وكان ﷺ يُعَظّم من شأن هذه السورة؛ فكان يقول:
" لا صلاة لمن لم يقرأ [فيها] بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ [فصاعدًا] " (١) . وفي لفظ:
" لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ (٢) . وتارة
يقول:
_________________
(١) (١ و٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢/١٩٠) وفي " جزء القراءة " (٢ - ٣ و٩ و٢٥) وفي " أفعال العباد " (٩٢)، ومسلم (٢/٨ - ٩)، ﴿وأبو عوانة [٢/١٢٤ و١٢٥]﴾، والشافعي (١/٩٣)، وأبو داود (١/١٣٠ - ١٣١)، والنسائي (١/١٤٥)، والترمذي (٢/٢٥)، والدارمي (٢/١٨٣)، وابن ماجه (١/٢٧٦)، والدارقطني (١٢٢)، والطبراني في " الصغير " (٤٢)، وكذا البيهقي (٢/٣٨ و١٦٤ و٣٧٤ - ٣٧٥)، وأحمد (٥/٣١٤ و٣٢١ - ٣٢٢) من طرق عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعًا به. ﴿وهو مخرج في " الإرواء " (٣٠٢)﴾ . والزيادة الأولى: هي رواية للبيهقي، وكذا رواه الإسماعيلي، وأبو نعيم في " المستخرج " - كما في " الفتح " (٢/١٩١) -. والزيادة الثانية: هي عند مسلم، ﴿وأبي عوانة (٢/١٢٤)﴾، والنسائي، وأحمد من طريق معمر عن الزهري. وكذلك رواه ابن حبان، وقال: " تفرد بها معمر " - كما في " التلخيص " (٣/٣٠٩) -. قلت: وسبقه إلى ذلك البخاري في " الجزء " المذكور؛ فقال: " وعامة الثقات لم يتابع معمرًا في قوله: " فصاعدًا " ". ثم قال:
[ ١ / ٣٠٠ ]
_________________
(١) " ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا، وعبد الله ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا ". قلت: وقد وقعت هذه الزيادة عند أبي داود أيضًا؛ في حديث سفيان عن الزهري. أخرجه من طريق قتيبة بن سعيد وابن السَّرْح قالا: ثنا سفيان به. وما أدري أهي محفوظة أم لا؟! وأيما كان؛ فهي زيادة صحيحة؛ لمجيئها من طرق: فمنها: عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا نبينا ﷺ أن نقرأ بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾، وما تيسر. أخرجه البخاري في " جزئه " (٣)، وأبو داود (١/١٣٠)، والبيهقي (٢/٦٠)، وأحمد (٣/٣ و٤٥ و٩٧) من طريق قتادة عن أبي نضرة عنه. وهذا إسناد صحيح؛ كما قال الحافظ في " التلخيص " (٣/٣١٤)، وقال في " الفتح " (٢/١٩٣): " سنده قوي ". وقال النووي في " المجموع " (٣/٣٢٩): " صحيح على شرط البخاري ومسلم ". قلت: بل على شرط مسلم وحده؛ فإن أبا نضرة - واسمه: المنذر بن مالك - إنما أخرج له البخاري تعليقًا. ورواه أبو حنيفة في " المسند " (١٣)، وعنه أبو يوسف في " الآثار " رقم (٦) من طريق آخر عن أبي نضرة، وكذا ابن ماجه (٢٧٧) . ومنها: عن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي:
[ ١ / ٣٠١ ]
_________________
(١) لا صلاة إلا بقراءة ﴿فاتحة الكتاب﴾؛ فما زاد. أخرجه أبو داود أيضًا، وكذا البخاري [في " جزئه "] (٣ و٩ و١٠ - ١١ و٢٦)، والحاكم (١/٢٣٩)، والدارقطني (١٢١ و١٢٢)، وأحمد (٢/٤٢٨)، والبيهقي (٢/٣٧ و٥٩) من طرق عن جعفر بن ميمون: ثنا أبو عثمان النَّهْدي عنه به. وقال الحاكم: " صحيح لا غبار عليه؛ فإن جعفر بن ميمون العبدي من ثقات البصريين، ويحيى ابن سعيد لا يحدث إلا عن الثقات ". ووافقه الذهبي. قلت: جعفر هذا: تكلم فيه البخاري، وأحمد، وغيرهما، وفي " التقريب ": " صدوق يخطئ ". لكن حديثه هذا يقوى بمتابعة غيره له؛ فقد أخرجه الطبراني في " الأوسط " - كما في " نصب الراية " (١/٣٦٧) - من طريق الحجاج بن أرطاة عن عبد الكريم عن أبي عثمان به؛ دون قوله: فما زاد. والحجاج: مدلس، وقد عنعنه، وهو في " مسند أبي حنيفة " (١٣) عن عطاء بن أبي رباح عنه به. هذا، وأما اللفظ الآخر المذكور في الأصل؛ فهو رواية للدارقطني من طريق زياد بن أيوب - أحد الأثبات - عن سفيان. وقال: " إسناد صحيح ". وتابعه على ذلك العباس بن الوليد النَّرْسِي؛ أحد شيوخ البخاري. أخرجه الإسماعيلي - كما في " الفتح " (٢/١٩٢) -، وصححه ابن القطان - كما في " التلخيص " (٣/٣٠٩) -. وله شاهد من حديث أبي هريرة، ويأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى [ص ٣١٠] .
