وكان ﷺ - كما أمره الله تعالى - يرتل القرآن ترتيلًا؛ لا هَذًّا، ولا
عَجَلَةً؛ بل قراءة " مفسرة؛ حرفًا حرفًا (١) " (٢)، حتى " كان يرتل السورة؛
حتى تكون أطولَ مِنْ أطولَ منها (٣) " (٤) .
_________________
(١) أي: كلمة كلمة. يعني: مرتلة محققة مبينة. كما في " شرح الشمائل ".
(٢) هو من حديث أم سلمة ﵂. وقد سبق تخريجه، وذكرنا ألفاظه، والاختلاف الواقع في سنده ولفظه في (القراءة آيةً آيةً) [ص ٢٩٣ - ٢٩٧] .
(٣) أي: حتى تصير السورة القصيرة كـ: ﴿الأَنْفَال﴾ مثلًا - لاشتمالها على الترتيل - أطول من طويلة خلت عنه كـ: ﴿الأَعْرَاف﴾ . وفيه ندب ترتيل القراءة في الصلاة، وهو إجماع. كذا في " شرح الشمائل " للمناوي. وقد اختلف العلماء في أيهما الأفضل: الترتيل وقلة القراءة، أو: السرعة مع كثرة القراءة؟ على قولين؛ فذهب إلى الأول: ابن مسعود، وابن عباس، واختاره ابن سيرين. وذهب إلى الآخر: الشافعية، واحتجوا بقوله ﷺ: " من قرأ حرفًا من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها ". الحديث. وقد مضى في (القراءة) من التعليق [ص ٣٦٨] . وجمع بين القولين ابن القيم في " الزاد " (١/١٢٥)، وتبعه الحافظ في " الفتح " (٩/٧٣)؛ فقالا - واللفظ للحافظ -: " والتحقيق: أن لكل من الإسراع والترتيل جهةَ فَضْلٍ؛ بشرط أن يكون المسرع لا يخلُّ بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات؛ فلا يمتنع أن يفضُل أحدهما الآخر، وأن يستويا؛ فإن من رَتّلَ وتأمل؛ كمن تصدق بجوهرة واحدة مُثَمَّنَةٍ، ومن أسرع؛ كمن تصدق بعدة جواهر، لكن قيمتها قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثرَ من قيمة الأُخريات، وقد يكون بالعكس ". اهـ.
(٤) هو من حديث حفصة زوج النبي ﷺ؛ أنها قالت:
[ ٢ / ٥٦٢ ]
وكان يقول: " يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارْتَقِ، ورتل كما كنت ترتل
في الدنيا؛ فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها (١) " (٢) .
_________________
(١) ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في سُبْحَتِه قاعدًا قط، حتى كان قبل وفاته بعام؛ فكان يصلي في سبحته قاعدًا، ويقرأ بالسورة؛ فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. أخرجه مالك (١/١٥٧) عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المُطَّلِب بن أبي وَدَاعة السَّهْمي عنها. ومن طريقه أخرجه مسلم (٢/١٦٤)، والنسائي (١/٢٤٥)، والترمذي في " السنن " (٢/٢١١ - ٢١٢) وفي " الشمائل " (٢/٩٩)، والبيهقي (٢/٤٩٠)، وأحمد (٦/٢٨٥)، وكذا الإمام محمد (١١٢)؛ كلهم عن مالك به. ثم أخرجه مسلم، وأحمد من طريق مَعْمَر عن الزهري به. تقدم في (القيام) . (لطيفة): في هذا الإسناد ثلاثة صحابة في نسق واحد؛ يروي بعضهم عن بعض: السائب، والمطلب، وحفصة.
(٢) قلت: جاء في الأثر: إن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة، يقال للقارئ: ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي الكتاب. فمن استوفى قراءة جميع القرآن؛ استولى على أقصى درج الجنة (*)، ومن قرأ جزءًا منها؛ كان رقيُّهُ في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة. كذا في " المعالم " (١/٢٨٩ - ٢٩٠) للإمام الخطابي.
(٣) هو من حديث عبد الله بن عمرو ﵁. أخرجه أبو داود (١/٢٣١)، والترمذي (٢/١٥٠ - طبع بولاق)، وابن نصر (٧٠)، والحاكم (١/٥٥٢ - ٥٥٣)، والبيهقي (٢/٥٣)، وأحمد (٢/١٩٢)، والمقدسي في (*) وهو (منكر) مخرّج في " الضعيفة " (٣٨٥٨) .
[ ٢ / ٥٦٣ ]
_________________
(١) " المختارة " عن عاصم بن أبي النَّجُود عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ عنه. وهذا سند حسن. وقال الترمذي: " حسن صحيح ". والحاكم: " صحيح ". ووافقه الذهبي. ورواه أيضًا ابن حبان في " صحيحه "؛ كما في " الترغيب " (٢/٢٠٨)، وعزاه لابن ماجه أيضًا، ولم أجده عنده، ولم ينسبه إليه صاحب " الذخائر "؛ وإنما هو عنده من حديث أبي سعيد الخدري (٢/٤١٥ - ٤١٦) من طريق عطية عنه. وعطية: صدوق يخطئ كثيرًا - كما في " التقريب " -؛ فهو في الشواهد لا بأس به. ومن شواهده: ما أخرجه أحمد (٢/٤٧١) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد - شك الأعمش - قال: يقال: فذكره بنحوه. هكذا هو في " المسند " موقوف، وله حكم المرفوع، وسنده صحيح على شرط الشيخين. والشك الواقع فيه لا يضره؛ لأنه متردد بين صحابيين. وليس فيه ذكر الترتيل كحديث أبي سعيد. ومنها: عن بُرَيْدة بن الحُصَيْب. أخرجه أحمد أيضًا (٥/٣٤٨) من طريق بَشِير بن المهاجر: ثني عبد الله بن بُريدة عن أبيه بُريدة أثناء حديثٍ بلفظ: " واصعد في درج الجنة وغرفها. فهو في صعود ما دام يقرأ؛ هَذًّا كان أو ترتيلًا ". قال الهيثمي (٧/١٥٩): " ورجاله رجال " الصحيح " ".
[ ٢ / ٥٦٤ ]
و" كان يمد قراءته (١) (عند حروف المد)؛ فيمد ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ويمد
﴿الرَّحْمَنِ﴾ (٢)، ويمد ﴿الرَّحِيمِ﴾، و﴿نَضِيدٌ﴾ (٥٠: ٤٥) وأمثالها " (٣) .
_________________
(١) قلت: وهو كما قال. لكن بشيرًا هذا: [صدوق] لين الحديث - كما قال في " التقريب " -.
(٢) قال السندي: " أي: يطيل الحروف الصالحة للإطالة؛ يستعين بها على التدبر، والتفكر، وتذكير من يتذكر ".
(٣) أي: يمد الألف بعد الميم، والياء بعد الحاء. ولا يخفى أن المد في كل من الاسمين الشريفين - وَصْلًا - لا يُزَادُ على قدر (ألف)، وهو المسمى بـ: المد الأصلي والذاتي والطبيعي، ووقفًا متوسطًا أيضًا، فيمد قدر ألِفَين، أو يطول قدر ثلاث لا غير، وهو المسمى بـ: المد العارض، وعلى هذا القياسُ. وتفصيلُ أنواع المد محله كتب القراءة. وأما ما ابتدعه قراء زماننا - حتى أئمة صلاتنا - أنهم يزيدون على المد الطبيعي إلى أن يصل قدر أَلِفَيْنِ وأكثر ربما يقصرون المد الواجب! فلا مد الله في عمرهم، ولا أمد في أمرهم. كذا في " شرح الشمائل " للشيخ علي القاري.
