وكان يقول:
" إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه؛
فليضع يديه (١)، وإذا رفع؛ فليرفعهما " (٢) .
_________________
(١) الأمرين من السجود على الركب، أو على اليدين، ولعله لم يستحضر هذا النص حين كتابته الفتوى. والله أعلم.
(٢) على الأرض في سجوده، وأراد باليدين بطون الراحتين والأصابع. وفيه دليل على وجوب وضع الجبهة واليدين في السجود؛ للأمر بهما، كما يجب السجود على الأنف، والركبتين، والقدمين - كما يأتي -، وهو مذهب أكثر العلماء.
(٣) هو من حديث عبد الله بن عمر ﵁؛ رفعه (*) . أخرجه أبو داود (١/١٤٢) عن أحمد، وهو في " المسند " (٢/٦)، والنسائي (١/١٦٥)، ﴿وابن خزيمة (١/٧٩/٢) = [١/٣٢٠/٦٣٠]، والسراج﴾، والحاكم (١/٢٢٦)، وعنه البيهقي (٢/١٠١)، والمقدسي في " المختارة "؛ كلهم عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عنه رفعه. وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". وهو كما قال. وأقره الذهبي. ثم أخرجه البيهقي (٢/١٠٢)، ﴿والسراج﴾، والمقدسي من طريق وُهَيب: ثنا أيوب به، لكنه قال: عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: فذكره. وإسناده صحيح أيضًا. وقال البيهقي: " كذا قال، وروى إسماعيل ابن عُلَيَّة - هو: ابن إبراهيم - عن أيوب فقال: رفعه. ورواه حماد بن زيد عن أيوب موقوفًا على ابن عمر، ورواه ابن أبي ليلى عن نافع مرفوعًا ". (*) ﴿وهو مخرج في " الإرواء " (٣١٣)﴾ .
[ ٢ / ٧٢٥ ]
و" كان يعتمد على كفيه [ويبسطهما] " (١) . ويضم أصابعهما (٢)، ويوجهها
_________________
(١) هو من حديث البراء بن عازب قال: كان رسول الله ﷺ يسجد على أَلْيَتَيْ الكف. أخرجه الحاكم (١/٢٢٧)، وعنه البيهقي (٢/١٠٧)، وأحمد (٤/٢٩٥) عن الحسين بن واقد: ثني أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبِيعي قال: سمعت البراء يقول: فذكره. وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وليس كما قالا، وإنما هو على شرط مسلم فقط؛ فإن الحسين هذا إنما روى له البخاري تعليقًا. وقد أخرجه أبو داود (١/١٤٣)، والنسائي (١/١٦٦)، والبيهقي (٢/١١٥)، وأحمد (٤/٣٠٣) من طريق شَرِيك عن أبي إسحاق عنه؛ أنه وصف السجود قال: فبسط كفيه، ورفع عَجِيزته، وخَوَّى، وقال: هكذا سجد النبي ﷺ. زاد أبو داود والبيهقي عنه: واعتمد على ركبتيه. وإسناده حسن؛ كما قال النووي (٣/٤٣٥ - ٤٣٦) قال: " ورواه أبو حاتم ".
(٢) هو من حديث وائل بن حُجْر: أن النبي ﷺ كان إذا سجد؛ ضم أصابعه. أخرجه ﴿ابن خزيمة [١/٣٢٤/٦٤٢]﴾، والحاكم (١/٢٢٧)، والبيهقي (٢/١١٢) من طريق الحارث بن عبد الله بن إسماعيل بن عُقبة الخازن: ثنا هُشيم عن عاصم بن كُليب عن علقمة بن وائل بن حُجر عن أبيه. وقال الحاكم:
[ ٢ / ٧٢٦ ]
قِبَل القبلة (١) .
_________________
(١) " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. فوهما! وإنما هو إسناد حسن؛ فإن الحارث هذا ليس من رجال مسلم، بل ليس له ذكر في شيء من سائر الكتب الستة! وقد ترجمه في " الميزان " فقال: " صدوق. إلا أن ابن عدي قال في ترجمة شَرِيك: روى حديثًا. فقال: لعل البلاء من الخازن هذا ". قال الحافظ في " اللسان ": " وقد اعتمد ابن حبان في " صحيحه " على الحارث هذا، وذكره في " الثقات "، وقال: مستقيم الحديث ". اهـ. ولعل ابن حبان من طريقه أخرج الحديث في " صحيحه "؛ فقد قال الحافظ في " التلخيص " (٣/٤٧٥): " رواه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم ".
(٢) هو من حديث البراء قال: كان النبي ﷺ إذا ركع؛ بسط ظهره، وإذا سجد؛ وَجَّه أصابعه قِبَل القبلة؛ فتفاجَّ. أخرجه البيهقي من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عنه. وسنده صحيح - كما مضى في (الركوع) [ص ٦٣٩]-. ثم أخرجه البيهقي من طريق مَخْلَد بن مالك بن جابر: ثنا محمد بن سلمة عن الفَزَارِي عن أبي إسحاق به بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا سجد فوضع يديه بالأرض؛ استقبل بكفيه وأصابعه القبلة. وهذا سند رجاله رجال الستة؛ غير محمد بن سلمة هذا، ولعله الذي في " الميزان "، وفي " لسانه ": " محمد بن سلمة الشامي عن أبي إسحاق السبيعي وغيره: تركه ابن حبان، وقال:
[ ٢ / ٧٢٧ ]
_________________
(١) لا تحل الرواية عنه. ويقال له: النَّباتي ". بتقديم النون على الموحدة كما في " اللسان "، وبتقديم بالعكس في " الميزان ". لكن هذا الحديث رواه عن أبي إسحاق بواسطة الفزاري هذا، وكنيته: أبو إسحاق أيضًا، واسمه: إبراهيم بن محمد الكوفي الشامي المِصَّيصي. وقد عزاه إلى البيهقيِّ النوويُّ (٣/٤٣١)، وكذا الحافظ في " التلخيص " (٣/٤٧٥)، وسكتا عليه، ثم قال الحافظ: " وفي حديث أبي حُميد عند البخاري: فإذا سجد؛ وضع يديه - غير مفترش، ولا قابضَهما - إلى القبلة ". قلت: الحديث في البخاري (٢/٢٤٥) - كما قال -، لكن ليس فيه موضع الشاهد منه وهو قوله: (إلى القبلة) . وهو - أعني: الحافظ نفسه - لم يتعرض لها بذكر في شرحه " فتح الباري " على عادته في جمع ألفاظ الحديث! نعم؛ أخرج الحديث أبو داود (١/١١٧) بلفظ: ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابعه القبلة. فهذا بظاهره يدل أنه استقبل القبلة بأطراف أصابع يديه. لكن الحديث في البخاري، والبيهقي بلفظ: واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. فلعل لفظة: (الرجلين) سقطت من نسختنا من " السنن ". والله أعلم. ﴿وعند ابن أبي شيبة (١/٨٢/٢) والسراج توجيهُ الأصابع؛ من طريق آخر﴾ . ثم أخرج البيهقي فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: ثنا عبد الباقي بن قانع الحافظ:
[ ٢ / ٧٢٨ ]
و" كان يجعلهما حذو منكبيه " (١) . وأحيانًا " حذو أذنيه " (٢) .
_________________
(١) ثنا: الحسين بن أحمد بن منصور - سَجّادة - ثنا أبو مَعْمَر: ثنا أبو أُسامة عن مِسْعر (*) عن عثمان بن المغيرة عن سالم بن أبي الجعد عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: يُكره أن لا يميل بكفيه إلى القبلة إذا سجد. وهذا إسناد حسن. أبو عبد الله الحافظ هو: الإمام الحاكم صاحب " المستدرك ". وعبد الباقي بن قانع: ثقة، وتكلم فيه بعضهم، وله ترجمة في " تاريخ بغداد " [١١/٨٨ - ٨٩]، و" اللسان " وغيرهما. والحسين بن أحمد بن منصور ترجمه الخطيب أيضًا (٨/٣ - ٤)، ثم قال: " وكان لا بأس به ". وهو من شيوخ الطبراني، وقد روى له حديثًا في " المعجم الصغير " (ص ٧٨) . وبقية الرجال ثقات معروفون من رجال البخاري.
