وكان ﷺ في أول الأمر يُطَبِّقُ بين كفيه، ثم يجعلهما بين ركبتيه،
[ويخالف بين أصابعه] (١) .
_________________
(١) هو من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. رواه عنه علقمة والأسود: أنهما دخلا عليه فقال: أصلى من خلفكم؟ قالا: نعم. فقام بينهما، وجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله. ثم ركعنا، فوضعنا أيدينا على ركبنا؛ فضرب أيدينا، ثم طَبَّقَ بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى؛ قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ. أخرجه مسلم (٢/٦٨ - ٦٩)، والطحاوي (١/١٣٤) من طريق منصور عن إبراهيم عنهما. ورواه أحمد (١/٤١٣ - ٤١٤) من طريق أخرى عنهما. وقد تابعه سليمان الأعمش عن إبراهيم، دون قوله: هكذا فعل رسول الله ﷺ وزاد: وإذا ركع أحدكم؛ فليفرش ذراعيه على فخذيه، ولْيجْنَأ، ولْيُطَبِّق بين كفيّه، فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ. أخرجه مسلم أيضًا، وكذا الطحاوي، والبيهقي (٢/٨٣)، وأحمد (١/٣٧٨ و٤٢٦ و٤٤٧)، والحازمي في " الاعتبار " (ص ٦٠ - ٦١) . وروى أبو داود (١/١٣٩) منه الزيادة فقط. ورواه النسائي (١/١٥٨) بدونها، إلا قليلًا منها.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
ثم ترك ذلك، ونهى عنه.
و" كان ﷺ يضع كفيه على ركبتيه " (١) . و" كان يأمرهم بذلك " (٢) . وأمر
به أيضًا (المسيء صلاته) - كما مر آنفًا -.
_________________
(١) وقد رواه عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه وحده مختصرًا. أخرجه أحمد (١/٤٢٦)، ورواه أيضًا عن علقمة، ويأتي بعد هذا. قال الحازمي: " وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب؛ فذهب نفر إلى العمل بهذا الحديث؛ منهم: عبد الله بن مسعود، والأسود بن يزيد، وأبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن الأسود. وخالفهم في ذلك كافة أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ورأوا أن هذا الحديث كان محكمًا في ابتداء الإسلام، ثم نُسخ، ولم يبلغ ابنَ مسعود نسخُه، وعرف ذلك أهل المدينة؛ فرووه، وعملوا به. وقال بعض أهل العلم: في ذلك دلالة على أن أهل المدينة أعلم بالناسخ والمنسوخ ممن فارقها، وسكن غيرها من البلاد ". اهـ. قلت: وكما خفي على ابن مسعود ﵁ سنية وضع اليدين على الركبتين، خفيت عليه أيضًا سنية رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام - كما سبق بيانه -. أما كيف يخفى عليه ذلك، وهو من قدماء الصحابة الملازمين للرسول ﷺ سفرًا وحضرًا؟! فمن عجائب الأمور التي لا نجد لها تعليلًا إلا مجرد كونه بشرًا يسهو وينسى. والله تعالى أعلم بوقائع الأمور. (١ و٢) هو من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. ورد عنه من طرق: الأول: عن عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كُلَيب عن عبد الرحمن بن الأسود: ثنا علقمة عن عبد الله قال:
[ ٢ / ٦٢٧ ]