(٤) هو من حديث أنس ﵁. قال قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي ﷺ؟ فقال: كان يمد مدًا. أخرجه البخاري في " صحيحه " (٩/٧٤) وفي " أفعال العباد " (٨١)، وأبو داود (١/٢٣١)، والنسائي (١/١٥٧)، والترمذي في " الشمائل " (٢/١٣٧ - ١٣٨)، والبيهقي (٢/٥٢)، وأحمد (٣/١١٩ و١٢٧ و١٩٨) عن جرير بن حازم الأزدي عنه.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وكان يقف على رؤوس الآي - كما سبق بيانه - (١) .
_________________
(١) وفي لفظ لأحمد (٣/١٣١ و١٩٢ و٢٨٩): كان يمد صوته مدًا. وكذا أخرجه الإسماعيلي، وأبو نُعيم، وابن أبي داود، وفي رواية له: كان يمد قراءته. وأفاد أنه لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا جرير بن حازم وهَمَّام بن يحيى - كما في " الفتح " -. وزاد البخاري في روايته: ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ يمدُّ بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ويمد: ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ويمد: ﴿الرَّحِيمِ﴾ . ثم قال الحافظ: " وأخرج ابن أبي داود من طريق قطبة بن مالك: سمعت رسول الله ﷺ قرأ في الفجر: ﴿ق﴾، فمر بهذا الحرف: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ فمدَّ: ﴿نَضِيدٌ﴾ . وهو شاهد جيد لحديث أنس. وأصله عند مسلم، والترمذي، والنسائي من حديث قطبة نفسه ". قلت: وقد مضى في القراءة في الفجر بدون قوله: فمدَّ: ﴿نَضِيدٌ﴾ . وقد أخرجه البخاري في " أفعال العباد " (٨١) بلفظ: يمد بها صوته. وسنده صحيح على شرطهما.
(٢) في (القراءة آية آية) (ص ٢٩٣ - ٢٩٧) .
[ ٢ / ٥٦٦ ]
و" كان أحيانًا يُرَجِّعُ (١) صوته؛ كما فعل يوم الفتح وهو على ناقته، يقرأ
سورة ﴿الفَتْحِ﴾ (٤٨: ٤٩) [قراءة لينة] " (٢) . وقد حكى عبد الله بن مغفل
ترجيعه هكذا: (آآ آ) .
_________________
(١) مِن: التَّرْجِيْع. قال الحافظ: " هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله: الترديد. وترجيع الصوت: ترديده في الحلق ". اهـ. وقال المناوي: " وذلك ينشأ غالبًا عن أَرْيحِيَّةٍ وانبساط، والمصطفى ﷺ حصل له من ذلك حظ وافر يوم الفتح ".
(٢) هو من حديث عبد الله بن مُغَفَّل ﵁. رواه عنه معاوية بن قُرَّة قال: سمعت عبد الله بن مغفل قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة ﴿الفَتْحِ﴾؛ يُرَجِّعُ. وقال (معاوية): لولا أن يجتمع الناس حولي؛ لرَجَّعْتُ كما رَجَّعَ. أخرجه البخاري (٨/١١ و٤٧٤ و٩/٧٥ و١٣٠ و٤٤١) وفي " خلق أفعال العباد " (ص ٨١)، ومسلم (٢/١٩٣)، وأبو داود (١/٢٣١)، والترمذي في " الشمائل " (٢/١٤١ - ١٤٢)، والبيهقي (٢/٥٣)، وأحمد (٤/٨٥ - ٨٦ و٥/٥٤ و٥٥ و٥٦) من طريق شعبة عنه. واللفظ للبخاري. وفي رواية له - وهي رواية البيهقي -: وهو يقرأ سورة ﴿الفَتحِ﴾ قراءة لينة. وزاد في رواية أخرى، وكذا أحمد: فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: آآ آ. ثلاث مرات.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
_________________
(١) وقد تابعه سعيد عن معاوية. أخرجه ابن نصر (٥٤) بدون الزيادة. قال الحافظ: " وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع؛ فأخرج الترمذي في " الشمائل "، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي داود - واللفظ له - من حديث أم هانئ: كنت أسمع صوت النبي ﷺ وهو يقرأ، وأنا نائمة على فراشي؛ يُرَجِّعُ القرآن ". قلت: وهكذا أخرجه الطحاوي (١/٢٠٣) من طريق قيس بن الربيع عن هلال بن خَبَّاب عن يحيى بن جعدة عنها. وسنده حسن. وهو عند الثلاثة الأولين من طرق عن هلال به؛ دون قوله: يرجِّع القرآن. وقد مضى في (التعليق) قبيل (صلاة الفجر) [ص ٤٢٢] . ورواه ابن نصر (٥٤)، وفيه الزيادة، ولكن مختصِره المقريزي لم يسق إسناده. قال الحافظ في شرح قوله: (آآ آ): " بهمزة مفتوحة، بعدها ألف ساكنة، ثم همزة أخرى ". ثم ذكر (١٣/٤٤٢) نحوه عن القرطبي. ونقل القاري مثله عينه ميرك شاه، ثم قال: " والأظهر أنها ثلاث ألفات ممدودات ". ثم قال الحافظ: " ثم قالوا: يحتمل أمرين؛ أحدهما: أن ذلك حدث من هَزِّ الناقة. والآخر: أنه أشبع المد في موضعه؛ فحدث ذلك. وهذا الثاني أشبه بالسياق؛ فإنَّ في بعض طرقه: لولا أن يجتمع الناس؛ لقرأت لكم بذلك اللحن. أي: النغم ". قال القرطبي:
[ ٢ / ٥٦٨ ]
_________________
(١) " وقوله هذا يشير إلى أن القراءة بالترجيع تجمع نفوس الناس إلى الإصغاء، وتستميلها بذلك، حتى لا تكاد تصبر عن استماع الترجيع المَشُوْبِ بلذة الحكمة المهُِيمة ". ثم قال الحافظ: " والذي يظهر أن في الترجيع قدرًا زائدًا على الترتيل؛ فعند ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن علقمة قال: بتُّ مع عبد الله بن مسعود في داره، فنام، ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حَيِّه؛ لا يرفع صوته، ويُسْمعُ من حوله، ويرتل ولا يرجِّع. وقال الشيخ أبو محمد ابن أبي جمرة: معنى الترجيع: تحسين التلاوة.. لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة ". قال الشيخ القاري (٢/١٤٢ - ١٤٣): " ومن تأمل أحوال السلف؛ علم أنهم بريئون من التصنع في القراءة بالألحان المخترعة، دون التطريب، والتحسين الطبيعي؛ فالحق أن ما كان منه طبيعة وسجيَّة؛ كان محمودًا - وإنْ أعانته طبيعته على زيادة تحسين وتزيين -؛ لِتأثُّرِ التالي والسامع به. وأما ما فيه تكلف وتصنع بتعلم أصوات الغناء وألحان مخصوصة؛ فهذه هي التي كرهها السلف والأتقياء من الخلف ". (تنبيه): وأما الحديث الذي أخرجه الترمذي في " الشمائل " (٢/١٤٣) عن حُسام ابن مِصَكٍّ عن قتادة قال: ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم حسن الوجه حسن الصوت، وكان لا يرجع. فهو مع انقطاعه؛ فإن حسامًا هذا: ضعيف يكاد أن يترك - كما في " التقريب " -. قال في " الميزان ": " ومن مناكيره هذا الخبر ".
[ ٢ / ٥٦٩ ]
وكان يأمر بتحسين الصوت بالقرآن؛ فيقول:
" زينوا القرآن بأصواتكم؛ [فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا] " (١) .
