقة؛ كما في " التقريب "، قال: " وكان يدلس تدليس التسوية ". قلت: وقد صرح بسماعه من الوليد، وكذلك صرح سائر الرواة بسماع بعضهم من بعض - كما رأيت -؛ فلا علة للحديث؛ إلا إن صح ما قاله البخاري وأحمد في زهير بن محمد. والقصد: أن هذا الحديث محمول على أن القميص كان ضيق الجيب بحيث لا ترى منه العورة، أو أنه لم يكن وحده؛ بل كان تحته ثوب آخر. والله أعلم. واختلف العلماء في الذي يصلي في قميص واسع الجيب بحيث تُرى عورتُه منه؛ فذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الصلاة باطلة لا تجزئه، وهو نصه في " الأم " (١/٧٨) . وعند أبي حنيفة ومالك: تصح صلاته؛ كما لو رآها غيره من أسفل ذيله - كما في " المجموع " للنووي (٣/١٧٤ - ١٧٥) -.
[ ١ / ١٦٩ ]
وكان يصلي في مِرْطٍ بعضُه على زوجه وهي حائض (١) .
وكان يصلي في الثوب الذي يصيب فيه أهله إذا لم يَرَ فيه أذىً (٢) .
وكان يصلي المغرب في فَرُّوج من حرير - وهو القَباء -، فلما قضى
صلاته؛ نزعه نزعًا شديدًا كالكاره له، ثم ألقاه، ثم قال:
" لا ينبغي هذا للمتقين " (٣) .
وقد " صلى في خَمِيْصَةٍ (٤) لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما
انصرف؛ قال:
" اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني بأنْبِجَانِيَّة (٥) أبي
جهم؛ فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي (وفي رواية: فإني نظرتُ إلى عَلَمِها
في الصلاة، فكاد يفتنني) " " (٦) .
_________________
(١) [أخرجه] مسلم (٢/٦١)، وأبو داود (١/٦١)، وابن ماجه (١/٢٣٤)، والدارمي (١/١٨٨)، والبيهقي (٢/٢٣٩) .
(٢) [أخرجه] أبو داود (١/٦١) .
(٣) [أخرجه] البخاري (١/٣٨٥ و١٠/٢٢٢)، [ومسلم]، والنسائي (١/١٢٥)، وأحمد (٤/١٤٣ و١٤٩ و١٥٠) .
(٤) ﴿ثوب خزّ أو صوف معلّم﴾ .
(٥) كساء غليظ لا عَلَم له.
(٦) ﴿[أخرجه] البخاري، ومسلم، ومالك. وهو مخرج في " الإرواء " (٣٧٦)﴾ .
[ ١ / ١٧٠ ]