_________________
(١) علمنا رسولُ الله ﷺ الصلاة؛ فكبر، ورفع يديه، ثم ركع، وطبّق بين يديه، وجعلهما بين ركبتيه. فبلغ سعدًا، فقال: صدق أخي؛ قد كنا نفعل ذلك، ثم أمرنا بهذا. وأخذ بركبتيه. أخرجه البخاري في " رفع اليدين " (١٢)، وأبو داود (رقم ٧٣٢)، والنسائي (١/١٥٩)، والدارقطني (١٢٩)، والبيهقي (٢/٧٨ - ٧٩)، وأحمد (١/٤١٨ - ٤١٩)، والحازمي (ص ٦١ - ٦٢) . وقال الدارقطني: " إسناد ثابت صحيح ". قلت: وهو على شرط مسلم. ثم رأيته قد أخرجه الحاكم (١/٢٢٤)، وقال: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. ولفظ الحديث لأحمد. وقال البخاري: كنا نفعل ذلك في الإسلام. الثاني: عن مصعب بن سعد قال: صليت إلى جنب أبي، فطبّقت بين كفي، ثم وضعتهما بين فخذي؛ فنهاني أبي، وقال: كنا نفعله، فنهينا عنه، وأُمِرْنا أن نضع أيدينا على الركب. أخرجه البخاري (٢/٢١٧ - ٢١٨)، ومسلم (٢/٦٩)، وأبو داود (١/١٣٨)، والنسائي (١/١٥٩)، والترمذي (٢/٤٤)، والدارمي (١/٢٩٨)، وابن ماجه (١/٢٨٥)، والطحاوي (١/١٣٣)، والبيهقي (٢/٨٣ - ٨٤)، والطيالسي (٢٨)، وأحمد (١/١٨١ و١٨٢)، والحازمي (٦١) من طريق أبي يعفور عنه.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
_________________
(١) وزاد الدارمي من طريق إسرائيل عنه: كان بنو عبد الله بن مسعود إذا ركعوا؛ جعلوا أيديهم بين أفخاذهم، فصليت الحديث. قال الحافظ: " فأفادت هذه الزيادة مستند مصعب في فعل ذلك، وأولاد ابن مسعود أخذوه من أبيهم ". وللحديث شواهد: منها: عن إسرائيل عن أبي حُصَين عن أبي عبد الرحمن السَّلَمي قال: كنا إذا ركعنا؛ جعلنا أيدينا بين أفخاذنا. فقال عمر ﵁: إن من السنة الأخذ بالركب. وسنده صحيح. وقد أخرجه الترمذي (٢/٤٣)، والنسائي (١/١٥٩)، والطحاوي (١/١٣٥) والبيهقي أيضًا، والطيالسي (ص ١٢) من طرق عن أبي حُصَين به؛ دون قول أبي عبد الرحمن في التطبيق. وقال الترمذي: " حسن صحيح ". وقد تابعه إبراهيم عن أبي عبد الرحمن به. أخرجه النسائي. وسنده صحيح على شرط مسلم. قال الحافظ: " وهذا حكمه حكم الرفع؛ لأن الصحابي إذا قال: السنة كذا. أو: سَنَّ كذا. كان الظاهر انصراف ذلك إلى سنة النبي ﷺ، ولا سيما إذا قاله مثل عمر ".
[ ٢ / ٦٢٩ ]
_________________
(١) ومنها: عن عمرو بن مُرَّة عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجُعْفي قال: قدمت المدينة، فجعلت أُطَبّق كما يُطبِّق أصحاب عبد الله وأركع. قال: فقال رجل: يا عبد الله! ما يحملك على هذا؟ قلت: كان عبد الله يفعله، وذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعله. قال: صدق عبد الله. ولكن رسول الله ﷺ ربما صنع الأمر، ثم أحدث الله له الأمر الآخر، فانظر ما اجتمع عليه المسلمون؛ فاصنعه. قال: فلما قَدِمَ؛ كان لا يُطَبِّق. أخرجه البيهقي (٢/٨٤) . وسنده صحيح. ورواه الحازمي (٦٢) من طريق أخرى عن خَيْثَمة به. وفيه أن الرجلَ الذي لم يُسَمَّ مِنَ المهاجرين. قال الترمذي - بعد أن ساق حديث عمر ﵁ -: " والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين ومن بعدهم، لا اختلاف بينهم في ذلك، إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون ". اهـ. وقد جاءت أحاديث كثيرة من فعله ﷺ في الوضع على الركبتين:
(٢) منها: حديث أبي حُمَيد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ بلفظ: ثم يركع، ويضع راحتيه على ركبتيه. وهو حديث صحيح، وقد سبق بتمامه قريبًا (ص ٦٠٥) . ورواه البخاري (٢/٢٤٥) بلفظ: وإذا ركع؛ أمكن يديه من ركبتيه. وسيأتي.