_________________
(١) هو من حديث البراء. أخرجه البخاري في " أفعال العباد " (٧٩ - ٨٠)، وأبو داود (١/٢٣١)، والنسائي (١/١٥٧)، والدارمي (٢/٤٧٤)، وابن ماجه (١/٤٠٤)، وابن نصر (٥٤)، ﴿وتمام الرازي [١/١٣٠/٣٠٠]﴾، والحاكم (١/٥٧١ - ٥٧٥)، والبيهقي (٢/٥٣)، والطيالسي (١٠٠)، وأحمد (٢٨٣ و٢٨٥ و٣٠٤) من طرق عن طلحة بن مُصَرِّف قال: سمعت عبد الرحمن ابن عوسجة قال: سمعت البراء بن عازب به. وهذا سند صحيح. وقد علقه البخاري في " صحيحه " (١٣/٤٤٤) مجزومًا به، وذكر الحافظ أن ابن خزيمة وابن حبان أخرجاه أيضًا في " صحيحيهما " من هذا الوجه. وذكر الحافظ العراقي (١/٢٥١) أن الحاكم صححه. وليس في نسختنا من " المستدرك " تصريحه بالتصحيح، وإنما أكثر في سَرْدِ طرقه عن طلحة وغيره. وقد أخرجه هو (١/٥٧٥) (*)، والخطيب في " تاريخه " (٤/٢٦١) من طريق محمد ابن بكار: ثنا قيس بن الربيع عن زُبَيد بن الحارث عن عبد الرحمن بن عوسجة به. وهذا سند جيد. وله طرق أخرى؛ فأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضمعج عن البراء به. وهذا سند صحيح. ثم أخرجه من طريق أبي مريم عبد الغفار بن القاسم عن عدي بن ثابت عنه. (*) وليس هو كذلك في " إتحاف المهرة " لابن حجر في نقله عن " المستدرك "؛ فانظر (٢/٤٧٤ - ٤٧٨) .
[ ٢ / ٥٧٠ ]
_________________
(١) وأبو مريم: متروك. وله طريق رابع: أخرجه الدارمي، ومن طريقه الحاكم عن زاذان أبي عمر عنه به. بلفظ: " حسنوا ". والباقي مثله؛ وفيه الزيادة. وسنده صحيح. رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. وللحديث شواهد: منها: عن أبي هريرة. علقه البخاري في " أفعال العباد " (٨٠): عن سهيل عن أبيه عنه. وقد أخرجه ابن حبان في " صحيحه ". ومنها: عن ابن عباس. رواه الطبراني بإسنادين. وفي أحدهما عبد الله بن خِرَاش: وثقه ابن حبان، وقال: " ربما أخطأ ". ووثقه البخاري وغيره. وبقية رجاله رجال " الصحيح " -. كذا في " المجمع " (٧/١٧٠) -. وفي " التقريب " أن ابن خِرَاش: " ضعيف ". وقال في " الفتح ": " أخرجه الدارقطني في " الأفراد " بسند حسن ". ومنها: عن عبد الرحمن بن عوف. أخرجه البزار بسند ضعيف. ومنها: عن ابن مسعود. أخرجه ابن نصر، وأبو نعيم في " الحلية " (٤/٢٣٦)، والطبراني من طريق سعيد بن زَرْبِيّ: ثنا خالد عن إبراهيم عن علقمة قال:
[ ٢ / ٥٧١ ]
_________________
(١) كنت رجلًا قد أعطاني الله حُسن الصوت بالقرآن، فكان عبد الله يستقرئني، ويقول لي: فداك أبي وأمي! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن حسن الصوت تزيينٌ للقرآن ". وروى البزار المرفوع منه. وسعيد بن زَرْبِيّ: ضعيف - كما قال الهيثمي -. ومنها: عن ابن عباس أيضًا بلفظ: " لكل شيء حلية، وحلية القرآن حسن الصوت ". أخرجه الطبراني في " الأوسط ". وفيه إسماعيل بن عمرو البَجَلي، وهو ضعيف. ومنها: عن أنس مثله. أخرجه البزار. وفيه عبد الله بن مُحَرَّر، وهو متروك - كما في " المجمع "، و" التقريب " -. (تنبيه): اعلم أن لفظ حديث ابن عباس الأول: " زينوا أصواتكم بالقرآن ". على القلب (١) . وهو رواية الحاكم في حديث البراء من طريق معمر عن الأعمش عن طلحة، ومن طريق سفيان عن منصور عن طلحة. ورواه غيرهما عن الأعمش ومنصور بلفظ الكتاب. وهو الصواب؛ كما في رواية
(٢) ﴿وهو خطأ بَيِّنٌ رواية ودراية. ومن صححه؛ فهو أغرق في الخطأ؛ لمخالفته للروايات الصحيحة المفسرة في الباب؛ بل هو مثال صالح للحديث المقلوب. وبيان هذا الإجمال في " الأحاديث الضعيفة " (٥٣٢٦) [و" صحيح الترغيب والترهيب " (٢/١٧٦ - ١٧٧)]﴾ .
[ ٢ / ٥٧٢ ]
_________________
(١) جميع من رواه عن طلحة، وكذلك هو في الطرق الأخرى والشواهد. قوله: " زينوا القرآن بأصواتكم "؛ أي: قراءته بأصواتكم؛ أي: بتحسين أصواتكم عند القراءة؛ فإن الكلام الحسن يَزيد حُسنًا وزينةً بالصوتِ الحسن، وهذا مشاهد. كما قال السندي. وأما حمل الحديث على القلب؛ أي: زينوا أصواتكم بالقرآن. فمما لا ضرورة لهذا التأويل؛ إذ إنه خلاف الأصل، والرواية التي وردت على القلب شاذة؛ مخالفة لجميع روايات الثقات - كما سبق -. وهي أيضًا تنافي الزيادة المذكورة: " فإن الصوت الحسن يزيدُ القرآنَ حسنًا ". فإنها تعلل الأمر بتحسين الصوت عند قراءة القرآن، وهو أنه يزيد القرآن حسنًا؛ فالزينة للقرآن لا للصوت، خلافًا لما قاله المناوي. ويشهد لذلك أيضًا حديث أنس، وابن عباس - وأحدهما يقوي الآخر -: " لكل شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن " (*) . قال الشيخ علي القاري: " يعني: كما أن الحُلَلَ والحُلِيَّ يزيد الحسناء حسنًا، وهو أمر مشاهد؛ فدلَّ على أن رواية العكس - ويعني: " زينوا أصواتكم بالقرآن " - محمولة على القلب، لا العكس. فتدبر. ولا منع من الجمع ". اهـ. قال في " فيض القدير ": " وفي أدائه بحسن الصوت وجودة الأداء بَعْثٌ للقلوب على استماعه وتدبره والإصغاء إليه. قال التُّورْبِشْتي: هذا إذا لم يخرجه التغني عن التجويد، ولم يصرفه عن مراعاة النظم في الكلمات والحروف، فإن انتهى إلى ذلك؛ عاد الاستحبابُ كراهةً. (*) جزم الشيخ في " الضعيفة " (٤٣٢٢) بأنه ضعيف. وانظر هنا (ص ٥٧٢) .
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وكان يقول:
" لله أشد أَذَنًَا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن؛ [يجهر به] من صاحب
القينة " (١)
_________________
(١) وأما ما أحدثه المتكلفون بمعرفة الأوزان والموسيقى؛ فيأخذون في كلام الله مأخذهم في التشبيب والغزل؛ فإنه من أسوأ البدع، فيجب على السامع النكير، وعلى التالي التعزير. وأخذ جمع من الصوفية منه ندب السماع من حَسَن الصوت، وتُعقب بأنه قياس فاسد، وتشبيه للشيء بما ليس مثله، وكيف يشبه ما أمر الله به بما نهى عنه؟! ". انتهى.