[ ١ / ٣٠٢ ]
" من صلى صلاة لم يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾؛ فهي خِداج، هي
خِداج، هي خِداج (١)؛
_________________
(١) أي: ناقصة، وقد أكد ذلك بقوله ﷺ: " غير تمام ". قال ابن عبد البر: " والخداج: النقصان والفساد. من ذلك قولهم: أخدجت الناقة وخدجت: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخلق، وذلك نتاج فاسد ". فالحديث دليل على فساد صلاة من لم يقرأ ﴿الفَاتِحَة﴾؛ وإنْ قرأ فيها بغيرها من القرآن. ويدل على ذلك أيضًا الحديث الذي قبله؛ فإنه نفى الصلاة بترك ﴿الفَاتِحَة﴾، والظاهر أن المراد: نفي كلها لا كمالها؛ لما سيأتي. ثم قال ابن عبد البر: " وقد زعم من لم يوجب - أي: يفرض - قراءة ﴿فاتحة الكتاب﴾ في الصلاة أن قوله: " خداج ". يدل على جواز الصلاة؛ لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة. وهذا تحكم فاسد، والنظر يوجب أن لا تجوز الصلاة؛ لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاته قبل أن يتمها؛ فعليه إعادتها ". اهـ من " الاستذكار "؛ نقلًا من " التعليق الممجد " (٩٣) . وقد ذهب إلى فرضية ﴿الفَاتِحَة﴾، وأنه لا يجزئ غيرها: مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء؛ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم - كما في " المجموع " (٣/٣٢٧) -، واحتجوا بهذا الحديث، وبالحديث الذي قبله، وقالوا: إن المراد به: نفي ذات الصلاة أو صحتها، لا: كمالها، وأيدوا ذلك باللفظ الآخر: " لا تجزئ ". فنفى إجزاءها؛ وهو المراد. وخالف في ذلك أبو حنيفة، ومحمد فقالا بوجوب قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾؛ لا فرضيتها - بناءً على اصطلاحهم في التفريق بين الواجب والفرض -، وقالوا بصحة الصلاة بتركها،
[ ١ / ٣٠٣ ]
_________________
(١) وأجابوا عن الحديث بأن المراد به: نفي الكمال؛ أي: لا صلاة كاملة. وأجاب الجمهور بأنه خلاف الحقيقة، وخلاف الظاهر والسابق إلى الفهم، وأجابوا أيضًا عن الحديث الثاني بما ذكرناه عن ابن عبد البر - وسمعت الجواب عنه -، وقالوا: إن فرض القراءة التي لا تصح الصلاة إلا بها: ثلاث آيات قصيرات. وفي رواية عن أبي حنيفة: آية واحدة؛ ولو نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ . واحتجوا على ذلك بقوله: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ . وفي هذا الاستدلال نظر من وجوه: الأول: أن الآية وردت في قيام الليل؛ لا في تقدير القراءة - كما هو المتبادر من سياق الآية -؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ الآية. ويدل لذلك أيضًا سبب نزولها؛ وهو ما أخرجه مسلم (٢/ ١٦٨ - ١٦٩)، وابن نصر (٢ - ٣) وغيرهما في حديث عن سعد بن هشام بن عامر - عن عائشة - قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ؟ فقالت: ألست تقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله ﷿ افترض قيام الليل في أول هذه السورة؛ فقام نبي الله ﷺ. وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف؛ فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة الحديث. فعلى هذا؛ فمعنى الآية: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل؛ عبر عن الصلاة بالقراءة، كما عبر عنها بسائر أركانها. قاله الآلوسي الحنفي في " روح المعاني ".
[ ١ / ٣٠٤ ]
_________________
(١) فالآية من إطلاق الجزء وإرادة الكل، وهذا منه كثير في نصوص الشرع؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أي: صلاة الفجر. ثم قال الآلوسي: " وقيل: الكلام على حقيقته؛ مِنْ طلب قراءة القرآن بعينها. وفيه بُعْدٌ عن مقتضى السياق ". اهـ. وقال ابن نصر ﵀ (٦): " وقد احتج بعض أصحاب الرأي في إيجاب القراءة في الصلوات المكتوبات (بهذه الآية)؛ فأسقطوا فرض قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ متأولين لهذه الآية، فقالوا: إنما عليه أن يقرأ مما تيسر من القرآن، ولا عليه أن لا يقرأ بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ . ثم ناقضوا؛ فقالوا: لا بد أن يقرأ بثلاث آيات فصاعدًا، أو بآية طويلة نحو: آية الدين، أو آية الكرسي، فإن قرأ بآية قصيرة نحو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾، و﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ لم يجز، وليست هذه الآية من القراءة في الصلوات المكتوبات في شيء؛ إنما أنزلت الآية - على ما أعلمتك - بقيام الليل، وإنما أخذت القراءة في الصلوات المكتوبات عن النبي ﷺ؛ كما أخذ عدد الركوع، والسجود، وسائر ما في الصلاة عن النبي ﵇، ويقال لهم: خبرونا عمن لم يتيسر عليه قراءة شيء من القرآن في الصلاة، ولم يخف؛ هل توجبون عليه أن يتكلف مقدار ما حددتم؛ من قراءة ثلاث آيات، أو آية طويلة؛ وإن ثقل ذلك عليه، ولم يتيسر؟! فإن قالوا: نعم. قيل: من أين أوجبتم عليه قراءة ما لم يتيسر عليه، وإنما أمره الله بقراءة ما تيسر في زعمكم؟! ويلزمكم أن تجيزوا للمصلي إذا افتتح الصلاة أن يقول: (ألف) ويركع، ويقول: لم يتيسر علي أكثر من ذلك. فإذا أجازوا ذلك؛ خالفوا السنة، وخرجوا من قول أهل العلم ". اهـ[بتصرف] . قلت: وهذا الإلزام الأخير لهم أن يجيبوا عنه بقولهم: إن قول المصلي: (ألف) . ليس بقراءة عرفًا؛ فلا تشمله الآية، فلا يلزمنا ما ذكرتَ.