(٣) ومنها: عن وائل بن حُجْر بلفظ:
[ ٢ / ٦٣٠ ]
و" كان يُمكّن يديه من ركبتيه [كأنه قابضٌ عليهما] " (١)
_________________
(١) ووضع يديه على ركبتيه. رواه مسلم وغيره. وقد تقدم بتمامه في (وضع اليمنى على اليسرى) [ص ٢٠٩] . وله طريق أخرى عند الطحاوي (١/١٣٥) بسند حسن.
(٢) ومنها: عن عبد الله بن القاسم قال: جَلَسْنا إلى عبد الرحمن بن أبزى، فقال: ألا أريكم صلاة رسول الله ﷺ؟ قال: قلنا: بلى. قال: فقام فكبر، ثم قرأ، ثم ركع؛ فوضع يديه على ركبتيه؛ حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثم رفع؛ حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثم سجد؛ حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثم رفع؛ حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثم سجد؛ حتى أخذ كل عظم مأخذه، ثم رفع؛ فصنع في الركعة الثانية كما صنع في الركعة الأولى. ثم قال: هكذا صلاة رسول الله ﷺ. أخرجه أحمد (٣/٤٠٧) من طريق ضَمْرَةَ عن ابن شوذب عنه. وهذا إسناد حسن. ورجاله ثقات - كما في " المجمع " (٢/١٣٠) -.
(٣) وفي الباب عن أبي مسعود البَدْري. ويأتي.
(٤) هو من حديث أبي حُميد الساعدي: عند البخاري وغيره. وقد تقدم قريبًا. والزيادة عند أبي داود في رواية له من طريق فُلَيح بن سليمان: ثني عباس بن سهل عن أبي حُميد به. وسنده صحيح - كما تقدم قريبًا -. وقد أخرج هذه الزيادة الترمذي (٢/٤٥/٤٦) - وقال: " حسن صحيح " -، وابن خزيمة في " صحيحه " (١/٢٩٨/٥٨٩) .
[ ٢ / ٦٣١ ]
و" كان يُفرِّج بين أصابعه " (١) . وأمر به (المسيء صلاته)؛ فقال:
_________________
(١) ويشهد لها قول عمر المتقدم (٦٢٩): إن من السنة الأخذ بالركب. وكذا حديث سعد المتقدم هناك. وصححه ابن خزيمة أيضًا (١/٣٠١/٥٩٥)، وابن الجارود (١٩٦) .
(٢) هو من حديث أبي مسعود البدري في رواية عنه - كما سبق -. وجاءت هذه الزيادة في رواية لأبي داود (١/١١٦)، وعنه البيهقي (٢/٨٤) من حديث أبي حميد الساعدي. لكن في طريقها عبد الله بن لَهِيعة، وهو: ضعيف؛ لسوء حفظه. إلا أنه يقويه ما قبله، ويعضده حديث وائل بن حُجْر: أن النبي ﷺ كان إذا ركع؛ فرَّج بين أصابعه. أخرجه الحاكم (١/٢٢٤) من طريق عمرو بن عون: ثنا هُشَيم عن عاصم بنَ كُلَيب عن علقمةَ بن وائل عن أبيه. وقال: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. ورواه الطبراني في " الكبير " بزيادة: وإذا سجد؛ ضَمَّ أصابعه. قال الهيثمي (٢/١٣٥): " وإسناده حسن ". قلت: وأخرجه البيهقي (٢/١١٢) عن الحارث بن عبد الله بن إسماعيل بن عُقْبَةَ الخازن: ثنا هشيم به بتمامه.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
" إذا ركعت؛ فضع راحتيك على ركبتيك، ثم فرِّج بين أصابعك، ثم
امْكُث حتى يأخذ كل عضو مأخذه " (١) .
_________________
(١) وسنده حسن - كما قال البيهقي -. وستأتي الزيادة في موضعها برواية الحاكم وغيره. ﴿والحديث مخرج في " صحيح أبي داود " (٨٠٩)﴾ .