(٢) هو من حديث أبي حُميد الساعدي ﵁. وقد مضى قريبًا.
(٣) هو من حديث وائل بن حُجر ﵁ من طريق زائدة قال: ثنا عاصم ابن كُليب قال: ثني أبي عنه. وقد مضى بتمامه في (وضع اليُمنى على اليسرى) [ص ٢٠٩] . وكذلك رواه سفيان الثوري عن عاصم. أخرجه البيهقي (٢/١١٢)، والطحاوي (١/١٥١)، وأحمد (٤/٣١٧ و٣١٨) من طرق عنه. وقال وكيع عنه: سجد ويداه قريبتان من أذنيه. (*) ورواه ابن أبي شيبة (١/٢٣٧): ثنا يزيد بن هارون: أنا مِسْعَر به.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
_________________
(١) أخرجه البيهقي، وأحمد (٤/٣١٦) . والصواب عندي رواية الجماعة عنه؛ لموافقتها لرواية كل من رواه عن عاصم: ومنهم: بِشْر بن المُفَضَّل: عند أبي داود، والنسائي (١/١٨٦) . ومنهم: ابن إدريس: عند النسائي (١/١٦٦) . وخالد بن عبد الله: عند البيهقي (٢/١٣١) . ومنهم: زهير بن معاوية: عند أحمد (٤/٣١٨) . وأما رواية عبد الواحد بن زياد عن عاصم به بلفظ: حذو منكبيه - أخرجها البيهقي (٢/٧٢ و١١١) -؛ فهي رواية شاذة؛ كرواية وكيع عن سفيان. ويؤيد روايةَ الجماعة: روايةُ عبد الجبار بن وائل عن علقمة بن وائل ومولى لهم: أنهما حدثاه عن أبيه وائل: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة حيال أذنيه الحديث. وفي آخره: فلما سجد؛ سجد بين كفيه. أخرجه مسلم (٢/١٣)، وأحمد (٤/٣١٧ - ٣١٨)، والبيهقي (٢/٧١) . ويؤيد ذلك أن له شواهد من حديث البراء بن عازب، وأبي مسعود الأنصاري: أما الأول: فأخرجه الترمذي (٢/٦٠)، والطحاوي عن حفص بن غِيَاث عن الحجّاج عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء بن عازب: أين كان النبي ﷺ يضع وجهه إذا سجد؟ فقال: بين كفيه. وقال الترمذي: " حديث حسن ". وزاد في بعض النسخ:
[ ٢ / ٧٣٠ ]
و" كان يمكّن أنفه وجبهته من الأرض " (١) .
_________________
(١) " صحيح ". قال القاضي أحمد محمد شاكر: " وهي زيادة جيدة؛ لأن الحديث صحيحٌ إسنادُه، ولا أعرف له علة "! قلت: علته واضحة ظاهرة؛ فإن الحجاج هذا هو: ابن أرطاة، وقد كان مدلسًا، وقد عنعن الحديث، وفي حفظه ضعف، وفي " التقريب ": " صدوق كثير الخطأ والتدليس ". وأما حديث أبي مسعود البدري: فقال ابن أبي شيبة في " المصنف " - كما في " الجوهر النقي " -: ثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن سالم البَرَّاد قال: أتينا أبا مسعود الأنصاري في بيته فقلنا: عَلِّمْنا صلاة رسول الله ﷺ؟ فصلى، فلما سجد؛ وضع كفيه قريبًا من رأسه. قلت: وهو في " المسند " (٤/٢٧٤) من طريق أبي عَوَانة عن عطاء به دون قوله: قريبًا من رأسه. وكذلك أخرجه أبو داود عن جرير عنه. وقد مضى لفظه بتمامه في (الركوع) [ص ٦٣٤ - ٦٣٥] .
(٢) هو من حديث أبي حميد الساعدي ﵁. أخرجه الترمذي (٢/٥٩) - وصححه ﴿هو وابن الملقن (٢٧/٢)﴾ -، وأبو داود (١/١١٧)، والطحاوي (١/١٥١)، من طريق فُليَح بن سليمان: ثني عباس بن سهل عن أبي حميد به، وزاد: ونحّى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه.
[ ٢ / ٧٣١ ]
وقال (للمسيء صلاته):
" إذا سجدت؛ فَمَكِّن لسجودك " (١) .
_________________
(١) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في " صحيحه " - كما في " التلخيص " (٣/٤٧٣ و٤٧٥) -. ورواه البيهقي (٢/١٠٢) من طريق الليث بن سعد وابن لَهِيعة عن يزيد بن أبي حَبيب عن محمد بن عمرو بن حَلْحَلة عن محمد بن عمرو بن عطاء عنه بلفظ: فإذا سجد؛ أمكن الأرض بكفَّيه، وركبتيه، وصدور قدميه، ثم اطمأن ساجدًا. وهذا سند صحيح. ﴿وهو مخرج في " الإرواء " (٣٠٩)﴾ . وله شواهد: منها: عن وائل بن حُجر قال: رأيت رسول الله ﷺ يسجد على الأرض؛ واضعًا جبهته وأنفه في سجوده. أخرجه أحمد (٤/٣١٥ و٣١٧) . ورجاله ثقات؛ لكنه منقطع. ومنها: عن أبي جُحَيفة. انظر " المجمع " (١/١٢٦) .
(٢) هو من حديث ابن عباس، وهو في حديث رفاعة. رواه أبو داود وأحمد بسندٍ صحيح؛ وقد تقدم في (الركوع) [ص ٦٣٣] . وله شاهد من حديث ابن عمر. رواه " ابن حبان من حديث طلحة بن مُصَرِّف عن مجاهد عنه في حديث طويل. ورواه الطبراني من طريق ابن مجاهد عن أبيه به نحوه ". كذا في " التلخيص " (٣/٤٥١) . وقد ذكرناه هناك. والحديث فيه أنه لا يكفي في وضع الجبهة الإمساس؛ بل يجب أن يتحامل على
[ ٢ / ٧٣٢ ]
﴿وفي رواية:
" إذا أنت سجدت؛ فأمكنت وجهك ويديك؛ حتى يطمئن كل عظم
منك إلى موضعه " (١)﴾ . وكان يقول:
" لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين " (٢) .
_________________
(١) موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه حتى تستقر جبهته، بحيث إنه لو سجد على قطن أو حشيش أو شيء محشو بهما؛ وجب أن يتحامل حتى ينكبس ويظهر أثره على يدٍ لو فُرضت تحت ذلك المحشو. فإن لم يفعل؛ لم يجزئه - على الصحيح عند الشافعية -. وقال إمام الحرمين: " عندي أنه يكفي إرخاء رأسه، ولا حاجة إلى التحامل كيفما فُرض محلُّ السجود ". قال النووي (٣/٤٢٣): " والمذهب: الأولُ. وبه قطع الشيخ أبو محمد الجويني، وصاحب " التتمة " و" التهذيب ". قلت: وهذا هو الحق؛ فإن الذهاب إلى قول الإمام المذكور فيه إلغاء للتمكين المنصوص عليه في الحديث، وذا لا يجوز - كما هو ظاهر -.
(٢) ﴿[أخرجه] ابن خزيمة (١/٨٠/١) = [١/٣٢٢/٦٣٨] بسندٍ حسن. [وعنده: " فأثبتْ ".. بدل: " فأمكنْتَ "]﴾ .