[ ١ / ٣٠٥ ]
_________________
(١) وأما الإلزام الذي قبله؛ فهو إلزام قوي، لا جواب لهم عليه. الوجه الثاني: سلمنا - جدلًا - أن الآية واردة في تقدير القراءة - كما زعموا -؛ فمن أين لهم تقدير ذلك بآية، أو ثلاث آيات؟ فلو عارضهم معارض، فقدرها بآيتين، أو بأربع، أو بست؛ فبماذا يجيبونه؟ وما الفرق بينه وبينهم؟! والنظر الصحيح يقتضي - بناء على هذا التسليم - أن المفروض ما تيسر من القراءة؛ بدون تحديد، وذلك يختلف باختلاف المصلين، فمن كان ميسورًا عليه أن يقرأ بسورة ﴿البَقَرَة﴾ - مثلًا -؛ فيفترض عليه أن يقرأ بها. وهذا مما لا يقولون به. الوجه الثالث: أن يقال: هَبُوا أن ما فهمتموه من الآية صحيح؛ فغاية ما تفيد فرضيةَ القراءة، لا ركنيتها؛ فمن أين لكم القول بركنيتها، المستلزم لبطلان الصلاة بتركها؟! فإن قالوا: هو قوله ﷺ: " لا صلاة إلا بقراءة ". - أخرجه مسلم (٢/١٠) وغيره من حديث أبي هريرة -. قلنا: هذا مطلق، قيده أبو هريرة في أحاديثه الأخرى - وقد مضت -؛ فلا حجة لكم فيه. ولعله من أجل هذا ذهب بعض علمائنا الحنفية إلى أنها ليست بركن؛ ومنهم الغزنوي صاحب " الحاوي القدسي " - كما في " البحر الرائق " (١/٣٠٨، ٣٠٩) - ثم نقول - وهو -: الوجه الرابع: قد تبين مما سلف أنهم قيدوا الآية بآرائهم، ولم يدعوها مطلقة، وإلا؛ لزمهم ما ذكرنا. فحينئذٍ يقال: إذا كان ولا بد من تقييدها؛ فتقييدها بالنص الصحيح الثابت عنه ﷺ خير من تقييدها بالرأي المحض. وقولهم: إن ذلك لا يجوز؛ لأنه خبر آحادي، ولا يجوز الزيادة به على القرآن. لا يفيدهم شيئًا؛ لأننا نقول:
[ ١ / ٣٠٦ ]
_________________
(١) إن هذا الخبر ليس شيئًا زائدًا على القرآن؛ بل هو بيان له، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهُمْ﴾ . ثم إن سلمنا أنه زيادة على القرآن؛ فما الدليل على أنه لا يجوز الزيادة عليه بالخبر الصحيح؟! وأعتقد أن الحنفية هم أول من خالف هذه القاعدة التي قرروها بأنفسهم؛ فكم من أحكام زادت على القرآن، اعتمادًا على الحديث الصحيح؛ بل وعلى الرأي المحض في كثير من المواقف؛ ولا يتسع المقام لضرب الأمثلة على ذلك! (*) ثم إنما ينفعهم قولهم ذلك لو أنهم لم يزيدوا على الآية بآرائهم، أما وقد فعلوا؛ فما أوردوه علينا وارد عليهم من باب أولى - كما لا يخفى -؛ على أنا نقول - وهو -: الوجه الخامس: إننا لا نُسَلِّم أن الحديث آحادي؛ فقد ذكرنا له طرقًا كثيرة عن جمع من الصحابة يخرج بها قطعًا من كونه خبرًا آحاديًا؛ وإنما قال ذلك الفقهاء، وإنما يؤخذ بقولهم فيما هو اختصاصهم من الفقه، وأما أقوالهم في الحديث؛ فليست بحجة، لاسيما إذا كانوا من الفقهاء الجامدين على الفقه الذين يحتجون بأحاديث ضعيفة؛ بل موضوعة - كأغلب فقهاء الحنفية -، ولا سيما إذا كان قولهم مخالفًا لقول بعض أئمة الحديث، وعلى الأخص إذا كان هذا أمير المؤمنين في الحديث - وهو الإمام البخاري -؛ فقد نص على أن هذا الحديث متواتر؛ فقال في " جزء القراءة " (٤): " وتواتر الخبر عن رسول الله ﷺ: " لا صلاة إلا بقراءة ﴿أم القرآن﴾ " ". وحينئذٍ يجوز الزيادة بهذا الخبر على القرآن؛ على قواعد الحنفية أنفسهم. وقد ذكَّرتني بعض هذه القواعد إيرادًا آخر يرِد عليهم، وهو: (*) كتب الشيخ ﵀ بخطه هنا: " يراجع " إعلام الموقعين " ".
[ ١ / ٣٠٧ ]
_________________
(١) الوجه السادس: جاء في أصول الحنفية أن الفرض: ما ثبت بدليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة. فإذا لم يوجد أحد الشرطين؛ لم يثبت الفرض، بل يثبت به الواجب عندهم. والذي يهمنا في هذا المقام انتفاء الشرط الثاني. ومن الأمثلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ . فقد أمر تعالى بالنحر، فهو بظاهره يفيد فرضية النحر، ولكنَّ العلماء المفسرين اختلفوا في هذا النحر؛ فذهب بعضهم إلى أنه نحر مطلق؛ شكرًا لله على ما أعطاه من الخير الكثير، وذهب آخرون إلى أنه النحر في عيد الأضحى؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ﴾؛ أي: صلاة العيد. وبهذا قال الحنفية؛ فأوجبوا النحر في عيد الأضحى، ولم يقولوا بفرضيته؛ لهذا الاختلاف الذي جعل مفهوم الآية ظني الدلالة، لا قطعيَّها. وبناء عليه نقول: إن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ . هو ظني الدلالة؛ لما سبق - مع أن الصحيح خلاف ما فهم الحنفية -، فلا يستقيم حينئذٍ الاحتجاج بها على فرضية القراءة؛ بل تدل على وجوبها، فقد سلمت الآية من التعارض مع الحديث، ووجب الأخذ به على ظاهره، وهم لم يأخذوا به؛ خشية التعارض، وهو الذي دفعهم إلى تأويله بأن المراد به: نفي الكمال - كما سبق -. وقد قال أبو الحسن السندي الحنفي في " حاشيته على ابن ماجه ": " وأما الكمال؛ فقد حقّق الكمالُ (*) ضعفَه؛ لأنه مخالف، لا يصار إليه إلا بدليل، والوجود في كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعي؛ دون الحسي. فمؤدى الحديث نفي الوجود الشرعي للصلاة، التي لم يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾؛ فتعين نفي الصحة. وما قاله أصحابنا أنه من حديث الآحاد - وهو ظني، لا يفيد العلم؛ وإنما يوجب الفعل -؛ فلا يلزم منه الافتراض. (*) هو الكمال ابن الهُمام، فتنبّه.