(٢) هو من حديث فضالة بن عبيد (*) . أخرجه الحاكم (١/٥٧١)، وأحمد (٦/١٩) من طريق الوليد بن مسلم: ثني أبو عَمْرو الأوزاعي: ثني إسماعيل بن عُبيد الله بن أبي المهاجر عنه به. وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". وتعقبه الذهبي بقوله: " بل هو منقطع ". قلت: لكن وصله ابن ماجه (١/٤٠٣)، وابن نصر (٥٤)، وأحمد أيضًا (٦/٢٠) من طرق عن الوليد: ثنا الأوزاعي: ثنا إسماعيل بن عبيد الله عن مَيْسَرة مولى فضالة عن فضالة به. والزيادة لابن ماجه. وهكذا علقه البخاري في " أفعال العباد " (٧٩) مجزومًا؛ فقال: " وقال ميسرة مولى فَضَالة عن فَضَالة به ". ولكن ميسرة هذا ما روى عنه سوى إسماعيل هذا - كما في " الميزان " -، ولم يوثقه (*) هذا الحديث ضرب عليه الشيخ ﵀ في الأصل، وأبقى تخريجه مشيرًا في نهايته إلى ضعفه، وقد رأينا إثباته مع تخريجه بهذه الصورة، ودون حذف المتن؛ مكتفين بجعله دون تسويد.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
ويقول:
" إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن: الذي إذا سمعتموه يقرأ؛
حسبتموه يخشى الله " (١)
_________________
(١) غير ابن حبان؛ فهو في عداد المجهولين. ولذلك قال في " التقريب ": " مقبول ". يعني: إذا توبع في روايته. ولَمَّا لم نجد له متابعًا، ولا لحديثه شاهدًا؛ ضربنا عليه، وحكمنا بضعفه - وإن حسنه صاحب " الزوائد " -. والله أعلم.
(٢) هو حديث صحيح. جاء من وجوه مختلفة؛ مرسلًا وموصولًا. أما المرسل؛ [فأخرجه ﴿ابن المبارك في " الزهد " (١/١٦٢) " الكواكب " (٥٧٥)﴾ قال: ثنا يونس بن يزيد عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: فذكره نحوه] . وأخرجه الدارمي (٢/٤٧١) عن مِسْعَر عن عبد الكريم عن طاوس قال: سئل النبي ﷺ: أيُّ الناس أحسن صوتًا بالقرآن، وأحسن قراءة؟ قال: " من إذا سمعته يقرأ؛ أُرِيْتَ أنه يخشى الله ". قال طاوس: وكان طَلْقٌ كذلك. وعبد الكريم هذا هو: ابن أبي المخارق، أبو أُمية المُعَلّم؛ ضعيف - كما في " التقريب " -. وبقية رجاله رجال " الصحيحين ". وقد وصله أبو نعيم في " حلية الأولياء " (٤/١٩) من طريق إسماعيل بن عمرو: ثنا مِسْعَر بن كِدَام عن عبد الكريم المعلم عن طاوس عن ابن عباس ﵁ به. وقال: " غريب من حديث مِسْعَر؛ لم يروه عنه مرفوعًا موصولًا إلا إسماعيل ". قلت: وهو البَجَلي، وهو ضعيف. وله طريق أخرى عن طاوس.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
_________________
(١) أخرجه الطبراني، ومن طريقه أبو نعيم (٤/١٩) عن ابن لَهِيعة عن عمرو بن دينار عن طاوس به بلفظ: " إن أحسن الناس قراءة من إذا قرأ القرآن؛ يَتَحَزَّن ". قال في " المجمع " (٧/١٧٠): "وابن لَهيعة: حسن الحديث، وفيه ضعف ". وله عن ابن عباس طريق ثان. قال أبو نعيم (٣/٣١٧): ثنا محمد بن أحمد بن الحسن: ثنا عباس بن أحمد بن الحسن الوَشَّاء: ثنا أحمد بن عمر الوكيعي: ثنا قَبِيصة: ثنا سفيان عن ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عباس به نحو حديث مِسْعَر المرسل. وقال: " هذا حديث غريب من حديث الثوري عن ابن جريج عن عطاء، انفرد به أحمد عن قَبيصة ". قلت: أحمد هذا: ثقة من شيوخ مسلم، ومن فوقه متفق عليهم. وقد أخرجه المقدسي في " المختارة " عن أبي نُعَيم. وللحديث شواهد: منها: عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجَمِّع عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا بلفظ الكتاب. وفي " الزوائد ": " إسناده ضعيف؛ لضعف إبراهيم بن إسماعيل هذا ". اهـ. وقال الحافظ العراقي (١/٢٥٧): " سنده ضعيف ". ومنها: عن ابن عمر، وله منه طريقان: الأول: قال ابن نصر (٥٥): ثنا محمد بن يحيى: ثنا عمر بن عمر: أخبرنا مرزوق
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وكان يأمر بالتغني بالقرآن؛ فيقول:
" تعلَّموا كتاب الله، وتعاهدوه، واقتنوه، وتغنَّوا به؛ فوالذي نفسي بيده!
لهو أشد تفلتًا من المخاض في العقل (١) " (٢) . ويقول:
_________________
(١) أبو بكر عن الأحول عن طاوس عن ابن عمر به. وهذا سند حسن. رجاله ثقات معروفون؛ غير عمر بن عمر؛ فلم أجد من ذكره، ويغلب على الظن أنه عثمان بن عمر (*)؛ فتحرف على الناسخ أو الطابع، وذلك لأن عثمان هذا هو الذي يروي عن مرزوق، وعنه محمد بن يحيى هذا؛ وهو الذُّهْلي الحافظ. والطريق الآخر: أخرجه الخطيب (٣/٢٠٨) عن حُميد بن حَمّاد بن خُوَار: ثنا مِسْعَر بن كِدَام عن عبد الله بن دينار عنه. وحُميد هذا: لين الحديث - كما في " التقريب " -، ومن طريقه رواه الطبراني في " الأوسط "، والبزار. قال في " المجمع " (٧/١٧٠): " وبقية رجال البزار رجال الصحيح ". [ومنها: عن عائشة مرفوعًا نحوه: عند ﴿أبي نعيم في " أخبار أصبهان "﴾ (١/٥٨)] . فهذه شواهد وطرق يقوي بعضها بعضًا؛ فهو صحيح أو حسن لغيره، ولعله لذلك جزم البخاري به؛ - فعلقه في " أفعال العباد " (٨١) مجزومًا به.
(٢) ﴿المخاض: هي الإبل، والعُقُل: جمع عقال: وهو الحبل الذي يعقل به البعير﴾ .
(٣) ثبت ذلك في حديث عقبة بن عامر الجُهَني مرفوعًا. أخرجه الدارمي (٢/٤٣٩)، وابن نصر (٥٥ - ٥٦)، وأحمد (٤/١٤٧ و١٥٠ و١٥٣) من طرق عن موسى بن عُلَي بن رباح قال: (*) وهو الصواب، فهو في " مسند عبد بن حميد " (٨٠٢) على الصواب.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
_________________
(١) سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: مرفوعًا به. وهذا سند صحيح على شرط مسلم. وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة - كما في " الزاد " (١/١٩٣) -، وأبو عُبَيد، والنسائي في (كتاب فضائل القرآن) - كما قال ابن كثير (١١٨) -. وفي رواية له - أعني: النسائي، وكذا أحمد - من طريق قَبَاثِ بن رَزِين قال: سمعت عُلَيّ بن رَبَاح به بلفظ: كنا جلوسًا في المسجد نقرأ القرآن، فدخل رسول الله ﷺ، فسلّم علينا، فرددنا ﵇، ثم قال: الحديث. وهذا سند صحيح أيضًا. قال ابن كثير: " ففيه دلالة على السلام على القارئ ". قلت: وهذه فائدة عزيزة؛ قلما توجد في حديث. وفيه رد على من منع السلام على القارئ من علمائنا (*) . وفيه أيضًا استحباب رد القارئ السلام على من سَلَّم عليه. وقد استظهر النووي في " التبيان " (ص ٢٤) وجوب ذلك؛ قياسًا على وجوب الرد في حال الخطبة على الأرجح عند الشافعية. قلت: والأَوْلى الاحتجاجُ على ذلك بعموم الأدلة القاضية بوجوب رد السلام؛ كقوله ﵊: " حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام " الحديث. متفق عليه. (*) وانظر لمزيد فائدة تخريج هذا الحديث والكلام عليه في " السلسلة الصحيحة " (٣٢٨٥) .
