ولذلك كله كان أتباع الأئمة ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾
(الواقعة: ١٣ - ١٤) لا يأخذون بأقوال أئمتهم كلها؛ بل قد تركوا كثيرًا منها لمَّا
ظهر لهم مخالفتها للسنة، حتى إن الإمامين: محمد بن الحسن، وأبا يوسف
رحمهما الله قد خالفا شيخهما أبا حنيفة (في نحو ثلث المذهب) (١)، وكتب
الفروع كفيلة ببيان ذلك، ونحو هذا يقال في الإمام المُزَّني (٢)، وغيره من أتباع
الشافعي وغيره، ولو ذهبنا نضرب على ذلك الأمثلة؛ لطال بنا الكلام، ولخرجنا
به عما قصدنا إليه في هذا البحث من الإيجاز؛ فلنقتصر على مثالين اثنين:
١- قال الإمام محمد في " موطئه " (٣) (ص ١٥٨):
" قال محمد: أما أبو حنيفة ﵀؛ فكان لا يرى في الاستسقاء
_________________
(١) ابن عابدين في " الحاشية " (١/٦٢)، وعزاه اللكنوي في " النافع الكبير" (ص ٩٣) للغزالي.
(٢) وهو القائل في أول " مختصره في فقه الشافعي " المطبوع بهامش " الأم " للإمام ما نصه: " اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي ﵀، ومن معنى قوله؛ لأُقربه على من أراده، مع إعلامِه نهيَه عن تقليدِه وتقليدِ غيرهِ؛ لينظر فيه لدينه، ويحتاط فيه لنفسه ".
(٣) وقد صرح فيه بمخالفة إمامه في نحو عشرين مسألة، نشير إلى مواطنها منه: (٤٢ و٤٤ و١٠٣ و١٢٠ و١٥٨ و١٦٩ و١٧٢ و١٧٣ و٢٢٨ و٢٣٠ و٢٤٠ و٢٤٤ و٢٧٤ و٢٧٥ و٢٨٤ و٣١٤ و٣٣١ و٣٣٨ و٣٥٥ و٣٥٦)؛ من " التعليق الممجد على موطأ محمد ".
[ ١ / ٣٥ ]
صلاة، وأما في قولنا؛ فان الإمام يصلي بالناس ركعتين، ثم يدعو، وُيحَوِّل
رداءه " إلخ.
٢- وهذا عصام بن يوسف البَلْخي - من أصحاب الإمام محمد (١)، ومن
الملازمين للإمام أبي يوسف (٢) - " كان يفتي بخلاف قول الإمام أبي حنيفة
كثيرًا؛ لأنه لم يعلم الدليل، وكان يظهر له دليل غيره؛ فيفتي به " (٣)؛ ولذلك
" كان يرفع يديه عند الركوع، والرفع منه " (٤)؛ كما هو في السنة المتواترة
_________________
(١) ذكره فيهم ابن عابدين في " الحاشية " (١/٧٤)، وفي " رسم المفتي " (١/١٧)، وأورده القرشي في " الجواهر المضية في طبقات الحنفية " (ص ٣٤٧) وقال: " كان صاحب حديث، ثبتًا، وكان هو وأخوه إبراهيم شيخي بَلْخ في زمانهما ".
(٢) " الفوائد البهية في تراجم الحنفية " (ص ١١٦) .
(٣) " البحر الرائق " (٦/٩٣)، و" رسم المفتي " (١/٢٨) .
(٤) " الفوائد " (ص ١١٦) ثم علق عليه بقوله - وقد أجاد -: " قلت: يُعلم منه بطلان رواية مكحول عن أبي حنيفة -: " أن من رفع يديه في الصلاة فسدت صلاته " -، التي اغترَّ بها أمير كاتب الإتقاني - كما مر في ترجمته -؛ فإن عصام بن يوسف كان من ملازمي أبي يوسف، وكان يرفع، فلو كان لتلك الرواية أصل؛ لعلم بها أبو يوسف وعصام ". قال: " ويُعلم أيضًا أن الحنفي لو ترك في مسألةٍ مذهبَ إمامهِ لقوة دليل خلافه؛ لا يخرج به عن ربقة التقليد، بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد، ألا ترى أن عصام بن يوسف ترك مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع، ومع ذلك هو معدود في الحنفية؟! ". قال: " وإلى الله المشتكى من جهلة زماننا؛ حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة واحدة؛ لقوة دليلها، ويخرجونه عن جماعة مقلديه!! ولا عجب منهم؛ فإنهم من العوام، إنما العجب ممن يتشبه بالعلماء، ويمشي مشيهم كالأنعام! ".
[ ١ / ٣٦ ]
عنه ﷺ، فلم يمنعه من العمل بها أن أئمته الثلاثة قالوا بخلافها، وذلك ما
يجب أن يكون عليه كل مسلم - بشهادة الأئمة الأربعة وغيرهم؛ كما تقدم -.
وخلاصة القول: إنني أرجو أن لا يبادر أحد من المقلدين إلى الطعن في
مشرب هذا الكتاب، وترك الاستفادة مما فيه من السنن النبوية بدعوى
مخالفتها للمذهب؛ بل أرجو أن يتذكر ما أسلفناه من أقوال الأئمة في وجوب
العمل بالسنة، وترك أقوالهم المخالفة لها، وليعلم أن الطعن في هذا المشرب؛
إنما هو طعن في الإمام الذي يقلده أيًّا كان من الأئمة، فإنما أخذنا هذا المنهج
منهم - كما سبق بيانه -، فمن أعرض عن الاهتداء بهم في هذا السبيل؛ فهو
على خطر عظيم؛ لأنه يستلزم الإعراض عن السنة، وقد أُمرنا عند الاختلاف
بالرجوع إليها، والاعتماد عليها؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) .
أسال الله تعالى أن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ.
وَمَن يُطَعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ﴾ (النور: ٥١ - ٥٢) .
دمشق /١٣ جمادى الآخرة سنة ١٣٧٠ هـ
[ ١ / ٣٧ ]