[ ١ / ٣٠٨ ]
_________________
(١) ففيه: أنه يكفي في المطلوب أنه يوجب العمل بمدلوله، لا بشيء آخر، ومدلوله عدم صحة صلاة لم يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾، فوجوب العمل به؛ يوجب القول بفساد تلك الصلاة، وهو المطلوب. فالحق أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ . نعم؛ يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي؛ إذا ترك ﴿الفَاتِحَة﴾، وقرأها الإمام " انتهى. وهذا تحقيق بديع من السندي ﵀ (١) . هذا، وقد ألزم الحنفية مخالفيهم من الجمهور القولَ بفرضية زيادة شيء من القرآن على ﴿الفَاتِحَة﴾؛ بدليل الزيادة المتقدمة: " فصاعدًا ". فقالوا: إذا كان الحديث أفاد ركنية ﴿الفَاتِحَة﴾؛ فكذلك هذه الزيادة وما في معناها تفيد ركنية الزيادة عليها. وأُجِيبَ بأن هذه الزيادة وردت لدفع توهم قَصْر الحكم على ﴿الفَاتِحَة﴾ . قال البخاري في " جزء القراءة " (٢):
(٢) والعجب من علمائنا الحنفية ما استجازوا تقييد إطلاق الآية الكريمة بقوله ﵊: " لا صلاة إلا بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ ". مع أنه متفق على صحته، بينما خصصوا عمومها بقوله ﵊: " من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة ". مع كونه حديثًا مختلفا في صحته - كما سيأتي -. فإن قيل: إنما استجازوا هذا؛ لأن عمومها ظني؛ بسبب أنه خُصَّ منه البعض، وهو: (المدرك في الركوع) إجماعًا. فالجواب: أن هذا الإجماع غير صحيح؛ فقد خالف فيه جمع من الشافعية- كما هو مذكور في المطولات -. ثم على التسليم به؛ فالإطلاق المفهوم من الآية هو ظني أيضًا؛ غير متفق عليه - كما سبق -؛ فيجوز حينئذٍ تقييده بالظني من السنة؛ فتأمل.
[ ١ / ٣٠٩ ]
غير تمام " (١)
_________________
(١) " هو نظير قوله: " تقطع اليد في ربع دينار؛ فصاعدًا ". وادعى ابن حبان، والقرطبي، وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها. قال الحافظ (٢/١٩٣): " وفيه نظر؛ لثبوته عن بعض الصحابة، ومن بعدهم فيما رواه ابن المنذر وغيره، ولعلهم أرادوا أن الأمر استقر على ذلك، وقد قال أبو هريرة ﵁: وإن لم تزد على ﴿أم القرآن﴾؛ أجزأت، وإن زدت؛ فهو خير ". أخرجه الشيخان وغيرهما. وهذا موقوف؛ لكن قال الحافظ (٢/٢٠٠): " وله حكم الرفع ". قلت: وقد روي مرفوعًا - كما سبق -، ويؤيد ذلك أن أبا هريرة ممن روى هذه الزيادة - كما سبق -؛ فهو أدرى بمرويه من غيره. وتأيد ذلك بحديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين، لم يقرأ فيهما إلا بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ . أخرجه البيهقي (٢/٦١)، وأحمد (١/٢٨٢)، وكذا ابن خزيمة، وأبو يعلى، والطبراني في " الكبير " من طريق حنظلة السدوسي عنه. وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين.
(٢) هو من حديث أبي هريرة، وقد ورد عنه من طرق: الأول: عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب: أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زُهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: به. أخرجه مالك (١/١٠٦) عنه، ومن طريقه أخرجه مسلم (٢/٩ - ١٠)، وأبو عَوَانة (٢/١٢٦)، والبخاري في " جزء القراءة " (٨) وفي " أفعال العباد " (٧٤)، وأبو داود
[ ١ / ٣١٠ ]
_________________
(١) (١/١٣٠)، والنسائي (١/١٤٤)، وابن ماجه (٢/٤١٦)، والطحاوي (١/١٢٧)، وكذا محمد في " موطئه " (٩٣)، والبيهقي (٢/٣٩)، وأحمد (٢/٤٦٠)؛ كلهم عن مالك به. ثم أخرجه البخاري في " جزئه " (٨ و٩)، والترمذي (٢/١٥٧ - طبع بولاق)، وابن ماجه (١/٢٧٦)، والطيالسي (٣٣٤)، وأحمد (٢/٢٥٠ و٢٨٥ و٤٨٧) من طرق أخرى عن العلاء به. وللعلاء شيخ آخر فيه، وهو: الطريق الثاني: أخرجه مسلم، والبخاري (٣ و٨ و٩ و٢٢)، والشافعي (٩٣)، والطحاوي، ﴿وأبو عوانة [٢/١٢٧]﴾، والبيهقي، وأحمد (٢/٤٥٧ و٤٧٨) من طرق عنه عن أبيه عن أبي هريرة به. هذا، وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه "، وعنه ابن حبان في " صحيحه " عن وهب ابن جرير: ثنا شعبة عن العلاء به بلفظ: " لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ ". وإسناده صحيح - كما قال النووي (٣/٣٢٩) -؛ لكن قال ابن حبان: " لم يقل في خبر العلاء هذا: " لا يجزئ ". إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير ". قلت: هو عند البخاري، والطحاوي، وأحمد من طرق عن شعبة بلفظ الجماعة؛ بل رواه الطحاوي عن وهب وسعيد بن عامر قالا: ثنا شعبة به مثله. اهـ. فلم يسق لفظه، وإنما أحال على حديث مالك. فهذا اللفظ شاذ. ثم أخرجه مسلم، ﴿وأبو عوانة [٢/١٢٧]﴾، والترمذي، والبيهقي من طريق أبي أُويس: أخبرني العلاء قال: سمعت من أبي، ومن أبي السائب - وكانا جليسَيْ أبي
[ ١ / ٣١١ ]
_________________
(١) هريرة - قالا: قال أبو هريرة: به. الطريق الثالث: أخرجه البخاري (٩)، وأحمد (٢/٢٩٠) عن محمد بن عمرو عن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل عنه. وهذا إسناد جيد. الطريق الرابع: بلفظ غريب عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عُمَير عن عطاء عنه مرفوعًا: " من صلى صلاة مكتوبة وراء الإمام؛ فليقرأ بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ في سكتاته، ومن انتهى إلى ﴿أم القرآن﴾؛ فقد أجزأه ". أخرجه الحاكم (١/٢٣٨)، والدارقطني (١٢٠)، وضعفه بقوله: " محمد بن عبد الله بن عبيد: ضعيف ". ثم إن للحديث شواهد من حديث عبد الله بن عمرو، وعائشة، وجابر.