(٢) هو قطعة من حديث (المسيء صلاته) من رواية رفاعة بن رافع. أخرجه أبو داود (١/١٣٧)، وكذا أحمد (٤/٣٤٠) من طريق محمد بن عمرو، ﴿وابن خزيمة﴾ (*) عن علي بن يحيى بن خَلاَّد الزُّرَقي عن رِفاعة. وهذا سند حسن. لكن فيه خلاف ذكرناه في أول الكتاب [ص ٥٦ - ٥٧] . وله شاهد من حديث ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال للأعرابي: " إذا ركعت؛ فضع راحتيك على ركبتيك، ثم فَرِّجْ بين أصابعك، ثم امكث حتى يأخذ كل عضو مأخذه ". أخرجه ابن حبان في " صحيحه " من طريق طلحة بن مُصَرِّف عنه - كما في " التلخيص " (٣/٣٦٧)، و" نصب الراية " (١/٣٧٣) -. وله شاهد أيضًا عن أنس مرفوعًا بلفظ: "يا بني! إذا ركعت؛ فضع كفيك على ركبتيك، وافرج بين أصابعك، وارفع يديك عن جنبيك " الحديث. (*) (٥٩٧)، وكذا أبو داود، والبيهقي (٢/١٣٣ - ١٣٤) من طريق مؤمل بن هشام اليشكري: نا إسماعيل ابن علية عن محمد بن إسحاق: حدثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الأنصاري عن أبيه عن عمه رفاعة به. وانظر " صحيح أبي داود " (٨٠٥ و٨٠٦) .
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وكان يجعل أصابعه أسفل من ذلك؛ [على ساقيه] (١) .
_________________
(١) وهو قطعة من حديث طويل أخرجه الطبراني في " معجمه الصغير " (ص ١٧٧)، وكذا أبو يعلى الموصلي - كما في " اللآلي المصنوعة " (٢/٢٠٣)، و" نصب الراية " (١/٣٧٢ - ٣٧٣) - من طريق علي بن زيد بن جُدْعان عن سعيد بن المسيب عنه. وهذا سند حسن. لا بأس به في المتابعات. وقد روى الترمذي قطعًا منه (٢/١١٣ و١١٧ - طبع بولاق) من هذا الوجه. وقال: " وفي الحديث قصة طويلة. وهو حديث حسن غريب من هذا الوجه. وعلي بن زيد: صدوق، إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره ". وله شاهد آخر من حديث ابن عباس مرفوعًا: " إذا ركعت؛ فضع كفيك على ركبتيك حتى تطمئن، وإذا سجدت؛ فأمكن جبهتك من الأرض حتى تجد حجم الأرض ". رواه أحمد (١/٢٨٧) عن صالح مولى التوأمة عنه. وهو ضعيف.
(٢) هو من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري. رواه عطاء بن السائب عن سالم البراد قال: أتينا عُقبة بن عمرو الأنصاري أبا مسعود، فقلنا له: حَدِّثْنا عن صلاة رسول الله ﷺ. فقام بين أيدينا في المسجد فكبر، فلما ركع؛ وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بين مِرْفَقَيْهِ، حتى استقر كل شيء منه، ثم قال: سمع الله لمن حمده. فقام، حتى استقر كل شيء منه، ثم كبر، وسجد، ووضع كفيه على الأرض، ثم جافى بين مِرفقيه، حتى استقر كل شيء منه، ثم رفع رأسه؛ فجلس، حتى استقر كل شيء منه. ففعل مثل ذلك أيضًا. ثم صلى أربع ركعات مثل هذه
[ ٢ / ٦٣٤ ]
و" كان يجافي، ويُنَحِّي مرفقيه عن جنبيه " (١) .