(٣) هو من حديث عبد الله بن عباس ﵄. أخرجه الدارقطني (١٣٣)، وعنه البيهقي (٢/١٠٤)، والحاكم (١/٢٧٠) من طريق الجَرّاح بن مَخْلَد: ثنا أبو قُتيبة: ثنا سفيان الثوري: ثنا عاصم الأحول عن عكرمة عنه. ثم أخرجه الدارقطني من طريق الجراح هذا: ثنا أبو قُتيبة: ثنا شُعبة عن عاصم به. وأخرجه البيهقي من طريق سُليمان بن عبد الله الغَيْلاني: ثنا أبو قُتيبة مُسِلم بن قُتيبة: ثنا شعبة والثوري عن عاصم الأحول به. واللفظ له. وقال الحاكم:
[ ٢ / ٧٣٣ ]
_________________
(١) " صحيح على شرط البخاري ". وأقره الذهبي. وهو كما قالا؛ لكن أعله الدارقطني، والبيهقي، والترمذي بأنه مرسل. كذلك رواه سفيان الثوري قال: ثني عاصم الأحول عن عكرمة مرسلًا به. إلا أنه قد جاء عن عكرمة من طرق أخرى موصولًا؛ فيتقوى بها: فأخرجه الطبراني في " الكبير " ﴿(٣/١٤٠/١)﴾ قال: ثنا الحسن بن علي المَعْمَري: نا ابن عثمان بن كثير بن دينار الحِمصي - أظنه: يحيى -: نا محمد بن حِمْيَر عن الضحاك بن حُمْرة عن منصور عن عاصم البَجَلي عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: " من لم يُلزق أنفه مع جبهته بالأرض إذا سجد؛ لم تجز صلاته ". وهذا سند حسن لا بأس به في المتابعات، ورجاله صدوقون؛ غير الضحاك بن حُمْرة؛ فمختلف فيه، فضعّفه بعضهم، ووثقه آخرون. وفي " التقريب ": " ضعيف ". وقال شيخه الهيثمي في " المجمع " (٢/١٢٦) - بعد أن ساق الحديث -: " رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط "، ورجاله موثقون - وإن كان في بعضهم اختلاف من أجل التشيع - ". اهـ. ورواه حرب بن ميمون عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ: " ضع أنفك؛ ليسجد معك ". ذكره البيهقي. قلت: وهذا سند صحيح؛ إن كان مَن دون حرب بن ميمون ثقاتٍ (*) . (*) ثم وقف الشيخ ﵀ على إسناده كاملًا عند أبي نعيم في " أخبار أصبهان " (١/١٩٢ - ١٩٣)، فعزا إليه في " الصفة " المطبوع، وخرجه في " الصحيحة " كما سيأتي.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
و" كان يمكّن أيضًا ركبتيه، وأطراف قدميه، ١ [ويستقبل ٢ [بصدور قدميه و]
بأطراف أصابعهما القبلة] " (١)، و" ينصب رجليه " (٢)،
_________________
(١) ثم إن للحديث شواهدَ من حديث عائشة: عند الدارقطني، ومن حديث أم عطية: عند الطبراني؛ فمجموع هذه مما يقوي الحديث، ويوجب العمل به. وهو نص على بطلان الصلاة بترك وضع الأنف ومسه بالأرض. وقد سبق ذكر من ذهب إليه من الأئمة. ثم تبين أن (حرب بن ميمون) هو الأصغر، وهو ضعيف؛ كما بينه الخطيب البغدادي في " الموضح " (١/٩٨ - ٩٩)، وروى له هذا الحديث. وهو مخرج في " الصحيحة " (١٦٤٤) .
(٢) هو من حديث أبي حميد - وقد سبق قريبًا -، والزيادة ١ هي في رواية عنه. أخرجها البخاري (٢/٢٤٥)، وأبو داود (١/١١٧)، والبيهقي (٢/١١٦) . وفي الباب عن عائشة. ويأتي حديثها قريبًا [ص ٧٣٦] . ﴿وروى ابن سعد (٤/١٥٧) عن ابن عمر: أنه كان يحب أن يستقبل كل شيء منه القبلة إذا صلى؛ حتى كان يستقبل بإبهامه القبلة﴾ .
(٣) أورد البيهقي (٢/١١٦) في هذا الباب حديث أبي حميد الذي قبل هذا، وليس فيه التصريح بالنصب، ولكنه مفهوم من معنى ثني الأصابع، واستقبال القبلة بأطرافها؛ فإن هذا لا يمكن في وضع السجود إلا والقدمان منصوبتان، وقد جاء حديث صحيح صريح في ذلك من حديث عائشة ﵂ قالت: فقدتُ رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته؛ فوقعت يدي على بطن قدميه - وهو في المسجد - وهما منصوبَتان الحديث.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
و" أمر به " (١)، ﴿وكان يفتخ أصابعهما (٢)﴾، و" يرص عقبيه " (٣) .
_________________
(١) أخرجه مسلم وغيره. ﴿والزيادة ٢ عند النسائي من طريق ابن راهويه في " مسنده " (٤/١٢٩/٢)، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٨٢٣)﴾ . وقد ترجم له النسائي ببابين: الأول: (باب نصب القدمين في السجود)، والآخر: (باب الدعاء في السجود) . وسنذكر الحديث وتخريجه هناك [ص ٧٦٩] .
(٢) هو من حديث سعد بن أبي وقاص: أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين، ونصب القدمين. أخرجه الترمذي (٢/٦٧)، والحاكم (١/٢٧١)، والبيهقي (٢/١٠٧) من طريق وُهَيب عن محمد بن عجلان عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه به. وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. وليس كما قالا، وإنما هو حسن فقط. وأعله الترمذي بأن يحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الثقات رووه عن محمد ابن عجلان عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد به. ولم يذكروا فيه: عن أبيه. وقال: " وهذا أصح من حديث وهيب ". قلت: وهذه ليست بعلة قادحة؛ لأن وُهَيبًا هذا - وهو ابن خالد الباهِلي - ثقة ثبت - كما قال العجلي -، واحتج به الشيخان، وقد وصل الحديث بذكر سعد فيه، وهي زيادة من ثقة؛ فيجب قَبولها. كما تقرر. [وأخرجه ﴿السراج﴾ أيضًا] .
(٣) ﴿[أخرجه] أبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه. [و(يفتخ) - بالخاء المعجمة -؛ أي: يُليّنها حتى تنثني فيوجهها نحو القبلة. " المعالم " (١/١٦٩)]﴾ .
(٤) هو من حديث عائشة أيضًا قالت: فقدت رسول الله ﷺ - وكان معي على فراشي -؛ فوجدته ساجدًا، راصًّا عقبيه،
[ ٢ / ٧٣٦ ]
_________________
(١) مستقبلًا بأطراف أصابعه القبلة، فسمعته يقول: " أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، أثني عليك، لا أبلغ كل ما فيك ". فلما انصرف؛ قال: " يا عائشة! أخذك شيطانك؟ ". فقلت: أما لك شيطان؟ فقال: " ما من آدمي إلا له شيطان ". فقلت: وإياك يا رسول الله؟! قال: " وإياي، لكني أعانني الله عليه؛ فأسلم ". أخرجه الطحاوي في " المشكل " (١/٣٠)، ﴿وابن خزيمة (رقم ٦٥٤)﴾، والحاكم (١/٢٢٨)، وعنه البيهقي (٢/١١٦) عن سعيد ابن أبي مريم: أنبأ يحيى بن أيوب: ثني عُمارة بن غَزيَّة قال: سمعت أبا النضر يقول: سمعت عُروة بن الزبير يقول: قالت عائشة: . وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. ﴿وانظر " صحيح الموارد " (٤٠٦)﴾ . وأقول: إنما هو صحيح على شرط مسلم فقط؛ فإن البخاري لم يحتج بعُمارة هذا، وإنما استشهد به - كما ذكر ذلك الذهبي نفسه في " الميزان " -. والحديث رواه أيضًا ابن حبان؛ كما في " التلخيص " (٣/٤٧٥)، ثم قال الحافظ - بعد أن عزاه إليه وحده -: " إنها رواية صحيحة ". قلت: وأخرجه أحمد (٦/١١٥) من طريق أبي قُسَيط (*) عن عروة به - مختصرًا -؛ (*) كذا في أصل الشيخ ﵀؛ تبعًا لنسخته من " المسند "، والصواب: " ابن قسيط "؛ كما في " التهذيب " و" التقريب ".
[ ٢ / ٧٣٧ ]
وكان يرفع عجيزته (١) . (مُؤخَّره) .
فهذه سبعة أعضاء كان ﷺ يسجد عليها: الكفان، والركبتان،
والقدمان، والجبهة والأنف.
﴿وقد جعل ﷺ العضوين الأخيرين كعضو واحد في السجود﴾؛
حيث قال:
" أُمرت (٢) أن أسجد (وفي رواية: أُمرنا أن نسجد) على سبعةِ أَعْظُمٍ:
على الجبهة - وأشار بيده على أنفه (٣) -، واليدين (وفي لفظ: الكفَّين)،
_________________
(١) ليس فيه ذكر الصلاة مطلقًا.