(٢) أما حديث ابن عمرو: فأخرجه البخاري (٣)، وابن ماجه (١/٢٧٨)، وأحمد (٢/٢٠٤ و٢١٥) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وسنده حسن. وأخرجه الدارقطني (١٢١) من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عمرو بن شعيب به بلفظ: " من صلى صلاة مكتوبة أو تطوعًا؛ فليقرأ فيها بـ: ﴿أم الكتاب﴾، وسورة معها، فإن انتهى إلى ﴿أم الكتاب﴾؛ فقد أُجزئ، ومن صلى صلاة مع إمام يجهر؛ فليقرأ بِ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ في بعض سكتاته؛ فإن لم يفعل؛ فصلاته خداج؛ غير تمام ". قال الدارقطني أيضًا:
[ ١ / ٣١٢ ]
_________________
(١) " محمد هذا: ضعيف ".
(٢) وأما حديث عائشة: فأخرجه البخاري (٣ و٧)، وابن ماجه (١/٢٧٧)، والطحاوي (١/١٢٧)، وأحمد (٦/٢٧٥) عن محمد بن إسحاق قال: ثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عنها. وإسناده حسن أيضًا. ورواه الطبراني في " الصغير " (ص ٥١) من طريق أخرى عنها. وفيه ابن لهيعة.
(٣) وأما حديث جابر: فأخرجه الدارقطني (١٢٤) عن يحيى بن سلام: ثنا مالك ابن أنس: ثنا وَهْب بن كيسان عنه بلفظ: " كل صلاة لا يقرأ فيها بـ: ﴿أم الكتاب﴾؛ فهي خداج، إلا أن يكون وراء إمام ". وقال: " يحيى بن سلام: ضعيف. والصواب: موقوف ". قلت: كذلك رواه في " الموطأ " (١/١٠٥) موقوفًا، ومن طريقه رواه البيهقي (١/١٦٠)، ثم قال: " هذا هو الصحيح عن جابر من قوله؛ غير مرفوع، وقد رفعه يحيى بن سلام وغيره من الضعفاء عن مالك، وذاك مما لا يحل روايته على طريق الاحتجاج به ". وتعقبه ابن التركماني بقوله: " قلت: ذكر البيهقي في " الخلافيات ": أنه رُوي عن إسماعيل بن موسى السُّدِّي أيضًا عن مالك مرفوعًا. وإسماعيل: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: احتمله الناس ورووا عنه، وإنما أنكروا عليه الغلو والتشيع ". اهـ.
[ ١ / ٣١٣ ]
ويقول: " قال الله ﵎: قسمت الصلاة (١) بيني وبين عبدي
نصفين: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل ". وقال رسول
الله ﷺ:
" اقرؤوا: يقول العبد: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾؛ يقول الله تعالى:
حمدني عبدي. ويقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ يقول الله تعالى:
أثنى عليَّ عبدي. ويقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدَّينِ﴾؛ يقول الله تعالى:
_________________
(١) أي: ﴿الفَاتِحَة﴾، وهو من إطلاق الكل، وإرادة الجزء؛ ﴿تعظيمًا﴾، قال في " شرح مسلم ": " قال العلماء: المراد بالصلاة هنا: ﴿الفَاتِحَة﴾، سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها - كقوله ﷺ: " الحج عرفة " -؛ ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة؛ قال العلماء: والمراد قسمتها من جهة المعنى؛ لأن نصفها الأول: تحميد لله تعالى، وتمجيد، وثناء عليه وتفويض إليه، والنصف الثاني: سؤال، وتضرع، وافتقار. واحتج القائلون بأن البسملة ليست من ﴿الفَاتِحَة﴾ بهذا الحديث، وهو من أوضح ما احتجوا به؛ قالوا: لأنها سبع آيات بالإجماع: فثلاثٌ - في أولها -: ثناء؛ أولها: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وثلاثٌ: دعاءٌ؛ أولها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾، والسابعة: متوسطة؛ وهي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . قالوا: ولأنه ﷾ قال: " قسمت الصلاة بيني، وبين عبدي نصفين: فهذا قال العبد: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ". فلم يذكر البسملة، ولو كانت منها؛ لذكرها ". اهـ. ثم ذكر النووي جواب الشافعية عن الحديث بما لا يُقْنع، وقد ذكرها الشوكاني (٢/١٧٤)، ثم قال: " ولا يخفى أن هذه الأجوبة؛ منها ما هو غير نافع، ومنها ما هو ضعيف ".