[ ٢ / ٥٧٨ ]
_________________
(١) فهو عام يشمل كل سلام، إلا ما استثناه الدليل؛ كالسلام على المصلي، فإنه - وإن كان يُشرع السلام عليه؛ فإنه - لا يجوز رده إلا بالإشارة - كما سيأتي في الكتاب -. فالاحتجاج بهذا أولى من الاحتجاج بالقياس؛ لأن المقيس عليه - وهو الردُّ حالَ الخطبة - مختلَفٌ فيه بين العلماء، حتى عند الشافعية - كما يشير إليه كلام النووي نفسه -. وأما الاحتجاج بالعموم؛ فهو حجة عند جميع العلماء؛ إذا لم يعارضه نص خاص - كما في هذا المقام -؛ فكان الاحتجاج به أولى. والله أعلم. ثم أفاد النووي جواز عَوْدِ القارئ بعد رد السلام إِلى القراءة بدون تجديد الاستعاذة؛ " ولو أعاد التعوذ؛ كان حسنًا ". (تنبيه): قد رأيت ابن كثير عزا الحديث للنسائي في (كتاب الفضائل)، وكذلك صنع الشيخ النابلسي في " الذخائر "، ولا يوجد في " سنن النسائي الصغرى " - المعروف بـ: " المجتبى " - كتاب بهذا الاسم؛ فالظاهر أنه في " سننه الكبرى "، لكن النابلسي قد ذكر في مقدمة كتابه أنه إنما يُعزى إِلى " الصغرى " للنسائي دون " الكبرى " لقلة وجودها؛ فيوهم صنيعه أن هذا الحديث في " الصغرى " له. وليس كذلك. وكيف أورد الحديث الهيثمي في " المجمع " (٧/١٦٩) منسوبًا لأحمد، والطبراني، ولو كان في " السنن الصغرى "؛ لما أورده في " المجمع " - كما هو شأنه في كتابه هذا -؟! وليس هو بأول إِيهام من نوعه يقع من النابلسي، بل قد تكرر ذلك منه؛ كما هو معلق عندي على حاشية الكتاب في مواضع شتى، وفيه خطيآت أخرى؛ كان من الواجب قبل طبعه أن ينبه عليها!
[ ٢ / ٥٧٩ ]
" ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن " (١) .
_________________
(١) هو من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. أخرجه أبو داود (١/٢٣١)، وعنه البيهقي (٥٤)، والدارمي (٢/٤٧١)، وابن نصر
(٢) ، والطحاوي في " المشكل " (٢/١٢٧ - ١٢٨)، والحاكم (١/٥٦٩)، والطيالسي (ص ٢٨)، وأحمد (١/١٧٢ و١٧٥ و١٧٩) من طرق عن عبد الله بن أبي مُلَيكة عن عبيد الله بن أبي نَهِيك عنه به. وقال الحاكم: " صحيح ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. وصححه أيضًا أبو عوانة - كما في " الفتح " (٩/٥٧) -. وأخرجه الحاكم (١/٥٧٠) من طريق عمرو بن الحارث عن ابن أبي مُلَيكة: أنه حدثه عن ناس دخلوا على سعد بن أبي وقاص، فسألوه عن القرآن؟ فقال سعد: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره. قال الحاكم: " فهذه الرواية تدل على أن ابن أبي مُليكة لم يسمعه من راوٍ واحد؛ إنما سمعه من رواة لسعد ". قلت: وممن سمعه من سعد ورواه عنه ابنُ أبي مليكة: عُبيد الله بن أبي يزيد؛ قال: مَرَّ بنا أبو لُبابة، فاتبعناه حتى دخل بيته، فدخلنا عليه، فإذا رجل رثُّ البيت، رث الهيئة، فسمعته يقول: به. أخرجه أبو داود، وكذا الطحاوي (٢/١٢٩) من طريق عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مُليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي يزيد . وفيه زيادة: قال:
[ ٢ / ٥٨٠ ]
_________________
(١) فقلت: لابن أبي مُليكة: يا أبا محمد! أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يُحَسِّنُه ما استطاع. وإسناده حسن. وقال الحافظ (٩/٦٠): " صحيح ". كذا قال. وعبد الجبار بن الْوَرْدِ - قد قال هو نفسه في " التقريب " -: " صدوق يهم ". فمثله لا يجوز أن يصحح حديثه؛ غايته أن يكون حسن الحديث. ومنهم: عبد الرحمن بن الثائب قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص، وقد كف بصره، فسلمت عليه، فقال: من أنت؟ فأخبرته. فقال: مرحبًا يا ابن أخي! بَلَغَني أنك حسن الصوت بالقرآن، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن هذا القرآن نزل بِحَزَن، فإذا قرأتموه؛ فابكوا، فإن لم تبكوا؛ فتباكوا، وتغنَّوا به؛ فمن لم يتغن به؛ فليس منا ". أخرجه ابن ماجه (١/٤٠٢) من طريق أبي رافع عن ابن أبي مليكة عنه. وأبو رفع - اسمه: إسماعيل بن رافع -: ضعيف متروك - كما في " الزوائد ". وفي " التقريب ": " ضعيف الحفظ ". وقد أشار المنذري في " الترغيب " (٢/٢١٥) إلى ضعف الحديث. وعليه؛ فقول الحافظ العراقي (١/٢٤٩): " إسناده جيد ". غير جيد. وعبد الرحمن بن الثائب: لم أعرفه. وأخشى أن يكون وقع في اسم أبيه
[ ٢ / ٥٨١ ]
_________________
(١) تصحيف (*)، ولعله: ابن سابط؛ فإنهم ذكروه فيمن يروي عن سعد؛ لكن قال ابن معين: " لم يسمع منه ". وفي هذه الرواية أنه سمع منه. لكن الإسناد إليه لا يصح. والله أعلم. وللحديث شواهد: منها: عن ابن عباس. أخرجه الحاكم من طريق عُبيد الله بن الأخنس عن ابن أبي مُلَيكة عنه به. وقال: " إسناد شاذ ". ورواه أيضًا البزار، والطبراني؛ كما في " المجمع " (٧/١٧٠)، وقال: " ورجال البزار رجال " الصحيح " ". قلت: وكذلك رجاله عند الحاكم، إلا العباس بن محمد الدُّوري، وهو ثقة حافظ، وإنما حكم الحاكم بشذوذه؛ لأن كل من رواه من الثقات عن ابن أبي مُلَيكة جعله من (مسند سعد بن أبي وقاص)، فخالفهم عبيد الله بن الأخنس؛ فجعله من (مسند ابن عباس) . وعبيد الله هذا، وإن كان من رجال الشيخين؛ ففي حفظه ضعف. وفي " التقريب ": " صدوق. قال ابن حبان: يخطئ ". وقد تابعه عِسْلُ بن سفيان عند الحاكم، وقال: " ليس بمستبعد من عِسْل بن سُفيان الوهمُ، والحديث راجع إلى حديث سعد بن أبي وقاص ". (*) هو (السائب) كما في " تحفة الأشراف " (٣/٣٠٢/٣٩٠٠)، و" سنن ابن ماجه " (١٣٥٤) .
