ذلك ما كنت كتبته منذ عشر سنوات في مقدمة هذا الكتاب، وقد ظهر
لنا في هذه البرهة (*) أنه كان لها تأثير طيب في صفوف الشباب المؤمن؛
لإرشادهم إلى وجوب العودة في دينهم وعبادتهم إلى المنبع الصافي من
الإسلام: الكتاب والسنة؛ فقد ازداد فيهم - والحمد لله - العاملون بالسنة،
والمتعبدون بها، حتى صاروا معروفين بذلك؛ غير أني لمست من بعضهم توقُّفًا
عن الاندفاع إلى العمل بها، لا شكًّا في وجوب ذلك - بعد ما سقنا من
الآيات والأخبار عن الأئمة في الأمر بالرجوع إليها -؛ ولكن لشبهات يسمعونها
من بعض المشايخ المقلدين؛ لذا رأيت أن أتعرض لذكرها، والرد عليها، لعل
ذلك البعض يندفع بعد ذلك إلى العمل بالسنة مع العاملين بها؛ فيكون من
الفرقة الناجية بإذن الله تعالى.
١- قال بعضهم:
" لا شك أن الرجوع إلى هدي نبينا ﷺ في شؤون ديننا أمر واجب، لا سيما
فيما كان منها عبادة محضة، لا مجال للرأي والاجتهاد فيها؛ لأنها توقيفية؛
كالصلاة مثلًا، ولكننا لا نكاد نسمع أحدًا من المشايخ المقلدين يأمر بذلك،
بل نجدهم يُقرُّون الاختلاف، ويزعمون أنه توسعة على الأمة، ويحتجون على
ذلك بحديث - طالما كرروه في مثل هذه المناسبة رادَّين به على أنصار السنة -:
" اختلاف أمتي رحمة ".
فيبدو لنا أن هذا الحديث يخالف المنهج الذي تدعو إليه، وأَلّفْتَ كتابك
هذا وغيره عليه. فما قولك في هذا الحديث؟ ".
_________________
(١) (*) أي بعد طباعة ونشر متن " صفة الصلاة " وتخريجه المختصر، ومنه أضفنا هذا الفصل المتمم للمقدمة.
[ ١ / ٣٨ ]
والجواب من وجهين:
الأول: أن الحديث لا يصح؛ بل هو باطل لا أصل له؛ قال العلامة
السبكي:
" لم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع ".
قلت: وإنما روي بلفظ:
" اختلاف أصحابي لكم رحمة ". و:
" أصحابي كالنجوم، فبأيهم اقتديتم؛ اهتديتم ".
وكلاهما لا يصح: الأول: واه جدًّا. والآخر: موضوع. وقد حققت القول
في ذلك كله في " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " (رقم ٥٨ و٥٩ و٦١) .
الثاني: أن الحديث - مع ضعفه - مخالف للقرآن الكريم؛ فإن الآيات
الواردة فيه - في النهي عن الاختلاف في الدين، والأمر بالاتفاق فيه - أشهر
من أن تذكر، ولكن لا بأس من أن نسوق بعضها على سبيل المثال؛ قال الله
تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٦) . وقال: ﴿وَلَا
تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ﴾ (الروم: ٣١ - ٣٢) . وقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾
(هود: ١١٨ - ١١٩) . فإذا كان من رحم ربك لا يختلفون، وإنما يختلف أهل
الباطل؛ فكيف يعقل أن يكون الاختلاف رحمة؟!
فثبت أن هذا الحديث لا يصح؛ لا سندًا ولا متنًا (١)، وحينئذٍ يتبين بوضوح
أنه لا يجوز اتخاذه شبهة للتوقف عن العمل بالكتاب والسنة، الذي أمر به الأئمة.
_________________
(١) ومن شاء البسط في ذلك؛ فعليه بالمصدر السابق.
[ ١ / ٣٩ ]