[ ١ / ٣١٤ ]
_________________
(١) وقد ذكر الزيلعي في " نصب الراية " أقوال العلماء في البسملة؛ فقال (١/٣٢٧): " والمذاهب في كونها من القرآن ثلاثة: طرفان، ووسط: فالطرف الأول: قول من يقول: إنها ليست من القرآن إلا في سورة ﴿النَّمْلِ﴾؛ كما قال مالك، وطائفة من الحنفية، وقاله بعض أصحاب أحمد؛ مدعيًا أنه مذهبه، ناقلًا لذلك عنه. والطرف الثاني: قول من يقول: إنها آية من كل سورة، أو بعض آية؛ كما هو المشهور عن الشافعي، ومن وافقه. والقول الوسط؛ أنها من القرآن حيث كتبت، وأنها مع ذلك ليست من السور؛ بل كتبت آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة؛ كما تلاها النبي ﷺ حين أنزلت عليه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ﴾ . رواه مسلم من حديث المختار بن فُلفُل عن أنس: أنه ﵊ أغفا إغفاءة، ثم استيقظ، فقال: " نزلت عليَّ سورة آنفًا ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ ﴾ إلى آخرها. وهذا قول ابن المبارك، وداود، وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل، وبه قال جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة. وهذا قول المحققين من أهل العلم؛ فإن في هذا القول الجمعَ بين الأدلة، وكتابتها سطرًا مفصولًا عن السورة يؤيد ذلك، وعن ابن عباس: كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وفي رواية: لا يعرف انقضاء السورة. رواه أبو داود والحاكم، وقال:
[ ١ / ٣١٥ ]
_________________
(١) " صحيح على شرط الشيخين " " اهـ. مختصرًا. وحديث ابن عباس هذا في " السنن " (١/١٢٦)، و" المستدرك " (١/٢٣١) من طريق سفيان عن عمرو عن سعيد بن جبير عنه باللفظ الأول؛ إلا أن الحاكم قال: ختم.. بدل: فصل. وهذا سند صحيح على شرطه؛ كما قال الحاكم. وأقره الذهبي. ثم أخرجه الحاكم، ومن طريقه البيهقي (٢/٤٣) عن الوليد بن مسلم: ثنا ابن جريج: ثنا عمرو به بلفظ: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . فإذا نزلت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ علموا أن السورة انقضت. ولم يذكر في روايته سعيد بن جبير في الإسناد، ثم قال: " صحيح على شرطهما ". وهو كما قال. ثم رواه بلفظ ثالث؛ لكن فيه ضعف. وهذا القول - وهو كونها من القرآن آية مستقلة، وليست من ﴿الفَاتِحَة﴾ (*) - هو الذي ينبغي أن يأخذ به المسلم؛ لإجماع الصحابة ﵃ على إثباتها في المصاحف جميعًا في أوائل السور - سوى ﴿بَرَآءَةٌ﴾ - بخط المصحف؛ بخلاف الأعشار، وتراجم السور؛ فإن العادة كتابتها بحمرةٍ، ونحوها. قال النووي (٣/٣٣٦): " فلو لم تكن قرآنًا؛ لما استجازوا إثباتها بخط المصحف من غير تمييز؛ لأن ذلك يحمل على اعتقاد أنها قرآن؛ فيكونون مُغَرِّرين بالمسلمين، حاملين لهم على اعتقاد ما (*) ثم صرح الشيخ ﵀ بكونها من ﴿الفَاتِحَة﴾ لكن لا يجهر بها في الصلاة، في " تلخيص صفة صلاة النبي ﷺ " (ص ١٥/ ط ١ - المعارف) . وانظر " الصحيحة " (١١٨٣) .
[ ١ / ٣١٦ ]
مَجَّدَني (١) عبدي. يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ [قال]: فهذه
بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ
المُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛
[قال]: فهؤلاء (٢) لعبدي، ولعبدي ما سأل " (٣) .
_________________
(١) ليس بقرآن قرآنًا؛ فهذا مما لا يجوز اعتقاده في الصحابة ﵃. قال أصحابنا: هذا أقوى أدلتنا في إثباتها ". قلت: وهو كما قالوا، ولكنه لا يدل على ما ذهبوا إليه من كونها آية من ﴿الفَاتِحَة﴾ - كما لا يخفى -، وقد بسط القول في هذا الموضوع العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على " الترمذي " بتحقيق وإنصاف. فراجعه (٢/١٩ - ٢٥)؛ فإنه مهم.
(٢) أي: عظمني.
(٣) فيه دليل على أن: ﴿اهْدِنَا﴾، وما بعده، إلى آخر السورة: ثلاث آيات، لا آيتان. وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة من ﴿الفَاتِحَة﴾ أم لا؛ فمذهب الشافعية وغيرهم أنها آية من ﴿الفَاتِحَة﴾ - كما سبق -، و: ﴿اهْدِنَا﴾، وما بعده: آيتان. ومذهب مالك وغيره - ممن يقول أنها ليست من ﴿الفَاتِحَة﴾ - يقول: ﴿اهْدِنَا﴾ وما بعده: ثلاث آيات؛ بدليل هذه الرواية. واحتج الأولون برواية مسلم: " هذا لعبدي ". وقد عرفت الحق في ذلك مما ذكرنا قريبًا.
(٤) هو من تمام حديث أبي هريرة الذي قبله (١) [ص ٣١٠]، وقد تقدم تخريجه، وبيان طرقه، وهذه التتمة إنما جاعت من الطريقين الأولين عند الشيخين وغيرهما، والسياق للإمام مالك، والزيادتان من مسلم وغيره.
(٥) ﴿وله شاهد من حديث جابر: عند السهمي في " تاريخ جرجان " (١٤٤)﴾ .
[ ١ / ٣١٧ ]
وكان ﷺ يقول:
" ما أنزل الله ﷿ في التوراة، ولا في الإنجيل مثل ﴿أم القرآن﴾؛
وهي السبع المثاني [والقرآن العظيم الذي أوتيته] (١) " (٢) .
_________________
(١) قال الباجي: " يريد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي وَالقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ . وسميت السبع؛ لأنها سبع آيات. والمثاني؛ لأنها تثنى في كل ركعة ﴿أي: تعاد﴾ . وإنما قيل لها: (القرآن العظيم) على معنى التخصيص لها بهذا الاسم، وإن كان كل شيء من القرآن قرآنًا عظيمًا؛ كما يقال في الكعبة: (بيت الله)، وإن كانت البيوت كلها لله، ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم له ". اهـ. والحديث نص صريح في بيان المراد من الآية، وهو ﴿الفَاتِحَة﴾؛ فلا يلتفت بعد ذلك إلى ما يخالفه من الأقوال مهما كان شأن قائله.