[ ٢ / ٥٨٢ ]
ويقول:
" ما أذن الله لشيء ما أَذِنَ (١) (وفي لفظ: كأَذَنِه) لنبي [حسن الصوت،
ــ
(وفي لفظ: حسن الترنم) (٢)] يتغنى بالقرآن؛ [يجهر به] " (٣) .
_________________
(١) ومنها: عن عائشة، وعن ابن الزبير. رواهما البزار بإسنادين ضعيفين. ومنها: عن أبي هريرة. أخرجه البخاري (١٣/٤٢٩ - ٤٣٠)، والطحاوي (٢/١٢٩)، والخطيب في " تاريخه " (١/٣٩٥) . " ولكن أخطأ بعض الرواة في لفظه، وإنما رواه أبو هريرة باللفظ المذكور بعد هذا - كما يأتي بيانه -.
(٢) قال الحافظ المنذري: " أذِن - بكسر الذال -؛ أي: ما استمع لشيء من كلام الناس كما استمع الله إلى من تغنى بالقرآن؛ أي: يُحسِّن به صوته. وذهب سفيان بن عيينة وغيره إلى أنه من الاستغناء، وهو مردود ".
(٣) انظر " الضعيفة " (٦٦٤٠) [و" ضعيف الترغيب والترهيب " (١/٤٣٨)] .
(٤) هو من حديث أبي هريرة ﵁. رواه عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، ورواه عنه خمسة من الثقات: الزهري، ويحيى بن أبي كثير، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وعمرو بن دينار. أما حديث الزهري: فأخرجه البخاري في " صحيحه " (٩/٥٦ و٥٧ و١٣/٣٩٢) وفي " أفعال العباد " (٧٩)، ومسلم (٢/١٩٢)، والنسائي (١/١٥٧)، والدارمي (٢/٤٧٢)، وابن نصر (٥٥)، والطحاوي في " المشكل " (٢/١٢٧)، ﴿وابن منده في " التوحيد "
[ ٢ / ٥٨٣ ]
_________________
(١) (٨١/١) = [١٧٣/٤٠٧]﴾، والبيهقي (٢/٥٤)، وأحمد (٢/٢٧١ و٢٨٥) من طرق عنه. ومن هذا الوجه أخرجه ابن جرير الطبري، وفيه الزيادة الأولى باللفظين - كما في " الفتح " (٩/٥٨) -. وإسناده صحيح - كما قال المنذري في " الترغيب " (٢/٤١٥) -، وزاد البخاري في رواية، والدارمي، وأحمد في آخر الحديث: وقال صاحبٌ له: يريد: " يجهر به ". قال الحافظ: " الضمير في (له) لأبي سلمة، والصاحب المذكور هو: عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب؛ بَيَّنَهُ الزُّبيَدي عن ابن شهاب في هذا الحديث. أخرجه ابن أبي يحيى الذُّهْلي في " الزُّهْريات " من طريقه بلفظ: " ما أذن الله بشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن ". قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن عن أبي سلمة: " يتغنى بالقرآن ": " يجهر به ". فكأن هذا التفسير لم يسمعه ابن شهاب من أبي سلمة، وسمعه من عبد الحميد عنه ". قلت: وهي زيادة ثابتة في غير رواية الزهري عن أبي سلمة - كما يأتي -. وأما حديث يحيى بن أبي كثير: فأخرجه مسلم بلفظ: " كأذنه " (*) .. بدل: " ما أذن ". وفيه الزيادة الثانية باللفظ الأول. وأما حديث محمد بن عمرو: فأخرجه مسلم، والدارمي (١/٣٤٩)، و﴿ابن (*) ﴿وابن منده في " التوحيد " [من طريقه بلفظ: " إِذْنَه "]﴾ .
[ ٢ / ٥٨٤ ]
_________________
(١) منده﴾، وأحمد (٢/٤٥٠) بلفظ يحيى تمامًا. وأما حديث محمد بن إبراهيم التيمي: فأخرجه البخاري (١٣/٤٤٤ - ٤٤٥) وفي " أفعال العباد " أيضًا، ومسلم، وأبو داود (١/٢٣١ - ٢٣٢)، والنسائي، و﴿ابن منده﴾، والبيهقي، وفيه الزيادة الأولى باللفظ الأول. وفيه أيضًا الزيادة الأخيرة. وأما حديث عمرو بن دينار: فرواه ابن أبي داود، والطحاوي - كما في " الفتح " (٩/٥٨) -، وفيه الزيادة الأولى. (فائدة): وأما الحديث الذي رواه الطبراني في " الأوسط " عن جابر مرفوعًا بلفظ: " إن الله لم يأذن لمترنم بالقرآن ". ففي إسناده سليمان بن داود الشَّاذَكُوني، وهو كذاب - كما قال الهيثمي في " المجمع " (٧/١٧٠) -. (تنبيه): قد أخرج البخاري الحديث (١٣/٤٢٩ - ٤٣٠)، والطحاوي (٢/١٢٩)، وكذا الخطيب في " تاريخه " (١/٣٩٤ - ٣٩٥) من طريق أبي عاصم: أخبرنا ابن جُرَيج: أخبرنا ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن ". وزاد غيره: " يجهر به ". وهو في " المسند " (٢/٢٨٥) من طريق عبد الرزاق ومحمد بن بكر قالا: أنا ابن جُريج به بلفظ: " لم يأذن الله لشيء " الحديث. وكذلك رواه غير من ذكرنا عن ابن جُريج. قال الحافظ (١٣/٤٢٩): " والحديث واحد، إلا أن بعضهم رواه بلفظ: " ما أذن الله ". وبعضهم رواه بلفظ:
[ ٢ / ٥٨٥ ]
_________________
(١) " ليس منا ". قلت: والصواب: الأول. قال الخطيب - بعد أن ساق الحديث -: " قال أبو بكر النيسابوري: وقول أبي عاصم فيه: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " وهم من أبي عاصم؛ لكثرة من رواه عنه هكذا ". يعني: باللفظ الأول. قال الخطيب: " روى هذا الحديث عبد الرزاق بن همام وحجاج بن محمد عن ابن جريج عن ابن شهاب عن أبي سلمة. وكذلك رواه الأوزاعي، وعمرو بن الحارث، ومحمد بن الوليد الزُّبيَدي، وشعيب بن أبي حمزة، ومَعْمَر بن راشد، ومعاوية بن يحيى الصَّدَفي، والوليد بن محمد المُوَقِّري عن الزهري، واتفقوا كلهم - وابن جريج منهم - على أن لفظه: " ما أذن الله " إلخ. وأما المتن الذي ذكره أبو عاصم؛ فإنما يُروى عن ابن أبي مليكة عن ابن نَهِيك عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ ". قلت: وهو الحديث الذي قبل هذا (١) . [انظر (ص ٥٨٠)، وتتمة البحث تأتي (ص ٥٨٨)] .