_________________
(١) الركعة؛ فصلى صلاته. ثم قال: هكذا رأينا رسول الله ﷺ يصلي. أخرجه أبو داود (١/١٣٨) واللفظ له، ومن طريقه البيهقي (٢/١٢٧)، والنسائي (١/١٥٩)، والحاكم (١/٢٢٢) من طريق جرير، إلا النسائي؛ فعن أبي الأحوص؛ كلاهما عن عطاء به. وأخرجه الطيالسي (٨٦) من طريق هَمَّام عنه بلفظ: وفرج بين أصابعه. وكذلك أخرجه الدارمي (١/٢٩٩) . ورواه الطحاوي (١/١٣٥)، وأحمد (٤/١١٩) بلفظ: وفَضَلَتْ أصابِعُهُ على ساقيه. ثم أخرجه أحمد (٤/١٢٠)، وكذا النسائي، والبيهقي (٢/١٢١) من طريق زائدة ابن قُدامة عنه بلفظ: وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه. ثم قال الحاكم: " صحيح ". ووافقه الذهبي.
(٢) ثبت ذلك عن جمع من الصحابة: منهم: أبو حميد في جمع منهم بلفظ: فوضع يديه على ركبتيه؛ كأنه قابض عليهما، ووَتَّرَ يديه؛ فنحاهما عن جنبيه. لفظ الترمذي. وقال أبو داود: فتجافى.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
_________________
(١) وسنده صحيح - كما سبق -. ورواه ابن خزيمة بلفظ: ونحى يديه عن جنبيه. كما في " التلخيص " (٣/٣٨١) . ومنهم: أبو مسعود البدري. وسبق حديثه قريبًا. ومنهم: وائل بن حجر قال: صليت خلف رسول الله ﷺ؛ فكبر حين دخل، ورفع يديه، وحين أراد أن يركع؛ رفع يديه، وحين رفع رأسه من الركوع؛ رفع يديه، ووضع كفيه، وجافى، وفرش فخذه اليسرى من اليمنى، وأشار بإصبعه السبابة. وفي رواية: وجافى في الركوع. وفي أخرى: وخَوَّى (*) في ركوعه، وخَوَّى في سجوده. أخرجه كله أحمد (٤/٣١٦ و٣١٩) من طريق شعبة عن عاصم بن كُلَيب قال: سمعت أبي يحدث عنه. وهذا سند صحيح على شرط مسلم. قال الترمذي: " وهو الذي اختاره أهل العلم؛ أن يُجافيَ الرجل يديه عن جنبيه في الركوع والسجود ". قلت: وذكر الطحاوي (١/١٣٥) إجماع المسلمين. وقال النووي (٣/٤١٠): " ولا أعلم في استحبابها خلافًا لأحد من العلماء، والحكمة فيها أنها أكمل في هيئة الصلاة وصورتها ". اهـ. (*) خوَّى: باعد مرفقيه عن جنبيه.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
و" كان إذا ركع؛ بسَط ظهرَهُ وسوَّاه " (١)؛ " حتى لو صُبَّ عليه الماء؛
لاستقر " (٢) .
_________________
(١) وتخصيص الترمذي ذلك بالرجل يُشعر أن المرأة لا تجافي؛ بل تضم بعضها إلى بعض. وهو مذهب الحنفية والشافعية وغيرهم؛ خلافًا لابن حزم؛ فإنه صرح في " المحلى " (٤/١٢٢ - ١٢٤) بأن الرجل والمرأة في ذلك سواء. قال: " ولو كان لها حكم بخلاف ذلك؛ لما أغفل رسول الله ﷺ بيان ذلك. والذي يبدو منها في هذا العمل هو بعينه الذي يبدو منها في خلافه ولا فرق. وبالله تعالى نعتصم ". اهـ. وما ورد في ذلك عنه ﷺ لا يصح منه شيء؛ ففي " التلخيص " (٣/٣٨١): " روى أبو داود في " المراسيل " عن يزيدَ بن أبي حبيب: أنه ﷺ مر على امرأتين تصليان، فقال: " إذا سجدتما؛ فضُمَّا بعض اللحم إلى الأرض؛ فإن المرأة في ذلك ليست كالرجل ". ورواه البيهقي من طريقين موصولين، لكن في كل منهما متروك ". (١ و٢) جاء ذلك عن جمع من الصحابة. وهم: علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وأبو بَرْزَةَ الأسلمي.