(٢) أخرجه النسائي (١/١٤٦)، والترمذي (٢/١٩١ - طبع بولاق)، وأحمد (٥/١١٤) من طريق عبد الحميد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب به مرفوعًا. ثم أخرجه أحمد، وكذا الحاكم (١/٥٥٧ و٢/٢٥٧ - ٢٥٨ و٣٥٤) بهذا الإسناد مطولًا بلفظ: قال: قال رسول الله ﷺ: " ألا أعلمك سورة ما أنزل الله في التوراة، ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها؟ ". قلت: بلى. قال: " فإني أرجو أن لا أخرج من ذلك الباب حتى تعلمها ". ثم قام رسول الله ﷺ، فقمت معه، فأخذ بيدي، فجعل يحدثني حتى بلغ قرب الباب، قال: فذكَّرته؛ فقلت: يا رسول الله! السورة التي قلت لي؟ قال:
[ ١ / ٣١٨ ]
_________________
(١) " فكيف تقرأ إذا قمت تصلي؟ " فقرأتُ بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ . قال: " هي هي، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم؛ الذي أوتيت بعد ". وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. لكن اختلف فيه على العلاء بن عبد الرحمن؛ فرواه عنه عبد الحميد بن جعفر هكذا. ورواه عبد العزيز بن محمد: عند الترمذي. ومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني: عند البيهقي (٢/٣٧٥ - ٣٧٦) . وعبد الرحمن بن إبراهيم: عند أحمد (٢/٤١٢ - ٤١٣) . والنسائي من طريق روح بن القاسم. وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة - على ما في " الفتح " (٨/١٢٨) -؛ رووه خمستهم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ خرج على أبي بن كعب فذكره نحوه. وكذا رواه إسماعيل بن جعفر: عند أحمد (٢/٣٥٧)، والطحاوي في " المشكل " (٢/٧٨) . وكذا جهضم بن عبد الله: عنده. ورجح الترمذي هذه الرواية؛ فقال: " وهذا أصح من حديث عبد الحميد بن جعفر، هكذا روى غير واحد عن العلاء بن عبد الرحمن ". ورواه شعبة عن العلاء عن أبيه عن أبي بن كعب به مختصرًا. أخرجه الحاكم (١/٥٥٨) .
[ ١ / ٣١٩ ]
_________________
(١) وخالف مالك؛ فرواه عن العلاء: أن أبا سعيد مولى عامر بن كُريز أخبره: أن رسول الله ﷺ نادى أبي بن كعب الحديث. ومن طريقه أخرجه الحاكم (١/٥٥٧ و٢/٥٥٨) . وقال البيهقي (٢/٣٧٦): " مرسل ". يعني: منقطع بين أبي سعيد وأُبي. وزعم السيوطي في " تنوير الحوالك " أنه موصول؛ فقد ذكر أن أبا سعيد سمعه من أبي بن كعب؛ قال: " وصله من طريقه عنه الحاكم ". قلت: ولم أجده عند الحاكم موصولًا، وإنما رواه في موضعين من طريق مالك مرسلًا - كما تراه -. والله أعلم. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة. فأخرجه الحاكم (١/٥٥٨) من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نادى أبي بن كعب الحديث. وإسناده حسن، لولا عنعنة ابن إسحاق. قال الحافظ: " وهو مما يقوي ما رجحه الترمذي ". قلت: والغريب أن الحاكم ساقه شاهدًا في سماع أبي هريرة هذا الحديث من أبي ابن كعب! وإنما هو شاهد في سماعه إياه منه ﷺ. وأخرجه البخاري (٨/٣٠٧) وفي " جزء القراءة " (١٤)، وأبو داود (١/٢٣٠)، والترمذي أيضًا، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد (٢/٤٤٨) عن ابن أبي ذئب: ثنا سعيد المقبري عن أبي هريرة مختصرًا مرفوعًا بلفظ:
[ ١ / ٣٢٠ ]
وأمر ﷺ (المسيء صلاته) أن يقرأ بها في صلاته، وقال لمن لم يستطع
حفظها:
" قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول
ولا قوة إلا بالله ". وقال لـ (المسيء صلاته): " فإن كان معك قرآن؛ فاقرأ
به، وإلا؛ فاحمد الله، وكبِّره، وهلله " (١) .
_________________
(١) " ﴿أم القرآن﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم ". وله شاهد من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ، فلم أجبه. فقلت: يا رسول الله! إني كنت أصلي. فقال: " ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ ". ثم قال لي: " لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ". ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج؛ قلت له: ألم تقل: " لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن "؟ قال: " ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته ". أخرجه البخاري (٨/١٢٧ - ١٢٩ و٢٤٧ و٣٠٧ و٩/٤٤)، وأبو داود، والنسائي (١/١٤٥)، والدارمي (١/٣٥٠)، وابن ماجه (٢/٢١٧)، والطحاوي في " المشكل " (٢/٧٧)، والبيهقي (٢/٣٦٨ - ٣٦٩)، والطيالسي (١٧٨)، وأحمد (٣/٤٥٠ و٤/٢١١) من طرق عن شعبة قال: ثني خُبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عنه.
(٢) جاء ذلك في بعض طرق حديث رفاعة بن رافع - وقد سبق تخريجه في أول الكتاب [ص ٥٦]-؛ فروى أبو داود (١/١٣٧)، وعنه البيهقي (٢/٣٧٤)، وأحمد (٤/٣٤٠) من طريق محمد بن عمرو عن علي بن يحيى بن خَلاد الزُّرَقي عن رِفَاعة قال:
[ ١ / ٣٢١ ]
_________________
(١) جاء رجل، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد الحديث. وفيه قال ﷺ: " إذا استقبلت القبلة؛ فكبر، ثم اقرأ بـ: ﴿أم القرآن﴾، ثم اقرأ بما شئت " الحديث. وكذا رواه ابن حبان - كما في " الفتح " (٢/٢٢١) -. لكن بهذا الإسناد منقطع - كما أشرنا إليه فيما سبق -، ومحمد بن عمرو: في حفظه ضعف. إلا أني وجدت له شاهدًا قويًا في " جزء القراءة " للبخاري؛ قال (١١): ثنا يحيى ابن بُكَير قال: ثنا عبد الله بن سُوَيد عن عيّاش عن بُكَير - وفي الأصل: بكر، وهو تحريف - ابن عبد الله عن علي بن يحيى عن أبي السائب [عن] رجل من أصحاب النبي ﷺ [قال]: صلى رجل والنبي ﷺ ينظر إليه، فلما قضى صلاته؛ قال: " ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصل ". (ثلاثًا) . فقام الرجل، فلما قضى صلاته؛ قال النبي ﷺ: " ارجع فصل ". (ثلاثًا) . قال: فحلف له: كيف؟! اجتهدتُ! - كذا -. فقال له: " ابدأ؛ فكبِّر، وتحمد الله، وتقرأ بـ: ﴿أم القرآن﴾، ثم تركع " الحديث. وإسناده صحيح. رجاله رجال " الصحيح "؛ غير عبد الله بن سويد، وهو ثقة. وجاء تعيين ﴿الفَاتِحَة﴾ في رواية أبي هريرة أيضًا في حديث (المسيء صلاته) عند البيهقي (٢/٣٧٣)، لكن في سنده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف من جهة حفظه، وغيره لا يذكر ذلك، وقد مضى لفظه في الموضع المشار إليه سابقًا.