(٢) هو من حديث البراء. وقد تقدم قريبًا (ص ٧٢٦) . في " النهاية ": " (العجيزة): العَجُز. وهي للمرأة خاصة فاستعارها للرجل. و(العجز): مؤخر الشيء ".
(٣) قال الحافظ: " هو بضم الهمزة في جميع الروايات بالبناء لما لم يسمَّ فاعله، والمراد به الله ﷻ ". ولما كانت الرواية الأولى تحتمل الخصوصية؛ عقبناها بهذه الرواية - تبعًا للبخاري -؛ فإنها تدل على أن الأمر لعموم الأمة - كما قال الحافظ -، ويشهد لذلك الحديث الذي بعد هذا؛ فإنه مطلق يشمل كل عبد.
(٤) قال الحافظ: " كأنه ضَمَّنَ (أشارَ) معنى (أَمَرَّ) - بتشديد الراء -؛ فلذلك عداه بـ (على)؛ دون (إلى) . وعند النسائي وغيره - كما تقدم -: قال ابن طاوس: ووضع يده على جبهته، وأَمَرَّها على أنفه. وقال: هذا واحد. فهذه رواية مفسرة. قال ابن دقيق العيد: قيل: معناه أنهما
[ ٢ / ٧٣٨ ]
_________________
(١) جُعلا كعضو واحد، وإلا؛ لكانت الأعضاء ثمانية. قال: وفيه نظر؛ لأنه يلزم منه أن يُكتفى بالسجود على الأنف، كما يكتفى بالسجود على بعض الجبهة. وقد احتج بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف قال: والحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة، وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد؛ فذاك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دل عليه الأمر. وأيضًا فإن الإشارة قد لا تعيق المشار إليه؛ فإنها إنما تتعلق بالجبهة لأجل العبادة، فإذا تقارب ما في الجبهة؛ أمكن أن لا يعين المشار إليه يقينًا. وأما العبارة؛ فإنها معينة لما وضعت له؛ فتقديمه أولى. انتهى. وما ذكره من جواز الاقتصار على بعض الجبهة؛ قال به كثير من الشافعية، وقد ألزمهم بعض الحنفية بما تقدم. ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده. وذهب الجمهور إلى أنه يجزئ على الجبهة وحدها. وعن الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب من المالكية وغيرهم: يجب أن يجمعهما. وهو قول للشافعي أيضًا ". قلت: وهذا هو الصواب - إن شاء الله تعالى -؛ للأمر بالسجود عليها، ومن ادعى أن الأمر بخصوص الأنف للاستحباب لا للوجوب؛ فهو مخالف لظاهر الحديث، ومطالب بالدليل، وأنى له ذلك؟! لكن كون ذلك قولًا للشافعي مما استغربه النووي في " المجموع " (٣/٤٢٤) قال: " وإن كان قويًا في الدليل. ثم قال ابن دقيق العيد: واحتج بعض الشافعية على أن الواجب الجبهة دون غيرها بحديث (المسيء صلاته)؛ حيث قال فيه: ويمكن جبهته. قال: وهذا غايته أنه مفهوم لَقَب، والمنطوق مقدم عليه، وليس هو من باب تخصيص العموم. قال: وأضعف من هذا استدلالهم بحديث: " سجد وجهي ". فإنه (لا) يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه، وأضعف منه قولهم: إن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة؛ لأن هذا الحديث يدل
[ ٢ / ٧٣٩ ]
والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفِت (١) الثياب والشعر " (٢) . وكان يقول:
_________________
(١) على إثبات زيادة على المسمى، وأضعف منه المعارضة بقياس شبهي؛ كأن يقال: أعضاء لا يجب كشفها؛ فلا يجب وضعها. قال: وظاهر الحديث أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء؛ لأن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها ".
(٢) بكسر الفاء من (الكفت)، وهو الضم (١)، والمراد أنه لا يجمع ثيابه، ولا شعره. وظاهره يقتضي أن النهي عنه في حال الصلاة، وإليه جنح الداودي، وترجم له البخاري (٢/٢٣٨) (باب لا يكف ثوبه في الصلاة) . ﴿قلت: وليس هذا النهي خاصًا بحال الصلاة؛ بل لو كف شعره وثوبه قبل الصلاة، ثم دخل فيها كذلك؛ شمله النهي عند جمهور العلماء، ويؤيده نهيه ﷺ أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره - كما يأتي -﴾ . قال الحافظ: " وهي تؤيد ذلك، ورده عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور؛ فإنهم كرهوا ذلك للمصلي، سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخل فيها، واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة. قيل: والحكمة في ذلك أنه إذا رفع ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض، أشبه المتكبر ".
(٣) هو من حديث ابن عباس ﵁. أخرجه البخاري (٢/٢٣٧)، ومسلم (٢/٥٢ - ٥٣)، ﴿وأبو عوانة [٢/١٨٣]﴾، والنسائي (١/١٦٦)، والدارمي (١/٣٠٢)، والبيهقي (٢/١٠٣)، وأحمد (١/٢٩٢ و٣٠٥)، والطبراني في " الكبير " [١٠٩٢٠]؛ كلهم من طريق وُهَيب بن خالد عن عبد الله ابن طاوس عن أبيه عنه.
(٤) ﴿إي: نضمها ونحميها من الانتشار؛ يريد: جمع الثوب والشعر باليدين عند الركوع والسجود. " نهاية "﴾ .
[ ٢ / ٧٤٠ ]
" إذا سجد العبد؛ سجد معه سبعة آراب (١): وجهه، وكفّاه، وركبتاه،
وقدماه " (٢) .
_________________
(١) وأخرجه ابن ماجه (١/٢٨٨)، وكذا مسلم، والنسائي أيضًا، والبيهقي من طريق ابن عيينة عن ابن طاوس به نحوه. وزادوا - إلا مسلمًا -: قال سفيان: قال لنا ابن طاوس - ووضع يده على جبهته، وأَمَرّها على أنفه؛ قال -: هذا واحد. لفظ النسائي. وقال الآخران: قال: وكان أبي يعدّ هذا واحدًا. ورواه ابن جريج عن ابن طاوس به؛ دون قول ابن طاوس هذا بلفظ: الجبهة والأنف. أخرجه مسلم، و﴿أبو عوانة [٢/٧٣ و١٨٢]﴾ والبيهقي، والنسائي (١/٦٦٥) . ورواه عمرو بن دينار عن طاوس. وأخرجه الطبراني في " الكبير " [١٠٨٦١] من طريق الحمادين عنه. وأخرجه البخاري (٢/٢٣٥ - ٢٣٦)، ومسلم أيضًا، واللفظ الآخر له؛ بدون ذكر الأنف. ورواه أبو داود (١/١٤٢)، والترمذي (٢/٦٢) وصححه، وكذا النسائي (١/١٦٧)، والدارمي، وابن ما جه، والطحاوي (١/١٥٠)، والطيالسي (٣٤٠)، وأحمد (١/٢٢١ و٢٧٠ و٢٧٩ و٢٨٦ و٣٢٤)، والطبراني [١٠٨٦٢]؛ مختصرًا - دون تسمية الأعضاء -. وهو رواية للبخاري، ومسلم، ﴿وأبي عوانة (٢/١٨٢)﴾، والرواية الأخرى للبخاري وكذا الطبراني [١٠٨٥٧]، وله عنده [١١١٨٠] طريق أخرى عن ليث (*) عن أبي الزبير عن عُبَيد بن عُمَيرعنه. ﴿وهو مخرج في " الإرواء " (٣١٠)﴾ .
(٢) أي أعضاء: جمع (إرْب) - بكسر الهمزة، وسكون الراء -.
(٣) هو من حديث العباس بن عبد المطلب. (*) كذا الأصل، والصواب: (حفص بن غياث) . والله أعلم.