(٢) ﴿(تنبيه): عزا حديث أبي داود هذا ابنُ الأثير في " جامع الأصول " للبخاري من حديث أبي هريرة ﵁، فعلق عليه الأستاذ الأخ عبد القادر الأرناؤوط ومن يعاونه؛ فقالوا (٢/٤٥٧): " وقد أبعد الألباني (!) النُّجْعَة في كتابه " صفة صلاة النبي ﷺ " (ص ١٠٦)؛ فعزاه إلى أبي داود ". يشيران بذلك إلى أنه ليس من صنيع أهل العلم أن يُعزى الحديث إلى غير " الصحيحين " وقد أخرجه أحدهما. وجوابًا عليه أقول: إن ما أشارا إليه حق وصواب - بغض النظر عن قصدهما بما قالاه -، ولكن ينبغي أن يعلما أنه =
[ ٢ / ٥٨٦ ]
_________________
(١) = ما كان علي خافيًا منذ ألفت هذا الكتاب المبارك - إن شاء الله تعالى - أن البخاري أخرجه من حديث أبي هريرة، ولكني تركت عزوه إليه عمدًا؛ لا جهلًا، أو على الأقل سهوًا؛ كما قد يذهبان إليه، ولو كان الأمر كما قد يظن ظان؛ لكان في هذه المدة التي مضت على طبعات الكتاب ما يكفي ليتنبه فيها الساهي! أو يتعلم الجاهل! ولكن لم يكن شيء من ذلك والحمد لله؛ فإني كنت على علم أن أحد رواته - وهو أبو عاصم الضَّحَّاك بن مَخْلَد النبيل، وهو ثقة - أخطأ في روايته الحديث عن أبي هريرة؛ فإنه رواه عن ابن جُريج عن ابن شهاب عن أبي سلمة عنه مرفوعًا به. وبيان ذلك: أن جماعة من الثقات قد رووه عن ابن جريج أيضًا بالسند المذكور عن أبي هريرة مرفوعًا، لكن بلفظ: " ما أذن الله لشيء " الحديث. وتابع ابنَ جريج على هذا اللفظ جمعٌ أكثرُ من الثقات؛ كلهم رووه مثله عن الزهري به. وتابع الزهريَّ عليه يحيى بن أبي كثير، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وعمرو ابن دينار - وكلهم ثقات أيضًا -؛ قالوا جميعًا: عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. فاتفاق هؤلاء الثقات الأثبات بهذا الإسناد الواحد عن أبي هريرة على رواية الحديث عنه باللفظ الثاني؛ أكبر دليل على أن تفرد أبي عاصم بروايته باللفظ الأول إنما هو خطأ بَيَّن منه، وهذا هو (الحديث الشاذ) المعروف وصفُه عند العلماء؛ ولذلك جزم الحافظ أبو بكر النيسابوري على أن أبا عاصم قد وهم في هذا اللفظ؛ قال: " لكثرة من رواه عن ابن جريج باللفظ الثاني ". قلت: ولكثرة من رواه عن الزهري به، وكثرة من تابعه عليه عن أبي سلمة كما ذكرت؛ ولذلك تابع الخطيب البغدادي أبا بكر النيسابوري على ما نقلته عنه، وأشار ابن الأثير في " جامعه "، ثم الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١٣/٤٢٩) إلى توهيم هذا اللفظ أيضًا إشارةً لطيفة قد لا يتنبه لها البعض، ولو تنبه؛ فلربما لم يكن عنده من الجرأة العلمية ما يُشَجِّعه على أن يخطِّئ راويًا من رواة " الصحيح ". هذا خلاصة التحقيق الذي كنت كتبته في " الأصل " مند نحو عشرين سنة؛ رأيت أنه لا بد من ذكرها؛ ليعلم كل منصف إن كنت أنا الذي (قد أبعدت النُّجعة)؛ أم أن غيري هو الذي لم يحسن النُّجعة حينما رد عليّ بما هو خطأ عند أهل العلم بالحديث، فأراد مني أن أشاركه في خطئه، وأن أقره والله المستعان. =
[ ٢ / ٥٨٧ ]
_________________
(١) وقوله: " يتغنى بالقرآن "؛ اختُلف في المراد من (التغني) على خمسة أقوال؛ ذكرها في " الفتح "، والصحيح - كما قال النووي في " شرح مسلم " - أنه: تحسين الصوت، قال: " وهو قول أكثر العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون ". ويؤيده قوله: " يجهر به ". وكذا قوله: " حسن الترنم ". فإن الترنم - كما قال الطبري - لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارئ، وطرَّب به. ولذلك قال الحافظ: " وظواهر الأخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت ". قال: " ولا شك أن النفوس تميل إِلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيرًا في رقة القلب، وإجراء الدمع ". اهـ. وقال ابن القيم (١/١٩٣): " وذلك عَوْنٌ على المقصود، وهو بمنزلة الحلاوة التي تُجعل في الدواء؛ لتُنفِذه إلى موضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطِّيب الذي يُجعل في الطعام؛ لتكون الطبيعة أدعى له قَبُولًا، وبمنزلة الطِّيب والتحلِّي وتجمُّل المرأة لبعلها؛ ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح ". قال السيد رشيد رضا ﵀: " كثيرًا ما رأينا بعض أدباء النصارى يرغبون في سماع القرآن من القراء المجودين، ويعترفون بقوة تأثيره في القلوب. وفي " الصحيح " أن المشركين كانوا يؤذون أبا بكر ﵁، ويمنعونه من الصلاة في المسجد الحرام، ثم حاولوا منعه من رفع صوته بالقرآن في بيته؛ لما رأوا من إقبال = ثم رأيت الشيخ شعيبًا الأرناؤوط - المتعاون مع الأخ عبد القادر على الانتقاد المردود عليه بما تقدم من التحقيق الذي قد لا يوجد في غير هذا المكان - قد تجاهله ولم يستفد منه شيئًا في تعليقه على كتاب " شرح السنة " (٤/٤٨٥) للبغوي؛ حيث أقره على تصحيحه لحديث أبي هريرة المعلول بشهادة من تقدم من الحفاظ! [من " الصفة " المطبوع (ص ١٢٥ - ١٢٧) بتصرف يسير] .
[ ٢ / ٥٨٨ ]
_________________
(١) الناس - ولا سيما النساء، والأولاد المُدْرِكين - عليه، وتأثير قراءته في نفوسهم. وقد أدرك بعض علماء الإفرنج ما كان لتلاوة رسول الله ﷺ للقرآن من التأثير العظيم في جذب العرب إلى الإسلام، واعترف بأنه كان أشد تأثيرًا من جميع معجزات الأنبياء في هداية الناس ". اهـ. ثم قال الحافظ: " وكان بين السلف اختلاف في جواز القراءة بالألحان. أما تحسين الصوت وتقديم حَسَنِ الصوت على غيره؛ فلا نزاع في ذلك ". ثم ذكر أقوال العلماء في القراءة بالألحان، وحكى جوازه عن جماعة من الصحابة والتابعين، وهو المنصوص للشافعي، ونقله الطحاوي عن الحنفية. ثم قال: " ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغير - قال النووي في " التبيان ": - أجمعوا على تحريمه ". اهـ. وقد ذكر ابن القيم في " الزاد " أقوال الفريقين المبيحين للقراءة بالألحان والمانعين (١/١٩١ - ١٩٥)، ثم قال: " وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغنِّي على وجهين: أحدهما: ما اقتضته الطبيعة، وسمحت به من غير تكلُّف، ولا تمرين وتعليم؛ بل إذا خُلِّيَ وطَبْعَه، واسترسلت طبيعته؛ جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز، وإن أعان طبيعتَه فضلُ تزيين وتحسين؛ كما قال أبو موسى للنبي ﷺ: لو علمتُ أنك تسمع؛ لحبّرتُه لك تحبيرًا. والحزين، ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله، وتستحليه؛ لموافقته الطبع، وعدم التكلف،
[ ٢ / ٥٨٩ ]
_________________
(١) والتصنع؛ فهو مطبوع لا متطبع، وكَلِف لا متكلِّف. فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه؛ وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به السامع والتالي، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها. الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن؛ كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف؛ فهذه هي التي كرهها السلف، وعابوها، وذموها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها. وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه. وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة؛ التي هي إيقاع، وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها ويُسَوِّغوها، ويعلم قطعًا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويَحَسِّنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بشجى تارة، وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر [مركوز] في الطباع تقاضيه، ولم يَنْهَ عنه الشارع، مع شدة تقاضي الطباع له؛ بل أرشد إليه، وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به ". وقال: " قالوا: ولا بدَّ للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء؛ فعُوِّضَت عن طرب الغناء بطرب القرآن، كما عُوِّضت عن كل محرم ومكروه بما هو خير لها منه؛ كما عُوِّضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة؛ التي هي محض التوحيد والتوكل، وعن السِّفاح بالنكاح، وعن القمار بالمراهنة بالنِّصَال وسباق الخيل، وعن السماع الشيطاني بالسماع الرحماني القرآني، ونظائره كثيرة جدًا ".