[ ١ / ٣٢٢ ]
_________________
(١) هذا، وفي رواية لأبي داود (١)، والترمذي، والبيهقي (٢/٣٨٠) من طريق إسماعيل ابن جعفر: أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزُّرَقي عن أبيه عن جده عن رفاعة به بلفظ: " إذا قمت إلى الصلاة؛ فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، وأقم، فإن كان معك قرآن؛ فاقرأ، وإلا؛ فاحمد الله، وكبره، وهلله، ثم اركع " الحديث. وكذلك أخرجه الطحاوي (١/١٣٧)، والطيالسي (١٩٦) . وقال الترمذي: " حديث حسن ". قلت: ورجاله رجال البخاري؛ غير يحيى بن علي هذا، وقد ذكره ابن حبان في " الثقات "؛ إلا أن ابن القطان قال: " لا يعرف إلا بهذا الخبر، وما علمت فيه ضعفًا ". قال الذهبي: " قلت: لكن فيه جهالة ". قلت: وأشار إلى ذلك الحافظ في " التقريب " بقوله: " مقبول ". قلت: لكنه قد توبع على رواية هذا الحديث في الجملة - كما بينا فيما سبق -، وتابعه على هذه اللفظة شريك بن أبي نمر عن علي بن يحيى عن عمه رفاعة بن رافع. أخرجه الطحاوي هكذا منقطعًا؛ لم يذكر في إسناده يحيى بن خلاد، والوهم من شريك هذا؛ فإنه - وإن كان من رجال الشيخين؛ فإنه - كان يخطئ، وبقية رجال الإسناد ثقات رجال البخاري.
(٢) ﴿" صحيح أبي داود " (٨٠٧)﴾ .
[ ١ / ٣٢٣ ]
_________________
(١) وبالجملة؛ فهذه متابعة قوية في متن الحديث. وله شاهد من حديث إبراهيم السكسكي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلمني ما يجزئني منه. قال: " قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ". قال: يا رسول الله! هذا لله ﷿، فما لي؟ قال: " قل: اللهم! ارحمني، وارزقني، وعافني، واهدني. (زاد في رواية: (واغفر لي» ". فلما قام؛ قال هكذا بيده (وفي لفظ: فعدَّهن الرجل في يده عشرًا)؛ فقال رسول الله ﷺ: " أما هذا؛ فقد ملأ يديه من الخير ". أخرجه أبو داود (١/١٣٣)، والنسائي (١/١٤٦)، والحاكم (١/٢٤١)، والدارقطني
(٢) ، والبيهقي (٢/٣٨١)، والطيالسي (١٠٩)، وأحمد (٤/٣٥٣ و٣٥٦ و٣٨٢)، وابن حبان، ﴿وابن خزيمة (١/٨٠/٢)، والطبراني﴾ من طرق عنه. وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخاري ". ووافقه الذهبي. قلت: السكسكي هذا من رجال البخاري، لكنه ضعيف من جهة حفظه عند الجمهور، حتى اعتُرض على البخاري من أجله. قال الحاكم: " قلت للدارقطني: لِمَ ترك مسلم حديث السكسكي؟ فقال: تكلم فيه يحيى بن سعيد. قلت: بحجة؟ قال: هو ضعيف ". وكذا قال أحمد: " ضعيف ". وضعفه أيضًا النسائي، والعِقيلي، وقال ابن عدي:
[ ١ / ٣٢٤ ]
_________________
(١) " لم أجد له حديثًا منكر المتن، وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره، ويكتب حديثه - كما قال النسائي - ". وفي " التقريب ": " صدوق، ضعيف الحفظ ". وفي " التلخيص " (٣/٣٤١): " وهو من رجال البخاري، لكن عِيْبَ عليه إخراج حديثه، وذكره النووي في " الخلاصة " في فصل (الضعيف)، وقال في " شرح المهذب ": رواه أبو داود، والنسائي بإسناد ضعيف ". ثم قال الحافظ: " ولم ينفرد به؛ بل رواه الطبراني، وابن حبان في " صحيحه " أيضًا من طريق طلحة ابن مُصَرِّف عن ابن أبي أوفى، ولكن في إسناده الفضل بن موفق؛ ضعفه أبو حاتم ". اهـ. ونص كلام أبي حاتم: " كان شيخًا صالحًا، ضعيف الحديث ". وفي " التقريب ": " فيه ضعف ". قلت: ولعل الحديث بهذين الإسنادين يصير حسنًا. والله أعلم، ﴿وهو في " الإرواء " (٣٠٣)، و" صحيح أبي داود " (٧٨٥)﴾ . قال السندي ﵀: " قوله: (يجزئني): من الإجزاء؛ أي: يكفيني منه أيُّ قراءة مقام القرآن ما دام ما أحفظه. وإلا؛ فالسعي في حفظه لازم. وهذا يدل على أن العاجز عن القرآن يأتي بالتسبيحات، ولا يقرأ ترجمة القرآن - بعبارة أخرى: غير نظم القرآن - ". وقال الخطابي في " المعالم " (١/٢٠٧): " الأصل أن الصلاة لا تجزئ إلا بقراءة ﴿فاتحة الكتاب﴾؛ لقوله ﷺ: " لا صلاة إلا بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ . ومعقول أن وجوب قراءتها إنما هو على من أحسنها، دون من لا يحسنها؛ فإذا كان المصلي لا يحسنها، وكان يحسن شيئًا من
[ ١ / ٣٢٥ ]
_________________
(١) القرآن غيرها؛ كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات؛ لأن أولى الذكر بعد ﴿فاتحة الكتاب﴾ ما كان مِثلًا لها من القرآن، فإن كان رجل ليس في وسعه أن يتعلم شيئًا من القرآن؛ لعجز في طبعه، أو سوء حفظه، أو عجمة لسان، أو آفة تعرض له؛ كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي ﷺ من التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير ". اهـ. * * *
[ ١ / ٣٢٦ ]