[ ٢ / ٧٤١ ]
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/٢٠٧ - بشرح النووي)، وأبو داود (١/١٤٢)، والنسائي (١/١٦٥)، والترمذي (٢/٦١)، ﴿وابن حبان [٥/٢٤٨/١٩٢١]- مؤسسة﴾، والبيهقي (٢/١٠١)، وأحمد (١/٢٠٨)؛ كلهم عن قتيبة بن سعيد: ثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن محمد ابن إبراهيم عن عامر بن سعد عنه. وتابعه الليث بن سعد: عند النسائي (١/١٦٦)، والطحاوي (١/١٥٠)، وعبد العزيز ابن محمد الدَّرَاورْدي - عنده -، وعبد العزيز بن أبي حازم: عند ابن ماجه (١/٢٨٨)، وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن لهيعة: عند أحمد (١/٢٠٦)؛ كلهم عن ابن الهاد به. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". وقال ابن أبي حاتم في " العلل " (١/٧٥): " سألت أبي عن هذا الحديث؟ فقال: هو صحيح ". (تنبيه): إنما عزوت الحديث إلى " صحيح مسلم " بـ " شرح النووي "؛ لأنه ليس في النسخة التي ننقل منها عادة، والظاهر أنها النسخة التي كان ينقل منها الزيلعي في " نصب الراية "؛ فإنه لما ذكر الحديث (١/٣٨٣)؛ لم يعزه لمسلم، بل قال: " رواه أصحاب " السنن الأربعة "، وابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " المستدرك "، والبزار في " مسنده " ". وقد عزاه غير ما واحد لمسلم؛ منهم: البيهقي في " سننه "، والمَجْد ابن تيمية في " المنتقى "، والنابلسي في " الذخائر "، وغيرهم. وأما الحاكم؛ فإنه لم يروه بإسناده - كما هي عادته -؛ بل قال - بعد أن ساق الحديث المتقدم عن ابن عمر: إن اليدين تسجدان الحديث. -: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، إنما اتفقا على حديث محمد بن إبراهيم التيمي عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب:
[ ٢ / ٧٤٢ ]
وقال في رجل صلى ورأسه معقوص من ورائه:
" إنما مَثَلُ هذا مَثَلُ الذي يصلي وهو مكتوفٌ (١) " (٢) . وقال أيضًا:
" ذلك كِفْلُ الشيطان ". يعني: مقعد الشيطان. يعني: مغرز ضفره.
_________________
(١) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إذا سجد العبد " الحديث ". وقد وهم الحاكم في قوله أنه متفق عليه. وإنما هو من أفراد مسلم.
(٢) ﴿أي: مضفور ومفتول. قال ابن الأثير: " ومعنى الحديث: أنه إذا كان شعره منشورًا؛ سقط على الأرض عند السجود، فيُعطى صاحبُه ثوابَ السجود به. وإذا كان معقوصًا؛ صار في معنى ما لم يسجد. وشبهه بالمكتوف: وهو المشدود باليدين؛ لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود ". قلت: ويبدو أن الحكم خاص بالرجال دون النساء؛ كما نقله الشوكاني عن ابن العراقي﴾ .
(٣) هو من حديث عبد الله بن عباس: أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه؛ فقام فجعل يَحُلُّه، فلما انصرف؛ أقبل إلى ابن عباس، فقال: ما لك ورأسي؟! فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره. رواه مسلم (٢/٥٣)، ﴿وأبو عوانة [٢/٧٤]﴾، وأبو داود (١/١٠٥)، والنسائي (١/١٦٧)، والدارمي (١/٣٢٠)، والبيهقي (٢/١٠٨ - ١٠٩)؛ كلهم عن ابن وهب، إلا الدارمي؛ فعن بكر بن مضر؛ كلاهما عن عمرو بن الحارث: أن بُكيرًا حدثه: أن كُريبًا مولى ابن عباس حدثه عنه. وتابعهما ليث بن سعد، وزاد في السند: شعبة مولى ابن عباس؛ قرنه مع كُريب
[ ٢ / ٧٤٣ ]
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/٣١٦)، وتابعه عنه ابن لهيعة عن بكير عن كريب وحده، مقتصرًا على المرفوع منه. وفي الباب عن أبي رافع مولى النبي ﷺ: أنه مر بالحسن بن علي، وهو يصلي وقد عقص ضَفْرَته في قفاه؛ فَحَلّها، فالتفت إليه الحسن مغضبًا؛ فقال: أَقبِلْ على صلاتك، ولا تغضب؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ذلك كِفْلُ الشيطان ". أخرجه أبو داود، والترمذي (٢/٢٢٣)، ﴿وابن خزيمة في " صحيحه " [٢/١٥٨]- وعنه ابن حبان في " صحيحه " [رقم ٢٢٧٦ - الحِسَان]-﴾، والحاكم (١/٢٦٢)، والبيهقي من طريق ابن جريج: ثني عمران بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عن أبيه عنه. وقال الترمذي: " حديث حسن ". وقال المعلق عليه: " وإسناده صحيح ". كذا قالا، وكذا قال الحاكم. ووافقه الذهبي. وعمران بن موسى هذا: لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه غير ابن جريج، لكن أفاد الحاكم: أن إسماعيل ابن عُلَيّة روى عنه أيضًا. وفي " التقريب ": " مقبول ". وقال في " الفتح " (٢/٢٣٨): " إسناده جيد ". وليس بجيد؛ فإن المقبول عنده - كما قال في مقدمة " التقريب " -: " من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول حيث يتابع، وإلا؛ فلين الحديث ". فبما أن عمران هذا قد تفرد بهذا الحديث بهذا اللفظ؛ فهو لين الحديث، ضعيف.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
_________________
(١) نعم؛ رواه شعبة: أخبرني مُخَوَّل قال: سمعت أبا سعد - رجلًا من أهل المدينة - يقول: رأيت أبا رافع الحديث نحوه. بلفظ: وقال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره. أخرجه ابن ماجه (١/٣٢٣)، والدارمي (١/٣٢٠) . وتابعه سفيان الثوري عن مُخَوَّل؛ لكنه لم يُكْنِ الرجلَ. أخرجه أحمد (٦/٨ و٣٩١) . وسنده ضعيف؛ لجهالة الرجل الذي لم يسمَّ، وفي " الميزان ": " لا يعرف ". ثم استدركت؛ فقلت: أبو سعد المدني هو: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، نبه على ذلك ابن أبي حاتم؛ فقد قال في " العلل " (١/١٠٧): " سألت أبي عن حديث (١) رواه المؤمل بن إسماعيل عن الثوري عن مُخَوَّل عن سعيد المَقْبُري عن أم سلمة قالت: نهانا رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل ورأسه معقوص؟ قال أبي: إنما روي عن مُخَوّل عن أبي سعد (الأصل: أبي سعيد) عن أبي رافع. وكنية سعيد المقبري: أبو سعد، وأخطأ مؤمل؛ إنما الحديث عن أبي رافع ". وعليه؛ فعلته الانقطاع بين أبي رافع وأبي سعد - فقد قالوا بأنه لم يسمع من عائشة، وهي ماتت بعد أبي رافع بِزَمَانٍ -، ولعل بينهما أباه - أبا سعيد -؛ كما في رواية عمران بن موسى المتقدمة. والله أعلم.
(٢) رواه الطبرإني في " الكبير " عن أم سلمة؛ كما في " المجمع " (٢/٨٦) وقال: " ورجاله رجال " الصحيح " ". فهل هو من طريق أخرى؟ لأن المؤمل ليس من رجال " الصحيح ". [نعم؛ هو كذلك؛ فقد تابع مؤملًا - عنده - أبو حذيفة عن سفيان به. " الطبراني الكبير " (٢٣/٢٥٢/ رقم ٥١٢)] .
[ ٢ / ٧٤٥ ]
و" كان لا يفترش ذراعيه " (١)؛ بل كان ينهى عنه (٢)، و" كان يرفعهما
_________________
(١) ﴿وانظر " صحيح أبي داود " (٦٥٣)﴾ . قال الترمذي: " والعمل على هذا عند أهل العلم؛ كرهوا أن يصلي الرجل وهو معقوص شعره ". قال البيهقي: " وروينا كراهية ذلك عن عمر، وعلي، وحذيفة، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم ".
(٢) هو من حديث أبي حُمَيْد ﵁ بلفظ: فإذا سجد؛ وضع يديه، غير مفترش، ولا قابضَهما. أخرجه البخاري وغيره.