[ ٢ / ٥٩٠ ]
و" قال لأبي موسى الأشعري ﵁:
" لو رأيتَني وأنا أستمع لقراءتك البارحة! لقد أوتيتَ مزمارًا من مزامير (١)
آل داود ". [فقال أبو موسى: لو علمتُ مكانك؛ لحبّرت (٢) لك تحبيرًا] " (٣) .
_________________
(١) قال العلماء: المراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن. وأصل الزمر: الغناء. وآل داود: هو داود نفسه. وآل فلان: قد يطلق على نفسه، وكان داود ﷺ حسن الصوت جدًا. ذكره النووي في " شرح مسلم ".
(٢) يريد: تحسين الصوت وتحزينه. يقال: حبَّرت الشيء تحبيرًا؛ إذا حسنته - كما في " النهاية " -. قال الحافظ ابن كثير: " دل هذا على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى - كما قال عليه الصلاة والسلام - قد أُعطي صوتًا حسنًا، مع خشية تامة، ورقة أهل اليمن؛ فدل على أن هذا من الأمور الشرعية ".
(٣) وهو من حديثه. أخرجه البخاري (٩/٧٦) وفي " أفعال العباد " (٧٩)، ومسلم (٢/١٩٣)، والترمذي (٢/٣١٨ - طبع بولاق) - وقال: " حسن صحيح ". كما في نسخة - هو، والبخاري عن بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة، ومسلم عن طلحة - وهو: ابن يحيى -، واللفظ له؛ كلاهما عن أبي بُردة عن أبي موسى [دون الزيادة] . وأخرجه الحاكم (٣/٤٦٦) من طريق خالد بن نافع الأشعري عن سعيد بن أبي بُردة عن أبي بُردة بن أبي موسى قال: مر النبي ﷺ بأبي موسى ذات ليلة ومعه عائشة، وأبو موسى يقرأ، فقاما؛ فاستمعا لقراءته، ثم مضيا، فلما أصبح أبو موسى، وأتى النبي ﷺ؛ قال النبي ﷺ: " مررت بك يا أبا موسى! البارحة وأنت تقرأ؛ فاستمعنا لقراءتك ". فقال أبو موسى:
[ ٢ / ٥٩١ ]
_________________
(١) يا نبي الله! لو علمت بمكانك؛ لحبّرت لك تحبيرًا. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. قلت: خالد هذا أورده الذهبي نفسه في " الميزان "، وقال: " ضعفه أبو زُرْعة والنسائي، وهو من أولاد أبي موسى ﵁. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه. وقال أبو داود: متروك الحديث. وهذا تجاوز في الحد؛ فإن الرجل قد حَدَّثَ عنه أحمد بن حنبل ومسدد؛ فلا يستحق الترك ". اهـ. فالرجل ضعيف؛ ليس بالقوي، ولا بالمتروك؛ فمثله لا يصح حديثه. ومن طريقه رواه الطبراني؛ كما في " المجمع " (٩/٣٦٠)، وقال: " وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله على شرط " الصحيح " ". قلت: لكنه يتقوى بحديث بريدة الآتي. وعزاه الحافظ في " الفتح " (٩/٧٦) لأبي يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة به. وسكت عليه. وللحديث شواهد:
(٢) عن بُرَيْدة بن الحُصيب. أخرجه مسلم (٢/١٩٢ - ١٩٣)، والدارمي (٢/٤٧٣)، ﴿وعبد الرزاق في " الأمالي " (٢/٤٤/١) = [٦٩/٨٩]﴾، والطحاوي (٢/٥٩)، وأحمد (٥/٣٤٩)، وأبو نعيم في " الحلية " (١/٢٥٨) عن مالك بن مِغْوَل عن ابن بُريدة عنه بلفظ: " لقد أوتي أبو موسى " الحديث مثله. ورواه الرَّويَاني من هذا الطريق نحو سياق سعيد بن أبي بُردة، وقال فيه:
[ ٢ / ٥٩٢ ]
_________________
(١) لو علمت أن رسول الله ﷺ يستمع قراءتي؛ لحبرتها تحبيرًا.
(٢) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ كان يقول لأبي موسى - وكان حسن الصوت بالقرآن -: " لقد أوتي هذا " الحديث. وهذا مرسل. أخرجه الدارمي (٢/٤٧٢) عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة به. وقد صح موصولًا؛ فأخرجه البخاري في " أفعال العباد " (٧٩) عن إسحاق بن راشد، والنسائي (١/١٥٧)، والطحاوي في " المشكل " (٢/٥٨) عن عمرو بن الحارث، وأحمد (٢/٣٦٩) عن محمد بن أبي حفصة؛ ثلاثتهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ سمع قراءة أبي موسى؛ فقال: فذكره. وهذا سند صحيح على شرطهما. وقد تابعه محمد بن عمرو عن أبي سلمة به. أخرجه الدارمي (٢/٤٧٣)، وأحمد (٢/٣٥٤ و٤٥٠)، وكذا ابن ماجه (١/٤٠٣) . وإسناده حسن. وللزهري فيه إسناد آخر؛ وهو:
(٣) أخرجه النسائي، والدارمي (١/٣٤٩)، وابن نصر (٥٤)، وكذا الطحاوي، وأحمد (٦/٣٧) عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة به. وقد تابعه معمر عن الزهري.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
_________________
(١) أخرجه النسائي، والطحاوي، وأحمد (٦/١٦٧) . وهذا صحيح أيضًا كالأول.
(٢) عن البراء بن عازب. أخرجه البخاري في " أفعال العباد " (٧٩)، والطحاوي عن قَنَان بن عبد الله النَّهْمي عن عبد الرحمن بن عوسجة عنه به. وهذا سند حسن. رجاله ثقات؛ غير قَنَان هذا - وهو بنون خفيفة -؛ قال ابن معين: " ثقة ". وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال النسائي: " ليس بالقوي ". وعزاه الحافظ لأبي يعلى، وسكت عليه، وكذا عزاه شيخه الهيثمي (٩/ ٣٦٠) لأبي يعلى، وقال: "ورجاله وُثِّقوا، وفيهم خلاف ". وفي الباب عن سلمة بن قيس. رواه الطبراني، والطحاوي (٥٩) عن شَرِيك بن عبد الله النخَعي عن مالك بن مِغْوَل عن أبي إسحاق عنه بإسناد جيد. وعن أنس. رواه أبو يعلى. وإسناده حسن. ورواه ابن سعد - كما في " الفتح " - بلفظ: أن أبا موسى قام ليلة يصلي، فسمع أزواجُ النبي ﷺ صوته، وكان حلو الصوت؛
[ ٢ / ٥٩٤ ]
_________________
(١) فقمن يستمعن. فلما أصبح؛ قيل له. فقال: لو علمت؛ لحبرته لهن تحبيرًا. وإسناده على شرط مسلم. قلت: وهو في " مختصر قيام الليل " (٥٥) بلفظ: لحبرت لكن تحبيرًا، ولشوَّقْتُكن تشويقًا. * * *
[ ٢ / ٥٩٥ ]