(٢) أما حديث علي: فأخرجه عبد الله بن أحمد في " مسند أبيه " (١/١٢٣) قال: وجدت في كتاب أبي قال: أُخبرت عن سِنان بن هارون: ثنا بَيَان عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا ركع؛ لو وضع قدح من ماء على ظهره؛ لم يهراق. وهذا سند ضعيف؛ لجهالة شيخ أحمد فيه، وضعف سِنان بن هارون. وفي " التقريب ":
[ ٢ / ٦٣٧ ]
_________________
(١) " صدوق، فيه لين ".
(٢) وأما حديث أنس: فأخرجه الطبراني في " الصغير " (ص ٩) من طريق محمد ابن ثابت البُناني عن أبيه عنه به نحوه. ومحمد بن ثابت هذا: ضعيف - كما في " المجمع " (٢/١٢٣)، و" التقريب " -، وقال في " التلخيص " (٣/٣٧٧): " إسناده ضعيف ".
(٣) وأما حديث عبد الله بن عباس: فرواه الطبراني في " الكبير " بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا ركع؛ استوى، فلو صُبَّ على ظهره الماء؛ لاستقر. وكذا رواه أبو يعلى. قال في " المجمع ": " ورجاله موثقون ". وقال الحافظ: " إسناده ضعيف ".
(٤) وأما حديث أبي بَرْزَةَ: فأخرجه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط ". ورجاله ثقات - كما في " المجمع " -. وقال الحافظ: " ورواه الطبراني في " الكبير " من حديث أبي مسعود عُقْبة بن عمرو، ومن حديث أبي برزة الأسلمي، وإسناد كل منهما حسن ". قلت: وفي الباب أيضًا عن وابِصةَ بن معبد. أخرجه ابن ماجه (١/٢٨٥) . وفيه ضعيف جدًا، وهو طلحة بن زيد؛ نسبه أحمد وعلي بن المديني إلى الوضع. وبالجملة؛ فالحديث بمجموع هذه الطرق صحيح ثابت.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
﴿وقال للمسيء صلاته:
" فإذا ركعتَ؛ فاجعلْ راحتَيْكَ على رُكْبتيك، وامْدُدْ ظهرك، ومكِّن
لركوعك " (١)﴾ .
و" كان لا يَصُبُّ رأسَه، ولا يُقْنعُ (٢)؛ ولكن بين ذلك " (٣) .
_________________
(١) ﴿[رواه] أحمد، وأبو داود بسندٍ صحيح. [وانظر تخريجه (ص ٥٥)]﴾ . (٢ و٣) هو من حديث أبي حميد الماضي: ثم يعتدل؛ فلا يصب رأسه ولا يقنع. ﴿ومعنى (لا يقنع) أي: لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره. " نهاية "﴾ . ورواه النسائي (١/١٥٩) بلفظ: كان إذا ركع؛ اعتدل. والبخاري: ثم هَصَر ظهره. بالهاء والصاد المهملة المفتوحين؛ أي: ثَنَاه في استواء من غير تقويس. ذكره الخطابي - كما في " الفتح " (٢/٢٤٥) -. ولمسلم وغيره عن عائشة: وكان إذا ركع؛ لم يُشْخِصْ رأسه، ولم يُصَوِّبه؛ ولكن بين ذلك. وفيه علة تقدم بيانها [ص ١٧٧ - ١٧٨] . قال في " نصب الراية " (١/٣٧٤): " وروى أبو العباس محمد بن إسحاق السراج في " مسنده ": ثنا الحسين بن علي بن يزيد: ثني أبي عن زكريا بن أبي زائدةَ عن أبي إسحاق عن البراء قال: كان النبي ﷺ إذا ركع؛ بسط ظهره، وإذا سجد؛ وجّه أصابعَه قِبَلَ القبلة ". انتهى. قلت: ومن طريق أبي العباس هذا أخرجه البيهقي (٢/١١٣) بزيادة: فتفاجَّ. وسنده صحيح - كما في " الدراية " (٧٩) -.
[ ٢ / ٦٣٩ ]