(٣) فيه أحاديث: منها: عن عائشة ﵂ بلفظ: وكان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع الحديث. وقد تقدم بتمامه في (التكبير) . وقد رواه مسلم وغيره. وهو مع ذلك معلل - كما سبق بيانه هناك [ص ١٧٧]-. ومنها: عن عبد الرحمن بن شِبْل قال: نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبُع، وأن يوطّن الرجل المكان في المسجد، كما يوطّن البعير. أخرجه أبو داود (١/١٣٨)، والنسائي (١/١٦٧)، والدارمي (١/٣٠٣)، وابن ماجه (١/٤٣٧)، والحاكم (١/٢٢٩)، والبيهقي (٢/١١٨)، وأحمد (٣/٤٢٨ و٤٤٤)؛ كلهم
[ ٢ / ٧٤٦ ]
ويباعدهما عن جنبيه حتى يبدو بياض إبطيه من ورائه (١) "،
_________________
(١) من طريق جعفر بن عبد الله بن الحكم عن تميم بن محمود عنه. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان في " صحيحيهما " - كما في " الترغيب " (١/١٨١) -. وفي صحة هذا الإسناد نظر؛ فإن تميم بن محمود هذا: قال البخاري: " فيه نظر ". وذكره العقيلي، والدولابي، وابن الجارود في (الضعفاء) . ووثقه ابن حبان فقط، وهو من تساهله المعروف. وفي " التقريب ": " فيه لين ". لكن الحديث له شاهد يقويه؛ وهو ما أخرجه أحمد (٥/٤٤٦ - ٤٤٧) قال: ثنا إسماعيل: أنا عثمان البَتِّي عن عبد الحميد بن سَلَمة عن أبيه: أن رسول الله ﷺ نهى عن نقرة الغراب الحديث بتمامه. وهذا مرسل. وعبد الحميد: مجهول - كما قال الدارقطني، وتبعه الحافظ في " التقريب " -.
(٢) هذه الصفة مما تواتر نقلها عنه ﷺ، رواها جمع من الصحابة ﵃:
(٣) عبد الله بن مالك ابن بُحَينة: أن النبي ﷺ كان إذا صلى؛ فرَّج بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه. أخرجه البخاري (٢/٢٣٤)، ومسلم (٢/٥٣)، والنسائي (١/١٦٦)، والطحاوي (١/١٣٦)، والبيهقي (٢/١١٤)، وأحمد (٥/٣٤٥) . وفي رواية له، وكذا مسلم بلفظ: كان إذا سجد؛ يُجَنِّح في سجوده. ولفظ الطحاوي: فرج بين ذراعيه وبين جنبيه.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
_________________
(١) ميمونة بنت الحارث ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سجد؛ خَوَّى بيديه - يعني: جنّح -، حتى يُرى وضحُ إبطيه مِن ورائه. أخرجه مسلم (٢/٥٤)، والنسائي (١/١٧٢)، والدارمي (١/٣٠٦)، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد (٦/٣٣٢ و٣٣٣ و٣٣٥) . زادوا - إلا الطحاوي وأحمد -: وإذا قعد؛ اطمأن على فخذه اليسرى. ولها حديث آخر؛ وهو الذي بعده [ص ٧٥٢] .
(٢) عبد الله بن عباس ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ من خلفه؛ فرأيت بياض إبطيه وهو مُجَخٍّ قد فرَّج بين يديه. أخرجه أبو داود (١/١٤٣)، والحاكم (١/٢٢٨)، وعنه البيهقي (٢/١١٥)، وأحمد (١/٢٩٢ و٣٠٢ و٣٠٥ و٣١٦ و٣١٧ و٣٣٩ و٣٥٤ و٣٦٢ و٣٦٥)، والطيالسي أيضًا (ص ٣٥٨)؛ كلهم عن أبي إسحاق عن التميمي الذي يحدث بالتفسير عنه. وهذا إسناد حسن. والتميمي اسمه: أَرْبِدة؛ بسكون الراء بعدها موحدة مكسورة، وهو صدوق - كما في " التقريب " -. وله طريق أخرى أخرجها الطيالسي (٣٥٦)، وأحمد (١/٣٢٠ و٣٣٣ و٣٥٢) عن ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس قال: رأى ابن عباس رجلًا ساجدًا قد ابتسط ذراعيه؛ فقال ابن عباس: هكذا يربض الكلب! رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد؛ رأيت بياض إبطيه. وهذا سند حسن أيضًا بما قبله.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
_________________
(١) البراء بن عازب قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى؛ جخَّ. أخرجه النسائي، والحاكم (١/٢٢٨) - وعنه البيهقي - من طريق النَّضْر بن شُمَيل: ثنا يونُس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عنه. وقال الحاكم: " صحيح على شرطهما ". ووافقه الذهبي. وصححه أيضًا النووي (٣/٤٣٩)، وأخرجه ابن خزيمة - كما في " التلخيص " (٣/٤٧٤) -. وتابعه أيوب بن جابر: عند الطيالسي (٩٨) . وشَرِيك: عند الطحاوي (١/١٣٦)، وأحمد. وقد مضى لفظه قريبًا [ص ٧٢٦] .
(٢) عبد الله بن أقرم قال: صليت مع رسول الله ﷺ؛ فكنت أرى عفرة إبطيه إذا سجد. أخرجه النسائي، والترمذي (٢/٦٢ - ٦٣)، وابن ماجه (١/٢٨٧)، والحاكم (١/٢٢٧)، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد (٤/٣٥) عن داود بن قيس قال: ثني عُبيد الله بن عبد الله بن أقرم الخُزاعي قال: ثني أبي به. وقال الحاكم: " صحيح ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا؛ فإن رجاله كلهم ثقات. وأما الترمذي؛ فقال: " حديث حسن "! فقصَّر.
(٣) أبو هريرة ﵁، وله عنه طرق: الأول: عن أبي مِجْلَز عن بَشِير بن نُهَيك عن أبي هريرة قال: لو كنت بين يدي رسول الله ﷺ؛ لأبصرت إبطيه. قال أبو مِجْلَز: كأنه قال ذلك لأنه في صلاة.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
_________________
(١) أخرجه النسائي. وسنده صحيح على شرط مسلم. الثاني: عن خالد بن يزيد عن عُبيدالله بن المغيرة عن أبي الهيثم عنه أنه قال: كأني أنظر إلى بياض كَشْحَي رسول الله وهو ساجد. أخرجه الطحاوي. وسنده صحيح أيضًا، وقال الهيثمي (٢/١٢٥): " رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله ثقات ". الثالث: عن عبد الواحد بن زياد: ثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصمّ عن عمه يزيد ابن الأصمّ عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا سجد؛ رؤي وضح إبطيه. أخرجه الحاكم (١/٢٢٨)، وقال: " صحيح على شرطهما ". ووافقه الذهبي. قلت: لكن أخرجه مسلم وغيره من طرق عن عبيد الله بن عبد الله عن عمه عن ميمونة - كما تقدم -؛ فلعل يزيد بن الأصم رواه عنها وعن أبي هريرة معًا، والا؛ فرواية الأكثرين أصح.
(٢) عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا سجد؛ جافى حتى يُرى بياض إبطيه. أخرجه الطحاوي، والبيهقي، وأحمد (٣/٢٩٤ - ٢٩٥)، والطبراني في " الصغير "
(٣) وفي " الكبير " و" الأوسط " أيضًا - كما في " المجمع " (٢/١٢٥) - من طريق مَعْمَر عن
[ ٢ / ٧٥٠ ]
_________________
(١) منصورعن سالم بن أبي الجعد عنه. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
(٢) عن أبي سعيد الخُدْري بلفظ حديث أبي هريرة الثاني. أخرجه الطحاوي، وأحمد (٣/١٥) من طريق ابن لَهيعة عن عبيد الله بن المغيرة عن أبي الهيثم عنه. وابن لهيعة: سيِّئ الحفظ، وقد خالفه من هو أوثق منه، وهو خالد بن يزيد؛ فجعله من (مسند أبي هريرة) - كما مر آنفًا -.
(٣) عَدي بن عميرة قال: كان النبي ﷺ إذا سجد؛ يُرى بياض إبطه. أخرجه أحمد (٤/١٩٣) عن معتمر بن سليمان قال: قرأت على الفُضَيل بن ميسرة قال: ثني أبو حَرِيز: أن قيس بن أبي حازم حدثه عنه. وهذا إسناد رجاله موثقون؛ لكن قال ابن المديني: " سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت للفضيل بن ميسرة: أحاديث أبي حَريز؟ قال: سمعتها، فذهب كتابي، فأخذته بعد ذلك من إنسان ". وقال الهيثمي: " رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله ثقات، وفي " الكبير " ". اهـ. فذهل عن كونه في " المسند "!
(٤) أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ. أخرجه أصحاب السنن وغيرهم - وقد مضى بتمامه في (الركوع) -، ورواه البخاري بلفظ: فإذا سجد؛ وضع يديه؛ غير مفترش، ولا قابضهما.
(٥) إبراهيم النَّخَعي مرسلًا؛ قال:
[ ٢ / ٧٥١ ]
و" حتى لو أن بَهمة (١) أرادت أن تمر تحت يديه؛ مرَّت " (٢) .
_________________
(١) بلغني أن النبي ﷺ كان إذا سجد؛ يُرى بياض إبطيه. أخرجه أحمد (١/٣٦٤) . وسنده صحيح. رجاله رجال الستة. وفي الباب عن أحمر. [وسيأتي ص ٧٥٣] . (فائدة): ليس فيه - كما قيل - دلالة على أنه لم يكن ﷺ لابسًا قميصًا؛ لأنه وإن كان لابسًا له؛ فإنه قد يبدو منه أطراف إبطيه، لأنها كانت أكمام قمصان ذلك العصر غير طويلة، فيمكن أن يُرى الإبط من كمها، ولا دلالة فيه على أنه لم يكن على إبطيه شعر - كما قيل -؛ لأنه يمكن أن المراد: يرى أطراف إبطيه لا باطنهما حيث الشعر؛ فإنه لا يُرى إلا بتكلف. وإن صح ما قيل أن من خواصه ﷺ: إنه ليس على إبطه شعر؛ فلا إشكال. كذا في " سبل السلام " (١/٢٥٧) .
(٢) كذا هو عند الجميع بفتح الباء؛ قال أهل اللغة: (البَهْمة): واحدة البهم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث، وجمع البهم: بهام - بكسر الباء -. وفي رواية الحاكم والبيهقي، وكذا الطبراني في " معجمه " - كما في " نصب الراية " (١/٣٨٧) -: بُهيمة. بالضم - مصغرًا -؛ قال الزيلعي: " وهو الصواب، وفتح الباء فيه خطأ ".
(٣) هو من حديث ميمونة بنت الحارث - زوج النبي ﷺ -: أن النبي ﷺ كان إذا سجد؛ جافى بين يديه حتى الحديث. أخرجه مسلم (٢/٥٣ - ٥٤)، وأبو داود (١/١٤٣)، والنسائي (١/١٦٦ - ١٦٧)،
[ ٢ / ٧٥٢ ]
وكان يبالغ في ذلك حتى قال بعض أصحابه (١):
_________________
(١) والدارمي (١/٣٠٦)، وابن ماجه (١/٢٨٧)، والحاكم (١/٢٢٨)، والبيهقي (٢/١١٤)، وأحمد (٦/٣٣١)؛ كلهم من طريق سفيان بن عُيينة عن عُبيد الله بن عبد الله عن عمه يزيد بن الأصم عنها به. وقد رواه غير سفيان عن عبيد الله بلفظ آخر، وقد ذكر في الحديث الذي قبله.
(٢) هو أحمر بن جَزْء - بفتح الجيم، بعدها زاي ساكنة، ثم همز -. أخرجه أبو داود (١/١٤٣)، وابن ماجه (١/٢٨٨)، والطحاوي (١/١٣٦)، والبيهقي (٢/١١٥)، وأحمد (٤/٣٤٢ و٥/٣٠)، والطبراني في " الكبير "، والضياء المقدسي في " المختارة "؛ كلهم عن عَبّاد بن راشد: ثنا الحسن: ثنا أحمر بن جَزْء به. وهذا إسناد حسن. وقال النووي (٣/٤٣٠): " إسناده صحيح ". وكذا قال في " الخلاصة " - كما في " الزيلعي " (١/٣٨٧) -. وصححه ابن دقيق العيد على شرط البخاري - كما في " التلخيص " (٣/٤٧٥) -. كذا قالوا! وعباد بن راشد: مختلف فيه؛ قال أحمد: " شيخ ثقة صدوق صالح ". وقال أبو حاتم: " صالح الحديث "، وأنكر على البخاري ذكره في " الضعفاء " وقال: "يُحَوَّل ". وقال أبو داود: " ضعيف ". والنسائي وابن البَرْقي: " ليس بالقوي ". وقال ابن حبان: " لا يحتج به ". ورد ذلك المقدسي بقوله: " وقد روى له البخاري في " صحيحه "، وهو أعلم ممن تكلم فيه ".
[ ٢ / ٧٥٣ ]
" إن كنا لنأوي (١) لرسول الله ﷺ؛ مما يُجافي بيديه عن جنبيه إذا
سجد ". وكان يأمر بذلك؛ فيقول:
" إذا سجدت؛ فضع كفيك، وارفع مرفقيك " (٢) . ويقول:
_________________
(١) قلت: وهذا الجواب ليس بشيء؛ لأمرين: الأول: أن البخاري لم يحتج به؛ بل روى له مقرونًا بغيره. الثاني: أن البخاري نفسه ممن تكلم فيه؛ حتى أنكر ذلك عليه أبو حاتم - كما مر آنفًا -. وفي " التقريب ": " صدوق له أوهام ". فغاية حديثه أن يكون حسنًا. نعم؛ تابعه عَبّاد بن ميسرة: أخرجه الطحاوي. وابن ميسرة هذا: حاله قريب من حال ابن راشد؛ وقد قال أحمد: " عباد بن راشد أثبت حديثًا من عباد بن ميسرة ". وقال ابن معين: " عباد بن ميسرة، وعباد بن راشد، وعباد بن كثير، وعباد بن منصور؛ كلهم حديثهم ليس بالقوي، ولكنه يكتب ". وفي " التقريب ": " لين الحديث ". اهـ. ولعله بهذه المتابعة يصير الحديث صحيحًا. والله أعلم.
(٢) ﴿أي: نَرْثي ونرِقّ﴾ .
(٣) هو من حديث البراء بن عازب ﵁. أخرجه مسلم (٢/٥٣)، ﴿وأبو عوانة [٢/١٨٣]﴾، والبيهقي (٢/١١٣)، والطيالسي
(٤) ، وأحمد (٤/٢٨٣ و٢٩٤) من طريق عُبيد الله بن إياد بن لَقِيط قال: ثني أبي عنه.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
" اعتدلوا في السجود (١)، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط (وفي
لفظ: كما يبسط) الكلب " (٢) . وفي لفظ آخر وحديث آخر:
_________________
(١) قال القاضي أبو بكر بن العربي في " عارضة الأحوذي " (٢/٧٥ - ٧٦): " أراد به كون السجود عدلًا باستواء الاعتماد على الرجلين، والركبتين، واليدين، والوجه، ولا يأخذ عضو من الاعتدال أكثر من الآخر. وبهذا يكون ممتثلًا لقوله: " أمرت بالسجود على سبعة أعظم ". وإذا فرش ذراعيه فَرْشَ الكلب؛ كان الاعتماد عليهما دون الوجه؛ فيسقط فرض الوجه ". انتهى. قلت: وهذا المعنى قد جاء منصوصًا عليه في حديث ابن عمر الآتي في الأصل: " فإنك إذا فعلت ذلك؛ سجد كل عضو منك معك ". وقد ذكر نحوه ابن دقيق العيد فقال: " لعل المراد بالاعتدال هنا: وضع هيئة السجود على وفق الأمر؛ لأن الاعتدال الحسي المطلوب في الركوع لا يتأتى هنا؛ فإنه هناك استواء الظهر، والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي. قال: وقد ذكر الحكم هنا مقرونًا بعلته؛ فإن التشبه بالأشياء الخسيسة يناسب تركه في الصلاة ". انتهى. والهيئة المنهي عنها أيضًا مشعرة بالتهاون وقلة الاعتناء بالصلاة. اهـ. من " فتح الباري " (٢/٢٤٠) . وقد قال الترمذي - بعد أن ساق الحديث -: " والعمل عليه عند أهل العلم؛ يختارون الاعتدال في السجود، ويكرهون الافتراش كافتراش السبُع ".
(٢) هو من حديث أنس ﵁. أخرجه البخاري (٢/٢٤٠)، ومسلم (٢/٥٣)، وأبو داود (١/١٤٣)، والنسائي (١/١٦٧)، والدارمي (١/٣٠٣)، والطيالسي (٢٦٦)، وعنه الترمذي (٢/٦٦) وصححه،
[ ٢ / ٧٥٥ ]
" ولا يفترش أحدكم ذراعيه افتراش الكلب ".
_________________
(١) وكذا البيهقي (٢/١١٣)، وأحمد (٣/١١٥ و١٧٧ و١٧٩ و٢٠٢ و٢٧٤ و٢٩١) من طرق عن شعبة قال: سمعت قتادة عنه. وقد صرح قتادة بسماعه من أنس: عند الدارمي، والترمذي، وأحمد في رواية. واللفظ الأول هو رواية لأحمد من طريق بهز عن شعبة. واللفظ الآخر هو لأبي داود من طريق مسلم بن إبراهيم عن شعبة. وكذلك رواه عبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " (٣/٢٧٩) عن شَرِيك عنه، وأحمد عن يزيد - هو: ابن هارون - عنه. وقد تابعه عن قتادةَ سعيدُ بنُ أبي عروبة. أخرجه ابن ماجه (١/٢٨٩)، والنسائي أيضًا. وهَمّام، ويزيد بن إبراهيم، وهشام: عند أحمد (٣/١٩١ و٢١٤) . وحُميد، وأيوب أبو العلاء القَصّاب - ولفظهما نحو لفظ مسلم بن إبراهيم - عن شعبة. أخرجه أحمد أيضًا (٣/١٠٩ و٢٣١)، والنسائي (١/١٦٦) عن أيوب. وله شاهد من حديث جابر مرفوعًا بلفظ: " إذا سجد أحدكم؛ فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب ". أخرجه الترمذي وصححه، وابن ماجه، وأحمد (٣/٣٠٥ و٣١٥ و٣٨٩) من طريق الأعمش عن أبي سفيان عنه. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وله في " المسند " (٣/٣٣٦) طريق آخر من رواية ابن لهيعة: ثنا أبو الزبير قال: سألت جابرًا ﵁ عن السجود؟ قال:
[ ٢ / ٧٥٦ ]
_________________
(١) سمعت رسول الله ﷺ يأمر أن يُعتَدل في السجود، ولا يسجد الرجل وهو باسط ذراعيه. وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد. وله شاهد آخر، وفيه زيادة غريبة. أخرجه أبو داود، والبيهقي (٢/١١٥) من طريق الليث عن دراج عن ابن حُجَيرة عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: " إذا سجد أحدكم؛ فلا يفترش يديه افتراش الكلب، وليضم فخذيه ". وعزاه الحافظ (٢/٢٣٤) لابن خزيمة، وسكت عليه. وما أرى إسناده يصح؛ فإن دراجًا هذا - وهو: أبو السمح المصري -: متكلم فيه، وقد ساق له ابن عدي أحاديث، وقال: " عامتها لا يتابع عليها ". وقد أورده الذهبي في " الميزان "، وحكى تضعيفه عن الأكثرين. والحاكم يصحح له كثيرًا في " مستدركه "، والذهبي يوافقه في بعض ذلك، وأحيانًا يتعقبه بقوله: " دراج: كثير المناكير ". ومن مناكيره عندي هذه الزيادة: " وليضم فخذيه ". فقد ثبت من فعله ﷺ خلافه (*) - كما يأتي قريبًا -. هذا، وفي الباب عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا - كما يأتي أيضًا -. (*) قال العظيم أبادي شارحًا قوله: " وليضم فخذيه ": " فيه أن المصلي يضم فخذيه في السجود. لكنه معارض بحديث أبي حميد في صفة صلاة رسول الله ﷺ، قال: إذا سجد فرَّج بين فخذيه وقوله: " فرَّج بين فخذيه ": فرق بينهما. قال الشوكاني: ولا خلاف في ذلك. (تنبيه): حسن الشيخ ﵀ - أخيرًا - حديث (دراج)؛ إلا ما كان من روايته عن أبي الهيثم. انظر " الصحيحة " (٣٣٥٠)، وحسن حديثه هذا في " صحيح أبي داود " (٨٣٧) .
[ ٢ / ٧٥٧ ]
وكان يقول:
" لا تبسط ذراعيك [بسط السبُع]، وادّعم على راحتيك (١)، وتجاف (٢)
عن ضَبْعيك (٣)؛ فإنك إذا فعلت ذلك؛ سجد كل عضو منك معك " (٤) .
_________________
(١) أي: استند عليهما.
(٢) هو من (الجفاء): البعد عن الشيء. يقال: جفاه؛ إذا بعد عنه، وأجفاه؛ إذا أبعده. " نهاية ".
(٣) تثنية ضبْع - بسكون الباء - وهو وسط العضُد. وقيل: هو ما تحت الإبط. ويقال للإبط: الضبع؛ للمجاورة. " نهاية ".
(٤) هو من حديث ابن عمر ﵁. أخرجه الحاكم (١/٢٢٧)، والضياء المقدسي في " المختارة " من طريق محمد بن إسحاق قال: ثني مِسْعَر بن كِدَام عن آدم بن علي البكري عنه. وقال: " صحيح ". ووافقه الذهبي. ورواه الطبراني في " الكبير " - كما في " المجمع " (٢/١٢٦)، وقال: " ورجاله ثقات " -، ومن طريقه الضياء المقدسي. وقال الحافظ في " الفتح " (٢/٢٣٤): " إسناده صحيح ". قال الزيلعي (١/٣٨٦): " هو في " مصنف عبد الرزاق " من كلام ابن عمر. قال: أخبرنا سفيان الثوري عن آدم بن علي البكري قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي لا أتجافى عن الأرض بذراعي؛ فقال: أيا ابن أخي! لا تبسط بسط السبُع، وادَّعم إلخ. ورفعه ابن حبان في " صحيحه " في (النوع الثامن والسبعين من القسم الأول) بلفظ: " وجاف عن ضبعيك ". ".
[ ٢ / ٧٥٨ ]
_________________
(١) والزيادة عنده، وكذا الطبراني، ورواه ابن خزيمة في " صحيحه " ﴿[١/٨٠/٢) = [١/٣٢٥/٦٤٥)﴾، وعنه المقدسي. وهذا الحديث، وحديث البراء الماضي يدلان على وجوب التفريج المذكور، لكن حديث أبي هريرة المذكور بعده، يدل على الاستحباب. كذا أطلق الحافظ في " الفتح " (٢/٢٣٤)، وأرى أن الصواب أن يقال: يجب التفريج؛ إلا إذا وجد مشقة منه؛ فيرخص حينئذٍ تركه، ويدل على هذا القيد عبارة ابن عجلان الآتية. فتأمل. (تنبيه): كان في المتن بعد قوله: " سجد كل عضو منك معك ": " ورخص في ترك التفريج: التجافي؛ إذا كان يشق على الساجد، وذلك حينما شكا أصحاب النبي ﷺ إليه مشقة السجود - عليهم - إذا تفرجوا. فقال: " استعينوا بالركب ". [قال ابن عجلان - أحد رواته -: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود وأعيا] ". وعلق الشيخ ﵀ عليه بقوله: " هو من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه أبو داود (١/١٤٣)، وعنه البيهقي (٢/١١٦ - ١١٧)، والترمذي عن قُتيبة (٢/٧٧)، والحاكم (١/٢٢٩)، وعنه البيهقي أيضًا عن شعيب بن الليث بن سعد، وأحمد (٢/٣٣٩ - ٣٤٠) عن يونُس؛ ثلاثتهم عن الليث عن ابن عجلان عن سُمَي عن أبي صالح عنه به. والزيادة لشعيب ويونس. وقد عزاها الحافظ في " الفتح " لأبي داود، وهو وهم! وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم "! ووافقه الذهبي! وهو وهم أيضًا؛ وإنما هو حديث حسن فقط، ليس صحيحًا، ولا على شرط مسلم - كما بيناه مرارًا -. وأما الترمذي؛ فأعلَّه بأن رواه سفيان بن عيينة وغيرُ واحد عن سُمي عن النعمان ابن أبي عَيّاش عن النبي ﷺ نحو هذا. ثم قال:
[ ٢ / ٧٥٩ ]